وأما الرجاء: فهو كذلك من صفات المؤمنين وطرائق الصالحين ومن أحق من الله بأن يعلق به الرجاء وتوجه إليه الآمال وتعلق به الأطماع وهو الجواد الكريم الوهاب الرزاق الفتاح ذو الجود والسماح واسع الرحمة عظيم العفو الذي قال فيما يحكيه عنه نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم أجتمعوا في صعيد واحد ثم سألوني فأعطيب كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر فينبغي للعبد أن يكون راجياً لله في كل حالاته ينتظر ....... ورحمته ونفحات لطفه وإحسانه عالماً أنه أرحم به من والديه وأنه أقرب من حبل الوريد إليه، وليحسن العبد الضعيف ظنه بهذا الرب اللطيف ولا ينبغي له اليأس والقنوط والخلو عن الرجاء والظن الحسن وإن بلغ في العصيان وتعدى حدود الله إلى الغاية بل يرجو أن يعطف الله عليه أو يمسه نفحة من نفحات فضله وجوده فيذيقه حلاوة التوفيق ويأخذ بناصيته إلى أقوم طريق ويسعده بخاتمة مرضية وعاقبة حسنة ولا بأس عندي بأن نرجو عفو الله في الآخرة وإن كان عاصياً لكن رجاء مطلق لا يسويه بعقيدة فاسدة فنفس الرجاء لا يعد عصياناً بل ربما بعد طاعة ولا دليل على قبح مثل ذلك وإن كان مذهب الراجي أنه يحق الوعيد وقد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أن الله عز وجل أمر بعبد إلى النار فلما وقف على شفيرها ألتفت، فقال: أما والله إن كان ظني بك لحسن. فقال الله عز وجل: ردوه أنا عند ظن عبدي بي)). رواه البيهقي. ولا يخلو هذا الحديث عن مخالفة للقواعد الكلامية مع إمكان التأويل والمقصود التنبيه على حسن الرجاء وتحسين الظن ويقوي بوجه أستشعار الرجاء عند قرب الموت لما ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بربه)).

وبتمام ما ذكرناه تم ما أردنا إيراده في هذا الباب وقد خرجنا من حد الإيجاز فيه إلى الأطناب وخالفنا ما جرى عليه أكثر كتابنا هذا من الأسلوب فلم يكن التوسيع في النقل والبسط لنا بمطلوب لكن لما وجدنا كتب أصحابنا غير شافية في هذه المسألة للأوام ولا وافيه منها بالمرام قصدنا فيها إلى أستيفاء الأطراف وسلكنا فيها منهج الإنصاف ومكنا الناظر فيها من تحقيق النظر وتحريره وتدقيق الإستدلال وتقريره ثم نعود إلى الأسلوب الأول فليس لنا على غير الوسط بين طرفي الإكثار والإقلال في هذا الإملاء وعدم الإملال معول.

القول في المنزلة بين المنزلتين
وهذه هي مسألة الإسماء والأحكام وهي أحد الأصول الخمسة التي بنى عليها قاضي القضاة كتابه الذي شرحه السيد مانكديم بكتابه الشهير الجليل وسميت المنزلة بين المنزلتين ومعناه لغة الشيء بين الشيئين في العلو والإنحطاط وقيل الشيء بين الشيئين ....... إلى كل واحد منهما نسبة، وأما في الأصطلاح فكون صاحب الكبيرة ممن ليس بكافر له أسماً وأحكام بين أسماء المؤمن والكافر وأحكامهما. ووجه تسممية هذه المسألة المنزلة بين المنزلتين كونها كلاماً في إثبات منزلة للفاسق في أسمائه وأحكامه بين منزلتي المؤمن والكافر في أسمائهما وأحكامهما ووجه تسميتها بمسألة الأسماء والأحكام ما ذكره المصنف.
ووجه الحجة إليها: أن المكلفين لما كانوا على ضربين منهم من يستحق العقاب وهم فريقان فريق يستحق العقاب العظيم، وفريق يستحق عقاباً دون ذلك، ومنهم من يستحق الثواب وهم فريقان: فريق يستحقون الثواب العظيم وفريق يستحقون ثواباً دون ذلك. أحتجنا إلى معرفة أسم كل فريق وحكمه لنجري عليه أسمه ونعامله بحكمة.

