النوع الثاني: ما هو من أفعال الجوارح كعبادة الأصنام والأوثان وقتل الأنبياء وهدم المساجد وتمزيق المصاحف وغير ذلك. وقد ذهب أهل التحقيق من الزيدية والمعتزلة والأشعرية إلى أن الإكفار يتعلق بأعمال الجوارح كما يتعلق بأفعال القول، وحكي عن الجهمية والإمامية أن أفعال الجوارح لا يتعلق بها الإكفار ولا مدخل لها فيه بناء منهم على أن الإيمان مقصور على المعرفة بالقلب لا غير وأن الكفر ما يناقضه من الجهل ونحوه فقط وهم محجوجون بما يعلم ضرورة من دينه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه من عبد الأصنام ونحو ذلك فهو كافر.
النوع الثالث: والمحققون على أن الإكفار متعلق بها وأنها صريحة فيه كما لو نطق مكلف بأن الله ثالث ثلاثة ونحوه وكَسَبِّ الأنبياء والملائكة وتكذيب الرسل، وقد خالف في ذلك الجهمية والإمامية كقولهم في أفعال الجوارح بناء على قاعدتهم تلك الفاسدة.
والحجة عليهم: هو ما تقدم، وقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}، ونحوها، وقوله: {ولقد قالوا كلمة الكفر}. وقد ذهبت طائفة من الكرامية إلى أن الإكفار مقصور على الأقوال وأنه لا مدخل له في الإعتقادات وغيرها. وفيما تقدم ما يرشد إلى بطلانه.
النوع الرابع: ما هو من قبيل التروك كترك النظر في معرفة الله تعالى وما يجب له من الصفات الإلهية وترك العلم بتصديق الرسل فإنه بمنزلة جحد الله تعالى وأعتقاد تكذيب أنبيائه إذ الكل فقد المعرفة بذلك.
هكذا قرره الإمام يحيى، قال: واعلم أن التاركين للنظر والمهملين لشرائعة فريقان:ـ
الأول: كفار بلا مرية، وهم أهل الحيرة(1) ومن قال بتكافي الأدلة ومن ذهب إلى التشكيك.
والفريق الثاني: من أنكر النظر وزعم أن المعارف كلها ضرورية ومع ذلك أتوا بالوحيد والإقرار بالنبوة وغيرها من المعارف كما هو محكي عن الجاحظ وتلميذه الأسواري وخلافهم يذكر مع خلاف أهل القبلة المتفقين على معرفة الصانع وتصديق الأنبياء.
__________
(1) ـ في (ب): أهل الحبرية.

قلت: فهذا هو التقسيم المستوفي في ذكر أنواع الكفر الجامع لأقسامه وضروبه ويأتي مثله في الفسق فمنه ما يتعلق بأعمال القلوب كَسَبِّ الأئمة وإسقاط منازلهم وما يكون من حط درجاتهم لأنعقاد الإجماع من جهة الأمة على ذلك فليسوا كغيرهم من أفناء الناس لأن الله تعالى قد رفع قدرهم وأعظم من حالهم وخصهم بما خص. هكذا ذكر الإمام يحيى وفيه نظر وكيف بمثل أعمال القلوب بالسب ونحوه وهو قول من فعل اللسان فالأولى التمثيل بما ينطوي عليه القلب من الأستخفاف والتهاون وأعتقاد سقوط منزلتهم وحساسية قدرهم والله أعلم.
ومنه: ما يتعلق بأعمال الجوارح كالزنا وشرب الخمر.
ومنه: ما يتعلق بأعمال اللسان كالقذف.
ومنه: ما يتعلق بالتروك كترك الصلاة والصوم.
واعلم أن الكلام في التفسيق مسالكه وتقسيماته وغير ذلك تأتي على نحو الكلام في الإكفار فهما أخوان في ذلك.

