فقوله: (لو كان للنفس اللحوح خلود يتضمن نفي الخلود مع إثباته للبقاء المنقطع في قوله: وغنيت دهراً. فدل على أن الخلود فيها أبداً فإن أهل اللغة بصوا على أن قوله: أبداً. تأكيد لمعنى الخلود فلو أفاده الخلود للدوام لما صح تأكيده بما يفيده ومنها أنه يصح الأستثناء من الخلود مقدار من الوقت فيقال: خالدين فيها ألا سنة أو سنتين فلولا أن لفظة الخلود سيعرفه وإلا لما صح ذلك.
قال الإمام يحيى: ويوضح ذلك أن تلك الآيات دالة على خلود الكفار فيجب أن تكون دالة على خلود الفساق أيضاً.
وأحتج الرازي على ما أدعاه في معنى الخلود فقال: قد ...... أن لفظ الخلود مستعمل في لفظ وهو على خلاف الأصل أو مشتركاً بينهما وهو أيضاً على خلاف الأصل ويجعله مقيداً لطول المكث فقط حتى يكون أسم الخلود بالنسبة إلى الدائم وغير الدائم كأسم الحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس بمعنى أنه يقع عليهما على سبيل التواطؤ وذلك أقرب إلى الدليل فيكون لفظة الخلود مقيدة لطول المكث فقط، فأما أن ذلك المكث الطويل هل يتعقبه إنقطاع أم لا فذلك إنما يعرف بطريق آخر كما أن لفظة اللون لا تفيد إلا هذه الحقيقة المشتركة بين السواد والبياض فأما خصوصية كل واحد منهما فإنما تستفاد من دليل آخر وإذا كان كذلك لم تكن لفظة الخلود دليلاً على المكث بغير إنقطاع.

والجواب: أن اللغة لا تثبت بصياغة الرازي في الأحتجاج ولا بالدلالة العقلية والترجيح العقلي ومن المعلوم أن البقاء الذي لا ينقطع هو المتبادر إلى الفهم عند إطلاق لفظة الخلود وذلك دليل الحقيقة وإن أستعمالها في غير ذلك من قبيل المجاز ثم أعترض الرازي الأحتجاج بقوله تعالى: {وما هم عنها بغائبين}. بناء على بقية الآيات قد نقض حجيتها بما ذكره في الخلود بأن قوله تعالى: {وما هم عنها بغائبين}. لا يقتضي الدوام فإنه يصح أن يقال: فلان ما غاب عني إلى وقت الظهر. ولو كان ذلك مقتضياً للدوام لكان تحديده بحد معين مناقضاً له ولأنه إذا قيل: فلان لا يغيب عني. فإنه لا يصح أن يسبقهم ويقال: لا يغيب عنك أبداً أو في أكثر الأوقات. ولو كان ذلك نصاً في الدوام لما صح الأستفهام ثم إن سلمنا كونه نصاً في الدوام لكنا نقول: المرجئة تحمله على الكفار لا سيما إذا ثبت أن الألف واللام لا تقتضيان العموم.
والجواب: أما قوله: (لكان تحديده بحد معين مناقضاً له).
فنقول: لا نسلم المناقضة في ذلك فإنه يصح أن يقال: فلان لا يعصي الله في كل وقت وزمان مستقبل إلى أن يموت وليس يلزم من أستغراق المطلق للأوقات عدم صحة التقييد فكلامه في ذلك غير سديد وأما عدم صحة الأستفهام وأن يقال: أتريد أنه لا يغيب عنك أبداً. فالقرينة العقلية التي يقطع معها بأن ذلك غير مراد له وأنه لا يصح أن يقصده لأستحالته، وأما حمل الفجار على الكفار فقط فغير مسلم لأن لفظ الفجار يدخل فيه الفساق فتخصيصه بالكفار تخصيص لا دليل عليه وأما أقتصار الألف واللام للعموم فقد عرف مما سبق دليله صحة الأستثناء.
قوله: (وفيه الأشكال المتقدم).
يعني: لعدم تسليم الإجماع على أنه لا دار ثالثة ومنع الإجماع على أن المكلف لا يدخل الجنة إلا مثاباً.
قوله: (وخلافه معلوم).
يعني: أختلاف عقاب الكفار وعدم أستوائه، ولهذا قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}. ولأن الكفر يتفاوت فكذلك عقابه.