وأما وجه عدها من مسائل أصول الدين: فلأنه لما كان مدارها على أستحقاق الثواب العظيم والذي دونه وأستحقاق العقاب العظيم وما دونه وكل الكلام في أستحقاقهما من أحكام أفعاله تعالى وهو معدود من الأصول صارت مسألة أصولية وإن كانت لا تخلو عن ذكر فروع فقهية وأحكام راجعة إلى العمل فليتأمل.
قوله: (قد ذهب أهل الحق إلى أن مرتكب الكبيرة من أمة محمد عليه السلام يسمى فاسقاً).
تسمية فاسقاً مجمع عليها ولا يخالف فيها أحد وإنما الخلاف في أنه هل يسمى مع ذلك مؤمناً أو كافراً أو منافقاً أو كافر نعمة فقال بكل واحد فريق وأهل الحق قصروه على التسمية بفاسق فقط ولم يجيزوا أن يسمى بغير ذلك وهو مذهب المعتزلة والزيدية إلا ما حكي عن الناصر عليه السلام من تسميته كافر نعمة.
قوله: (كما تقوله المرجئة).
يعني: فإنهم يسمونه مؤمناً ويصفونه بذلك حتى أن منهم من يقول إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل لاعتقادهم أن الإمام هو التصديق فقط.
قوله: (كما يقوله الخوارج).
أتفقوا على أنه يوصف بأنه كافر وأختلفوا في أنه هل يوصف بأنه مشرك فمنعه الإباضية وأجازه سائرهم.
قوله: (ولا منافقاً كما بقوله الحسن).
قال الفقيه حميد: ولا يقتصر على اللفظ بل يثبت معناه في حقه فنقول إنه ...... الكفر وهو إنكار العقاب.
قوله: (بالإجماع).
يعني: إجماع الأمة هذه الفرق المختلفة وغيرها فإنه لا يخالف أحد في تسميته فاسقاً وما ذهب إليه كل واحد من الخصوم مختلف فيه ولا دليل عليه والتمسك بالمجمع عليه وترك المختلف فيه، والذي لم يقم عليه دليل هو الواجب وإلى هذا أشار الصاحب الكافي بقوله:
وصاحب الذنب لدينا فاسق ... لا مؤمن حقاً ولا منافق
والكل بفسقته موافق ... قولي إجماع وخصمي خارق
قوله: (والنصوص).
يعني: نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية كقوله تعالى فيمن قذف المحصنة: {وأولئك هم الفاسقون}.

فصل:
أما الذي يدل على أنه لا يسمى مومناً.
قوله: (وإن كان في الأصل هو المصدق).

