وقيل (ي): كفر التأويل أن يفعل المكلف أو يقول أو يترك ما هو معصية والدلالة القاطعة قاضية بأن تلك المعصية كفر وكان ذلك منه وهو غير عالم بكونها معصية بل لظنه الصواب في ذلك مع إقراره بالشهادتين وجملة الإسلام.
ومثال كفر التأويل عند مثبته القول بأنه تعالى فاعل الظلم والكذب والعبث فإنه ينقض ما علم ضرورة من الدين وهو أن الله تعالى لا يوصف بأنه ظالم ولا كاذب ولا عابث، وإن واصفه بذلك ومعتقده فيه كافر لكن القائل بذلك وهم المجبرة(1) لم يصفوه تعالى بهذه الأوصاف ولا أعتقدوها فيه وينكرون كون الوصف بأنه فاعل لتلك مماثلاً للوصف بأنه ظالم وكاذب وعابث لشبهة اقتضت عندهم اختلاف الوصفين وعدم تماثلها.
قوله: (فقال الجمهور: شيوخنا..) إلخ.
اعلم أن الخلاف في ثبوت كفر التأويل ونفيه متسع فالذي عليه أهل التحقيق من العدلية وهم أئمة الزيدية وجماهير المعتزلة النصرية والبغدادية ثبوت كفر التأويل وإن دخول التأويل في المذاهب لا يمنع من كونها كفراً وذهبت المجبرة على طبقاتهم كالأشعرية والكلابية والبخارية إلى منع الإكفار بالتأويل.
حكي عن الأشعري، أنه قال: اختلف الناس بعد نبيهم في أمور كثيرة من مسائل الديانة ضلل بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم من بعض لكن الإيمان بالله ورسوله يجمعهم ويعمهم.
__________
(1) ـ في (ب): الجبرية.

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام يحيى عليه السلام: وإلى هذا ذهب النظَّار من أصحابه كالجويني وأبي حامد العزالي وابن الخطيب الرازي وهو الرجل في الأشعرية فالأكثر منهم على هذه الحالة، وحكي عن بعضهم أنه كفَّر أصحابنا والمعتزلة في القول بأن المعدوم شيء وخلق القرآن وإنكار الرؤية، ومنهم من كفَّر المشبهة بالقول بالتشبيه، والقول بعدم الإكفار بالتأويل مذهب أبي حنيفة نقل عنه أنه لا يكفر أحداً من أهل القبلة، ومثله حكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة، وإلى نفي الإكفار بالتأويل ذهب المؤيد بالله والإمام يحيى بن حمزة وأبو الحسين وابن الملاحمي وأبو القاسم البستي هكذا حكى عنهم الإمام المهدي عليه السلام ذلك والذي ذكره الإمام يحيى في كتابه التحقيق أن المختار [عنده](1) أن الإكفار واقع مع التأويل كوقوعه مع التصريح لا محالة وأن التأول لا يمنع عن الإكفار إذاً لجاز في كل صاحب بدعة أن يكون معذوراً في بدعته بما يظهره من السنه فتأويله لا يعذره عن الإكفار بحال(2)، كما هو مذهب أئمة الزيدية والمعتزلة لكنا نقول إنما معنا في بعض الإكفارات بالتأويل لا(3) من أجل أن الإكفار لا مدخل له في التأويل [بل](4) لحصول الاحتمال في الدليل كما نقول في كفر المجبرة عند من لا يقول بإكفارهم فإنه لم يمنع منه بطلان القول بإكفار التأويل [بل](5) لأجل إيما يورد في إكفارهم فيه أحتمال لا يمكن القطع به.
قلت: ولا يبعد أن يكون هذا حقيقة ما ذهب إليه المؤيد بالله عليه السلام والبستي وأبو الحسين وابن الملاحمي إن لم يكن لهم نص صريح(6) على خلاف ذلك.
قوله: (وحكي عن الشافعي أنه قال: أنا لا أرد شهادة أهل الأهواء(7) إلا الخطابية).
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ في (ب): وبحال.
(3) ـ في (ب): إلا.
(4) ـ سقط من (ب).
(5) ـ سقط من (ب).
(6) ـ في (ب): تصريح.
(7) ـ في (ب): أهل لا إله إلا هو.

