قوله: (كما لا يدل قوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم..} إلى آخره).
أما جار الله: فحمله على ظاهره وقال: أراد أن يكونوا ..... في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل حراصاً على ما هو أقرب عند الله وأكبر ثواباً ويدخل تحته المذاهب وأختيار أثبتها على الشك وأقواها عند السير وأيقنها دليلاً وأمارة. وقيل: أراد القرآن فهو أحسن ما أنزل. وقيل: أحسن أوامر الله أمروا بأتباع الأحسن نحو القصاص والعفو والإنتصار والأغضاء والإبداء والإخفاء لقوله: {وإن يعفوا أقرب للتقوى}، {وإن ...... وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}. فإذا أعترضهم أمران واجب وندب أختاروا الواجب وكذلك المباح والندب.
قوله: (وكما لا يدل قوله: {فاصبر كما صبر أولوا العزم..} إلى آخره).
بنى المصنف على أحد تفسيري الآية وهو أن من في قوله من الرسل بيانية وأولوا العزم صفة للرسل كلهم.
وفيها وجه آخر: وهو أن يكون للتبعيض ويراد بأولي العزم بعض الأنبياء قيل هم: نوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين، وداود بكى على خطيئته، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال تعالى في آدم: {ولم نجد له عزماً}، وفي يونس: {ولا تكن كصاحب الحوت}. والمراد بالعزم الجد والثبات والصبر.
قوله: (قالوا: قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً}).
قال جار الله: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي والنصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم فتابوا بها على طريقتها متداركة للفرطات ماحية للسيئات.
قوله: (المراد الإيمان اللغوي..) إلخ.
بنى المصنف على تسليم أن القائل ما لا يفعل ليس بمؤمن الإيمان الشرعي ولا يوجب للتسليم فلا دليل على أن قوله ما لا يفعل مطلقاً يقتضي الفسق وقد قيل أن الآية نزلت في الصحابة وكونهم قالوا: الآن لقينا قتالاً لنفرغن فيه وسعنا. أو أنهم قالوا: قبل أن يؤمروا بالقتال لو نعلم أحب الأيمان إلى الله لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فدلهم الله على الجهاد في سبيله فولوا يوم أحد فغيرهم فالخطاب على هذا لمن هو مؤمن شرعاً وفرار من فروا إن كان معصية فقد تابوا وعفى الله عنهم.
قوله: (أو المراد بأنها المدعون للإيمان).
هذا معنى حسن مستقيم يطابق ما ذكره الحسن أنها نزلت في المنافقين.
قال جار الله: وبداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم.
قوله: (أو المراد النهي المستأنف..) إلى آخره.
في هذه العبارة ركة وكان الأحسن أن يقول: أو المراد معنى النهي في المستقبل وفي هذا التفسير ضعف فإن الآية وردت عتاباً للمؤمنين وكيف يعاتبون على شيء لم يقع وإنما يتوقع في المستقبل.
قوله: (فسماهم مؤمنين حال عدم الخشوع).
إيراد هذه الشبهة بناء على أن عدم الخشوع من الفسوق وإن الذي ليس بخاشع فاسق وليس بواضح ولا مستقيم وإنما الخشوع خلاف ما يؤخذ في القلب من القسوة وذلك يعرض في حق الصالحين وتفسير الآية يقضي بذلك، عن ابن عباس: أن الله أستبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثالث عشرة من نزول القرآن. وعن أبي بككر أن هذه الآية قرأت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب والمراد بالخشوع على هذا ظهور الخوف والتذلل لله كما قال الحسن في تفسير: {وكنا خاشعين}: فإنه قال ذللاً لأمر الله. وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب. وقيل: متواضعين والآية مع هذا لا حجة فيها للمخالف لأن عدم الخشوع بهذا المعنى لا يقتضي الفسوق وإنما تثبت حجة له لو كان الخشوع إجتناب المقبحات وفي كلام الحسن ما يقضي به حكى عنه جار الله: أما والله لقد أستبطأهم وهم يقرءون من القرآن أقل مما يقرءون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق، وروي عنه أيضاً في تفسير: {وكانوا لنا خاشعين} كانوا لا يرمون معصية الله في الخلوات فإن صح هذا المعنى على حمل الإيمان في الآية على التصديق وكان مستعملاً في معناه الأصلي ومن هذا الذي ذكرناه يوجد الجواب المحقق عن وجه أحتجاجهم بالآية فأما جواب المصنف فليس بشافٍ ولا وافٍ.