أي في أصل اللغة ومنه قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا}. وكذلك يستعمل لغة في فاعل الأمن وهو نقيض الخوف ووصف الله بأنه مؤمن ثاني على هذين الوجهين وهو أنه صدق أنبيائه بما أظهره عليهم من المعجزات والأعلام الدالة على صدقهم وأمن أولياءه من عذابه بما أبانه لهم من الأدلة الدالة على ذلك.
قوله: (فقد صار منقولاً بالشرع إلى من يستحق المدح والثواب).
ظاهره أن اسم المؤمن في الشرع قد صار غير مسبق من الإيمان بأن نقله الشرع عن معناه الأستقاقي إلى غيره والتحقيق أن الإيمان قد صار منقولاً عن معناه الأصلي وهو التصديق فقط إلى معنى آخر وهو مجموع التصديق بالقلب وباللسان والأقوال والعمل بالأركان وأن إسم المؤمن في الشرع مسبق من الإيمان بهذا المعنى الذي وقع النقل إليه ونقل أسم الإيمان إلى ما ذكر هو مذهب أئمة الزيدية ومن تابعهم، وقول الجلة من المعتزلة.
قال الإمام يحيى: وهو مذهب السلف، والمختار.
واعلم أن هذا ينبني على جواز نقل الألفاظ اللغوية إلى معانٍ شرعية وعلى أن هذه اللفظة قد نقلت فأما الأول فالأكثر أن ذلك يجوز وأنه قد وقع.
قال الفقيه حميد: وخالف فيه عباد والمرجئة.
فأما عباد: فإن عنده أن التغيير بقلب الأسم يوجب التغيير بقلب المسمى وهذه جهالة.
وأما الرجئة: فإنهم يقولون لا يجوز ذلك.
قال بعض علمائنا: وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك وبعضها تدل على أنه لا يقع وإن كان يجوز أن يقع، أنتهى.
وإذا قام الدليل على وقوع النقل ثبت جوازه لأن الوقوع فرع الصحة.
قوله: (وقد أفترقت المرجئة على قولين).
هذه الحكاية تخالف ما حكاه الفقيه حميد عنهم من الإطباق على عدم النقل والأصحاب في حكاية الخلاف في هذه المسألة أقوال متفاوتة.
حكى الإمام يحيى في التمهيد أن الخلاف في موضوع أسم الإيمان فنسب إلى الإمامية والجهمية والأشعرية جعله أسماً لعمل القلب ثم أختلفوا.
فقالت الأشعرية: للتصديق النفساني.
وقال الإمامية والجهمية: للمعرفة.

وحكي عن الكرامية: جعله أسمعاً للقول فقط.
وحكي عن أبي الهذيل، وقاضي القضاة: جعله أسماً لفعل الواجبات والمندوبات.
وحكي عن الزيدية وجلة المعتزلة والسلف: ما تقدم ذكره وأختاره.
قوله: (ما لا يجوز عليه تغيير).
يعني: العقائد الإلهية فيما يتعلق بالله وصفاته وأفعاله وأحكام أفعاله ونحو ذلك.
قوله: (وهو قريب من الأول).
يعني: لعدم أشتراط الكف عن المعاصي وإلا فبينهما من غير هذه الجهة تفاوت ظاهر.
قوله: (بدليل الأجماع).
يعني: على أنه أسم مدح فلا يعلم في ذلك مخالف.
قوله: (وصحة توسطه بين أوصاف المدح).
يعني: نحو فلان صالح مؤمن تقي، ولا يحسن أن يتوسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح كما لو قيل فلان صالح أسود تقي لعدم تناسب الأوصاف والخروج عن قاعدة أنتظام الكلام.
قوله: (ما ذكر المؤمن).
والإيمان في القرآن إلا مدحه وذلك نحو قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون}، {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}، {المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون}. وغير ذلك مما يطول ذكره ومدح المؤمن يتضمن مدح الإيمان.
قوله: (لوجب في الكافر..) إلى آخره.
قال الفقيه حميد: ولجاز وصف اليهودي بأنه مؤمن لأنه مصدق بالله ولكثير من أنبيائه وكذلك النصراني وغيرهم.
قوله: (فأما مع التقييد فنجيزه..) إلخ.
هذا رأي الأكثر فإنهم يجيزون أن يقال في الفاسق مؤمن بالله فيوصف بالإيمان مفيداً، وذهب الشيخ أبو القاسم: أنه لا يسمى مؤمناً بالله ويمنع من وصفه بذلك مفيداً، قال: لأنه يفيد ما يفيده المطلق ولهذا قال تعالى بعد ذكره الجنة: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله}.
وأجبت: بأن المراد من الآية معلوم وهو أنها أعدت لمن آمن بالله ورسوله مع فعل الطاعات وأجتناب المقبحات وإنما أقتصر في الآية هذه على ذلك لأنه قد بين في غيرها وإتكالاً على أدلة العقول.
قوله: (لأن هذا حال المسبقات عند الجمهور).