يعني: فهذه الحكاية تقضي بأنه لا يكفر أحداً من أهل الملة وليس رده لشهادة الخطابية من أجل تكفيرهم(1) بل لأستحلالهم الكذب فلا يوثق بهم.
قال الإمام يحيى: فأما مالك فلم أعرف له قولاً في الإكفار بالتأويل.
قوله: (وحكي عن الكرخي..) إلخ.
قد تقدم ما ذكره الإمام يحيى من حكاية أبي بكر الرازي عنه: أنه لا يكفِّر أحداً من أهل القبلة وصورة كلام الرازي المحكي عنه أن كل مذهب لأهل القبلة يوجب إكفار معتقديه لا يمنع من أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم لأنهم منسوبون إلى ملة الإسلام ومتولون لأهلها، وقد قال تعالى لليهود والنصارى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. فدل على أن من تولى ملة من الملل فهو منها فأخذ الإمام يحيى وغيره من هذا أنه يمنع التكفير.
وقال البستي: هذا القول يقتضي أنه يوجب تكفير بعض المختلفين من أهل القبلة في باب العقائد وإنما يمنع إجراء أحكام الكفر عليهم. وتابعه المصنف.
قوله: (بل يعتمدون على منشأته القرآن والسنة).
فيه نظر وكيف يعتمد أهل الملل الكفرية المخالفة لملة الإسلام على شيء من القرآن والسنة وهم ينفونها وينفون ما يتفرعان عليه، فإن احتج بها محتج منهم فما هو إلا من قبيل الإلزام.
قوله: (واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرها أصحابنا يمكن أن تعترض بوجه واحد..) إلخ.
__________
(1) ـ في (ب): كفرهم.

يمكن الجواب عنه بأن يقال: قد علمنا أن من صدَّق الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وكان على ما وصفت من كونه معتقداً للجملة المتقدم ذكرها إذا استحل الخمر كفر بالإجماع فدل على أن ذلك الإعتقاد لا يمنع من ثبوت الكفر وقد يجعل معنى هذا الجواب وجهاً مستقلاً تحريره أن يقال لمانع كفر التأويل ألست تسلم أن مستحل الخمر أو من سب الرسول عليه السلام يكفر وإن كان مقراً بالله ورسوله ونبوته ومصلياً(1) إلى قبلته ولا وجه لذلك إلا أنه صار باستحلال الخمر كالمكذب له وما لست مستخفاً به فلذلك كفر ولم يمنعه عن الكفر الإقرار بنبوته فكذلك سائر مسائل الإكفار بالتأويل حيث يعلم بالضرورة أنها تستلزم الكفر ونعود على تلك الجملة بالنقض.
قوله: (قالوا: قال عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس..)) إلى آخر الخبرين المذكورين تقرير احتجاجهم بهما أن قالوا ظاهر هذين الخبرين دال على أن من كان مقراً بالشهادتين ومصلياً إلى القبلة وآكلاً للذبيحة فإن حاله يخالف حال غيره ممن لا يكون على هذه الصفة ولن(2) يكون كذلك إلا بأن إكفارهم لا وجه له بحال لظهور الخصال الإسلامية في حقهم.
تنبيه
اعلم أن الحق في هذه المسألة ما ذكره الإمام يحيى من تجويز ثبوت كفر التأويل وأدلة المانعين له غير مفيدة لمنعه، والأدلة التي ذكرها الجمهور إنما تدل على أنه جائز لا مانع منه لا على ثبوته ووقوعه فالتحقيق أنه ينظر في أدلة مثبتيه الحاكمين به على المشبهة والمجبرة ونحوهم، فإن جمعت شروط القطع ووجدت مفيدة للعلم اليقين أعتمد عليها ورجع في ذلك إليها، وإن لم يحصل بها ذلك ولا أفادت الناظر فيها حصول العلم لم يتوجه الإقدام على التكفير بها وجوز في ذلك الخطأ أنه كفر وأنه ليس بكفر ومع ذلك يعامل أهل تلك المقالة معاملة المسلمين، لأن أصل الإسلام مقطوع به فيهم وهذا ما لا ينبغي العدول عنه، والله ولي التوفيق.
دقيقة:
__________
(1) ـ في (ب): وصلى.
(2) ـ في (ب): أن.

