هكذا ذهب القاضي إلى قبح الشفاعة للمصر، وأختاره السيد في الشرح، وذهب الشيخ أبو هاشم إلى أنها تحسن له عقلاً وأتفقوا أنها لا تكون شمعاً ولا تحسن بعد وروده بالمنع منها لأنها سؤال لما فيه تكذيبه تعالى.
ووجه ما ذهب إليه القاضي: ما ذكره في المتن وهو مستقيم في حق المصر كما ذكره وصوره لكن لا يلزم منه قبح الشفاعة في الآخرة لمن مات مصراً للفرق بينه وبين المصر الباقي على أصراره لأنه لم يبق للعصاة عزم في الآخرة على معاودة المعصية بل قد صاروا نادمين أشد الندم، وإن لم يكن ندمهم في الوقت الذي ينفع الندم فيه والمصر الذي صور الكلام فيه عازم على أن يعود إلى مثل الذنب الذي شفع له بالعفو عنه.
وأحتج أبو هاشم بوجهين:ـ
أحدهما: أنه قد ثبت حسن العفو عقلاً عمن مات مستحقاً للعقاب فلتحسن الشفاعة.
الثاني: أنه قد ثبت حسن دعاء الواحد منا لنفسه بالمغفرة فلتحسن من غيره أن يسأل له ذلك.
قوله: (دليل قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن أرتضى}..) إلى آخره.
أعترضه الرازي بأن الفاسق ممن أرتضاه لإيمانه.
وأجبت: بان الأتفاق واقع على أنه غير مرتضى على الأطلاق وإنما المرتضى على الأطلاق المؤمن الذي ليس بفاسق والآية دلت على أن الشافعة لمن أرتضاه مطلقاً غير مقيد.
قال: يحتمل أنه أراد لمن أرتضى الشفاعة له ويعضده {من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه}.
أجبت: بأن ظاهرها يقتضي خلاف ذلك ولا موجب للتأويل.
قوله: (لأن اللام للأستغراق).
يعني: حرف التعريف في قوله: {ما للظالمين} أراد بالنكرة في سياق النفي.
قوله: ({من حميم ولا شفيع}).
ووجه الأحتجاج بالآية: أن الله تعالى أخبر على سبيل القطع بأنه لا شفيع للظالمين يوم القيامة تقبل شفاعته ولا شك أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم مقبول الشفاعة فلا يشفع لفاسق إذ لا تقبل الشفاعة له.
قوله: (قالوا: الطاعة تقتضي الرتبة).
قد أدعى الرازي الضرورة في أن المطاع أعلى رتبة من المطيع.

قال المهدي: وهي دعوى مجردة يمكن مقابلتها بدعوى الضرورة أنه من فعل ما أراده المطيع وقد أعترض الأستدلال بالآية بأن المراد نفي الشفاعة في الدنيا.
وأجبت: بأن الآية عامة ولم يقع ما يقتضي تخصيص ذلك بوقت دون وقت وبأن سياق الآية يقضي بأنها في الآخرة وهو قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الأزفة}.
قوله: (ولا نصرة فوق دفع ضرر العقاب).
يعني: فلو شفع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للفساق وظالمي أنفسهم لكان ناصراً لهم لأنه من منع من وصول الضرر إلى الغير فهو ناصر له، وأعترضه الرازي بأن النصرة المدافة على وجه القهر والأستيلاء والذي أثبت هو الشفاعة وهي الطلب على وجه الخضوع.
وأجبت: بوجهين:ـ
أحدهما: منع ما ذكره فإن النصرة دفع المضرة بأي وجه من حيلة أو شفاعة أو قهر.
الثاني: أن حمل الآية على ذلك تذهب فائدتها لأن كل أحد يعلم أنه لا مقاهر لله ولا مغالب فالأخبار تنفي ذلك أخبار لا فائدة منه وتجري مجرى السماء فوقنا ونحوه، ومثل هذا يقال في جواب قولهم: إنما نفى الشفيع الذي يطاع وهو الأعلى رتبة وقد أشار إليه المصنف.
قوله: (والآية خرج مخرج الرجز عن العاصي).
يعني: فيكون المراد بها نفي الشفاعة في إسقاط العقاب ليقع الرجز ولا يحمل على نفي الشفاعة بزيادة المنافع لأنه تعالى قال: {وأتقوا يوماً}. لا أزيد منه على منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل ذلك الرجز.
قوله: (وقال تعالى: {أفأنت تنقذ من في النار}).

