وحده الإمام المهدي [عليه السلام](1) بأنه الخلو عن معرفة الله أو نبوة نبيه أو الاستخفاف بالله أو نبيه أو بشيء مما جاء به أو تكذيبه في شيء مما علم ضرورة أنه جاء به بقول أو فعل أو اعتقاد أو تعظيم غير الله كتعظيمه أو الدخول في السعار المختص بمن هو كذلك جزاءه وتمرداً.
قوله: (واختلفوا في: هل يجوز ثبوت كفر في معلوم الله ولا يدلنا عليه).
يعني: مما لم يأمر الله بقتل مرتكبه ولا نصب عليه دلالة.
قال الإمام يحيى: قد انعقد الإجماع على أن كل كفر أمر الله بقتل مرتكبه وجعل القتل حداً في حقه فإنه لا بد أن يكون معلوماً في نفسه بأدلة شرعية ليصح إجراء القتل عليه، ولو جوزنا كفراً لا دليل عليه وقد أوجب الشرع قتل مرتكبه لكان ذلك تكليفاً بما ليس في الوسع فلا يجوز إتيانه بحال.
قوله: (وأجازه أبو الحسين..) إلى آخره.
وكذلك أبو القاسم البلخي والقاضي الكني.
قوله: (أليس يجوز أن يبطن الإنسان ما هو كفر).
لا خلاف في هذا فإنهم متفقون على أنه يجوز صدور المعصية التي هي كفر وكذلك غير الكفر من المكلف، ولا تقوم دلالة على أنها صدرت منه وسواء كان ذلك من أفعال القلوب أو أفعال الجوارح.
قوله: (ومتى قيل لهم أليس يجوز ثبوت فسق لا دليل عليه..) إلى آخره.
قد أجاب المصنف عن هذا السؤال بما يذكره الأصحاب.
قال الإمام المهدي عليه السلام: والأولى في الجواب أن يقال: إنا وإن سلمنا أن للفسق أحكاماً مخصوصة كالكفر فيشاركه وجوب التعيين، فقد منع من تعيين كل فسق مانع، وهو استلزام تعيين الصغائر وفيه ما سبق ذكره من المفسدة، وأما الكفر فلا مانع من النص عليه؛ لأنه لو التبس بغيره لم يلتبس إلا بالفسق، فأكثر ما يلزم من تعيينه تعيين بعض الفسق، وهو جائز.
__________
(1) ـ سقط من (أ).

قلت: ولقائلٍ أن يقول أما مع تسليم عدم الفرق بين الفسق والكفر في الاحتجاح المذكور فهذا لا يخلص؛ لأنه إذا التزم أنه يجب لأجل ذلك تعيين الفسق لم يكن بد منه ولعل في مقدور الله تعالى ما يرفع ذلك المانع ويحصل به زوال الأغرل(1) ثم يقال: فإذا قد سلمت إستواء الكفر والفسق فيما لأجله يجب التعيين [وأحدث أن يسقط](2) وجوب تعيين الفسق لمانع، فجوز المانع في تعيين الكفر.
قوله: (فإن العدل قد [ترد شهادته للرق أو الولادة](3) أو الشركة أو غير ذلك، أما رد شهادة العبد لسيده فبالإجماع، وأما رد شهادة الولد لوالده فمسألة خلاف والقائل بردها زيد والمؤيد والفريقان وغيرهم، وأما رد شهادة الشريك في المعاملة لشريكه فيما هو شريك فيه فمن مسائل الاتفاق.
وأما قوله: (وغير ذلك).
فأراد به شهادة من تقرر فعله أو من تدفع عنه الشهادة ضرراً أو تجلب له نفعاً وشهادة الخصم على خصمه ونحو ذلك.
قوله: (كشهادة الفساق في النكاح).
هذا قال به بعض الأئمة، وإن كان أهل المذهب على خلافه.
قوله: (كالخوارج عند من يقول به).
المروي عن العترة أن شهادتهم مردودة، ولعله رمز إلى الشافعي فقد ذكر أنه لا يرد شهادة أحد من أهل البدع إلا الخطابية لتجويزهم الكذب.
تنبيه:
__________
(1) ـ في (ب): الأعداء.
(2) ـ في (ب): وأحرق أن سقط.
(3) ـ في (ب): يرد بشهادته للرق أو للولادة.