قوله: (ولا يستوي ثواب أهل الجنة).
يعني: لأستوائهم في التخليد لأنكم جعلتموه في حق أهل النار مقضياً إلى الأستواء.
قوله: (والتحقيق أن قوله: {أحقاباً}. جمع ولا غاية لكثير الجمع..) إلخ.
هذا كلام لا يخلو عن ركة ولا يستقيم مع القول بأن الجمع المنكر ليس من ألفاظ العموم والتحقيق ما ذكره جار الله وهو أن قوله: {أحقاباً}، أراد به حقباً بعد حقب كلما مضى حقب تبعه حقب آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها والأشتقاق يشهد لذلك ألا ترى إلى حقيبة الراكب والحقب الذي وراء التصدير ويجوز أن يزاد لابثين فيها أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم.
قوله: (لم يدل تخصصه بالذكر على نفي ما عداه).
يعني: دلالة قطعية وإنما تدل دلالة مفهوم العدد وهي ظنية لا يؤخذ بها في مسألتنا هذه.
قوله: (في الآية نفسها).
يعني: فيما يتصل بها وكالتتمة لها وكذلك يعارضون بأنه يلزم مما ذكروه إنقطاع عقاب الكفار لأن الآية شاملة لهم وللفساق ولا قائل بذلك.
قال الإمام يحيى: لا عن شذوذ لا يلتفت إليهم.
قوله: (والتحقيق أن المراد سموات الآخرة وأرضها).
قال الفقيه حميد في العمدة: فإن قيل: كيف يصح أن يكون في الآخرة سماء وأرض؟.
قلنا: السماء في لغة العرب ما علا الإنسان والأرض ما أستقر عليها فيجوز أن يكون في الآخرة ما يعلوهم فيوصف بأنه سماء وما يستقرون عليه فيوصف بأنه أرض، وأوضح من هذا وأرجح ما ذكره صاحب الكشاف فإنه قال: والدليل على أن للآخرة سماوات وأرضاً قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات}، وقوله تعالى: {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} . ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها الله أو يظلهم العرش وكلما أظلك فهو سماء.
قوله: (والأستثناء عن أول الوقت صحيح).

في العبارة إنضراب والأحسن أن يقال: والأستثناء لأول الوقت لأنه مستثنى وليس بمستثنى منه.
قوله: (وكما قال تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}).
هذا خطأ في التمثيل فإنه من قبيل الأستثناء المنقطع وليس أستثناء من أول الوقت، فإن المستثنى الموتة الأولى والمستثنى منه نفي ذوق الموت في الجنة فأين هذا مما نحن فيه.
واعلم أن جار الله حمل الإستثناء في هذه الآية على وجه آخر فقال: هو أستثناء من الخلود في عذاب النار لأنهم لا يخلدون فيه وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سواء عذاب النار وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم ولهذا قال: {إن ربك فعال لما يريد}. أي يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب.
قال: (ولا يجدعنك عنه قول المجبرة).
أن المراد بالأستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة فإن الأستثناء الثاني ينادى على تكذيبهم ويسجل بأفتراقهم.
قوله: (والمراد {كنا نعدهم من الأشرار} في الدنيا..) إلى آخره.
هذا هو التحقيق في الجواب.
قال جار الله يعنون فقراء المسلمين الذين لا توبة لهم كانوا يعدونهم من الأشرار أي من الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى ولأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشراراً.
قوله: (لأنها ليست بهمزة أستفهام).
يعني: وإنما هي همزة وصل مكسورة تذهب في الدرج وهمزة الأستفهام مفتوحة وهذا على إحدى القرائتين.
قال جار الله: قرى بلفظ الأخبار على أنه صفة لرجالاً وبهمزة الأستفهام على أنه إنكار وتأنيب لهم في الأستسخار منهم.
وقوله: ({أم زاغت عنهم الأبصار}).
له وجهان:ـ
أحدهما: أن يتصل بقوله: أي ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها بل زاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنه خفي عليهم مكانهم.

