قال الكسائي :وكان أصله مالك بتقديم الهمزة من الألوكة وهي الرسالة ثم قلبت وقدمت اللام وإنما تركت الهمزة لكثرة الأستعمال فلما جمعوها ردوها فقالوا ملائكة وملائك والمقرب خلاف المبعد وإنما يقرب الخواص وليس المقرب في معنى الملك ولهذا لا يفيد عند إطلاقه ما يفيده بل هو من أوصافه ومما نتبعه ويطلق عليه والنبي قد تقدم ذكر معناه والمختار: أسم مفعول من أخترته وهو بمعنى المصطفى.
قال الجوهري: الأختيار الأصطفاء والمصطفى بمعنى الصفوة.
قال الجوهري ومحمد: صفوة الله ومصطفاه وصفوة الشيء خالصه والمجتبى في معنى المصطفى.
قال الجوهري: أجتباه أي أصطفاه والبر في الأصل نقيض العاق والبر الصادق والنفي من أيقنت كذا إذا كففت عنه والمراد من نفي المعاصي والمناهي والصالح من الصلاح وهو ضد الفساد والمشرك من أثبت شريكاً لغيره مطلقاً هذا في أصل اللغة وفي عرفها من جعل لله شريكاً في قدمه أو أفعاله أو عبادته وأما في الشرع فهوالكافر بمعنى، وقيل: لا يسمى بهإلا من كفر كفراً ليس معه إقرار بالشهادتين لا من كفر وهو مقر بها قال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين}. ففصل أهل الكتاب عن المشركين لما لم يكونوا كذلك والزنديق من الزندقة.
قيل (ي): والزندقة مأخوذة في أصل اللغة من زن ودقق، وقيل مأخوذة من كتاب أسمه الزند وزيد القاف والياء فمن عرف ذلك الكتاب وأخذ منه سمي زنديقاً وكان هذا في الأصل أم مدح وأما في الشرع فاسم للكافر والأغلب عليه أنه أسم للناطبي ولمن أثبت .......... وفي عرف الزمان هو للظاهر بالمعاصي الفسقية من غير تأويل سيما ما كان منها معصية بينه وبين الله لا يتعلق ضررها بغيره.

وقال الجوهري: الزنديق من...... وهو معرب والجمع الزنادقة وإلها عوض من الباء المحذوفة وأصله الزناديق ويزيدون والأسم الزندقة والملحد من الإلحاد والإلحاد لعله الميل إلى جانب ومنه اللحد لأنه يكون في جانب القبر وفي الإصطلاح الملحد بمعنى الكافر والأغلب أنه إنما يستعمل في من نفى الصانع والفاسق من الفسق والفسق في اللغة الخروج من حالة إلى أخرى ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت ونصر بالغير والفسق في الشرع أسم لمعاص مخصوصة أو لأحداها مما يستحق عليه العقاب الذي يحسن إيصاله إلى مستحقه ولذلك أحكام مخصوصة من أستحقاق الذم واللعن والمعاداة ورد الشهادة والفاجر لغة من فجر فجوراً أي فسق وفجر أي كذب ذكره الجوهري قال: وأصله الميل والفاجر المائل أنتهى. وفي الأصطلاح هو والفاسق بمعنى واحد وربما يستعمل في الكافر كما يستعمل الفاسق فيه والمتهتكك في اللغة المفتضح ذكره ذكره الجوهري، وأصله الهتك وهو حرف السير عما ورآءه وقد بنى السيد على أنه بمعنى الفاسق والأقرب أنه إنما يستعمل في المنحرف المجاهر الذي هتك الستر، والملعون من اللعن واللعنة لغة الطرد وفي الإصطلاح الملعون المطرود عن كل الثواب وهوبمعنى الفاسق في الحقيقة. ويتصل بما ذكر فوائد:ـ
الفائدة الأولى:التقسيم الذي ذكره السيد هو للمكلفين من المخلوقين وهم ثلاثة أصناف الملائكة والجن والإنس وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن أجناس الخلق الذي يتناولهم التكليف عشرة تسعة منها الملائكة والعاشر الأنس والجن والشياطين والجزء العاشر الجن والأنس وهذا الجزء العاشر ينقسم إلى عشرة أجزاء فتسعة منها الجن والجزء العاشر الإنس وهذا الجزء العاشر عشرة أجزاء فتسعة منه يأجوج ومأجوج والجزء العاشر بقية بني آدم)). هكذا نقل والله أعلم بصحته.
قيل: (ي): فالأنس على هذا جزء من عشرة آلاف جزء من أجناس المكلفين.