لم يذكر المصنف لتصحيح مذهب الجمهور إلا الدليل المذكور وقد أحسن في تقويمه على عوج فيه، وادعى الإمام المهدي عليه السلام إن تم طريقه إلى تصحيح مذهب الجمهور لا مدخل للطعن فيها وهي أنّا قد علمنا من دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الكفر أعظم أنواع المعاصي، وعلمنا ضرورة من دينه أن أعظمها الجهل بالله تعالى وبالنبوة والتكذيب والاستخفاف حسبما تقدم في حد الكفر أعظم أنواع المعاصي إلا كون عقابه أعظم أنواع العقاب، فتقرر أن الكفر هو ما يستحق عليه أعظم أنواع العقاب فيقطع أنه لا ذنب يستحق عليه أعظم أنواع العقاب إلا ما تضمنته حقيقة الكفر من المعاصي المتقدم(1) ذكرها؛ إذ قد علمنا بالتتبع أنه لا معصية إلا وهي دونها فلا كفر حينئذ غيرها وهو المطلوب.
قلت: لا يخفى ما في هذا من التكلف وهو بمعزل عن إفادة الظن فضلاً عن العلم.
قوله: (يوضحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم كفر المنافقين في زمانه..) إلى آخره.
هذا عده الإمام يحيى أقوى برهان على صحة ثبوت كفر لا دليل عليه، قال بعد تحريره: وفي ذلك حصول مقصدنا؛ لأنه قد حصل في حقهم كفر ولم تتعلق به الأحكام الكفرية، فلهذا جوزنا كفراً لا دليل عليه ولا تتعلق به الأحكام الكفرية.
فصل:
ليس يعرف بالعقل كفر قط.
__________
(1) ـ في (ب): المقدم.

اعلم أن هذا الفصل معقود لبيان ما يثبت في الإكفار من الأدلة، وبيان طرق التكفير، ولا كلام أن العقل لا مجال له هنا؛ لأن الإكفار خوض في مقادير العقاب واستحقاق أحكام مخصوصة، ولا يمكن أن يعلم بالعقل إلا مطلق إستحقاق العقوبة على المعصية، فأما كون هذه المعصية كفراً أو فسقاً أو صغيرة أو أن هذه المعصية يستحق عليها عقاب عظيم أو أنها أكبر من تلك أو دونها(1) فمما لا هداية للعقل إليه ولا يصرف له فيه ولو جلبنا والعقل لقضى بأن سرقة درهم على من لا يملك غيره أفحش من سرقة عشرة دراهم على من يملك قناطير من الذهب والفضة.
قوله: (وإنما يعرف الكفر بالشرع وذلك لأنه أمر غيبي لا يعلمه إلا الله أو من علمه بتعليمه على لسان نبيه وكذلك لا يعلم تفاوت المعاصي في كونها كفراً أو كون بعضها أشد عقاباً من البعض إلا من جهة الشرع وأدلة الشرع نوعان:ـ
__________
(1) ـ في (ب): تلك أوردونها.