تقسيم آخر للكفر:
ينقسم إلى: مجمع عليه وهو ما كان كفر تصريح صدر من صاحبه عن جهة التمرد والمعاندة مع معرفته للحق فهذا لا خلاف بين المسلمين في كفر من صدر عنه وأنه يعاقب أعظم أنواع العقاب على جهة التأييد ومختلف فيه وهو ضربان:ـ
أحدهما: ما هو من كفر التصريح ولكن صدر من صاحبه لا على جهة التمرد بل مع أجتهاده في معرفة الحق وأستفراغ الوسع في النظر كالتهود والتنصر والتمجس حيث لا عناد ونحو ذلك، فأكثر الأمة على أنه كفر كالأول من غير فرق، وعن الجاحظ وعبيدالله بن الحسن العنبري أنه لا عقاب على أهل هذا الضرب وأنهم معذورون وهذا معنى قولهم: إن كل مجتهد مصيب. هكذا ذكر بعض أصحابنا.
وقال الفقيه حميد في العمدة: خلاف عبيدالله بن الحسن العنبري وقوله: إن الأختلاف في أصول الدين تجري مجرى الإختلاف في فروع الفقه إنما أرد بذلك الإختلاف بين أهل القبلة دون اليهود والنصارى بعيدة أن التشبيه والجبر وغير ذلك مما أشبهه من أنواع الإختلاف ليس فيه تضليل.

الضرب الثاني: كفر التأويل: وفيه خلاف شديد وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
قوله: (والضرب الأول خمسة أنواع..) إلى أخر ذكره لها.
اعلم أن المصنف ذكر هذه الأنواع بأعتبار العقائد ورتبها على ترتيب فن الكلام فقدم منها ما يتعلق بالتوحيد ثم بالتعديل ثم بالنبوآت وخلط كفار التصريح بكفار التأويل أعتباراً بالترتيب المذكور ولا بأس بما ذكره وأحسن منه أن يذكر الملل الكفرية وأهل الأديان المخالفة لدين الإسلام على إنفرادهم وكفار التأويل الداخلين في الملة الإسلامية على أنفرادهم.
أما القسم الأول: فهم خمسة أصناف:
الأول: المعطلة، والدهرية، والفلاسفة، ومنكروا الحقائق من أهل السفسطة.
الثاني: الملاحدة من ...... والمجوس والصابئة ومنهم الباطنية.
الثالث: عبدة الأوثان والأصنام والنجوم والأفلاك والنيران والجمادات والحيوانات.
الرابع: المنكرون للنبواءت كالبراهمة، والقائلين بالتناسخ.
الخامس: الكفار من أهل الكتب المنزلة كاليهود والنصارى.
قال الإمام يحيى: هذه معظم الفرق الخارجة عن الإسلام ويندرج تحت هؤلاء من الفرق والطوائف خلق عظيم.
وأما القسم الثاني: فهم سبعة أصناف: المطرفية والمشبهة والمجبرة والروافض والخوارج والمرجئة والمقلدة على أختلاف في إكفارهم ونزاع شديد في ذلك [و](1)على تفصيل في إجمالهم فإن كل فرقة ممن ذكر أقوالهم متفاوتة ومذاهبهم مختلفة بعضها أشنع من البعض الآخر، وإنما ذكرنا من رمي بالإكفار من ملل الإسلام وسيتضح الحق في ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (فإن ذلك كفر بنفسه وإن اعتقد خلاف ما أظهره لسانه).
__________
(1) ـ سقط من (ب).

