أحتجت الحنفية بذلك على مذهبهم وهو أن المؤمن يقتل بالذمي خلاف مذهبنا ومذهب الشافعي، ولم يأت المصنف بتمام ما أحتجوا به وتمامه أن يقال: فإذا كان التقدير في الجملة الثانية ولا ذو عهد في عهده بكافر ومن المعلوم أن المعاهد يقتل بمثله من يعاهد آخر أو من له ذمة مؤيدة عند الجميع فلا بد أن يراد بالكافر المضمر في الجملة الثانية هو الحربي والكافر المضمر فيها هو المظهر في الجملة الأولى لأنا لم نضمره في الثانية إلا لأظهاره في الأولى فهو هو فإذا كان المضمر هو الكافر الحربي تبين بذلك أن المراد بالكافر المظهر هو الحربي فلم يدل الخبر إلا على أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي فقط وبقي قتله بالذمي داخلاً تحت قوله تعالى: {النفس بالنفس}. وربما نقل عنهم أنهم قالوا: وإذا ثبت أن المعنى لا يقتل مؤمن بكافر حربي فمفهومه أنه يقتل بالذمي.
قوله: (فقال لهم الجمهور..) إلخ.
ووجه دفع ذلك لما قالوه أنه إذا لم يجب إضمار كافر في الجملة الثانية لم يثبت أن المراد الكافر الحربي في الأولى فيبقى على إطلاقه ويفيد الخبر أن المؤمن لا يقتل بكافر حربياً كان أو ذمياً.
قوله: (لأن الواجب قد تعلق بالمشيئة).
وذلك لأن جميع أفعاله تعالى تعلق بمشيئته وتقع بها ولهذا قال تعالى: {يعذب من يشاء}. مع أنه لا يصح التفضل بالتعذيب. وقال في أهل الكتاب: {بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}. مع أنه لا يتفضل بالغفران على الكفار وإنما يغفر لهم بالتوبة.
قوله: (فيحمل على مشيئة الأقتدار).
أي: على المشيئة التي يعبر بها عن الأقتدار وأنه لا منازع له في حكمه ولا رَآدَّ لأمره.
قوله: (أنى للتائب عن الكبيرة إذا لم يكن مع الكبيرة شرك).
أراد فلا يقال: إن المغفرة لكل تائب عن الكبيرة حتم فلا فائدة لتعليقها بالمشيئة لأن من التائبين عن الكبائر من يكون له خصلة كفرية تعد شركاً فلا يغفر له كبيرته وإن تاب عنها لأن شركه مانع عن قبول توبته.

قوله: (بل يستعمل فيهما).
قال السيد صاحب الشرح: ولهذا فإن أحدنا إذا قال: السلطان ومن دونه في بلد كذا لما شملهم من القحط في شدة وبلية لم يجب أن يريد به السلطان ووزيره بل يريد به من عداه من الأكابر والأصاغر واعترض بأنه إنما يستعمل في البعيد مع إنظمامه إلى القريب كما ذكر في المنال وأما أستعمال لفظ دون فيما بعد فقط فلا يصح ذلك لغة على وجه يستجاد.
قلت: وثَمَّ نظر من وجه آخر: وهو أنه إنما أفاد لفظ دون في المثال المذكور الأصاغر مع الأكابر للقرينة وهو أن لحوق الشدة والبلية بسبب القحط لأصاغر الناس وأذيتهم أشد في العادة من لحوق ذلك للسلطان والوزير ونحوهما من الأكابر فالمثال غير مطابق لكنه يمكن الجواب بأن يجعل قوله: ما دون ذلك في الآية شاملاً للكبائر والصغائر فقد أريد به ما قرب وبعد معاً ولما قال: {لمن يشاء}. دل ذلك على أن المغفرة حاصلة لمن لم يقم الدليل على عدم المغفرة له وهو صاحب الكبيرة التي تاب عنها وكل صاحب صغيرة محققة غير مقدرة.
وأما الفقيه حميد: فأستقرب أن يكون ما ذكره الخصوم في لفظه دون صحيحاً في العرف دون أصل اللغة. وإذا قيل: فلمَ لم تحملوها على العرف فهو السابق إلى الأفهام.
أجبت بأنه وإن كان الأمر كذلك إلا أن آي الوعيد قد قضت بأنه تعالى لا يعفو عن الفساق فكان الرجوع إليها أولى ولو كان فيه حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية دون العرفية.