قوله: (والجواب).
هذا نظير قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه}. تحقيق الجواب أنه لا متمسك للخصم في تلك الآية الكريمة لأنه لا دلالة فيها على أنهم يسمون مؤمنين بعد الإقتتال فهو كما لو قتل وإن حدث ممن طائفة مؤمنة فسوق وعلى هذا لا حاجة إلى ما ذكره المصنف بطوله فيحمل على تسمية الشيء بإسم ما كان عليه فذلك كلام لا طائل تحته وكذلك قوله: {يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم}. إلى تأويل لأنهم حال خطابه لهم غير مرتدين.
قوله: (ليست من للتبعيض هنا).
يقال: فما يجعلها إذا لم يكن تبعيضه والصحيح أنها للتبعيض مع ذلك فلا يدل على ما ذكروه لأن المراد بها جماعة من المؤمنين.
قال جار الله: نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله يتولوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد وخمزة ومصعب بن عمير وغيرهم فمنهم من قضى نحبه يعني حمزة ومصعباً ومنهم من ينتظر وهم عثمان وطلحة وفي الحديث: ((من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة)).
قلت: المشهور أن عثمان رضي الله عنه ممن لم يثبت يوم أحد ففي عدة من الطائفة المذكورة نظر.
قوله: (كما لا يدل قوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}..) إلى آخره.
فيه نظر لأن من هذه ليست تبعيضية وإنما هي للبيان بمعنى الذي فتشبيهه لأحدثهما بالأخرى غير صحيح.
فصل:
وأما الذي يدل على أن الفاسق لا يسمى كافراً كما يقوله الخوارج.
قوله: (فهو أن الكفر كان في الأصل التغطية).
هو كما ذكر ومنه سمي البحر كافراً لأنه يستر ويغطي ما فيه وتكفر فلان بالسلاح إذا تغطى به، ومنه قوله تعالى: {يعجب الكفار نباته} أراد: الزراع وإنما سمي الزارع كافراً لأنه يغطي البذر بالتراب.
قوله: (لمن يستحق العقاب العظيم من أجر أحكام مخصوصة..) إلى آخره.
هذه عبارة منضربة والعبارة المستقيمة قوله السيد في الشرح: وأما في الشرع فإنه جعل الكافر إسماً لمن يستحق العقاب العظيم ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين.
قوله: (ونحو ذلك مما لا يجري على الفاسق).
أراد سبي الأولاد والنساء والقتل في حق بعض الكفار وهو أو ضرب الجزية في حق البعض الآخر.
قوله: (فقال من الكفر فروا).
يعني: أن الباعث لهم على مباينته ومقابلته أعتقادهم أنهم قد غضوا وعصى المساعدة إلى التحكيم في إمامته مع أعتقادهم أن كل معصية كفر فباتوا من التحكيم وأرادوا منه الرجوع من الكفر إلى الإسلام، وقالوا له عليه السلام: قد كفرت كما كفرنا فتب كما تبنا فإن لم تتب قتلناك وإن تركنا قتالك كفرنا بالعصيان بناء بذلك.
قوله: (هذا إن لم يكن قوله حجة).
يعني: لأجل العصمة فإنها تقتضي أمتناع صدور الخطأ عنه لكن الأقوى أن ذلك لا يقتضي حجته.
قوله: (إلا فيما يكون الخطأ فيه كفراً وفسقاً قطعاً وأما ما كان كل مجتهد فيه مصيباً أو ليس من مسائل الأجتهاد لكن المخالف فيه أَثِمَ إثماً لا يقطع بكثرة فلا يثبت فيه الأحتجاج بما قاله عليه السلام والله أعلم.