قلت: بل بقية الأنس دون يأجوج ومأجوج فسبحان من بيده الملك وهو على كل شيء قدير.

الفائدة الثانية: قد عرفت مما ذكر أن الملائكة أوسع خلق الله عدداً وهم مع ذلك أشرفهم وأقربهم إلى الله وأعظمهم وقد أختلف في كيف أجسادهم فالذي عليه جلة المتكلمين أن أجسادهم مركبة من الجواهر وفيها رقة ولا لحم فيها ولا دم ولا عظام.
وقال أبو حفص ومن كان وراء النهر من المعتزلة أن أجسامهم غلاظ مركبة من لحم ودم وعظام كأجسام بني آدم وإنما لا نراهم لبعد المسافة ورد قولهم بأن منهم من يقرب إلينا فكان يجب أن نراه قال تعالى: {بلى ورسلنا لديهم يكتبون}. وقال: {عن اليمين وعن الشمال قعيد}.
قيل (ي): وبها أنهم يقولون أن الملكين يكونان عن اليمين والشمال مع البعد وأن المراد بقوله: {لديهم} أنهم معهم في الأرض وأن يعدوا الأمر مشكل فتأمل. وقد أختلف أيضاً في تكليف الملائكة فجلة العلماء على أنهم مكلفونكلهم ودليله ورود الثناء عليهم والأخبار بحسن طاعتهم من غير تقييد بالبعض فقيل بل بعضهم غير مكلف وهذا البعض خلق لنفع المكلفين كما خلق كثير من الحيوانات لنفع بني آدم والملائكة الذين وصفوا بعظم الخلقة وأن رؤوسهم تخرق السماء وأرجلهم تخرج الأرضين إنما هم للسموات كالأساطين للعمران ونسب إلى الحشوية أن الملائكة كلهم غير مكلفين وأنهم مضطرون إلى أفعالهم ثم أختلف القائلون بتكليفهم هل يمكن أن تصدر منهم المعاصي أو لا فالذي عليه الزيدية والمعتزلة وصرح بذلك أبو هاشم أن المعاصي جائزة منهم ممكنة لهم إلا أنهم لم يفعلوها للألطاف التي أختصوا بها. وقيل:بل لايصح وقوع المعاصي منهم ولا يمكنهم فمن هؤلاء القائلين بما ذكر من لم يعلل ذلك ومنهم من علله بكونهم شاهدوا من عجائب صنع الله ما بهرهم وردعهم عن المعاصي كما قال تعالى: {وهم من شيته مشفقون}. وقيل: يجوز صدور المعاصي منهم إذا تغيرت أحوالهم عن أحوال الملائكة التي هم عليها كما في هاروت وماروت والشيطان.

الفائدة الثالثة: عزى إلى بعض التابعين أن أجناس المكلفين ثلاثة أصناف صنف غير ذكور ولا إناث ولا يتناكحون ولا يتناسلون ولايموتون إلى أنقطاع التكليف وهم الملائكة، وصنف ذكور وإناث ويتناكحون ويتناسلون ولا يموتون إلى إنقطاع التكليف وهم الشياطين، وصنف ذكور وإناث ويتناكحون ويتناسلون ويعرض لهم الموت وهم الجن وبنو آدم، وهذا مما لا يعلم إلا توقيفاً لا بنظر وأجتهاد فيحمل التابعي ولعله ابن المسيب على أنه رفع له إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.