ربما يقال أن الشفاعة تكون قبل دخول النار ولكن كثير الأخبار الدالة على الشفاعة التي يتمسك بها الخصوم مصرحة بأن الشفاعة في إخراجهم من النار وظاهر ما في الكشاف أنها في غير هذا المعنى. قال فيه: نزل أستحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النارحتى نزل أجتهاد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وكده نفسه في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار. وقوله: {أفأنت تنقذ من في النار}. يفيد أن الله تعالى هو الذي يقدر على الأنقاذ من النار وحده ولا يقدر على ذلك أحد غيره فكما لا تقدر أنت أن تنقذ الداخل في النار من النار ولا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من أستحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه.
قوله: (وقال في الذين كسبوا السيئات: {ما لهم من الله من عاصم}).
يقال: إن الشفيع ليس بعاصم لهم من الله ولا مانع، فإن ذلك يفيد بالذوق أن المراد من عاصم يمنعه تعالى عنهم قهراً ويجيرهم منه ولأنه يجوز أن يكون المراد: مالهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين وقد نص عليه جار الله في الكشاف.
قوله: (أنؤمر بالفسق والإصرار أو بالتوبة والإيمان).
تمامه فمن المعلوم أنه يؤمر بالطاعة ولو كانت الشفاعة لدفع العقاب فقط لزم أن نؤمر بالمعصية وذلك باطل.
وأعترضه الرازي: بأنه يؤمر بالطاعة لأنها التي يستحق لأجلها الشفاعة في إسقاط العقاب.
قال المهدي عليه السلام: وهذا أعتراض جيد.ز
وأعترض أيضاً: بأنه كما لو حلف ليفعلن ما يتوجه عليه بفعله التوبة من غير فرق وبأنا نأمره بالإيمان لا بالفسق وبحيث فلا مانع من ذلك كما ل حلف ليفعلن معصية فإنه لا يؤمر بها بل يؤمر بالترك والتكفير عن يمينه.
قوله: (وقع الإجماع على قولهم: اللهم أجعلنا ممن يستحق الشفاعة).
أي على حسن الدعاء بهذا ولو كانت الشفاعة للفساق كان تقدير السؤال: اللهم أجعلنا من الظالمين الذي يقارفون العظائم ويواقعون المآثم ولا خلاف أنه يقبح الدعاء بما هذا حاله.

قوله: (ولهذا كان عليه السلام يستغفر في مجلسه مراراً كثيرة عن ابن عمر: كنا نعد لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب أغفر لي ذنب على أنك أنت التواب الرحيم. وروي أيضاً: أنه كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرة.
قوله: (ممن يفعل فعل التوابين).
يعني: من العاملين أعمال التوابين المخلصين المنزجرين عن المحرمات القائمين بالواجبات.
قال الفقيه حميد: أو يكون المراد أجعلنا من التوابين إذا وقع منا عصيان يوجب التوبة أو من التوابين مما يعرض في خلال الطاعات والمباحات من قبائح لا يكاد يسلم أحد عنها من قبيل التقصير لأن أحدنا لا يفارق القبيح في كثير من الأوقات ولذلك روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنه ما من مؤمن إلا وله ذنب يصيبه الفينة بعد الفينة لا يفارقة حتى يفارق الدنيا.