لا مانع من أن يوصل أدلة إكفار التأويل بعض النظار فيها إلى العلم ولا يوصل البعض الآخر فليس من حق كل دليل أن ينتهي الناظر فيه إلى العلم لأن للنظر المقتضي إلى العلم شروطاً قد يختل أو بعضها في حق بعض الناظرين ولا شبهة في ذلك.
إذا عرفت هذا صح أن يكون فرض زيد المحكم بالكفر في حق تلك الطوائف من المبتدعين، وفرض عمرو عدم الحكم بذلك حيث اقتضى بزيد نظره في دليل ذلك إلى العلم ولم يقض بعمرو نظره إلى ذلك ثم لا مانع من أن يكونا مصيبين غير آثمين، أما زيد فلا كلام لأنه أقدم عن حقيقة، وأما عمرو فلأن فرضه عدم الإقدام مع عدم العلم ولا يقال بل يكون إثماً لأنه مكلف بالعلم بذلك لأنا نقول: لا نسلم أن العلم بكفر المتأولين مما كلفنا به ومن ادعى بذلك فعليه الدليل وقد ذكر بعض أصحابنا أنه يجب النظر في كفر كفار التأويل كالمجبرة على من كان بالقرب من ديارهم فقط بحيث يتعلق به شيء من أحكامهم، ويحتاج إلى معرفة ما يحل له من ذلك ويحرم كمناكحتهم ومواريثهم والإقامة في دارهم إذ لا يجوز له التقليد في الأحكام التي تنبني على التكفير وعدمه.
تنبيه آخر:
ذكر الإمام المهدي عليه السلام أن المانع لكفر التأويل من حقه ألا يوجب علينا النظر في معرفة الكافر وتمييزه لقوله: إنه لا كفر بعد الإقرار بالشهادتين وتصديق الرسول عليه السلام وإذا لم يكن الكفر عنده إلا ما علم من الدين ضرورة أنه تكذيب للنبي أو نقل الإجماع المتواتر على أنه كفر أو علم من دين النبي ضرورة أنه كفر فمثل هذا لا نفتقر إلى نظر واستدلال.
فائدة:
مما ذكر الإمام(1) المهدي عليه السلام أن القول بكفر التأويل يستلزم تجويز التكفير بالالزام وإن لم يلتزمه الخصم وإن من منع كفر التأويل لم يصح عنده الإكفار بالإلزام إلا حيث يلتزمه الخصم.
__________
(1) ـ سقط من (ب): الإمام.