الكلام فيما يعتد بأنه من الأحكام في أهل الوعد والوعيد
قوله: (إن قطعنا على أنه من أهل الثواب).
هؤلاء هم الملائكة والأنبياء ومن ثبتت عصمته من غيرهم كعلي والحسنين وفاطمة فهؤلاء يجب علينا القطع بإيمانهم وهم كذلك يقطعون في حق أنفسهم بالإيمان والفوز.
قوله: (في الحال فقط إن قطعنا على أنه يستحق الثواب في الحال فقط).
جعل المصنف كالمقطوع بكونه من أهل الثواب قسمين:ـ
قسماً: يقطع بإستحقاقه الثواب مطلقاً وهم الأنبياء ومن ذكرناه معهم.
وقسماً: يقطع بإستحقاقه الثواب في الحال فقط وهذا القسم غير موجود فإنه لا يمكن فيمن شاهدناه حال فعله للطاعة ولم نشاهد منه معصية أن يقطع بأنه في تلك الحال من أهل الثواب لأنه ما لم ثثبت فيه العصمة جوزنا أنه في تلك الحال ينطوي على أعتقاد قبح يحبط ثواب ما يراه من طاعته وأنه لم ينو بها ما تصير بها طاعة وأنه قد تقدم منه ما يحبط ثوابها ولا طريق إلى ذلك إلا أن يخبرنا الصادق أنه في تلك الحال يستحق الثواب ولا ندري ما يكون حاله من بعد هذا، وإن كان جائزاً فلا وقوع له فلا ينبغي الإشتغال بِعَدِّهِ قسماً مستقلاً.
قوله: (كشكر النعمة).
يعني: فإنه لا يجب إظهاره إلا عند تهمة تلحقه أنه لا يشكرها.
قوله: (وللتمييز بينه وبين غيره).
يعني: ممن ليس على صفته تلك.
قوله: (وسلامة الحال).
يعني: عن أقتراف ما يحبط ثوابه ويعدل بطاعته من المعاصي.

قوله: (وهذا الشرط كالملفوظ وإن لم يتلفظ به).
فذكره وحذفه جائران لكن الأحسن حذفه ولا يجوز ذكره إلا إذا لم توهم المعاداة.
قوله: (فأما نصرته وموالاته والذب عنه فيجب من غير شرط).
يريد بنصرته المدافعة عنه إذا بغي عليه أو أريد ظلمه وهضمه وبموالاته محبة نفعه والخير له، وبالذب عنه رد ....... ونحو ذلك.
قوله: (ليس الشرط في المدح الواقع..) إلى آخره.
بنى المصنف على أن المدح يتضمن الأخبار بإستحقاقه الثواب وأنه يوصل إليه في الآخرة فجعل الشرط المقدر شرطاً فيه وهذا منه وَهْمٌ فإن الشرط هو في نفس المدح وهوشرط حالي فإذا قال فيه: فلان فاضل أوتقي أو بر أو ولي لله أو نحو ذلك فهو مشروط بأن يكون في معلوم الله أن باطنه كظاهره وأنه لا معصية باطنة صادرة منه تحبط ثواب طاعاته التي ظهرت وهذا معنى معقول ظاهر لا يحتاج إلى مثل ذلك التكلف وكذلك إذا دعونا له اللهم أدخله الجنة وارض عنه ونحو ذلك فالشرط المقدر إن لم يكن له معاصيه ما يمنع من ذلك ويبطل ثواب ما علمناه منه من طاعتك ونحو ذلك وقد نبه المصنف على ذلك أولاً بقوله: (يكون مشروطاً بالإستحقاق وسلامة الحال).
قوله: (فإن قال: هل يجري حال أحدنا مع نفسه..) إلى آخره.
أعلم أن المكلف إن علم عصمة نفسه وجب عليه أعتقاد إيمانها وحسن منه الدعاء لنفسه على القطع وإن علم فسق نفسه وجب عليه أعتقاد ذلك وقبح منه تعظيم نفسه ومدحها ومن لم يعلم من نفسه أنه معصوم ولا فاسق فمن المعلوم أنه لا يعلم في الحال ما يكون منه في المستقبل من إيمان وعدمه، وأما في الحال فقال الشيخان: لا يصح أن يعلم المرء أنه مؤمن ومستحق للمدح والتعظيم فيها لأن ذلك يتوقف على علمه بإمتثال جميع ما كلف به من فعل الواجبات وترك المحظورات ولا سبيل له إلى العلم بذلك لأنه كان يجوز من نفسه فعل كبيرة كيف يقطع بإيمانها.