تنبيه:
اعلم أن للأصحاب على نفي الشفاعة للفساق أدلة غير ما ذكر منها أنا قد دللنا على خلود الفساق في النار فلو شفع لهم صلى اللّه عليه وآله وسلم شفاعة تنجيهم أدى ذلك إلى نقص تلك الأدلة وتكذيبه تعالى فيما أخبر به وذلك لا يصح، ومنها أنه كيف يليق بخلائق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الشريفة الفائقة أن يقول لرب العزة يوم القيامة يا رب قد كنت أنزلت علي كتاباً في الدنيا وبعثتني رسولاً إلى الأنس والجن لأعلمهم ما شرعت لهم وأمرهم بطاعتك وأعدهم عليها ثوابك وأنهاهم عن معصيتك وأتوعدهم عليها بعقابك وأنا إلا رأساً لك إلا نفي بذلك وأن يصير المشي مع المحسن والمجرم مع المسلم ويبطل ما أمرتني به من تبليغ وعدك، وبيان الفرق بين من أحسن وأساء فهل يحسن ذلك من الرسول مع قوله تعالى: {أفتجعل المسلمين كالمجرمين}. هذا ما لا يستحسنه عاقل فكيف به صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو الأعظم حلماً وعلماً وعقلاً.

بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (إن التائب مستغن بكونه من أهل الجنة عن الشفاعة).
هذا بناء على أن الشفاعة للتائب وقد تقدم أنها للمطيعين عموماً والكلام مستقيم على ذلك أراد أنهم مستغنون بإتصال الثواب إليهم موفراً خزيلاً في كل وقت وحين وربما أكدوا ذلك بمثال يوردونه وهو أن من كان على مائدة جيدة من الطعام فيها أنواعه وأنواع الأدام فإذا شفع له شافع بزيادة رغيف لم يكن لهذه الشفاعة موقع أصلاً ولا يكشف عن جاه صاحبها.
وأجبت: بأن هذه الصورة ليست بنظيرة لمسألتنا فليس في الجنة ما يتنزل منزلة الرغيف في المحل وإنما نظظيرها من أعطاه الشلطان عشراً من الحلل النفيسة مع إعطاء غيره مائة حلة نفيسة فيشفع إلى السلطان بعض غلمانه لصاحب العشر في الزيادة فإنه يظهر محله من السلطان بحسب ما يحصل لذلك المستعطي من الزيادات فإنها إكرام واضح للشفيع.
قوله: (ليس فيه أنه تعالى يفعل هذه الزيادة من دون شفاعة).
يعني: فيجوز أن يفعلها عند الشفاعة وما هذا اله يجوز وصفه بأنه شفاعة، وقد ذكر الفقيه حميد أنه يجوز أن يوصل تعالى إليهم منافع سوى ما أخبر به لأجل شفاعته فإن فضله تعالى لا نهاية له ولا غاية لآخره.
قوله: (قالوا: قال عليه السلام: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))).
رواه الرازي في النهاية: ((أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)). هكذا كرواية المصنف أخرجاه من حديث أنس، وأخرج الترمذي عن جابر مثله وزاد فيه قال الراوي فقال لي جابر: من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة.
قوله: (فقد روى الحسن البصري: ((ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))).
رواه الرازي في النهاية: ((لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي)). أعترضه بأنه مرسل المراسيل وليست بحجة عندهم ولا يسلم له أن المرسل ليس بحجة لكنه والمسند حيث هما أحديان ليسا بحجة قطعية فلا يعتمد عليهما هنا.
قوله: (فتقديره إذا تابوا).

أعترضه الرازي بأن وصفهم بكونهم من أهل الكبائر يعتدم وذلك لا يتناولهم بعد التوبة ويمكن الجواب بأن ورود مثل ذلك من الحكيم كثير غير قليل كقوله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى}، فإذا جاز في الأنبياء فليجر في حق من دونه بمراتب.
قوله: (لأنهم أحوج إلى شفاعته).
هذا وجه مستقيم وقد أتى بعضهم بوجه آخر وهو: أنه غيبهم بالشفاعة لكيلا يقنطوا ويظنوا أنه لا نصيب لهم لأجل ما أقترفوه.