تنبيه:
قد أشتمل المتن وما أمليناه في هذه الحاشية على أكثر ما قيل في هذه الآية أحتجاجاً وجواباً والأمر فيها مشكل غاية الإشكال.

قال الرازي في آخر كلامه عليها المراد بما دون الشرك ليس هو المعصية بعد التوبة لأنه لا يبقى حينئذ فرق بين الشرك وبين ما دونه لأن كل واحد منهما مغفور بعد التوبة وغير مغفور قبلها فوجب حملها على المعصية قبل التوبة وليس المراد هو الصغيرة لأن الصغيرة يجب غفرانها والآية لا يجوز حملها على المغفرة الواجبة للوجهين المذكورين في أول الطريقة فوجب حمل الآية على الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب.
قال: وهذا الوجه مبني على الفرق بين الصغيرة والكبيرة وعلى أن الصغيرة يجب غفرانها وكذلك الكبيرة بعد التوبة وهذه الأشياء غير لائقة بأصولنا فالأولى إيراده على سبيل الإلزام.
قلت: وهو إلزام واضحكما ترى وقد أجاب بعض أصحابنا بجواب فيه تخلص عن مثل هذا لكنه لا يخلو عن تكلف وتعسف فقال: هذه الآية ليست موجهة إلى هذه الأمة على الخصوص بل إلى جميع المكلفين وقد دل الدليل في حق هذه الأمة على أن عقاب الكبيرة لا يسقطه إلا التوبة ولا يجوز مغفرته فيخرج فساق هذه الأمة من قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. بما ذكرناه من التخصيص ويبقى تحت عمومها من كان من المكلفين من غير بني آدم كالجن أن من بني آدم وهو من الأمم الماضية إذ لا يمتنع أن يعلم تعالى أنه لا كبيرة في جقهم إلا الشرك وأن الكبائر في حقنا صغائر في حقهم لهم من الثواب ما يكفرها وذلك غير ممتنع لأن الثواب والعقاب قيم للطاعات والمعاصي والعالم المقدار القيم هو الله تعالى ثم إن الطاعات كالمعاصي تختلف باختلاف الأزمان والمكلفين والأشخاص والبقاع.
قوله: (فالظاهر يقتضي غفران الشرك).
يعني لأنه من الذنوب فإن لفظ الذنوب يعم كل ذنب ولا شك أن الشرك ذنب.
قوله:(فما خصصوا به غفران الشرك).
يعني: وهو قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}. خصصا بمثله غفران الفسق. يعني: خصصناه بآيات الوعيد الدالة على أن عقابه لا بد أن يصل إليه.
قوله: (والمعنى يغفر الذنوب جميعاً بالتوبة).

قال جار الله: وقد تكرر ذكر هذا الشرط في القرآن فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكراً له فيما لم يذكر فيه لأن القرآن في حكم كلام واحد ولا يجوز فيه التناقض وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود: {يغفر الذنوب جميعاً لمن يشاء}. والمراد عمن يشاء من تاب لأن مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله لا لملكه وجبروته.
وقيل: قال أهل مكة: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له فكيف ولم يهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله فنزلت، وروي أنه أسلم عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما ثم فتنوا وعذبوا فأفتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله لهم صرفاً ولا عدلاً أبداً فنزلت فكتب بها عمر فأسلموا وهاجروا.
قوله: (وسياق الآية يشهد بذلك).
يحتمل أنه أراد بالسياق ما أنزلت بسببه كما قدمنا ذكره، ويحتمل أنه أراد ما ذكر بعدا وكلامه يشعر بهذا الأخير.
قوله: (قال تعالى بعدها: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}).
أي: توبوا إليه وأخلصوا له العمل.
قال جار الله: وإنما ذكر الأنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه.
قوله: (الآيات فإن كلها تحث على التوبة ووعيد على الأخلال بها).
يعني: أن بعضها ينطوي على الحث وبعضها على الوعيد على تركها وعلى عدم إتباع الأحسن وتلك الآيات المشار إليها قوله تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أن تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين}.
قوله: (شبهة).

