قوله: (فقد بينا أن الخلف يقتضي الكذب).
هذا ليس على إطلاقه بل من الخلف ما يكشف عن الكذب ومنه ما لا يكشف عنه وتحقيق ذلك أن القائل إذا قال: لأفعلن كذا غداً مثلاً فإما أن يخبر عن عزمه أو على القطع إن كان مخبراً عن عزمه وهو كذلك فخبره صدق وسواء فعل أو أخلف وكذلك إن أخبر عن ظنه أو أعتقاده وأما إن أخبر عن علمه بأنه يفعل ذلك فهو كذب من فوره سواء وفى أولا لأنه لا طريق له إلى العلم بذلك ولا يمكن إليه طريق إلا الوحي، وأما إذا لم يخبر عن عزمه ولا عن ظنه ونحوه بل أخبر عن نفس الفعل فهذا يقف كونه صدقاً على الوفاء وإذا لم يف أنكشف كذباً إذا عرفت ذلك فالوعد والوعيد من الله لا يصح أن يكون تأخيراً عن عزم أو ظن أو أعتقاد إذ لا يجوز عليه تعالى شيء من ذلك فلم يبق إلا أن يكونا خبراً عن الفعل ويتضمنان الخبر عن العلم به فلو لم يفعل إنكشف كذب ذلك الخبر والكذب لا يجوز عليه تعالى، وأما إذا صدرا من الواحد منا فلا يحسبان إلا إذا كان خبراً عن عزمه على الفعل أو ظنه لصدوره عنه أو أعتقاده لذلك وهما حينئذ صدق بكل حال سواء فعل أو لم يفعل وأما إذا قصد بهما الإخبار عن الفعل في المستقبل فلا يحسن منه ذلك ملطقاً لا لأجل الكذب فهو يتوقف على ألا يفعل بل لأجل الأقدام على ما لا يؤمن كونه كذباً إذا لا سبيل له إلى القطع بوقوعه فهذا بيان صفة الخبر عن الفعل في المستقبل وأما يحصل الكلام في الخلف فهو أن يقول ليس الخلف بقبيح مطلقاً لأجل كونه خلفاً وإنما يقبح لوجه تقاربه.

قال الإمام المهدي عليه السلام: وقد يجب ويحسن لوجوه تقتضي ذلك مثال القبيح: أن يعد بقضاء دينه ثم لا يقضيه فقبحه الأخلال بالواجب لا لكشفه عن كذب الخبر المتقدم، ومثال الواجب: أن يخبر بأنه لا يعطي زيداً وديعته أو دينه غداً ثم يخلف فيعطيه فهذا واجب ولو كشف عن كذب الوعيد، ومثال الحسن: أن يعد بألا يطالب غريمه بالدين غداً ثم يطالبه أو بأن يطالبه ثم لا يطالبه فإن ذلك حسن أما المطالبة فلأنها تحق وأما عدمها فلأنه فضل وأحسان وقد تبين لك مما ذكر أن الخلف لا يكشف عن كذب الوعيد إلا إذا كان إخباراً عن وقوع الفعل فقط أو عن العلم بوقوعه.
قوله: (وبعد فالفرق أن المتوعد في الشاهد.. ) إلى آخره.
أوضح منه أن يقال الفرق أن الواحد منا لا يحسن وعده ووعيده إلا إخباراً عن العزم فقط إذ ليس له أن يخبر عن وقوع الفعل منه في المستقبل لأنه لا طريق له إلى العلم بذلك.
فإذا أخلف لم يكن خبره المتقدم كذباً ولا كان نفس ترك ذلك الفعل قبحاً إذا لم يكن واجباً عليه وما الله سبحانه فلا يخبر عن عزم إنما يخبر عن وقوع الفعل فإذا لم يفعل أنكشف كذب الخبر المتقدم فكان قبيحاً وأما ترك الفعل وهو نفس الخلف فلا تقبح بل يكون حسناً إذا لم يكن ما سبق الأخبار بإتصاله واجباً كالعقاب.
قوله: (وإن كانا قبيحين).
يعني: الوعيد ولاخلف وليس هذا الأطلاق بصحيح أما الخلف فهو واجب على ما ذكره الإمام المهدي في تقسيمة وهو قوي، وأما الوعيد فإذا كان خبرا عن عزمه وهو عازم فهو صدق فلا قبح فيه وإنما يقبح عزمه وهو المخبر عنه لا الخبر وإن كان غير عازم فالوعيد هو القبيح لأنه خبر غير مطابق فهو كذب.
قوله: (فليس الخلف فيه كرم عزم يصيب كرم من سهو القلم وقد تقدم أنه يمكن .........يكون الخلف فيه كرماً وحسناً.
قوله: (فإنما ذلك من جهة العقل، فأما السمع فمنع منه).