فصل:
أختلف الشيوخ في المطلوب بالشفاعة.
قوله: (وقال أبو الهذيل أن يعود الثواب الذي أسقطته المعصية ظاهرة الأصلاق فيعم ما أسقطته الصغيرة ما أسقطته الكبيرة قبل التوبة وكلام المصنف في الأحتجاج عليه مصرح بذلك حيث قال: لكان التائب بعد أرتكاب الكبيرة على حالاً فيه لو لم يرتكبها والمشهور عن أبي الهذيل أنه جعل الشفاعة ليعود من الثواب ما أسقطته الصغائر.
قال الفقيه حميد: وحكي عن الشيخ أبي الهذيل: أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يشفع لأصحاب الصغائر ليرجع ما نقص من ثوابهم بما أستحقوه من العقاب على الصغائر التي وقعت منهم. وهكذا نقل غيره.
قوله: (وله أن يقول إن ثواب التوبة هو أن يعود بها..) إلى آخره.
فيه نظر لا....... العبارة وعدم أستقامتها وما معنى الحكم على ثواب التوبة بأنه هو أن يعود بها وبالشفاعة ما سقط من ثوابه هذا كلام مختل، وكان الصواب وله أن يقول: إن الشفاعة تكون بأن يعود له من ثوابه ما يصير هو وثواب التوبة كثوابه لو لم يأت بالكبيرة أو مثل ثواب غيره ممن لم يأت بها ويمكن أن يجاب بأن الذي يحصل بالشفاعة يفضل لا محالة من القواعد الشهيرة أنه لا يصح التفضل بالثواب لأنه يتضمن التعظيم وتعظيم من لا يستحق التعظيم قبح فكلامه لا يستقيم على تلك القاعدة.

تنبيه:

لم يتعرض الأصحاب في كثير من كتبهم لإيراد غير الخبر الذي ذكره المصنف مما يقضي بالشفاعة للعصاة ولا أستعلوا بالجواب عن غيره والأحاديث الواردة في الشافعة للعاصين كثير وقد ذكر بعض علماء الحديث أنها بالغة حد التواتر منها قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لكل نبي دعوة مستجابة فيعجل كل نبي دعوته وإني ....... دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي ماثلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)). رواه أبو هريرة وأخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والترمذي عن عمران بن حصين عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: يخرج قوم من النار شفاعة محمد فيدخلون الجنة يسمون الجهميين. أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي، وعن جابر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير قلنا: وما الثعارير؟ـ قال الضغائيس)). أخرجه البخاري ومسلم.
قلت: قال الجوهري: التعارير بالعين المهملة الثأليل، وعن أنس قال حدثنا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون: أشفع لنا.
فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم.
فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى.
فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله فيأتون عيسى.
فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد فيأتون.
فأقول: أنا لها فاستأذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الأن يلهمنيه الله ثم أخر له ساجداً.
فيقول: يا محمد أرفع رأسك وقل نسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع.
فأقول: يا رب أمتي أمتي.
فيقال لي: أنطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم آخر له ساجداً.
فيقال لي: يا محمد أرفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع.
فأقول: يا رب أمتي أمتي.

فيقال لي: أنطلق فمن كان في قلبه مثال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً كما فعلت.
فيقال لي: يا محمد أرفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع.
فأقول: يا رب أمتي أمتي.
فيقال لي: أنطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم آخر له ساجداً.
فيقال لي: يا محمد أرفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع.
فأقول: يا رب أئذن فيمن قال لا إله إلا الله؟.
قال: ليس ذلك لك. أو قال: ليس ذلك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)). أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وهو من أبلغ أحاديث الشفاعة، لكن إذا تؤمل ففيه ما فيه من وجوه:ـ
أحدها: أن أوله يقضي بأن الملتمس للشفاعة هم أهل القيامة كافة ولهذا فزعوا إلى الأنبياء أولاً فالأول فلما أنتهوا إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((أنا لها)). ثم لم يذكر إلا أمته.
الثاني: أنه يقضي بأنهم طلبوا الشفاعة وهم في العرضة لأنه قال: ((إذا كان يوم القيامة)). ولئن سياق الحديث يقضي بأجتماع السعداء والأشقياء وحضور الأنبياء ثم ذكر في قبول الشفاعة في جميع المرات ما يقضي بأن المشفوع لهم قد صاروا في النار لأنه يقال: ((فأخرجه منها)). ولا شك أن الضمير للنار ولا يستقيم أن يكون للقيامة ولا يساعد عليه الذوق والأساليب.