يعني: سواء نطق بكلمة الكفر هازلاً أو جاداً لغير غرض أو لغرض كأن يريد إسقاط الواجبات التي لله عن ذمته إذ هي تسقط عن المرتد وكأن يريد فسخ النكاح وهذا مذهب كثير من المتكلمين كالشيخ أبي علي وعلماء العترة كالسيدين وأبي عبدالله الجرجاني، وخالف في ذلك أبو هاشم والأمير الحسين والإمام يحيى بن حمزة، ولا خلاف بينهم أنه لا يكفر بذلك عند الإكراه أو الحكاية له عن غيره واشترط الفقيه حميد أن يكون عالماً بمعنى كلامه.
احتج الجمهور بأن من سب الله أو وصفه(1) بالصاحبة والولد أو سب رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم وجحد ما أتى به من الشرائع فإنه لا خلاف بين الأمة في كفره وإن لم يعلموا كونه معتقداً لمعناه.
واحتج أبو هاشم بأنه لو كان كفراً بمجردة من دون قصد واعتقاد لما حسن إباحته عند الإكراه ومعلوم خلافه.
وأجبت: بأنه لا جمع بين المختار والمضطر بدليل أن ذلك يباح للمضطر [بلا كلام، ولا خلاف](2) في أنه لا يباح له النطق بكلمة الكفر في غير تلك الحال ولو(3) لم يقصد. وهل يجوز أن يقال إذا كان تناول مال الغير مباحاً عند الإكراه وجب أن يكون مباحاً عند الإختيار.
واحتج لمذهب أبي هاشم: بأن المتكلم من غير قصد واعتقاده لم يشرح بالكفر صدره وقد قال تعالى: {ولكن من شرح بالكفر صدراً}، ومعنى شرح الصدر بذلك اعتقاده والطمأنينة إليه.
قوله: (وكأن يعزم على شيء من هذه الأمور).
يعني: التي مرجعها إلى الاستخفاف.
واعلم أن الإرادة المتعلقة بفعل الكفر وكذلك الفسق من جملة أفعال القلوب التي يتعلق بها الإكفار والتفسيق، وهي تنقسم إلى عزم، وقصد، فالعزم ما تقدم، والقصد ما قارب، أما العزم فحيث يكون مشاركاً للمعزوم عليه في الوجه الذي لأجله صار كفراً أو فسقاً يكون حكمه حكمه اتفاقاً.
__________
(1) ـ في (ب): ووصفه.
(2) ـ في (ب): بلا خلاف، ولا خلاف.
(3) ـ في (ب): فلو.

مثال الأول: العزم على الاستخفاف بالله ورسوله، فإن هذا الاستخفاف كفر ومن عزم عليه فهو مستخف بقلبه فيكون حكم العزم كحكمه.
ومثال الثاني: العزم على الاستخفاف بالإمام العادل كأن يعزم على سَبِّهِ أو ضربه فالعزم نفسه استخفاف به فيكون فسقاً كالمعزوم عليه، وإن كان العزم [غير](1) مشارك للمعزوم في الوجه الذي لأجله كان كفراً أو فسقاً كالعزم على عبادة الأصنام أو الزنا فهذا محل الخلاف.
قوله: (فقال أبو هاشم وأبو عبدالله والسيد المؤيد بالله: لا يكون كفراً بمجرده).
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العدل واختاره الإمام يحيى، وله(2) حجتان:ـ
أحدهما: أن الكفر إنما كان كفراً لتفاحشه، وهكذا حال الفسق وهما إنما تفاحشا لوجه وقعا عليه، فإذا لم يشاركهما العزم في ذلك الوجه لم يجعل كفراً ولا فسقاً.
الحجة الثانية: أن الشرع لم يثبت للعزم هذا الوصف إلا لأجل مخالطته المعزوم عليه ومماسَّته له وهذه المخالطة والمماسة لا تكون إلا بالمشاركة في الوجه إذ لا يعقل سوى ذلك فإذا لم يكن العزم مشاركاً للمعزوم عليه في الوجه لم يكن له حكمه من كفر أو فسق كما لو عزم على كلمة الكفر فإنها إنما كانت كفراً لأن مدلوها يبطل التوحيد والعزم ليس كذلك، وكذلك العزم على الزنا فإنه ليس بزنىً ولا يتفاحش كتفاحشه.
واحتج أبو هاشم أيضاً: بأنه لا بد أن يتخط العزم عن درجة المعزوم عليه في الثواب فكذلك(3) في العقاب كما لو أن الإنسان عزم ووطن نفسه على أنه إن بعث نبياً يحمل الرسالة(4) وأداها فمن المعلوم أنه لا يكون ثوابه كثواب المبعوث فكذلك العقاب.
قوله: (وقال أبو علي وأبو الهذيل والكعبي: وحكي عن واصل أنه يكون كفراً).
وخرجه السيد المؤيد بالله للقاسم والهادي عليهما السلام، ولهم على ذلك حجتان:ـ
الحجة الأولى: ما ذكره في المتن.
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ في (أ): ولهم.
(3) ـ في (ب): وكذلك.
(4) ـ في (ب): أنه بعث نبياً لحمل الرسالة.