أحدهما: ظني، وهذا النوع لا يؤخذ به في الإكفار ولا في التفسيق؛ لأن(1) الإجماع منعقد على أن الأدلة المستعملة في التكفير والتفسييق لا تكون إلا قاطعة لأن الإسلام مقطوع به فلا يجوز إبطاله بدليل مظنون، والأدلة الظنية السمعية ظواهر القرآن وظواهر السنة المتواترة؛ لأنهما وإن كانا مقطوعاً بهما في الأصل لكن دلالتهما ظنية، وهكذا أخبار الآحاد نصوصاً كانت أو ظواهر، وكذلك الإجماع إذا كان منقولاً بالآحاد لا يقال أليس من قامت شهادة على كفره أو أقام في دار الكفر غير مميز لنفسه بعلامة إسلامية يحكم بكفره ويعتقد كونه كافراً ولا يفيد ذلك إلا الظن لآنا نقول ليس الشهادة المذكورة وعدم التمييز، هما الطريق(2) إلى كفره بل الإجماع القاطع على أنه يجب الإكفار عند حصول أحد الأمرين إلا أنه لا يجوز اعتقاد كونه كافراً في نفس الأمر بل في ظاهر الشرع والتحقيق أنه يجوز إجراء أحكام الكفار بما لا يفيد إلا الظن من الأدلة كأخبار الآحاد ومن الطرق كالشهادة وقد ذكره الإمام المنصور بالله وأخباره.
قال الفقيه حميد: وهو مذهب المحصلين لأنه يجوز قتل المرتد بشهادة الشهود مع عدم حصول العلم، وقبلت في ذلك أخبار الآحاد على عهده صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولهذا هم يعدو قوم أخبره الوليد بن عقبة بكفرهم حتى نزل قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق}، فامتنع صلى اللّه عليه وآله وسلم لأجل فسقه لا لأجل كونه واحداً.
النوع الثاني: ما هو قطعي في أصله ودلالته، وقد نبه المصنف عليه بقوله (بصريح الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع المتواتر). وهذه ثلاثة مسالك سمعية قطعية:ـ
الأول: نصوص القرآن القاطعة كقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}. والمقصود ما كان نصاً لا احتمال فيه لا ما كان ظاهراً يتطرق إليه الاحتمال.
__________
(1) ـ في (ب): كأن.
(2) ـ سقطت من(ب).

الثاني: نصوص الأخبار النبوية المقطوع بصحة نقلها بأن تكون متواترة المقطوع بدلالتها بأن تكون نصوصاً لا تحتمل التأويل فيجري حينئذ مجرى النصوص القرآنية.
قال الإمام يحيى: كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه، من سبني فاقتلوه)). فإن ما هذا حاله لا يتعد دعوى التواتر فيه وظاهره مقطوع به فأوضح ما قلناه فهو صالح للتمثيل وإلا فليطلب له مثال آخر.
قلت: بل ما ذكر غير صالح للتمثيل إذ ليس من قبيل النصوص ولا يعلم تواتره والعلم بكفر المبدل والسَّابّ له صلى اللّه عليه وآله وسلم [له](1) أدلة قاطعة غير ما ذكر.
الثالث: الإجماع، ولقطعية دلالته شرائط: أن يكون متواتراً، وأن يكون صادراً من جميع الأمة المعتبرين في صحة الإجماع، وأن يكون قصد الأمة معلوماً فيه، مثاله الإجماع على أن كل من أضاف إلى الله خصلة بعلم كونه نقصاً فإنه يكفر لا محالة كمن يقول هذه خصلة قبيحة عندي(2)، ومع ذلك فأضيفها إلى الله لا لو إعتقد حسنها وإن قام دليل على قبحها فالأقرب أن اعتقاده لحسنها يعذره لأن الإجماع لم ينعقد إلا بشرط اعتقاد قبحها من جهته، هكذا ذكر الإمام يحيى.
قلت: كلامه هنا قاضي بأن دلالة الإجماع في الإكفار مقصورة على إجماع الأمة دون إجماع العترة، وقد عده الفقيه حميد من الأدلة القطعية ومسالك التكفير ثم إن الإمام يحيى أجرى كلامه على التكفير ذكر أن إجماع الأمة كما هو معتمد في أدلة الإكفار، فإجماع العترة أيضاً كذلك.
قال: وهذا رأي أئمة الزيدية ومن تابعهم من العلماء فإنه قاطع، فإذا أجمعوا على خصلة كفرية وجب القضاء بصحة ذلك لأن مستند إجماع العترة الآية والخبر وتلك حجة مقطوع بها كما أن مستند إجماع الأمة الآية والخبر ولا يقال إن إجماع الأمة يفسق مخالفه، فلهذا كان حجة في الإكفار بخلاف إجماع العترة فإنه لا يفسق مخالفةه، فلا يكون حجة في ذلك.
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ سقط من (ب).