قوله: (ومعلوم أن أحدهما فاسق).
يعني: لأن الروح في قذفه لها إن كان كاذباً فهو فاسق لقذفه وإن كان صادقاً فهي فاسقة لزناها.
قوله: (لوقعت البينونة بنفس الفسق).
يعني: لأنه كفر عندهم فهو ردة والردة ينفسخ لها النكاح بنفسها ولا يفتقر ذلك إلى حكم حاكم.
قوله: (اللعان).
قد أعترض (ي) هذا بأن المرأة إذا كانت مدخولاً بها لم تقع البينونة بالردة إلا بعد إنقضاء العدة عند المؤيد بالله وغيره فيصح اللعان في حال العدة وأما أبو العباس وأبو طالب فيقولان: تبين ننفس الردة ولكن يلزمها حيث هي مدخولة العدة واللعان يصح في حال العدة وإن وقعت البينونة وإنما يستقيم هذا في غير المدخول بها أو حيث قد أنقضت العدة.
قلت: ويمكن الجواب بأن اللعان لا يصح إلا مع إسلام الزوجين وعلى كلامهم قد صارا أحدهما كافراً فلا يفيد ما ذكره المعترض بصحيح اللعان على كلامهم.
قوله: (وهم يلتزمون هذا الأخير).
يقال: ولو ألتزموه فهم محجوجون بالإجماع فإن المعلوم من حال الصحابة أنهم لم يحكموا بانفساخ نكاح شارب الخمر والقاذف ونحو ذلك ولا سمع ذلك عن أحد منهم.
قوله: (أشبهتهم قوله تعالى:..) إلى آخره.
لم يعتد المصنف بشبة عقلية يوردونها منها أن الكافر إنما سمي كافراً لأنه ترك الوجبات وأقدم على المقبحات وهذا حال الفاسق فليسم كافراً وذلك لضعف هذه الشبهة ونحوها فإن إسم الكافر لم يوضع لذلك بل لمن يستحق العقاب العظيم مع إجراء أحكام في الدنيا مخصوصة وليس كذلك حال الفاسق وهذه الشبهة أوردها في الشرح ولهم شبهة عقلية غيرها لكنه لا يلتبس الأمر في بطلانها فلا تعول عليها.
قوله: (لاقتضائه أن يكون ما أنزل الله ..... في الحكم).
بنى المصنف على أن الباء ظاهرها أنها للأستغاثة نحو كتبت بالقلم وليست الباء هنا من هذا القبيل وإنما هي لتعدية الفعل إلى المفعول لكون الفعل لا يتعدى بنفسه.
قوله: (ولم يترك الحكم به).
صوابه وترك الحكم به.
قوله: (لى أنها واردة في اليهود).
يقال: مسلم ذلك ولكن ليس ورود العام على سبب يقتضي قصره عليه عندكم وأجاب الفقيه حميد بأنا نقول: ذلك إلا لمانع من العموم والمانع ما قدمنا من الأدلة القاضية بأن الفاسق ليس بكافر.
قال جار الله: قوله تعالى: {فأولئك هم الكافرون}، {والظالمون}، {والفاسقون}. وصف لهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالإستهانة وتمردوا بأن حكموا بغيرها.
عن ابن عباس: أن الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب.
وعنه: نعم القوم أنتم ماكان من حلو فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب من جحد حكم الله كفر ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق. وعن ابن مسعود: هو عام في اليهود وغيرهم.
فيكون التاويل أن المراد من لم يحكم بما أنزل الله مستهيناً به كما ذكره جار الله.
قوله: (من لم يحكم بما أجمع عليه النبيون من ذلك فهو كافر).
يقال: لا دليل على هذا التقدير والإضمار وليس تقدم ذكر ما يحكم به النبيئون يقتضي صرف آخر الكلام إليه والظاهر الإطلاق فيما أنزل الله.
قوله: (فتبين أن تارك الحج كافر).