هذا مذهب أبي علي، والذي صححه ابن منويه وغيره ويقولون: إنه أطلق الأسم المسبق بعد تقضي الفعل المسبق منه فهو مجاز وخالف في ذلك أبو هاشم فذهب إلى أنه يطلق حقيقة حال الأشتغال بالفعل وبعد تقضيه ولكل منهم متمسك على ما هو مذكور في مواضعه فهذا الدليل مبني على قول أبي علي ومتابعيه ولا يستقيم على قاعدة أبي هاشم.
قوله: (وذلك يقتضي التنافي بين الأسمين).
يعني: وإلا لم يكن لقوله: بعد الإيمان وجه إذ لا يصح أن يقول القائل بئس السجية الاقبال على اللعب بعد الأشتغال بالطاعة إلا وهو لا يطيع في حال اللعب هكذا قرره الفقيه حميد.
وقال جار الله: الأسم بمعنى الذكر من قولهم: طار أسمه في الناس بالكرم وحقيقة ما سمى من ذكره وأرتفع بين الناس كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب أرتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسق وفي قوله: بعد الإيمان. ثلاثة أوجه:ـ
أحدها: إستقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره كما يقول: نئس ......................
الثاني: أنه كان في شيئاً ........ لمن أسلم يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه.
الثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن كما يقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.
قوله: (وقال تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيماً}).
وفي هذا المعنى: ورد قوله تعالى: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}.
قوله: (فلو كان الزاني مؤمناً لوجب أن يرحمه).
وكذلك فلو كان كان مؤمناً لما نهي عن الرأفة به.
قوله: (لوجب موادتهم وموالاتهم).
يعني: لأن موالاة المؤمن واجبة أراد وقد بقي الإيمان عمن ...... الفساق لأنه لا شبهة أن الفاسق بفسقه قد حاد الله فثبت أن موالاته حرام.
قوله: (قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني..)) إلى آخره).
وتمامه: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)).

قوله: (وقال عليه السلام: ((الإيمان بضع وسبعون باباً)).
وتمامه: ((أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)). والبضع ما بين الواحد إلى التسعة.
قوله: (وقال عليه السلام: ((بني الإسلام على خمسة أركان))).
المسموع في لفظ الحديث: ((على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت)).
قوله: (في أول شبه المرجئة للزم في الله أن يكون مؤمناً وأن يكون فعله إيماناً).
فيه نظر فليست شبههم إلا لزام أن يوصف أفعال الله بافيمان كما توصف أفعالنا بذلك وأما وصفه تعالى بأنه مؤمن فإنه ألزام لهم على مقتضى مقالتهم لأن التصديق يحصل منه تعالى وهو ملتزم ولا إشكال فيه ولهذا قالوا في تمام الشبهة: ومعلوم أنه لا يصح وصف أفعاله بذلك فلا بد أن يكون معنى الإيمان راجعاً إلى التصديق ولهذا فإنه لما عقل في حقه تعالى صح وصفه بذلك.
قوله: (هذا ينقلب عليهم في البر والتقى).
يعني: لأن البر والتقى يطلقان على الأفعال الواجبة ولم يلزم منه وصف فعله تعالى الواجب بذلك.
قوله: (بل لأنه مما يستحق به الثواب).
قال الفقيه حميد: ولهذا يجري على المندوب منها مثلما يجري على الواجب فإذا كانت الواجبات التي تؤخذ من الله تعالى لا مدخل لها في إستحقاق الثواب والعقاب لم يجز وصفها بأنها إيمان فصار آخر لفظ الإيمان على الفعل موقوفاً على أن يكون له صفة زائدة على حسنه بشرط أن يكون له مدخل في إستحقاق الثواب ولا يمتنع في آخر اللفظ أن يكون موقوفاً على الشرط كما أنه لا يجري على صيغة الأمر أمر إلا بشرط الرتبة.
قوله: (بل تدخل فيه المندوبات وأجتناب المكروهات).