قلت: والظاهر خلاف ذلك فإن المجوزين لكفر التأويل نص أكثرهم على أنه لا تكفير(1) بالإلزام إذا لم يلتزمه الخصم.
تنبيه آخر:
اعلم أن القائلين بثبوت كفر التأويل المكفرين لبعض طوائف ملة(2) الإسلام كما يقوله الجمهور وأصحابنا في المشبهة والمجبرة ونحوهم اختلفوا في ثبوت أحكام الكفر لهم فحكى الشيخ أبو القاسم عن المعتزلة جميعاً أنه يجب استتابتهم ولا يصلى عليهم ولا تحل ذبيحتهم ولا مناكحتهم ولا مواريثهم والمشهور عن أبي علي والقاضي وجعفر بن مبشر: أن حكمهم حكم المرتدين.
وقال به من أهل البيت عليهم السلام القاسم وأبو طالب والجرجاني والمنصور بالله وهو الذي حصله السيد أبو طالب لمذهب الهادي عليه السلام وأسباطه وإليه مال الجمهور من المعتزلة واختاره المهدي عليه السلام، وقال ثمامة بن الأشرس: وهو أحد قولي الشيخ أبي هاشم أن حكمهم حكم الذميين. ونسب إلى الناصر عليه السلام: أن حكمهم حكم الحربيين.
وقال الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو الحسن الكرخي: بل تجري عليهم أحكام المسلمين في الدنيا. وإنما ثبتت لهم من أحكام الكفار استحقاق العقاب العظيم وقد أحتج المهدي عليه السلام بأنه إذا ثبت الكفر لزمت أحكامه قطعاً فيجب أن تجري عليهم كسائر الكفار وتكون ديارهم دار حرب ويعاملون معاملة الحربيين لا الذميين؛ لأن الأصل في الكفر عدم الذمة فإن نطقوا بالشهادتين قبل أن يظهر منهم شيء من الجبر والتشبيه حكم بإسلامهم ثم إذا أظهروا الجبر والتشبيه بعد ذلك فمرتدون تجري عليهم أحكام المرتدين فأما لو نطقوا بالشهادتين بعد إظهار الجبر والتشبيه لم يحكم بإسلامهم لأنهم يذهبون إلى الجمع بينهما.
قلت: ومذهب الشيخ أبي القاسم في كفار التأويل: وهو أنهم يعاملون معاملة المسلمين هو أقسط المذاهب فيهم(3) وأعدلها، والله أعلم.

فصول فيما كفَّر به أصحابنا أهل البدع.
__________
(1) ـ في (ب): أنه إلا لتكفير بالإلزام.
(2) ـ سقط من (ب): ملة.
(3) ـ سقط من (ب): فيهم.

هي سبعة فصول: الأول: في المشبهة. الثاني: فيما يكفِّر به أصحابنا المجبرة. الثالث: فيما ينفرد به بعض علمائهم من المقالات المنكرة. الرابع: في المرجئة. الخامس: في الخوارج. السادس: في الرافضة. السابع. في المقلدين على ما يأتي من التحقيق والتتفصيل.
فليس أصحابنا يحكمون بكفر كل من هذه الفرق مطلقاً بل فيهم من يحكمون بكفره وفيهم من يحكمون بعدم كفره وفيهم من يفصلون القول فيه، ووسط بين هذه الفصول فصلاً ثانياً في ذكر ما كفر به بعض المجبرة المعتزلة من الشبه ولم يتعرض المصنف لذكر المطرفية كما لم يتعرض له الإمام يحيى وقد بالغ كثير من أئمتنا وعلمائنا في تكفيرهم، حكى الفقيه حميد عن الإمام أحمد بن سليمان أنه جمع بينهم وبين فرق الكفر من غير فرق أهل القبلة.
وذكر الإمام المنصور بالله: إن الذي جحدوا من آي القرآن الصريحة التي لا تحتمل التأويل أربعمائة وسبع وثلاثون آية.
وقال في تعليق الشرح: ويلحق بكفر الكفرة الخارجين عن الإسلام كفر الباطنية والمطرفية وإن أظهروا الإقرار بالإسلام والشهادتين. ثم قال: أما المطرفية فلهم اعتقادات وأقوال قبيحة والمعلوم من ضرورة الدين خلافها كقولهم: إن الحوادث هذه المشاهدة كالحيوانات والنبات والأمطار وفروع العالم كلها ليست من فعل الله ولا بإختياره بل بفطرتها وطبعها وأنه تعالى ما خلق الحرشات المؤذية ولا يبتلي أحد من عباده وأنه عز وجل لو قدر عدمه لاستمر العالم على ما هو عليه من الحياة والموت والثبات والزيادة وسائر أوصافه وأنه تعالى غير رازق للعصاة ولا تفاضل بين عباده في الرزق.
قال: وكلما ذكروه من ذلك يعلم من ضرورة الدين خلافه فالشاك في كفرهم كالشاك في كفر الخارجين عن الإسلام؛ لأن أكثر أقوالهم أقبح وأشنع مما كفر به اليهود والنصارى.
قال: ويحتمل أن يكون من كفار الملة وهو الصحيح لإطلاقهم الشهادتين واعتقاد معناهما وإنما يكفرون بوجوه من وراء ذلك.