قالوا: ويجب أن يكون حكم غيره ممن يترك الفرائض كحكمه.
قوله: (كلام مستأنف).
يعني: أنه مستقل غير راجع إلى تارك الحج).
أراد بذلك أن الآية غير دالة على ما قالوه فإنه ليس فيها ومن كفر بترك الحج، والصحيح أن قوله: ومن كفر إقامة مقام من لم يحج تغليظاً على تارك الحج كما ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً)).
قال جار الله: ونحوه من التغليظ من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر. وعن سعيد بن جبير نزلت في اليهود فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وروي أنه لما نزل قوله: {ولله على الناس حج البيت}. جمع رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: ((إن الله كتب عليكم الحج فحجوا)). فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل: {ومن كفر}.
قوله: (ليس في إثبات صنفين).
صوابه: قسمين أو نوعين ولعل المصنف أراد صنفين كما هو في الشرح فوقع من سهو القلم تقديم الفاء على النون فصار كصفتين.
قوله: (إنما بين أن الكفار أصحاب المشامة ولم تبين أنه ليس في أصحاب المشامة غيرهم).
هكذا أجاب كثير من الأصحاب عن تمسكهم بهذه الآية وهو جواب ضعيف سببه عدم الألتفات إلى قواعد علم المعاني والإطلاع عليها فإن الأتيان بالمسند إليه والمسند على هذه الكيفية وتوسيط ضمير الفصل مما يقتضي التخصيص وقصر المسند على المسند إليه فيكون المعنى هم أصحاب المشامة لا غيرهم، ولكنه يجب تأويل ذلك للأدلة الدالة على أن الفاسق ليس فكافر مع كونه من أصحاب المشأمة والمراد بالمشامة الشمال وتأويلها أن المراد بالمبالغة في تحقيق كون الكفار أحق الناس بدخول النار حتى كأنه لا مستحق لها غيرهم كما إذا ....... المبالغة في علم قوم وأنهم أحق من يتصف بالعلم فيقول: أولئك هم العلماء فظاهره لا غيرهم والتحقيق أن المراد ما ذكر من المبالغة لا نفي العلم عن غيرهم ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أولئك هم المؤمنون حقاً} كأنه لا مؤمن غيرهم ومنه المثال الذي أورده المصنف وهو أصحاب أبي حنيفة هم العلماء فإنه تقيد ما ذكر، ومنه أيضاً قوله تعالى: {ومن كفر فأولئك هم الفاسقون}. فإن المراد أنهم الأحق بأن يوصفوا بالفسوق لا أن غير الكافر لا يكون فاسقاً.
قوله: (والمعنى وهل يجازى بعذاب الأستنصال إلا الكفور كما يقتضيه سياق الآية).
وذلك لأن سياقها في ذكر ما أنتقم به سبأ لما أعرضوا بإرسال سيل العرم وتبديل جنتهم ثم قال:{ذلك جزيناهم بما كفروا}. وهل يجازى أي بذلك الجزاء وهو العذاب العاجل إلا الكفور لأنه لا يعذب العذاب العاجل إلا الكافر.
قوله: (وأما ما يحكى عن الناصر..) إلى آخره.
حكاه الفقيه حميد عن بعض الزيدية ولم ينسبه إلى الناصر معناً قال: وهو خلاف في عبارة لأنهم جعلوا هذه الطاعات بمنزلة شكر الباري على نعمة لأنها تشبه الشكر من حيث أنه لا بد أن تسبقها أصول النعم ويقع أيضاً على وجه التعظيم فأشبهت الشكر وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم لما سأل عن كثرة عبادته؟: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)). فأجرها مجرى الشكر في هذه الصورة لكونها مفيدة لعظيم المنعم سبحانه وهذا لا مانع منه من جهة المعنى إلا أنا قد بينا أن قولنا: كفر. قد نقل من معناه الذي وضع له إلى من يستحق إجراء أحكام مخصوصة.