قال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}. قال الرازي في نهايته فمقتضى الآية أن يحصل الغفران حالة مباشرة الظلم كما إذا قيل: رأيت فلاناً على أكله فإنه يدل على أنه رآه حال كونه آكلاً ومعلوم أن حال الأشتغال بالظلم لا يكون تائباً فيثبت حصول المغفرة لغير التائب على الأطلاق هكذا ذكره وقد سبق له أنه ليس المراد من المغفرة هاهنا ترك العقاب لأن الآية وردت في الكفار ولأن مساقها لا يليق أيضاً بذلك وصرح ..... المغفرة فهيا على تأخير العقاب ولكن ليس هذا بأول تخليط منه ومناقضة وقد أعترف جار الله بأن المراد بالآية مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب ومحله الحال بمعنى ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه:
إن أريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر أو الكبائر بشرط التوبة أو يريد بالمغفرة السير والأمهال وروي أنها لما نزلت قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لو لا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولو لا وعيده وعقابه لأتكل كل أحد)).
قوله: (وإنما سماهم ظلمة بعد التوبة من حيث الأشتقاق).
فيه نظر لأنه لم يسمهم ظلمة بل أخبر أنه يغفر لهم مع الظلم الذي صدر منهم ولا شك في صدوره منهم تابوا أو لم يتوبوا فليس أسم الظلم مشتقاً إنما هو مشتق منه، وإنما أراد أن الأشتقاق يقتضي تسمية التائب ظالماً وعاصياً للظلم والعصيان الصادرين منه قبل التوبة وإن كان لا يصح إطلاق ذلك عليه بعد توبته من أحدنا لأتهام الخطأ وأما من الباري تعالى فيجوز ذلك لأن حكمته قريبة معنوية بقضي بأنه لا يقصد إلا المعنى الصحيح ولهذا قال تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى}.
قوله: (شبهة قال تعالى: {فأنذركم ناراً تلظى}..) إلى آخره.
وجه أحتجاجهم بها: ما ذكره المصنف وتحقيقه أنها تقتضي قصر دخول النار على الأشقى ثم فسره الله بأنه الذي كذب وتولى والمعلوم أن الفاسق ليس كذلك فلا يصلى النار.
قوله: (وللزم في الكافر الأصلي الذي لم يكذب).
فيه نظر من وجهين:ـ

أحدهما: أنه لا معنى لقوله: (الأصلي) لأنه يشعر بأن الكافر المكذب ليس بكافر أصلي وهو غير صحيح فإن الأصلي هو في مقابلة المزيد الذي كان أصله الإيمان وسواء كان الكافر الأصلي مكذباً أو غير مكذب.
الثاني: أن كل كافر مكذب وكيف يكون كافراً غير مكذب فإنه لا يكفر إلا بإنكاره الصانع أو النبوة أو البعث أو نحو ذلك، وما هذا حاله تكذيب وليس المكذب مقصور على من يقول للنبي كذبت مثلاً فقط بل هو كل منكر لأمر يكفر بإنكاره.
قوله: (وفي الذي غيره أدخل منه في الكفر).
يقال: هذا لا يلزم إلا لو قصد بالأشقى أشد الناس شقاوة وأعلاهم فيها منزلة ولم يفسره وأما حيث فسره بمن أتصف بالكفر فلا يلزم ما ذكره وقد حصلت الأفضلية في الشقاوة بالكفر فإن كل كافر أشقى بالنظر إلى الفاسق، وإن كان الكفار بينهم تفاضل، وقد يقع التفاضل بالنظر إلى المفضل لا يشاركه غيره في تلك الزيادة، وبالنظر إلى أنه أختص بزيادة على غيره وأن شورك فيها.
قوله: (وبعد فقد قال تعالى في آية أخرى..) إلى آخره.
وقوله: ( فقوله: {ناراً}. نكرة كان الأحسن في التحرير أن يجعل هذين الوجهين وجهاً واحداً فنقول وبعد فقوله تعالى: {ناراً}. نكرة غير معينة فتكون الآية قاضية بأنه لا يدخل تلك النار إلا الكفار ولا يدل على أنتفاء دخول الفاسق غيرها ولا على أنهم يدخلون غيرها ولكن دل على ذلك غير هذه الآية وهو قوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار}.
ومما أجبت به جواب ذكره أبو الهذيل أن المراد بالمكذب الكافر والمتولي الفاسق لأنه متول عن طاعة الله بفسوقة الذي أتى به.
قال السيد في الشرح: إلا أن هذا يضعف من طريق العربية وفسره بعض المعلقين على كتابه بأنه أراد أن المتولي في اللغة لا يطلق إلا على من رد الشريعة ولم يعتقد صحتها لا من كان فاسقاً ثم قال وفيما ذكره السيد نظر لأنه يقال بل ما ذكره أبو الهذيل مطابق لوضع اللغة لأن العاصي لربه متولٍ عن الطاعة وأمتثال ما كلف فعلاً وتركاً.