يقال: بل العقل يمنع منه أيضاً لما تقرر من أن الخلف يكشف عن الكذب في الوعيد ولا يجوز على الله عقلاً كما أنه لا يجوز سمعاً.
قوله: (قال تعالى: {ما يبدل القول لدي}).
تفسير الآية مطابق للأحتجاج بها فيما ذكره المصنف.
قال جار الله: أي: لا يطمعون في أن أبدل قولي ووعيدي فأعقبكم عما أوعدتكم به.
قوله: (وقال تعالى: {وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته}).
قد قيل: أن المراد بالكلمات القرآن فلا يطابق أحتجاج المصنف.
وقيل: المعنى تم كلما أخبر به وأمر ونهى ووعد وأوعد لا أحد يبدل شيئاً من ذلك بما هو أصدق منه وأعدل ولا يخلو هذا عن مناسبة للأحتجاج.
قوله: (وأشباه ذلك من الآيات).
يعني: كقوله تعالى حاكياً عن الشيطان: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم}. ولا يقال: إنها حاجته في الوعد دون الوعيد فإن سياقها يقضي بأن المراد كلاهما لأنه تعالى قال: {وقال الشيطان لما قضي الأمر}، أي قطع وفرغ من الحساب وتصادر الفريقين ودخول أحدهما الجنة والآخر النار فالمراد بوعد الحق البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم وما وعدكم، وقوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار إلى قوله فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً قالوا نعم}.
قوله: (وحكي أن أبا عمرو بن العلاء قال لعمرو بن عبيد..) إلخ.
هو كما حكاه وفي رواية أن عمرو بن عبيد قال: ولكن حدثني عن قوله الله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، إن ملاها أيقول صدق؟
قال: نعم.
قال: فإن لم يملاها أفيقول صدق فسكت أبو عمرو.
والحاكي لهذه المناظرة أبو حنيفة والشيخ أبو علي، وذلك أن أبا علي ناظر بعض المرجئة بحضرة أبي حنيفة فحكى أبي حنيفة كلام أبي عمرو بن العلاء.
فقال له أبو علي: إن عمرو بن عبيد قد أجاب. وحكي قوله أن الشاعر قد يكذب ويصدق ولكن حدثني عن قول الله تعالى... إلخ.
قوله: (في ما حكاه من النظم شريف الأناء والبيت).
أراد: العيال والمعنى شريف الأناء والأبناء.

قال الجوهري: والبيت أيضاً عيال الرجل. أنتهى. ويحتمل أن يريد البيت المعروف فإن وصف بيته بالشرف من حسن الثناء عليه.
قوله: (........ من ثاره على قوت)......... مثلثة وهمزة بعدها ساكنة هو الداخل.
قال الجوهري: يقال تبارت لقتيل فبالقتيل ثاراً. أي: قتلت قاتله.

فائدة:
قد عرفت مما تقدم أمتناع الخلف على الله في وعيده لأنه يكشف عن كذب الوعيد والكذب لا يجوز عليه تعالى. وأختلف الشيخان بعد وقوع الوعيد والأخبار بإتصال العقاب الشديد هل يصير العقاب واجباً على الله تعالى حتى لا يحسن منه تعالى الأخلال به أو لا مع أتفاقهما على أنه يحسن قبل الوعيد أسقاط العقاب.
فقال أبو علي: يصير واجباً ولا يحسن منه تعالى إسقاطه.
وقال أبو هاشم: بل يحسن منه ذلك لأن العقاب قبل الخبر غير واجب إتفاقاً فلا يصيره الخبر واجباً لأن الخبر بوقوع أمر لا يصح أن يخرجه عن الصفة التي كان عليها قبل الخبر فمن المعلوم أن الخبر لا يكسبه وجهاً يقع عليه مما يقضي له بالوجوب ولا يجب الواجب إلا لوجه يقع عليه ولعل أبا علي نظر إلى أنه تعالى إذا لم يفعل العقاب أنكشف كذب خبره الأول فيجب عليه فعله لئلا يقبح ما سبق منه من الأخبار وهذا لا يوجب العقاب بل لو ترك سبحانه فعله لكان ذلك الترك حسناً وإحساناً وإن إنكشف كون الخبر المتقدم كذباً قبيحاً كما أنه سبحانه إذا أخبر بأنه يتفضل على المطيعين في الآخرة كما في قوله: {ويزيدهم من فضله}. لم ..... ذلك وجوب التفضل عليه وإن قطعنا على أنه لا بد أن يفعله وأنه لو لم يتفضل لكان خبره بذلك كذباً.
قوله: (وأما شبههم السمعية، قأقواها قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}).
إنما جعلها أقواها لما فيها من التصريح بمغفرة ما دون الشرك وهي أعظم مستندات المرجئة وأبلغ متمسكاتهم ولهذا قال صاحب زهر الكمائم هذه الآية سيوف وخناجر على حناجر المعتزلة.