وقد تعلل ذلك أبو علي: بأنه لا يعلم الوفاء بما كلف في الحال بل في الوقت الثاني ولا يعلم الوفاء في الوقت الثاني إلا في الوقت الثالث وهلم جرا لأن العلم يتأخر عن المعلوم وعلى هذا يلزم القول بصحة أن يعلم أنه كان مؤمناً قطعاً في الوقت الأول.
وقال قاضي القضاة: لا مانع من أن يعلم وفاؤه بما كلفه في الحال إذا تحفظ على نفسه وبالغ في التحرز وعدم ........ وحينئذ يتقارب الوفاء والعلم به، وإنما يجب تأخر العلم إذا كان مكتسباً وهذا ضروري لأنه من العلم بأحوال النفس وإنما يتصعب لأنه أستحضار لأشياء كثيرة في وقت واحد كما يتصعب الفرق بين الدعاء لنفسه بنحو الثواب ودخول الجنة وبين الدعاء لها بدفع العقاب والأستعاذة من النار وقد نسب ذلك إلى بعض العلماء وقيل بل الأصح أنه لا يحسن أن يدعو لنفسه بالثواب ونحوه إذا علم أستحقاقه للعقاب أو أنه لا يستحق الثواب لأن فيه طلب تعظيم من لا يستحق التعظيم لأن التعظيم جزء من الثواب وهو قبيح وما كان قبيحاً قبح الدعاء به.
واعلم أن الدعاء هو طلب المراد من الغير بشرط أن يكون المطلوب منه ذلك فوق الطالب في الرتبة ولا بد من أعتبار الرتبة ليتميز عن السؤال هكذا ذكر السيد في الشرح واعترض بأن المطلوب قد يكون نفعاً وقد يكون ضرراً والدعاء من حقه أن يكون بالنفع وبأن الرتبة غير معتبرة وإنما يعتبر الخضوع، وإن كان الداعي في الرتبة فوق المدعو.
قيل (ي): فالأقوى أن يقال: هوالطلب للنفع أو دفع الضرر من الغير على وجه الخضوع.
واعلم أن الدعاء قسمان:ـ
الدعاء المنافع الدنيوية: كالأرزاق ونحوها فهو جائز لكل أحد الداعي وغيره من الصالحين وغيرهم ليس له شرط إلا عدم المفسدة وهو كالمنطوق به وإن لم يذكر.
والدعاء بالمنافع الأخروية: وهو ينقسم إلى قمسين:ـ
الدعاء بترك العقاب: فيجوز عند أبي هاشم لكل أحد سواء كان المدعو له يستحق العقاب أم لا وسواء كان هو الداعي نفسه أو غيره لأن دفع الضرر حسن مطلقاً.

وأما أبو علي: فلا يجيز الدعاء بترك العقاب لمن يستحقه ولا طلب العفو عنه سواء في ذلك الداعي عنده وغيره.
قلت: لا يبعد أن الخلاف في هذه المسألة يتفرع على الخلاف في أنه هل يحسن العفو بعد الوعيد بإيصال العقاب أو لا فمن قال بحسنه وإنما يكشف عن قبح الوعيد قال يجوز الدعاء به. ومنقال هوقبيح لأنه يكشف عن كذب الله فيه هذا في حق غيره وأما في حق نفسه فعلى الخلاف المتقدم.