قال عليه السلام: لأنا نقول هذا سواء نظر فإن التفسيق بمخالفته غير وكونه حجة على الإكفار غيرٌ، وأحدهما مخالف للآخر فإنه إنما فسق مخالف إجماع الأمة لدليل منفصل ولم يحصل مثله في حق إجماع العترة فلهذا وافقنا في حال مخالفة بخلاف الإجماع فإنه من مدلول الإجماعين ومفهوم من مقاصدهما فلأجل هذا قطعت به لما كان مستندهما القطع بالآية والخبر فحصل من مجموع ما ذكرنا استواؤهما في الدلالة على الإكفار.
تنبيه:
الإستدلال بالإجماع في هذه المسألة ونحوها مما لا يؤخذ فيه إلا بالدليل القاطع متعسراً ومتعذر لأنه وإن سلم قيام الدلالة القاطعة على أنه حجة قاطعة فثبوته بعيد.
قوله: (أو القياس القطعي كأن يعلم في ذنب أنه كفر لعلة مخصوصة..) إلى آخره.

مثاله: ما ثبت من أن الاستخفاف بالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم كفر، فيعلم أن الإستخفاف بالله تعالى كفر لأنه أدخل في ذلك فإن حق الله أعظم من حق الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، واعتبر الإمام يحيى أن يكون القياس هنا من هذا القبيل بأن يكون المسكوت عنه أسبق إلى الفهم من المنطوق، وهذه مسألة خلاف، فالذي عليه الجمهور من الزيدية والمعتزلة أن التكفير يصح بالقياس؛ لأن التعبد به قد قامت عليه الدلالة القاطعة من غير تقييد وذهب أبو هاشم والإمامان المؤيد بالله والمنصور بالله أنه لا يثبت بالقياس، هكذا نقل في تعليق الشرح عن المنصور بالله، ونقل عنه الفقيه حميد كقول الجمهور وهو أعرف بمذهبه ولا يختلف الجميع أن كل معصية كانت كفراً لوجه من الوجوه ثم ثبت في غيرها ذلك الموجه وزيادة أنه ثبت لها حكم المعصية التي لم يثبت فيها إلا ذلك الوجه كالمثال الذي ذكرناه وكتكفير من يقول إن الله رابع أربعة، وإنما محل(1) الخلاف حيث لا يثبت ذلك وإنما هو من قبيل قياس المساواة كما يقوله المتكلمون أنه يكفر من اعتقد أن الله فاعل الظلم كما ثبت كفر من اتقد كونه ظالماً ونحو ذلك،والتحقيق أنهم لا يختلفون في المعنى والحقيقة، أنهم يتفقون على أنه لو ثبت التكفير في معصية وعلم قطعاً أنه لأجل علة ثانية فيها ثم علم قطعاً حصول تلك العلة بعينها في معصية أخرى لثبت قياسها عليها لكن عند من نفى الأخذ بالقياس هنا أن ذلك غير ممكن بدليل موافقتهم فيما تقدم ذكره مما ثبت فيه الوجه وزيادة وبدليل احتجاج المانعين بأن الكفر إنما يكون كفراً لاستحقاق العقاب العظيم والعقل لا هداية له إلى ذلك ولا يمكن الإشارة في القياس إلى علة منضبطة حتى يقول: المستدل قد وجدت هذه في فرع فيلزم أن يحكم فيه بحكم أصله، فالحق أنه إن كان الأصل وعلته وأن الكفر لأجلها معلومة بأدلة قطعية ثم علم الفرع وحصول تلك العلة فيه بدليلين قطعيين وبرهانين نقيين لم
__________
(1) ـ في (ب): حمل.