قال الفقيه حميد: القول بهذا هو الصحيح، وأما الشيخان أبو علي وأبو هاشم فقالا: الإيمان والإسلام يفيدان فعل الواجبات وإحتناب المقبحات وقضيا بأن النوافل ليست من الإيمان ولا يخرج عندهما المؤمن من إسم الإيمان إلا إذا أتى بمعصية يزيد عقابها على ما له من الثواب.
قال: (ومنهم من قال: إنه فعل الطاعات الواجب منها والنفل وإجتناب المقبحات أجمع).
يعني: ولم يعتد بترك المكروهات.
قلت: وهو قول أبي الهذيل، وبه قال قاضي القضاة والسيد صاحب الشرح وأكثر المتكلمين، وأحتج رحمه الله على ما أختاره وهو الذي ذكره المصنف بأن الإيمان والإسلام يفيدان المدح والتعظيم فيلزم أن يفيدا ما به أستحق المدح والتعظيم وهذا يقتضي دخول الفرض والنفل وترك القبيح والمكروه لأن كل ذلك مما له مدخل في إستحقاق المدح والتعظيم ولأنه قد ثبت أن النوافل من الدين إذ لا أحد يشك أن ركعتي الفجر منه والإيمان والإسلام والدين بمعنى واحد ولأنه تعالى قال في صفة المؤمنين: {الذين يقيمون الصلاة}. ولم يفرق بين فرضها ونفلها ونحو ذلك.
وأحتج الشيخان: بأن النفل لو كان من الدين لوجب في تارك ركعتي الفجر أن يوصف بأنه ناقص الدين ولأن النوافل لا حصر لها فما من أحد إلا وهو تارك شيئاً منها فيلزم أن يجوز وصفه بأنه غير كامل الدين وإن كان من الأنبياء.
وأجبت: بمعارضتهما من وجوه وهو أن النوافل عندكما من الطاعات فيلزم أن يقال في الأنبياء إنهم ناقصوا الطاعات وكذلك فهي مكلف بها فيلزم أن يوصف تاركها أنه غير قائم بما كلفه الله وكذلك ترك الصغائر عندهما من الإيمان فيلزم أن يعد من فعل شيئاً منها من ناقصي الإيمان فصح أن مثل ذلك إنما لا يجوز لاتهام الخطأ من حيث يجوز السامع أنه ناقص الإيمان بترك واجب أو فعل قبيح على حد يستحق عليه العقاب فإن قدر عدم أتهامه الخطأ ساغ أجزاؤه.
قوله: (والإيمان لا يجوز أن يكون مختلفاً).
قالوا: فوجب صرفه إلى ما لا يكون مختلفاً وهو التصديق.