والوجه الثاني: أن يتصل بأتخذناهم سخرياً إما أن يكون أم متصلة على معنى أي الفعلين فعلنا بهم الأستسخار بهم أم أراد راؤهم وتحقيرهم وإن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقبحهم على معنى إنكار الأمرين جميعاً على أنفسهم وعن الحسن كل ذلك قد فعلوا أتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم، وإما أن تكون منقطعة بعد مضي إتخذناهم سخرياً على الخبر أو الأستفهام كقولك: إنها لأبل أم شاء.
قال جار الله: قيل: والضمير في قال: لصناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وصهيب وبلال وأشباههم.
قوله: (في لفظ الحديث بعدما أمتحشوا وصاروا فحماً وحمماً ...... الأحتراق وأمتحشوا على وزن أفتعل مبني للفاعل.
قيل (ي): والفحم الجمر الذي أنطفأت ناره والحمم الرماد، وقال في المجمل: الفحم. وقال في الصحاح: الحمم الرماد والفحم كل ما أحترق من النار.
قوله: (وإن صح فأحادي).
قال الفقيه حميد: لأنه لو كان متواتراً لاستوى الناس في العلم به أو من يشتد ظلبه منهم لأن ذلك حكم الأخبار المتواترة ومعلوم خلافه فإن نفاة الأرجاء لا يعلمونه ولا يظنونه مع كثرة عددهم وأختلاف أوطانهم.
قوله: (وشبههم بالفحم والحمم..) إلى آخره.

لا بأس بأن يجعل ذلك من ترشيخ الأستعارة لأنه أستعار النار للعمل المؤدي إليها وأردف ذلك بما هو من لوازم المستعار وهو مصير الداخل فيه فحماً وحمماً وفي معنى هذا الخبر مارواه سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو خبر طويل منه: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من النار أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل آثار السجود فيخرجون من النار وقد أمتحشوا قبصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)). ولعل التأويل المذكور في المتن لا يتأتى في هذا الخبر لأنه في ذكر أحوال القيامة وأهوالها وفي كتب الحديث من هذا المعنى ما هو كثير غير قليل.
قوله: (في لفظي الحديث بعدما ذهب خبره وسيره).
هو بكسر الحاء والسين. قال الفراء: لونه وهيئته. وقال الأصمعي: جماله وبهاؤه.

تنبيه:
أعلم أن من شبه النافين لخلود الفساق في النار المعارضة بآيات الوعد كقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}. والفاسق ممن عمل الصالحات فيجب أن يكون ثوابه دائماً لا ينقطع.
وأجاب الإمام يحيى عنها: بوجهين:ـ
أحدهما: أن الدلالة قد قامت على أن الفاسق بأرتكابه الكبيرة قد حبط عمله وبقي أستحقاقه العقوبة دائماً.
وثانيهما: أن الآية إنما تدل على أنه لا يستحق العقوبة أبداً وأنتم لا تقولون بذلك وليست دالة على إنقطاع عقوبته فكيف يصح إيرادها.