وقال الإمام المهدي عليه السلام: ولعمري أن هذه الآية الكريمة كالمصرحة بأنه سبحانه يغفر ما دون الشرك من غير ثوبة لكنه لما قال: لمن يشاء صارت مجملة وللمتمسكين بها والمجيبين عنها في ذلك خبط كثير ونزاع كبير وقد ذكر المصنف في تحريرها. والجواب عنها خلاصة ما نذكر في ذلك وزبده وإن لم نستوف كلما قيل فيه.
قوله: (إن المعنى لا يغفر أن يشرك به تفضلاً وذلك لأنه قد ثبت أنه يغفره بالتوبة).
قوله: (قالوا: فيجب أن يكون التقدير ويغفر ما دون ذلك تفضلاً).
وذلك لأن ما لزم أضماره في الجملة الأولى وجب إضماره في الجملة الثانية وإلا خرج الكلام عن النظم كما لو قيل: فلان لا يتفضل بمائة دينار ولكن يعطي العشرة لمن يستحقها.
قوله: (لكان لا وجه لتعليقه بالمشيئة).
يعني: لأنه إنما تعلق على المشيئة في وضع اللسان ما لم يكن واجباً ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: فلان يقضي الدين من يشاء من المستحقين. ويحسن أن يقال: ن الملك يخلع على من يشاء.
قال الرازي: قثبت أن المراد من الآية غفران المعاصي التي لا يجب غفرانها وكل من حمل الآية على ذلك لم يخصصها بمعصية معينة بل أثبت مقتضاها وهو جواز المغفرة في كل المعاصي سوى الكفر وهو المطلوب.
قوله: (يوضحه أنه تعالى أضاف الغفران إلى نفسه).
هذا وجه مستقل، تحريره أنه تعالى أضاف في الآية الغفران إلى نفسه والذي يتعلق من المغفرة ليس إلا مغفرة أصحاب الكبائر دون التائب وأصحاب الصغائر فإن التائب لتوبته وصاحب الصغيرة باجتنابه الكبائر ..... إلا ما أستحقاه من العقوبة ولا حاجة بهما إلى من يزيلها عنهما هكذا قرره السيد في الشرح وجعله وجهاً مستقلاً وهو أرجح مما ذكره المصنف.
قوله: (وأيضاً فما دون الشيء..) إلخ.
اعلم أن لهم في قوله تعالى: {ما دون ذلك}. وجهين من الأحتجاج:ـ

أحدهما: هذا الذي ذكره المصنف وهو كما قرره و.... عليه إلا أن قوله في آخره وإنما يحمل على التسع مائة خطأ من جهة العربية والقياس أن يقال: على تسع المائة. وإن قيل على التسع المائة فهو سائغ.
الوجه الثاني من أحتجاجهم: أن قوله تعالى: {ما دون ذلك}. يتناول الصغائر والكبائر لأن ما من ألفاظ العموم فلا يجوز أن تخص بالصغائر دون الكبائر ولا بما وقعت التوبة منه دون غيره لأن التخصيص من غير مخصص لا يجوز، توضيحه إن السيد إذا قال لعبده جد ما في الكيس فإنه يتناول ما فيه من الدنانير والدراهم وغيرها ويد على العموم صحة الأستثناء فإنه لو قال: ويغفر ما دون ذلك إلا الزناء والسرقة لكان حسناً وحسن الأستثناء دليل الأستغراق وإنما أهمل المصنف هذا الوجه لأنه والوجه الأول في حكم المتدافعين فاكتفى بأحدهما.
قوله: (ونحن نجيب على الجملة..) إلخ.
قد أجبت عن هذه الآية: بأجوبة كثيرة منها ما ذكره المصنف ومنها ما لم يذكره.
وأما جار الله رحمه الله فاختصر الكلام في تفسيرها وأتى بشيء قريب وجيز فجعل الفعل المنفي وهو غفران الشرك والمبين وهو غفران ما دونه موجهين إلى قوله: {لمن يشاء}. فكأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب.
قال: ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدنيا ويبذل القنطار لمن يشاء. يريد لا يبذل الدينار لمن لا يستاهله ويبذل القنطار لمن يستاهله.
وحكى في سبب نزولها أنه جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب غلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت.
قال: وهل الحديث ينصر قول من فسر من يشاء بالتائب من ذنبه.