الحجة الثانية: أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة والتابعين على أن حكم العزم تابع للمعزوم عليه في الكفر والفسق.
قلت: وهما حجتان واهيتان.
أما الأولى فليس في كون الإرادة تابعة للفعل غير مستقلة بنفسها ما يوجب كون حكمها كحكمه في ثبوت الكفر والفسق ولا يوجب ذلك ظناً، فكيف بالقطع ومراد المتكلمين بكونها تابعة للفعل أنه ما دعا إلى الفعل دعا إليها وليس فيها غرض يخصها على انفرادها، فأين هذا من ذاك؟.
وأما الثانية: فدعوى الإجماع في ذلك دعوى فارغة وما هي ونحوها إلا من قبيل الزعمات التي لا تعويل عليها ولا التفات.
قوله: (لأن الظاهر من حال الصحابة..) إلى آخره.
أوضح من هذا أن يقال: لأنه لا دليل قاطع على أن العزم الذي حاله ما ذكر حكمه حكم المعزوم عليه والأصل عدمه والإكفار والتفسيق لا يتسنيان إلا بالأدلة القاطعة.
قوله: (ولا يمتنع أن يكون هذا من خصائص أمة محمد عليه السلام يقال: لا يثبت أنه من خصائصهم إلا بعد أن يثبت كون من قبلهم من الأمم على خلاف ذلك ولا دليل عليه وأما الإرادة المتعلقة بالفعل التي هي قصد لمقاربتها له.
قال الإمام يحيى: فقد يكون كفراً كأن يريد بسجوده عبادة الشيطان أو الأوثان فهذا السجود إنما كان كفراً لأجل الإرادة لأنه لو خلى عن الإرادة لم يكن كفرا. انتهى.
قلت: أراد عليه السلام فمن التعبد إرادة تقتضي كون الفعل كفراً ولا تكون هي كفراً في نفسها.
فائدة:
قد سبق فيما ذكر أنا(1) مكلفون متعبدون بمعرفة مسائل الإكفار والتفسيق لما يترتب عليهما من الأحكام التي تعبدنا بها، فما يكون حكم الشاك في كفر الكافر والذي حصله أصحابنا أن الشاك في كفر من هو خارج عن الإسلام كاليهود والنصارى وعبدة الأوثان لا إشكال في كفره لردة ما علم من ضرورة الدين وما نطق به القرآن المبين ولا تختلف الأمة في ذلك.
__________
(1) ـ في (ب): فيما ذكرنا.