أولها: أنهم شدوا على أنفسهم العلم بالله تعالى لأن الطريق إلى إثباته الاستدلال بالحوادث التي هي الأجسام وما أشبهها وقد تقرر أنه لا يصح لهم الاستدلال بشيء من الأدلة على أن الأجسام محدثة، ولا على أن المحدث لا بد له من محدث؛ لأنهم(1) يجعلون المتعديات من فعل الله [تعالى وفيها ما هو قبيح فقد أضافوا إليه تعالى فعل القبيح وهو وصف بعض أوصافه وصف البعض إليه كفره](2) ولأنهم يثبتون لله تعالى أسماء قديمة [أربعين اسماً] (3) ويزعمون أن الاسم هو المسمى فقد أثبتوا معه تعالى قدماً ولردهم الآيات القرآنية المصرحة بخلاف ما ذهبوا إليه ولنسبتهم أكثر الحوادث إلى غير الله كالأولاد والثمار والنبات.
فصل: في المشبهة
اعلم أن التشبيه لغة: الحكم بتماثل أمرين غيرين فيما يرجع إلى ذاتيهما، كقولك: هذا الماء مثل هذا، أي هو مثله في جوهره وصفته أو في بعض الأوصاف العارضة لهما(4) كقولك: زيد مثل الأسد حكماً بتماثل صفة لهما عارضة وهي الشجاعة لا حكماً بالتماثل في الجوهرية والصفات الواجبة.
وأما معناه اصطلاحاً فهو: الحكم على الله بمماثلة الأجسام فيما هو من لوازم الجسمية كالتحيز والتأليف والكون في الجهة أو الإعراض في الحكم الملازم لها كالحلول في المتحيز(5)، وأما من اعتقد ما يقضي بتشبيه غير الله به كما تقوله المجبرة في إثبات المعاني القديمة وكما يقوله النظام في جعله الإنسان قادراً عالماً حياً لذاته فلا يسمى ـ في الاصطلاح ـ مشبهاً؛ لأن المشبه من أثبت لله تعالى صفة تختص المحدثات لا من عكس فإنما يحكم عليه بأنه كالتنويه وفي حكمهم وعلى هذا من وصف الله تعالى بأنه مشته أو متألم أو مسرور وأضداد هذه الصفات ونحو ذلك فهو مشبه.
__________
(1) ـ في (ب): ولأنهم.
(2) ـ ما بين المعكوفين سقط من (أ).
(3) ـ ما بين المعكوفين سقط من (ب).
(4) ـ في (ب): العارضة بهما.
(5) ـ في (ب): كالحول في التحيز.