قوله: (إنما يقتضي ظاهرها أنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
يعني: فهو مقيد بالمشيئة لا مطلق.
قوله: (فمن أين أنه قد شاء أن يغفر الكبائر).
يعني: فإن ذلك لا يثبت إلا بحجة فبينوا أن الله تعالى قد شاء الغران لصاحب الكبيرة.
قال الرازي معترضاً لاحتجاج أصحابه بهذه الآية: ولئن سلمنا دلالة الآية على غفران الكبيرة فإن الله تعالى لو قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به ولا أكل أموال اليتامى ولا الفرار من الزحف ولا قتل المؤمن بغير حق ويغفر ما دون ذلك. لكنا نقطع على أنه ليس المراد بقوله: {ما دون ذلك}. شيئاً من الكبائر وقد توعد تعالى على هذه الذنوب في غير هذه الآية فوجب ألا يختلف الحكم الذي ذكرناه لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في البعد عن التناقض والأختلاف.
قوله: (وبعد فلا تعلق لواحد من فرق المرجئة..) إلخ.
جعلها الرازي حجة على أن الله يعفو عن بعض الكبائر.
قوله: (وقوله: {لمن يشاء}. لا يقتضي الوقف..) إلخ.
قد ذكر الرازي مثله فقال: المعلق على المشيئة ليس هو أصل الغفران بل من يفعل به الغفران فلا جرم أفادت الآية القطع بأصل المغفرة والتوقف فيمن تفعل به المغفرة، مثاله: إذا قال الملك لعبيده مشيراً إلى خلعة معينة: إني أخلع هذه الخلعة على من أشاء منكم فذلك يفيد القطع بأنه يخلع تلك الخلعة على بعض عبيده والتوقف في تعين ذلك العبد وقد سبق عنه أنه لا بد أن يكون المراد بالآية غفران معصية لا يجب غفرانها.
قال: وكل من حمل الآية على ذلك لم يخصصها بمغفرة معينة بل أثبت مقتضاها وهو جواز المغفرة في كل المعاصي سوى الكفر.
قوله: (فالواجب أعتبار الدليل في آخرها).
يقال: قد ......... الدليل على ذلك وهو أنه تعالى لم يقدر لخلا الكلام عن الأنتظام.
قوله: (إذا كان تقدير أول الآية أن الله يغفر الشرك بالتوبة).
يقال: هذا غير مقدوراً بما يقضي به مفهوم الآية وليس المفاهيم تقدر وتضمر ويحكم بأن المعى يتوقف عليها.

قوله: (وهذه الآية مطابقة للعقل..) إلخ.
في هذا ركة لأن السمع إذا ورد بوقوع ما يقضي العقل بجواز وقوعه قطعنا به وعدلنا عن التجويز ولم يصح أن يحمل السمع على أنه مؤكد لدلالة العقل ولا حجة فيه ولا يعمل بمقتضاه بل يعد إلى غيره ثم أنه لا مطابقة لأن العقل دل على الجواز والآية دلت على الوقوع.
قوله: (فما المانع أن تخصصها آيات الوعيد).
قد أجاب الرازي: بأنا لا نتمسك بعموم هذه الآية بل لو لم نحملها على الكبائر لزم خلوها عن الفائدة ثم إن تمسكنا بعموم هذه الآية فإنا نقول هي عامة في المعاصي خاصة في المغفور له، وآيات الوعيد خاصة بالمعاصي عامة في المغفور له، فكل واحدة منهما أخص من الأخرى من وجه، وأعم من وجه فلا يمكنهم الترجيح.
قوله: (وبعد فالأية مجملة).
يعني: قوله تعالى: {لمن يشاء}. فلو قطعها عن ذلك القيد قطعنا بأنه سبحانه يغفر الفسق لكنه قيده بقيد مجمل فصار المقيد مجملاً.
وأما قول الرازي: أن الآية أفادت القطع بأصل المغفرة. وإنما التوقف فيمن تفعل به المغفرة فليس ذلك يخرجها عن الأجمال لأن إجمال المغفور له يتضمن إجمال المغفور لما يدخله من الأحتمال.
قال المهدي عليه السلام: بيان ذلك أنه يحتمل أن يقال أن الذي يشاء الغفران له هو الذي يشفع له رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم دون غيره، ويحتمل أن يقال: هو الذي لا يجاهر بالمعاصي مجاهرة ظاهرة، ويحتمل أن يقال: هو الذي لا يضر بمعصيته المؤمنين، ويحتمل أنه الذي يترك المعاصي الفاحشة كالربا في أموال الناس، أو قتل النفس المحرمة أو نحو ذلك، ويحتمل أنه الذي يترك أرتكاب الكبائر ومع هذه الأحتمالات والتردد يكون المغفور والمغفور له مجملاً غير مبين.