قلت: غلط المعلق هذا لأن السيد رحمه الله ما قصد الذي ذكره فلا كلام أن الفاسق متول وإنما أراد السيد أن الله فسر الأشقى بمن جمع بين التكذيب والتولي ولا يستقيم كلام أبي الهذيل إلا لو قال: الذي كذب والذي تولى. فكلام السيد صحيح واضح والذي أشار إليه في الطعن على ما ذكره أبو الهذيل فادح.
قوله: (شبهة. قال تعالى: {وأخرون مرجون لأمر الله}.
هذه الآية ليست بالواضحة في الدلالة على مذهب الخصوم وكثير من المصنفين لا يذكرونها في شبههم وهي عما نحن فيه بمعزل فإن المراد وأخرون من المتخلفين عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في غزوة تبوك موقوف أمرهم إما يعذبهم أن بقوا على الأصرار ولم يتوبوا وإما يتوب عليهم إن تابوا والمراد بها كعب بن مالك وهلال بن آمنه ومرارة بن الربيع وهم الثلاثة المرادون بقوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا}. أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أصحابه حال ........ ألا يسلموا عليهم ولا يكلموهم لنهم لم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من المخلفين الذي شدوا أنفسهم على السواري وأظهروا الجزع والغم تخلفهم فلما علم كعب وصاحباه أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله واخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم الله.
قوله: (فالمراد بقوله تعالى: {اعترفوا بذنبهم} أي: تابوا خلطوا عملاً صالحاً وهو التوبة وآخر سيئاً وهو الذي تابوا منه واعترفوا به).
هو كلام مستقيم وتفسير عن الخطأ سليم.
قال جار الله: فإن قلت كيف قبل أن يتوب عليهم ما ذكرت توبتهم.
قلت: إذا ذكر أعترافهم بذنوبهم وهو دليل على التوبة فقد ذكرت توبتهم وقد فسر العمل الصالح بأنه الخروج إلى الجهاد والآخر السيء بأنه التخلف عنه.

تنبيه:

أعلم أن للمرجئة متمسكات غير ما ذكره المصنف وفي جواب ما ذكره إرشاد إلى جواب ما لم يذكره من الآيات اللاتي يحتجون بها ومن أعظم ما يتمسكون به أن قالوا: قد ثبت إجماع المسلمين على وصف الله تعالى بأنه: غافر وغفور وغفار وعفو كثير العفو والأحسان ومتجاوز عظيم التجاوز والأمتنان وسبار ذو السبر الجميل ووهاب وجواد وحليم وصبور والقرآن مملوء ومشحون بذلك ولا يخلوا ما إن يكون المراد بذلك عفوه ومغفرته ونحوهما لمن تاب فسقط عنه العقاب أو زادت أجزاء ثوابه على أجزاء عقابه فبقي مستحقاً للثواب أو يكون المراد مع عدم الأمرين لا يجوز أن يكون المراد الأول لأن المسقط لعقاب المعاصي حينئذ التوبة وزيادة الثواب فلا تفضل لله في ذلك حيث لم يواجد لأن قبول التوبة يجب عليه والتوبة قاضية بقبح المواحدة وكذلك زيادة الثواب تقضي بسقوط العقاب وقبح إتصاله فكيف يتمدح بذلك ويصف نفسه لأجله بنهاية الكرم وغاية الجود وأتساع المغفرة والرحمة مع أنه يفعل بالعبد كلما يستحقه قطعاً ولا يسمح ويعفو عن قدر مثقال ذرة ولا حبة خردل فإن مع التوبة وزيادة الثواب لم يسقط شيئاً من حقه فلا يكون الترك للعقاب حينئذ عفواً ولا مسامحة فتبين أن عفوه تعالى وغفرانه وما وصف به ذاته الكريمة من تلك الأوصاف الشريفة قاضية بأنه يفعل ذلك جوداً وتفضلاً مع أستحقاق العقاب وعدم سقوطه بتوبة أو ثواب.