قوله: (الذين اعتقدوا أن الله تعالى جسم طويل عريض عميق له أعضاء وجوارح وشكل وهيئة).
الأعضاء الأراب وأحدها عضو واحد الأراب أرب والجوارح هي الأعضاء التي تكسب بها كاليد، والشكل لغة المثل وهذا المعنى غير المقصود وإنما أراد به المتعارف في علم اللطيف وهي كيفية للجسم كالتدوير والتربيع مثلاً. والهيئة لغة: الشارة، والشارة هي: اللباس، وقد تستعمل في عرف المتكلمين مبعنى اللون ويفسرون اللون بها، وفي كلام المصنف ما يوهم أن المكفّرين(1) من المشبهة هم القائلون بتلك المقالة المخصوصة وليس كذلك فإنهم كل من اعتقد في الصانع(2) أنه جسم له لحم ودم أو صورة وله وجه كوجه الإنسان أو متحيز أو ذو أبعاض ومختص بجهة أو محل للحوادث أو يحل في الصور الحسنة أو أنه هواء أو أنه أجوف من فمه إلى صدره، ومصمت فيما عداه(3)، أو قال لا نهاية له من جهة الفوق أو زعم أنه يستر نفسه خمسة أستار أو أنه على صورة آدم وأنه ستون ذراعاً أو أن له وجهاً ويدين وعيناً أو أنه كالجزء الذي لا يتجزأ، أو قال أنه مستقر فوق العرش ولا يجلس عليه وأنه ينقل عليه حتى ثبط تحته من ثقله(4) أو اعتقد أن له رجلاً وساقاً.
قال الإمام يحيى: وأكثر هذه المقالات المستسخفة والجهالات المنكرة تحكى عن فرق الحشوية والروافض وطوائف من الملاحدة وأهل الزندقة وأفحشها محكي عن مقاتل بين سليمان وداود الحواربي وكل ذلك يدل على الوقاحة وعدم المبالاة فتعالى الله عن ذلك.
قال: وهذا هو صريح التشبيه وإن لم يكن هذا تشبيه فلا تشبيه هناك يعقل، والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة وأكثر الأشعرية إكفار هؤلاء المصرحين بهذه المقالة.
__________
(1) ـ في (ب): أن الكفر.
(2) ـ سقط من (ب): في الصانع.
(3) ـ في (ب): مصمت فيما مداه.
(4) ـ في (ب): حتى بسط لمحته من ثقله.

قلت: لأن كل من قال بهذه المقالة أو ببعضها مشبة لا محالة [ولا كلام أن المشبه لله بخلقة كافر بالضرورة من دين الأمة بل من دين الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم] والأمة(1) مجمعة على ذلك.
قال الإمام المهدي: حتى العنبر والجاحظ.
قلت: وإنما وقع خلاف في كفر هؤلاء؛ لأنهم لا يعترفون بالتشبيه ويتأولون ما قالوه بأنه غير تشبيه وإنما التشبيه أن يوصف الله تعالى بصفات النقص من الحدوث والعجز والحاجة.
قال المهدي عليه السلام: ولكنه يقال: إذا كنت تعترف لي باعتقاد كون الله مشبهاً لخلقه كفر وكذلك النطق به فكل تشبيه لله بخلقه يجب أن يكون كفراً إلا ما خصته دلالة تخرجه من هذا الإطلاق كوصفه تعالى بأنه موجود وقادر وعالم وغير ذلك من صفات الكمال الثابت(2) مجردها لغيره، والمخصص لذلك إجماع المسلمين على وجوب اعتقاد أنها ثابتة له تعالى بل علم ذلك من ضرورة الدين، ما عدا ذلك فهو كفر وإنكار الخصم لكونه كفراً لا يدفع عنه الكفر مع أنه لا بد له من الإعتراف بأنه تشبيه لله بخلقه وكونه تشبيهاً معلوم ضرورة.
قيل: ولم ينقل عن أحد من أهل البيت ولا من المعتزلة خلاف في كفر المشبهة.
قلت: وذلك لتفاحش مذاهبهم وكونها أدخل في الشناعة فلم يقع إكفارهم من الاختلاف ما وقع في إكفار المجبرة فذنبهم أقبح وجوابهم أوضح وأفصح.
قال الإمام يحيى: وإنما بدأنا بإكفار المشبهة؛ لأن كفرهم أغلظ لكونه متعلقاً بالذات وإكفار المجبرة متعلق بالأفعال ولأن كفر المشبهة المصرحين بالتشبيه إجماع بين الأمة وقد عكس الأسكافي فزعم أن الجبرية أعظم كفراً منهم لأن المجبر أضاف كل قبيح إلى الله ونابذ عن أرباب الكفر ودافع عن أهل الضلال وأهل مودة الشيطان وتراه يحتج على تراثهم ونفي الجرح عنهم.
قال: ولأنهم جاهلون بالله تعالى.
__________
(1) ـ في (ب): فالأمة. وما بين المعكوفين سقط من (ب).
(2) ـ في (ب): الثالث.

140 / 158
ع
En
A+
A-