قيل (ي): ويلحق بما ذكر الشك(1) في كفر الباطنية والمطرفية وإن أظهروا الإقرار بالإسلام والشهادتين، أما الباطنية فلأن اعتقادهم يؤول إلى اعتقاد الملحدة في نفي الصانع والنبواءت، وأما المطرفية فلأن لهم اعتقادات مخالفة لما علم من ضرورة الدين، وقول هاتين الفرقتين أقبح وأشنع مما كفر به اليهود والنصارى.
وأما كفار التأويل من أهل القبلة الذين يدينون بإثبات الصانع ونبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظاهراً وباطناً فقد اختلف في حكم الشاك في كفرهم، فالمحققون وجمهور المتكلمين كأبي هاشم وأتباعه أن من شك في نحو كفر المجبرة مع اعتقاده لخطائهم(2) وإثمهم فيما ذهبوا إليه، وإنما شك في هل خطأهم يبلغ بهم الكفر أم لا لعدم ظفره بدلالة قاطعة في ذلك فإنه لا يكفر وإن شك في هل أصابوا في اعتقادهم أو أخطأوا فكافر؛ لأنه شاك في إصابة من أضاف القبيح إلى الله تعالى، وكذلك حكم الشك في كفر المشبهة، وهذا هو المحصل من كلام الشيخ أبي علي، ونسب إليه أن الشاك في كفر المجبر ونحوه كافر، وكذلك الشاك في كفر الشاك.
وقال الأسكافي: الشاك في كفرهم كافر، وكذلك الشاك في الشاك، والشاك في الشاك في الشاك إلى ثلاثة، وقيل كذلك إلى أربعة.
__________
(1) ـ في (ب): الشاك.
(2) ـ في (ب): لخطاهم.

قلت: القول بكفر الشاك في كفر كفار التأويل من المذاهب السبعة التي لا وجه لها ولا ينبغي التجاسر عليها فالقول بذلك إقدام وجرأة على تكفير كثير من أئمة المسلمين وشموس الملة ـ فنعوذ بالله من الغلو ـ، ولا نعلم لأهل هذا القول حجة ولا شبهة يلتبس الحال فيها و ـ كذلك ـ لا دليل على أن الشاك في إصابتهم وخطائهم كافر وإن كان ذلك خطأ، وقد صرح بعدم تكفيره المهدي عليه السلام؛ لأنه لا يجب على المكلف إلا أن يكون اعتقاده موافقاً للحق، وأما التعريض لمخالفه وحكمه وهل يكون كافراً أم مخطئاً فقط إذ لا يجب(1) التعرض لتكفير الغير أو تفسيقه إلا حيث عليه تكاليف يتعلق بذلك الغير، والذي ذكره أبو علي في توجبه ما قال به من كفر الشاك واعتذر به في مقالته هذه الركيكة أن الشاك في كفر المجبرة شاك في حكمة الله والشك(2) في حكم الله كفر.
قال الإمام يحيى: وهذا خطأ؛ لأنه يمكن أن يقطع بحكم الله تعالى لقيام البرهان القاطع عليها ويشك في كفر المجبرة لعدم الدلالة عليه فأين أحدهما من الآخر.
فصل:
اعلم أنه قد تقرر بضرورة الدين جملة لا يمكن أحد من أهل الملة إنكارها.
قوله: (ولا خلاف بين المسلمين في(3) كفر من خالف شيئاً من هذه الجملة).
__________
(1) ـ في (أ): فقط فلا إذ لا يجب.
(2) ـ في (ب): والشاك.
(3) ـ في (ب): من.

