وأما ما أحتج به أصحابنها على ترجيح آيات الوعيد فوجوه:ـ
أحدها: أنه ورد الشرع بجواز لعن الفاسق والاستخفاف به وإقامة الحدود عليه على وجه الخزي والنكال كما قال تعالى في المحارب بعد ذكر حده: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}. وقال تعالى في القاذف: {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم}. وقال: {السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله}. وإذا ثبت استحقاقهم العذاب واللعن في الدنيا والآخرة وللخزي والنكال في الدنيا لزم ألا يكونوا مستحقين للثواب لما سبق من أن الأستحقاقين لا يجتمعان فكان أدخالهم تحت عمومات الوعيد أولى.
الوجه الثاني: أن حمل الوعد على الوعيد وترجيح الوعيد فيه زجر عن المعاصي وترهيب للمكلفين عنها وإذا عكس أو قيل بالوقف كان فيه أغراء بالمعاصي وترغيب للمكلفين فيها والحمل على ما فيه المصلحة ودفع المفسدة هو الأولى بكلام العدل الحكيم.
الوجه الثالث: أن عمومات الوعيد دلالتها قطعية وعمومات الوعد ليست كذلك بيانه أنها على ضربين منطوقات ومفهومات:ـ
أما الأول: فكقوله تعالى: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً}، وكقوله تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}. وكقوله تعالى: {ويعفوا عن كثير}، وكقوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.

وأما الثاني: فكقوله تعالى: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى}، وقوله تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها إلم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا}، وقوله: {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى}، وقوله تعالى: {وهل يجازي إلا الكفور}، وقوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين أسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم}، وقوله تعالى: {وجوه يؤمئذ مسفرة}، ثم قال: {ووجوه يومئذ عليها غبرة} إلى قوله: {أولئك هم الكفرة الفجرة}، وقوله: {والسابقون السابقون}، وقال: {وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة}، ثم قال: {وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة}، ثم حكى عقائد هؤلاء بقوله تعالى: {أأذا متنا وكنا تراباً وعظاماً}. فمفهوم الآيات الثلاث الأول: أن الفاسق لا يدخل النار لأنه غير مكذب، ومفهوم الرابعة: أن غير الكفور لا يجازى والفاسق غير كفور، ومفهوم الخامسة أن الفاسق لا يسود وجهه فيبيض إذ لا واسطة بينهما، ومفهوم السادسة أن وجه الفاسق ليس عليه غبرة لأنه ليس من الكفرة الفجرة، ويلزم أن يكون من ذوي الوجوه المسفرة، ومفهوم السابعة أن الفاسق ليس من أصحاب المشئمة لأنه ممن لا يقول: {أأذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إنا لمبعوثون أوآباءنا الأولون}، لأنه ممن لا ينكر البعث فيلزم أن يكون من أحد القسمين الأولين، إذا عرفت ذلك فالضرب الأول وهو المنطوقات ثلاثة:ـ
الأولى منه: وإن كانت عامة لجميع الذنوب فهي مجملة من حيث الغفران إذا يحتمل أنه بالتوبة وأنه بغيرها ويرجح الأول إن من جملة الذنوب الكفر ولا يغفر إلا بالتوبة أتفاقاً.
والآية الثانية: لا عموم فيها والمغفرة مجملة.
والآيتان الثالثة والرابعة: لاعموم فيهما وهما مجملتان من جهة الغفران ومن جهة المغفور له معاً.
وهذه الآيات أقوى أدلتهم وقد تبين بطلان عمومها وكونها مجملة بعضها من جهة وبعضها من جهتين.
وأما الضرب الثاني، وهو المفهومات:ـ