وأجبت عن ذلك: بأن تلك الأوصاف الحسنة معناها تائب على ما يقوله ويذهب إليه من منع العفو عن غير التائب وصاحب الصغيرة لأن الله سبحانه وتعالى لم يعجل للعبد ما يستقه من العقاب بل أمهل وحلم ومكنه من التوبة ومع ذلك قابل أنواع الكفر والفسوق والتجري والعقوق بسوابغ النعم وبوالغ الكرم والأمساك عن النقم، وأي حلم أعظم أو عفو أوسع من ذلك ولا شك في تسميته تأخير العقاب عفواً كما قال تعالى في قصة بني إسرائيل: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون}. وكقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}. لأن المراد ما أصابهم في الدنيا وأرادنا بالعفو عدم إصابة ذلك أتاهم في دنياهم ثم إنا لا نسلم أن عدم عقاب التائب ونحوه لا يسمى عفواً ولا مغفرة فقد سماه الله غفراناً في غير موضع من كتابه المبين كقوله تعالى: {واستغفروا ربكم إنه كان غفارا}، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فأستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً}، {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فأستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله}، {وإني غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم أهتدى}، {فأغفر للذين تابوا}. وغير ذلك مما يطول عدده ويتصل مدده فإذا كانت المغفرة مقيدة في هذه الآيات بالتوبة وفيما ذكرتموه وأحتججتم به أطلقت ولم يقيد فمن القواعد الأصولية حمل المطلق على المقيد خاصة إذا كان المقيد أكثر من المطلق.

القول في خلود الفساق
قوله: (قد خالف فيه أهل الأرجاء فجوز بعضهم أن يخلدوا وألا يخلدوا، وقطع الباقون على أنهم يخرجون منها).
هذه الرواية عن أهل الأرجاء صحيحة وقد سبق ما يؤيدها والذي قطع بخروجهم رزقان من العدلية ونسب لك إلى أكثر المرجئة.
قالوا: الإجماع الوعد والوعيد فيهم وكذلك الخالدي وهو أبو الطيب محمد بن إبراهيم بن شهاب زعم أن الطاعة توجب قطع العقاب.

وقال الإمام يحيى في التمهيد: أعلم أن المرجئة على طبقاتهم متفقون على أن الله تعالى لا يخلد عقوبة أحدٍ من فساق أهل الصلاة وإن عقوبتهم منقطعة.
قوله: (فما روي عنه عليه السلام أنه قال: ((لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا نمام ولا عاق)). وقوله في الخبر الآخر: ((لم يرح رائحة الجنة)).
يعني: وإذا لم يدخل الجنة أبداً لم يكن إلا في النار.
قوله: (ومعلوم أن الخلود المذكور في هذه الآيات والأخبار هو الدوام الذي لا ينقطع).
هذا هو الظاهر من معنى الخلود والسابق إلى الأفهام وقد نص عليه الجوهري في صحاحه فقال ما لفظه: الخلود هو البقاء الدائم.
وزعم الرازي وغيره أن الخلود طول المكث من غير دوام. والحجة لأصحابنا ما ذكره المصنف وهي الآية الكريمة ولا شك في أن من كان قبله عليه السلام وبعد موته قد لبت في الدنيا لبثاً منقطعاً فلو كان الخلود موضوعاً للبث المنقطع لم يكن للآية معنى فلا بد من القول بأنه تعالى أراد وما جعلنا الخلود الذي هو الدوام لبشر من قبلك أفائن مت فهؤلاء أعداؤك يبقون بعدك دائمين.
قوله: (وقال الشاعر هو لبيد في النهاية:ـ
وغنيت سبتاً قبل مجرى داحس ... وغنيت من غنى بالمكار).
أي: أقام به. وعني بمعنى عاش أيضاً، وقوله سبتاً على رواية الرازي إما بمعنى الراحة لأنها من معاني السبت أو بمعنى دهراً لأن السبات الدهر في أحد معانيه، ومجرى داحس: هو بضم الميم وذلك إشارة إلى سباق وقع بين بعض أحياء العرب على جبل أحدها الداحس ثم نشأ بسبب ذلك حرب عظيم ذهب فيها عدد كبير والمشهور أنه بين فزارة وعبس والله أعلم.

131 / 158
ع
En
A+
A-