فائدة: للدعاء شرطان:ـ
أحدهما: أن يكون الداعي عالماً بالله لأن الدعاء يتضمن تعظيم المدعو ولايحسن تعظيم المجهول وإن يعلم حسن ما يدعو به من أوصاف الله وأسمائه وثبوت تلك الصفات له وجواز إجراء تلك الأسماء عليه.
الشرط الثاني: أن يكون الفعل أو الترك المدعو به حسناً لا قبيحاً ولا يشترط علمه أو ظنه للإجابة.
قوله: (وأما إن كان المكلف من أهل العقاب قطعاً أو بظاهر الحال الذي يقطع في حقه بذلك).
من دل السمع على أستحقاقه للعقاب كالشيطان أو شاهدناه يفعل معصية يقطع بكونها كفراً أو فسقاً إذ لا يمكن تحويز كونها غير قبيحة في حقه في تلك الحال.
وأما الذي هو من أهل العقاب بظاهر الحال فهو كمن فعل كبيرة ثم غاب عنا مدة يجوز فيها أنه قد تاب وأناب وأخبر عن نفسه بالفسق والفجور.
قوله: (فقد أقتضى السمع فيه عكس ما أوجب علينا في أهل الثواب).
إنما قال المصنف: أقتضى ولم يقل وجب لأن الذم لمن يستحق العقاب والدعاء عليه ونحو ذلك ليس واجباً بل هو كالدين يحسن أستيفاؤه ولا يجب اللهم إلا أن يلحق بتركه تهمة فإنه يجب لدفعها.
وقوله:( عكس ما أوجب..) إلى آخره.
يريد: أن المقطوع بإستحقاقه للعقاب يذم ويستخف به ويدعى عليه على القطع والذي يظن فيه ذلك لظاهر الحال كما تقدم يذم ويستخف به ويدعى عليه مشروطاً بالإستحقاق وإن لم يتلفظ به فهو في حكم المنطوق به ويحسن إظهار الشرط ما لم توهم الموالاة.
قوله: (والوجه في جميع ذلك..) إلى آخره.

يعني: فيما وجب لأهل الثواب من التعظيم ونحوه وشرع في حق أهل العقاب من الإستحقاق ونحوه ووجه اللطفية في ذلك واضح.

القول في الإكفار
هذا الباب مما انطوت عليه الجنية السمعية وعده المصنف منها؛ لأنه كلام في أحكام المكلفين وذكر ما يكفرون به وتحقيق ما يستدل به على كفرهم وبالكفر يستحقون العقاب العظيم والخلود الدائم بإجماع المسلمين إلا من لا يعتد به، والقول في الإكفار والتفسيق باب عظيم واسع فيه نزاع شديد واختلاف بعيد، وهو من المسائل الخطرة التي ينبغي الاحتراز فيها والاحتياط والبعد عن جنبتي التفريط والإفراط، وقد يجعل منا مستقلاً، وصنفت فيه كتب منفردة مختصة به، والأكفار مصدر أكفره، أي حكم بكفره.
قال الكميت:ـ
فطائفة قد أكفروني بحبكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب
ولا ينبغي الإقدام عليه إلا عن تحقيق واستعانة من الله تعالى تشديد وتوفيق.