يصح المنع من الاستدلال بالقياس على هذه الكيفية، وإن اختل شيء مما ذكر لم يصح الإستدلال به ولا ينبغي أن يكون بينهم خلاف في واحد من الطرفين.
فائدة: أختلف في هل يجوز التكفير بالإلزام، فمنعه الجمهور، وقال بصحته ابن الملاحمي، ورد بأنه لو ثبت ذلك لكفرنا كثيراً من أرباب المذاهب الإسلامية وفسقناهم لأن في كلامهم ما يقود إلى ذلك ويؤدي إليه ولأن الكفر لا يكون إلا بما يدين به المكلف قولاً أو عملاً أو إعتقاداً لا ما ينكره ويتبرأ منه.
قلت: وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه وما كان الشيخ محمود بن الملاحمي على جلالة قدره وغزارة علمه وفهمه جديراً بأن يذهب إلى خلافه.
تنبيه:
اعلم أن التفسيق حكمه في جميع ما ذكر في هذا الفصل حكم التكفير من غير فرق.
فصل: في بيان أنواع الكفر.
قوله: (اعلم أن الكفر ضربان..) إلى آخره.
ما ذكره في ذلك فيه [نظر] (1) لأنه حكم على الكفر بأنه هذان الضربان، وظاهره أنه لا يخرج عنهما شيء من أنواع الكفر وليس كذلك، فإن تلك القسمة غير شاملة لأنواع الكفر ونحن نذكر أنواع المعاصي أولاً ثم أنواع الكفر مستكملة وبعض ما ذكر من تقسيمات له مفيدة باعتبارات شديدة إن شاء الله تعالى(2).
فنقول: الذي عليه جلة العلماء من أهل التوحيد والعدل وغيرهم أن المعاصي قسمان: صغير وكبير.
والكبير قسمان: كفر، وفسق. ودليله قوله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. وقوله تعالى: {وإن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم}. فدل على إنقسام المعاصي إلى كبيرة وصغير وإلا لم يستقم الكلام، وخالف في هذا الضابط الجعفران فقالا: كل معصية أوقعت عمداً فهي كبيرة ولا صغيرة في العمد.
وقال أبو القاسم: كلما تناوله الوعيد فهو كبير.
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ في (ب): باعتبارات شديدة إما كسبيع.

وقالت الخوارج: كل معصية كفر وشك، ومنهم من استثنى معاصي الأنبياء، ومنهم من ذهب إلى أن المعاصي كلها كفر نعمة وطريق معرفة ما ذكرناه السمع فقط فإنه الذي يعلم به أن هذه المعصية كفر وهذه كبيرة غير كفر وهذه صغير لأن مرجع ذلك إلى مقادير العقاب، ولا مجال للعقل فيها وأكثر ما يعلم بالعقل كون بعض المعاصي أعظم وأفحش من البعض فلا شك أن ادعاء الربوبية أعظم من الشرك بالله، والشرك أعظم من تكذيب الرسول، وقتل النبي أعظم من قتل الإمام، وقتل الإمام أعظم من قتل رجل من أطراف الناس.
وأما أنواع الكفر فهي أربعة:ـ
النوع الأول: ما هو من أفعال القلوب كأن يعتقد نفي الصانع أو أن معه ثانياً أو أنه غير قادر أو كذب الرسل أو كذب ما جاءوا به مما يعلم من دينهم بالضرورة كالبعث والنشور والجنة والنار، والإجماع منعقد من الصدر الأول والتابعين على الإكفار بذلك.
قال الإمام يحيى: ولا يحكى الخلاف في تعلق الكفر بالاعتقادات الدينية إلا عن أصحاب المعارف كالجاحظ والأسواري فإنهم زعموا أن الكفر لا يتعلق بها لما اعتقدوا أن المعارف كلها ضرورية من جهة الله فقالوا لا يتعلق بها شيء من الإكفار وإنما يتعلق بالأقوال وأعمال الجوارح، ومقالتهم باطلة مردودة فإنه يعلم من دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ضرورة أن الإعتقادات المخالفة للتوحيد في الذات والصفات الإلهية كفر لا محالة.

138 / 158
ع
En
A+
A-