قوله: (وبيانها في قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}. روي مثل هذا عن الحسن البصري حين سأله بعض الناس أين يبان المجمل في قوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}؟. فقال: قد بينه الله بقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم مدخلاً كريماً}.
قال المهدي عليه السلام: وهذا تفسير ممن أدرك الصحابة وأخذ عنهم علمه وأدرك أهل الغة العربية وعلم ما يصح منها وما لا يصح.
قوله: (فقد قال بعض أصحابنا..) إلخ.
قد عضد هذا التأويل بأن الله تعالى ذكر هذه الآية في موضعين من سورة النساء وما قبلها في الموضعين يقتضي حملها على ما ذكر لأنه تعالى قال أولاً: {يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن يطمس وجوهاً فيردها على أدبارها أو يلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً}. فلما حذرهم تعالى من تعجيل العقوبة على ترك الإيمان قرن ذلك بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}. أي: لا يؤخر عقوبة الشرك بل يعجلها فلا تأمنوا أن يفعل بكم ما حذركم تعالى من طمس الوجوه وردها على الأدبار والمسخ كما مسخ أصحاب السبت، ثم قال: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. أي: ولا يعجل عقوبة ما دون الشرك بل يؤخرها.
وقال تعالى في الموضع الثاني: {ومن يشاقق الرسول إلى قوله وسآءت مصيراً}. فتوعد على مشاقة الرسول بتعجيل الخذلان وهو معنى قوله تعالى: {نوله ما تولى}. ثم عقبه بالبينة على عظم الشرك وأنه تعالى لا يدع تعجيل الخذلان لأجله ثم قال: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. أي ليس يفعل هذا الخذلان لمن آمن ثم أرتكب ما دون الشرك فلا يكله إلى نفسه ولا يمنعه الألطاف هكذا قرره الرازي في نهايته.
ثم قال: وإن سلمنا أن المراد من المغفرة إسقاط العقوبة ولكن هل إسقاط كل أنواعها أو إسقاط بعض أنواعها:ـ

الأول: غير مسلم لأن إسقاط العقوبة أعم من إسقاط كل أنواعها أو بعض أنواعها ولا يلزم من حقيقة العام حقيقة الخاص.
الثاني: مسلم ونحن بقول به لأن الله تعالى لا يعاقب فساق أهل الصلاة بجميع أنواع العقوبة.
قوله: (على هذا يحمل قوله تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم).
قال الرازي: وليس المراد من المغفرة هنا ترك العقاب لأن الآية وردت في الكفار ولأن سياقها لا يليق أيضاً بذلك.
قوله: (أو بتسليط بعضهم على بعض).
يعني: كما كان من تسليط نصر وجنوده على بني إسرائيل بعد أن أفسدوا وقتلوا بعض الأنبياء وقصدوا قتل عيسى عليه فقتل علماؤهم وسبى منهم سبعون ألفاً وأنضم إلى ذلك حريق التوراة وخراب المسجد.
قوله: (أو يسلب الألطاف ونحو ذلك على ما يفسر به قوله تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}).
قال جار الله في تفسيره: أي: سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم وذلك أن تواتر نعمة الله عليه مع أنهماكهم في الغي فكلما جدد عليهم نعمة أزدادوا بطراً وجددوا معصيته فيندرجون في المعاصي ........ النعم ظانين أن مواترة النعم أثرة من الله وتقرب وإنما هي خذلان منه وتبعيد فهو إستدراج الله نعوذ بالله منه، وأراد المصنف بنحو سلب الألطاف ما ذكر من تجدد النعم وتواليها مع العصيان لكن في جعل نفي المغفرة عبارة عن سلب الألطاف أو الخذلان بالتخلية بينهم وبين الشياطين بعد وإنما ألجاء المصنف إليه أن عقوبة الأستئصال المهلكة بالمسخ والطمس ونحو ذلك لم تعم كل المشركين فيكلف الأتيان بما يعم من لم يعاقب ويستأصل في الدنيا بتلك العقوبات الظاهرة لما كان نفي المغفرة عاماً لكل مشرك.
قوله: (ولهذا لما أحتجت الحنفية..) إلخ.

130 / 158
ع
En
A+
A-