قال: ويلزم على ما قالوه أن تعم هذه القضية ما يكون صغيراً فيكون تارك ما تركه من الواجبات صغير كافر نعمة فيطلق على الأنبياء عليهم السلام أنهم كفروا النعمة بما يقع منهم من الصغائر.
فصل:
وأما الذي يدل على أن الفاسق لا يسمى منافقاً.
قوله: (مأخوذ من النافقا أحد حجرة اليربوع).
قال الفقيه حميد: لأنه يعمل لنفسه موضعين إذا طلب من أحدهما خرج من الآخر يسمى النافقاً وفي صحاح الجوهري: أن لليربوع ثلاثة حجرة القاصعاً وهو الذي يستعمله ويقصع فيه أي يدخل فيه، والداما وهو الذي يخرج منه التراب من دم اليربوع حجرة أي كبشه والنافقا وهو الذي يكتمه ويظهر غيره ويرفقه فإذا أتى من قبيل القاصعاً ضرب النافقا برأسه فأنتفق أي خرج.
قوله: (فقد نص الله على أنه من أشد الناس عقاباً فقال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}).
يعني: وفي هذا دليل على ما ذكر لأن المراد بالدرك الأسفل الطبق الذي في قعر جهنم والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض وإنما كان المنافق أشد الناس عذاباً فالصواب حذف من في قوله المصنف أنه من أشد الناس عذاباً لأنه مثل الكافر في كفره وضم إلى ذلك الأستهزاء بالإسلام وأهله.
قوله: (إذا قال: إني أخالف في العبارة دون المعنى).
قد قدمنا الرواية عنه أنه مخالف في المعنى أيضاً.
قوله: (أن يكون معه ترياق).
قال الجوهري: هو بكسر التاء وهو ذو السموم فارسي معرب، قال: والعرب تسمي الخمر ترياقاً لأنها تذهب الهم.
تنبيه:
ومن شبه الحسن قوله تعالى: {إن المنافقين}. هم الفاسقون قال أصحابنا: وهذا لا يدل على موضع الخلاف فإن أكثر ما فيه أن المنافق فاسق فمن أين أن الفاسق منافق.
قلت: الذي تقتضيه قاعدة البلاغة أن الآية تفيد قصر الفسوق على المنافق حتى كأنه لا فاسق غيره لكن يكون المراد المبالغة في أحقيته بهذا الأسم ولا يدل على أن كل فاسق منافق.
تنبيه:
أهمل المصنف في كلامه على هذه المسألة أشياء يذكرها الأصحاب فيها من ذلك تقسيمهم للمكلفين باعتبار أستحقاق الثواب أو يستحق العقاب وذكر أسم نوع من جنسي المستحقين لهما.
قال السيد في الشرح: أعلم أن المكلف إما أن يستحق الثواب أو يستحق العقاب إن أستحق الثواب فأما أن يستحق الثواب العظيم أو يستحق ثواباً دون ذلك فإن أستحق الثواب العظيم فلا يخلو إما أن يكون من بني آدم فإن لم يكن من بني آدم سمي ملكاً ونتبعه قولنا مقرب وما شابهه وإن كان من بني آدم سمي نبياً ويتبعه قولنا: مختار ومصطفى ومجتبى وما يجري هذا المجرى وإن أستحق ثواباً دون ذلك فإنه سمي مؤمناً، ونتبعه من الأسماء ما يقارنه نحو قولنا: تقي صالح إلى غير ذلك وأما المستحق للعقاب فلا يخلو إما أن يستحق العقاب العظيم أو يستحق عقاباً دون ذلك فإن أستحق العقاب العظيم سمي كافراً ونتبعه نظائره من الأسماء نحو قولنا: مشرك وزنديق وملحد إلى غير ذلك، وإن أستحق عقاباً دون ذلك سمي فاسقاً ونتبعه قولنا: متهتك ملعون فاجر إلى غير ذلك أنتهى.
ونحن نتبع ذلك بذكر حقائقما ذكره من الأسماء مما لم يتعرض المصنف له فمن ذلك ملك وأصله ملأك على وزن مفعل فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت على قاعدة التخفيف.