فيه نظر لأنه عدَّ منها نفي التشبيه، والخلاف بين المسلمين في كفر المشبهة واضح، وعدَّ منها مسألة سميع بصير مدرك، وفي هذه الصفات خلاف بين علماء الإسلام، إلا أن يقصد إطلاق هذه الأسماء فلعل ذلك مما لا خلاف فيه، وكذلك إن قصد بالخلاف في التشبيه أن يذهب ذاهب إلى أن الله يشبه خلقه فإن ذلك كفر صريح لا خلاف فيه كما ذكره؛ لأن المعلوم ضرورة من دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه الله تعالى لا يشبه خلقه ففيه تكذيب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأما من قال: إن الله جسم ذو أعضاء وجوارح ونفى التشبيه وزعم أن ذلك ليس منه وأن التشبيه المحرم الذي علم ضرورة منه صلى اللّه عليه وآله وسلم نفيه تشبيه الله(1) بخلقه في صفات النقص كالحدوث والموت والتألم، فهذا متأول كفره محل الخلاف.
قوله: (وإنما وقع الاشتباه فيمن يذهب من أهل القبلة مذهباً خطأ..) إلخ.
اعلم أن الذي يذكر الآن من الكلام في كفر التأويل هو السر في هذا الباب واللباب لذوي الأفهام والألباب، وهو الذي اشتد فيه النزاع، واصطكت فيه الركب المفتقر إلى كثرة التثبت والتحرز عن الأوهام والتهافت في الإقدام فإنه مزلة للأقدام.
وقوله: (نعود بالبعض على شيء من هذه الجملة).
أراد: فلا نعتقد أن كل خطأ في المسائل الخلافية مما ألحق فيه واحد وقع على سبيل التأويل فهو كفر على الإطلاق، وأن هذا غير صحيح بل في المذاهب التي اعتقدها أهل القبلة وأخطأوا فيها ما يكون خطأ غير معدود في إكفار التأويل، ومنها ما هو معدود منه فقصد المصنف التمييز بينهما بأن ما كان من الخطأ يعود بالنقض على شيء من تلك الجملة فهو كفر التأويل المختلف فيه وما لا فلا.
__________
(1) ـ في (ب): الله تعالى.

قال الإمام يحيى: التمييز بين الخطأ بأن يقال: ما كان يبطل طريق العلم بالصانع فهو كفر كاعتقاد قدم الأجسام فإنه لا طريق لنا إلى إثبات الصانع إلا بواسطة حدوثها، وما ناقض المعرفة فهو كفر، وكذا ما كان مبطلاً للقادرية كاعتقاد أنه لا يصح منه الفعل أو أنه موجب بالذات أو للعالمية كالقول بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات وأن يعتقد ما يناقض الحكمة كأن يضيف إليه تعالى فعل القبيح مع اعتقاده لقبحه وكونه نقصاً أو يعتقد أنه يظهر المعجزة على الكذابين أو يعتقد أن الرسول ليس صادقاً وأن المعجز ليس فيه دلالة على الصدق.
قلت: وكلام الإمام عليه السلام هذا غير محكم لأنه أورده تمثيلاً للخطأ الذي هو كفر تأويل وهذه العقائد الفاسدة التي عدها من قبيل الكفر الصريح.
تنبيه:
أقاويل أصحابنا في تفسير كفر التأويل لا يخلو عن اختلاف وانضراب وهو من المعاني العويصة وقد فهم تفسير مفيد(1) المصنف.
من ضمن قوله: (وإنما وقع الاشتباه(2)..) إلخ.
فحاصله أنه عنده كل مذهب لأهل القبلة خطأ يعود بالنقض على شيء من تلك الجملة التي ذكرها مع تأوله بما يوافقها وقد عرفت ما حكيناه من تفسير الإمام يحيى له.
وقيل: هو ارتكاب ما يماثل شيئاً من الأمور التي انطوت عليها حقيقة الكفر المتقدمة مع مناكرة المرتكب له في المماثلة بينهما لشبهة يزعم أنها تقتضي ذلك فما هذا حاله يسمى كفر التأويل والقائل به كافر التأويل وإنما سمي بذلك لأنه آل مذهبه إلى الكفر ولم يكن من ابتدائه كفر ككفر التصريح.
قلت: الحقيقة المشار إليها هو قوله: (الخلو عن معرفة الله أو نبوة نبيه..) إلخ.
وقوله: (إن تسميته كفر التأويل من آل).
غير مستقيم بل من أوَّل وتأوَّل بمعنى أنه لم يقدم على ذلك جرأة، وإنما هو لتأوله مذهبه بأنه غير مماثل للكفر الصريح وأنه موافق للأصول.
__________
(1) ـ في (ب): تفسيره عند المصنف.
(2) ـ في (ب): الاستثناء.

139 / 158
ع
En
A+
A-