الثالث: أنه ذكر في الرابعة أنه لما طلب إخراج من قال لا إله إلا الله قال: ((ليس ذلك إليك، وعزتي وكبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)). وذلك يقضي بعدم قبول شفاعته فيهم لقوله: ليس ذلك إليك. مع أن شفاعته لا ترد ولا يشفع إلا فيما يجاب إليه لأنه متضمن مع رده للأخبار بأنه يفعل ذلك فكيف يمنع صلى اللّه عليه وآله وسلم منه مع أنه لا محالة مؤكد بالقسم العظيم لأن قول لا إله إلا الله معظم الأيمان ورأسه وقد ذكر في الثالثة أنه يؤذن له بإخراج من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ولكن التأويل والتقويم ممكنان لمن له بصيرة ونضر بهذا البيان والله أعلم بحقيقة ذلك وهو الملك الديان وعن أبي سعيد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا حمماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر صبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة في جميل السيل)). أخرجه مسلم فيما أنفرد به فهذه الأحاديث من جملةما ورد من أحاديث الشفاعة الدالة على أنها تقع لمن يستحق العقوبة ودخول النار نعوذ بالله منها رواها أئمة الحديث وأخرجوها في مسنداتهم وصحاحهم وأصحابنا ربما ينكرونها ويقولون إن صحت فلا يخرج عن زيبة الآحاد فإن التواتر من حقه كثرة الراوين وأستواء الطرفين والأوساط في ذلك والله ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.

وإذ قد فرغنا من ........ على مسألة إيصال عقاب الفساق إليهم وما يتعلق بها من ذكر خلودهم ومنع الشفاعة لهم وهي عظمى مسائل باب الوعد والوعيد ومجال التشاجر والتنازع الشديد وتم ما أوردناه من التعليق على ما يفتقر إليه من كلام المصنف ومن الأتيان بفوائد زوائد وفوائد شوارد فلنختم الكلام في ذلك بأربع نكت جليلة القدر عظيمة الخطر ينبغي أن تصغي إليها الآذان وتعكف عليها الأذهان وينظر إليها بعين الإنصاف ويتأملها الواقف عليها التأمل الصاف فإنها نافعة إن شاء الله تعالى:ـ

النكتة الأولى: لا يخفى على الخائض في هذا الفن أن الوعيدية من المعتزلة والزيدية وغيرهم أعتمدوا في أنه لا بد أن يفعل بالفاسق ما يستحقه من العقوبة ويخلد في النار ولا تنفعه شفاعة الشافعين على العمومات الواردة المتعددة من الآيات القرآنية والأخبار النبوية ومع ذلك بنوا على أنها أدلة قطعية وبراهين........ وأن المسألة ليست بظنية وأن المخالف فيها ما بين كافر وفاسق ومخطي خطأ فاحشاً لا يبعد معه فسقه على حسب أقاويل المرجئة وأختلافها وتفاوتها في الخطأ وعدم الإصابة ثم إذا تأملت الأمر ونظرت في كلام الأصحاب وغيرهم وقواعدهم في فن أصول الفقه أطلعت على ما يقضي بخلاف ذلك من وجوه:ـ
أحدها: أن ألفاظ العموم في إفادتها للعموم خلاف شديد ونزاع عظيم وقد سبق ذكره والأدلة على إفادتها للعموم قد مضى ذكرها وتحريرها وللناظر فيها نظره.
وثانيها: أن ألفاظ العموم من قبيل الظواهر وليست من قبيل النصوص والظاهر دلالته ظنية أو حقيقية ما دل دلالة ظنية ولا شك أن اللفظ العام يتطرق إليه الأحتمال وكل لفظ يحتمل غير ظاهره لا يمكن القطع بمدلوله.

133 / 158
ع
En
A+
A-