قال الإمام يحيى عليه السلام: إذا كان ضيق المسالك دقيق المجاري ولغموضه ودقة رموزه استوى عليه الإتهام وغلب على تلخيص أسراره الأعجام حتى أفلت نجومه وأمحت أعلامه ورسومه وكيف لا ومسالك العقول فيه منسدة وبراهينه غير جارية فيه فمن ثم إعتاض أمره على النقاد وغلب عليه الدروس وإن كان وإنما مورده المسالك الشرعية من النصوصات القرآنية والأخبار المروية؛ لأنه كلام في مقادير العقاب وخوض في إجراء وأسماء وأحكام وغير ذلك من الأمور الغيبية التي لا يستقل بدركها إلا الشرع، فحق على من خاض في أودية الإكفار والتفسيق أن يتق الله في خوضه ونظره وأن ينظر بعين البصيرة [النافذة](1) ويعمل القريحة المتقدمة وليكن في نظره معولاً على الإنصاف وليعزل عن نفسه جانب التعصب والشغف بمحبة سلف ولا يقدم على الإكفار إلا بدلالة قاطعة وحجة واضحة يعذر بها عند الله وتكون حجة له عند الموقوف بين يديه، فإن لم يجد هناك دلالة قاطعة، فالواجب عليه التوقف فإن الوقف أحوط للدين وأسلم خطة من الإقدام على إكفار من غير بصيرة خاصة في إكفار أهل القبلة، ومن يكون كفره بالتأويل فإن الخوض فيه صعب ومضطرب النظر فيه دقيق، وفيه معظم الزلل إلا على من وفقه الله وهداه إلى الحق فيه.
قلت: هذا هو الإنصاف، فلله در هذا الإمام ما أجود بصيرته وأحسن طريقته وسيرته ولقد كان يخطر بالبال إلا ببيان بمعنى هذا الكلام، فلما وقفت على كلام هذا الإمام اخترت نقله فقد سبق والقول ما قالت حذام.
وذكر الإمام المهدي عليه السلام: أن معرفة مسائل الإكفار والتفسيق واجبة على كل مسلم؛ لأن الشرع ورد بأحكام يعتدنا الله بها(2) في حق المؤمن والفاسق والكافر يتعلق بالموالاة والمعاداة والتناكح والكفاءة والتوارث ونحوها، فيجب على كل ملتزم بالشريعة معرفة تلك الأمور ليمكنه تأدية ما كلف من الأحكام المتفرعة عليها وإذا ما كلف فيها. إنتهى.
__________
(1) ـ سقط من (ب).
(2) ـ في (ب): يعتد بأنها.

واعلم أن الكُفر ـ بضم الكاف ـ لغةً: هو الاسم، وهو ضد الإيمان، والكفر الجحود، والمصدر منه كفران وكفور، والكَفر ـ بالفتح ـ التغطية.
قال ابن السكيت: ومنه سمي(1) الكافر كافراً؛ لأنه يستر نعم الله بجحدانه له.
وشرعاً: القبيح الذي يستحق به أعظم أنواع العقاب، ويعلق به أحكام مخصوصة كما تقدم، وهذه الحقيقة أعتمدها المعتزلة وجرى عليها كثير من الأصحاب وأحترزوا بأعظم أنواع العقاب عن الفسق؛ لأنه وإن استحق عليه العقاب فليس بأعظم العقاب؛ لأن عقاب الكفر أعظم منه. وقد أعترضت هذه الحقيقة وطعن فيها الرازي والإمام يحيى وغيرهما وقالوا: ما يريدون بكونه يستحق عليه أعظم العقاب هل يريدون مبلغاً معلوماً من العقاب يستحقه الكافر فليس في كلامكم ما يشعر به، أو أردتم الذي [يكون](2) أعظم من عقاب الفسق فهو خطأ؛ لأنكم ذكرتم في حد الفسق أنه الذي يكون عقابه دون عقاب الكفر فيكون(3) دوراً وإخبار الإمام يحيى في حده أن يقال: تكذيب الرسول في شيء مما جاء به مما يعلم ضرورة من دينه وما يكون فيه دلالة على تكذيبه.
فقوله: (تكذيب الرسول).
يعني به: نفس التكذيب، فإنه كفر لا محالة.
وقوله: (مما يعلم ضرورةمن دينه).
يحترز به عن إنكار ما ليس من ضرورة الدين كجحود من يجحد أنه ما كان يفضل عائشة على نسائه ولا يحب أزواجه وغير ذلك مما لا يكون من الدين في ورد ولا صدر.
قوله: (وما يكون فيه دلالة على تكذيبه).
يندرج فيه عدم تصديقه، ونحو سب الأنبياء وتمزيق المصاحف وإحراقها ولبس الغبار وشد الزنار وغير ذلك من الأمور الكفرية فإنها وإن كانت غير معذورة(4) في صريح التكذيب لكنها دالة على الكذيب، لأن هذه الأشياء كلها لا تصدر إلا عن مكذب بالرسول(5).
__________
(1) ـ في (ب): يسمى.
(2) ـ سقط من (ب).
(3) ـ في (ب): فكف
(4) ـ في (ب): غير مقدورة
(5) ـ في (ب): بالرسل.

137 / 158
ع
En
A+
A-