القول في الشفاعة
وجه أتصالها بما تقدم من الكلام في إتصال عقاب ذوي الكبائر إليهم وخلودهم في النار ظاهر فإنها من تتمة القول في ذلك ولا يصح ما تقدم إلا بتصحيح ما يذهب إليه الأصحاب فيها من أنها ليست للفساق ولا لمن يستحق النار وأنها لا تقتضي عدم دخولهم النار ولا خروجهم عنها بعد دخولها وما هي إلا عصن من دوحة الكلام في مسألة عقاب الفساق وخلودهم ولهذا جعلها الرازي طريقة من طرقهم إلى القول بالأرجاء وعدها من أدلتهم في ذلك ووسطها بين حججهم فيه، وعدها الإمام يحيى شبهة من شبههم في ذلك ووسطها بين ما أورده من الشبه وإنما أفردها المصنف وغيره وجعلوها مسألة مستقلة وفصلا على حياله لاتساع القول فيها وتنوعه وتشعب الخلاف فيها بين الشيخ وبين الخصوم وتميزها بأدلة وأسئلة وأجوبة وشبه.
قوله: (فقال أهل الأرجاء إنما تستعمل في دفع الضرر فقط).
هكذا ينسب هذا إلى أهل الأرجاء وقد ينسب إلى المجبرة واحتجوا بأنه لولا قصرها على دفع الضرر للزم أن يكون شفعاً للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وللملائكة إذ دعونا لهم والأجماع منعقد على أنا غير شافعين لهم.
واجبت: بأن الشفاعة في اللغة ما أراد بها فاعلها الحث على المطلوب والداعي للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقصد الحث على إكرامه صلى اللّه عليه وآله وسلم لأنه يعلم أن الله مكرم له سواء طلب ذلك أو لم يطلبه وإكرام الله ليس لأجل الشفاعة، ألا ترى أن السلطان إذا عزم أن يعقد لأبنه ولاية بلدة ثم حثه ودبره على ذلك مع أن السلطان فاعل له لا محالة وإنما قصد الوزير التقرب بذلك إليه فإنه لا يعد شفيعاً.
قال الإمام يحيى ولأنه يجب أن يكون الشفيع أعلى حالاً وأعظم درجة من المشفوع له، والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هو الأعظم درجة والأعلى حالاً، فلا يصح أن يكون شفعاً له.

قلت: وذكر في الغايات أن الشفيع لا يجب أن يكون أعلى من المشفوع له في الرتبة قال: ألا ترى أن زوجة السلطان لو عصته وكرهته فشفع له والدها أن يحسن عشرتها إليه سمي الوالد شفيعاً وإن كان دون السلطان في الرتبة. قال: ولا يعتبر كون الشافع أيضاً أبلغ حظاً عند المشفوع إليه من المشفوع له إلا في ذلك المطلوب فقط إذا قد يشفع الأجنبي إلى الوالد لولده ولا شك أن حظه عند والده أبلغ في غير ذلك المطلوب.
قلت: وأختلف هل يعتبر أن تكون رتبة المشفوع إليه أعلى من رتبة الشفيع أو لا فأعتبر ذلك بعضهم، وقال: لا بد منه.
وقال: ذكر الفقيه حميد في العمدة وغيره: أنه لا يعتبر ذلك.
قال: ولهذا يقال: شفع السلطان إلى الوزير في خادمه. كما يقال: شفع الوزير إلى السلطان في خادمه. وعلى هذا قال صلى اللّه عليه وآله وسلم لبربرة لما أعتقت ورامت فسخ النكاح بينها وبين زوجها: ((زوجك وأبو ولدك)). فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: ((لا وإنما أنا شافع)). وحقه صلى اللّه عليه وآله وسلم فوق كل حق ورتبته فوق كل رتبة.
قال: وإن كان لا يبعد أعتبار الرتبة عرفا.
قوله: (وقال الجمهور: يستعمل فيه وفي جلب النفع).
قال المهدي عليه السلام: ويعلم بتواتر النقل عن أهل اللغة أنهم يقولون: شفع فلان إلى فلان ليقضي دينه أو ليغني فقره. ونحو ذلك، ولا يخالف أحد في ذلك بل هي في جلب المنافع أشهر.