قوله: (لاتهام الخطأ).
قال الفقيه حميد: إن قيد بأن المراد ما يقوله جاز إجراؤه.
قوله: (وبالنسبة إلى وفيها كسائرها).
فيه نظر لأنه ليس سائر النوافل لها وقت معين إنما يستقيم ذلك في سائر نوافل الصلاة وكلامنا في النوافل كلها.
وقوله: (فهي منحصرة بالوصف).
أشد ضعفاً وهل يمكن أن كلما عرف وصفه أنحصرت أعيانه وأجزاؤه.
وقوله: (ومنحصرة أيضاً بالنسبة إلى الإمكان كذلك).
لأن مثل ذلك لا يعد إنحصاراً.
قوله: (والجواب أن هذه الأسماء قد صارت أسماً لجميع خصال الإيمان).
هذا أختيار لما قاله أبو هاشم وهو أن الملة والدين والإيمان والإسلام بمعنى واحد.
وقال أبو علي: الملة ما يدين به قوم من الأعمال التي يرونها واجبة فيوصف ذلك بأنه ملة لهم.
قال الفقيه حميد: وحكي عنه أن إطلاق القول بتارك الملة يقتضي الكفر.
قلت: فهي على هذا أسم للطاعات التي يكفر تاركها كالعلم بالله ورسوله وهكذا حكي عنه، وعلى هذا فلا ترد الشبهة عليه.
قال الفقيه حميد: وعلى الجملة فقد صارت هذه اللفظة في العرف تفيد ما يكفر المرء تبركه فلا يلزم ما قالوه.
قلت: ومثل هذا يعزى إلى أبي هاشم.
وقال قاضي القضاة: بل الملة أسم لجملة الإسلام والإيمان دون آحادهما فلا يسمى تاركاً للملة إلا حيث خالف جميع أحكام الإسلام.
قال الإمام المهدي: وكلام القاضي هو الصحيح وكلام أبي هاشم ضعيف جداً.
واعلم أن الخلاف المذكور هو في مسمى ملة الإسلام وموضوعها وأما لفظ الملة إذا أطلق فهو أسم لما يتدين به حقاً كان أو باطلاً وعلى الأول قوله تعالى: {بل ملة أبيكم إبراهيم حنيفاً}. وعلى الثاني قوله تعالى: {إن عدنا في ملتكم}.
قال الإمام المهدي: هذا معناها اللغوي وأما الإصطلاحي: فما يتدين به المكلف وينتسب فيه إلى نبي وكتاب وعلى هذا لا يكون الشرك نحو عبادة الوثن ملة.
قوله: (لا يمتنع أن يكون المراد بالإيمان هنا التصديق على أصله).

قال السيد في الشرح: إنا لم ندع أن كل لفظة أشتقت من الإيماان فإنها لا تستعمل إلا في المعنى الذي قلناه وأنه لا يجوز أستعمالها فيما وضعت له في الأصل فلا مانع من أن تكون هذه اللفظة التي ذكرها الله في هذه الآيات منفاة على أصل الوضع فلا يقدح في كلامنا.
قوله: (أو يكون العطف للتعظيم).
أي: عطف عمل الصالحات على الإيمان مع كون الإيمان يشتمل على الصالحات.
قوله: (وإن كان التعظيم هنا في المعطوف عليه فأفراده بالذكر يكون لتعظيمه والأهتمام بشأنه كقوله تعالى: {وملائكته وجبريل وميكائيل}. ولكن المصنف لما لم يتهيئا له أن تكون الآية من هذا القبيل لأن آمنوا يفيد التصديق بالله وعمل الصالحات وترك المقبحات ولا يمكن أن يقال إن عمل الصالحات أفصل خصال الإيمان كما قيل إن جبريل وميكائيل أفضل الملائكة لأن التصديق بالله وشهادة ألا إله إلا الله أفضل من عمل الواجبات والمندوبات عدل إلى هذا وهو أن جعل المعطوف عليه هو الأفضل فأتى بما هو أبعد وأفسد، والحق أنه لا يستقيم تفسير الآية وتأويلها إلا على جعل الإيمان بمعنى التصديق فقط وأنه أستعمل هنا في أصل معناه كما في قوله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا}. وذلك لا يمنع من كونه منقولاً مستعملاً في غير معناه الأصلي في مواضع كثيرة غير هذا.
قوله: (والجواب لا يدل ذلك على ما أدعوه).
يقال: بل يدل عليه لأنه يقضي بأن من المؤمنين غير صالح فضآنيتنا ولا يمكن تقويمه على غير ذلك وقد بنى جار الله عليه فقال: ويعني: ومن صلح من المؤمنين وهم كل من آمن وعمل صالحاً، وعن سعيد بن جبير: من بريء منهم من النفاق.
قلت: فعلى هذا يكون المؤمنين بمعنى المصدقين مستعملاً في معناه الأصلي.
ثم قال: (وقيل: الأنبياء. وقيل: الصحابة. وقيل: الخلفاء).
قلت: يكون صالح بمعنى أصلح على هذا لأن غير الأنبياء والخلفاء والصحابة لا يمكن أن ينفى الصلاح عنهم مطلقاً.

135 / 158
ع
En
A+
A-