فصل:
قوله: (ذهب الجمهور إلى أن شفاعة نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم للمؤمنين التائبين من أمته).

أعلم أنه لا خلاف بين أهل الإسلام أن لنبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم القيامة شفاعة مقبولة وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه يوم القيامة في قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}. وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كذب بالشفاعة لم ينلها)). وأنكرت المطرفية الشفاعة، قالوا: لأنها إن كانت أمر واجب مثل ثواب الصغير فهو يفعل غيرها، وإن كانت في تفضل فلا يجوز عندهم أن يحصى به بل تجب المساواة فيه بين العباد وإلا كان التخصيص من الله ومن رسوله محاباة، والمشهور عن الجمهور وهم الأكثر من الزيدية والمعتزلة أن الشفاعة تكون للمؤمنين سواء كانوا قد أتوا بكبائر .... بأنواعها أو لم يواقعوا كبيرة رأساً ليزيدهم الله بها نعيماً إلى نعيمهم وسروراً إلى سرورهم تفضلاً.
وقال أبو القاسم البلخي: الشفاعة لمن أستوى ثوابه وعقابه فيدخل بالشفاعة الجنة ويرتقي إلى درجة زائدة على درجة من لم يشفع له من المتفضل عليهم وهو ..... بما تقدم من المنع عن الأستواء ومن أجاز ذلك فبطلانه عندنا بأنه لا دليل على قصر الشفاعة على من كان له هذا الحكم دون غيرهم من أهل الجنة.
قوله: (وقال أهل الأرجاء: بل للمصرين من أمته).

يعني: من أهل الكبائر وهم الذين لم يتوبوا والمطلوب عندهم بالشفاعة أن يعفى عنهم ويدخلوا الجنة تفضلاً وكثيراً ما ينسب أصحبنا هذا القول إلى المجبرة وكلهم مرجئة ونسبته إلى أهل الأرجاء أشمل ومناسبته للأرجاء أوضح وأكمل وهل يجوز أن يشفع نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم لغير أمته لا مانع من ذلك وفي الحديث ما يقضي بنه وكذلك الظاهر أن غيره من الأنبياء يشفع إذا شفع وكذلك بعض الأولياء والصالحين لورود ما يقضي بذلك من الأخبار نحو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، والعلماء، والشهداء)). وورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في أويس القرني سيد التابعين أنه يشفع لعدد ربيعة ومضر وورد أن الطفل يشفع في والديه. وزاد أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته فإن لم يكونوا فمن جيرانه، وورد: ((إذا كان يوم القيامة نصبت منابر من ذهب مرصة بالدر جلالها السندس على أبواب الجنة ثم يقال للعلماء أجلسوا على هذه المنابر وأشفعوا تشفعوا ثم أدخلوا الجنة)). وفي الترمذي من رواية أبي سعيد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أن من أمتي من يشفع في القيام من الناس ومنهم من يشفع للقبيلة ومنهم من يشفع للعصبة ومنهم من يشفع للواحد حتى يدخل الجنة)). وزاد زبن العبدري: ((إنما شفاعتي لأهل الكبائر، وإنه ليؤمر بالرجل إلى النار فيمر برجل قد سقاه شربة ماء على ظمء فيعرفه فيقول: ألا تشفع لي؟ فيقول: ومن أنت؟ فيقول: ألست أنا سقيتك الماء يوم كذا وكذا فيعرفه فيشفع له فيرد من النار إلى الجنة)). وغير ذلك مما يطول ذكره.
قال الفقيه حميد: وهذا من المجوزات. يعني: شفاعة غير الأنبياء. قال: فإن كانت الأخبار مقطوعة وجب أن يقطع عليه وإن لم يكن مقطوعاً عليها بقينا على التجويز لأن القطع من غير دلالة لا يجوز.
قوله: ( قال القاضي: العقل يقضي بقبح الشفاعة للفساق..) إلخ.

132 / 158
ع
En
A+
A-