فالأيتان الأولتان: من قبيل مفهوم الصفة والجمهور على أنه ليس بحجة.
والآية الثالثة: لا مفهوم لها لأن ناراً تكره فيمكن أن يدخل الفاسق ناراً أخرى.
والآية الرابعة: من قبيل مفهوم الاستثناء إلا أن المجازاة غير مبنية ويحتمل أن يكون المعنى وهل يجازى ذلك الجزاء العظيم أو نحوه.
الآية الخامسة: لا يلزم منها ما ذكروه لأن قوله: {فأما الذين أسودت وجوههم أكفرتم}. إنما يعود إلى ذوي الوجوه المسودة، المراد بقوله: {وتسود وجوه}، وهي وجوه مخصوصة وليس ذلك بعام لكل الوجوه المسودة، وأيضاً فالآية لا تقتضي بانحصار الوجوه كلها في المبيضة والمسودة فلا يلزم إذا لم يسود وجه الفاسق أن يبيض، وهكذا يأتي الكلام على الآية السادسة.
وأما الآية السابعة: وهي آية الواقعة فكان يلزم منها ألا يدخل النار إلا من أنكر البعث، وهو خلاف الأجماع فإن كثيراً من الكفرة يقرون به ولو سلم ثبوت المفهوم في جميع هذه الآيات وأنه حجة فإنما هو من قبيل الحجج الطيبة ولا يبلغ شيء من المفهومات إلى درجة القطع والمسألة قطعية.

قلت: أما لو لم يرد من عمومات الوعد إلا ما ذكر وما في حكمه لكان هذا وجهاً حسناً لكنها فيها من الصرائح والمنطوقات الخالصة عن الأجمال ما هو واسع كثير كما أشرنا إليه فيما سبق ولذلك قال المهدي عليه السلام: دليل التوقف قوي لولا ورود قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به}. فإن هذه الآية لا تحتمل التخصيص بآيات الوعد المذكورة لأن في القول بتخصيصها نقصاً لما سيقت له من الرد على من أدعى هذه الدعوى وذلك أن سبب نزولها أن جماعة من المؤمنين وجماعة من اليهود تذاكروا في أمر العقاب فأدعى كل فريق أن الله سبحانه يهب مسيئهم لمحسنهم ويعفو عنه لسابقة إيمانه بالله والرسول المرسل إليهم ولفضل الصالحين منهم فنزلت رداً لدعوى كل واحد من الفريقين ........... بقايات رجاءهم العفو عن عاصيهم من قبيل الأماني الباطلة ولا برهان عليه وأكد ذلك بقوله: {ومن يعمل سوءاً يجز به}، أي لا بعد للعاصي من الجزاء سواء كان منكم أو منهم ولا عفو وقته تصريح ببطلان الأرجاء.
قلت: أما لو ثبت قوة الوقف من قبيل تعارض آيات الوعد والعيد وكونها مسنونة لم تكن هذه الآية الكريمة هي الموجبة للقطع بهلاك الفاسق وأن الوعيد يحق عليه وأنه لا ينجو بسبب آيات الوعد فما هي في الدلالة على ذلك بأعرق من سائر عمومات الوعيد وهي ما ذكره وأورده على سبيل خاص، وفي تناول ما هذا حكمه لغير السبب خلاف واضح بين علماء الأصول كيف وفي سبب نزولها والمراد بها أختلاف كثير بين علماء التفسير.
قال جار الله: في ليس ضمير وعد الله أي ليس ببال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب والخطاب للمسلمين لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به ولذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم في الأيمان بوعد الله.

وعن مسروق والسدي: هي في المسلمين، وقيل: إن المسلمين وأهل الكتاب أفتخروا فقال أهل الكتاب :نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم. وقال المسلمون: نحن اقرأ منكم فنبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فنزلت، ويحمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً لأوتين مالاً وولداً إن لي عنده للحسنى، وكان أهل الكتاب يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله.
وعن مجاهد: أن الخطاب للمشركين فتأمل ما قيل في هذه اية الكريمة ففيه ما يرشد إلى عدم القطع على ما ذكره عليه السلام.
وأما قوله تعالى: {من يعمل سوءاً يجز به}. فيه إطلاق الجزاء وعدم بيان أنه العقاب ودخول النار ومن المعلوم أن الحدود والتعزيرات جزاءات وأنه يطلق على مثلها أسم الجزاء، وللخصم أن يقول: قد ورد في الحديث من روايات متعددة وطرق شتى أنما أصاب الأنسان من نصب أو وصب أو غم أو ألم حتى الشوكة يشاكها فهو بذنب وما يعفو الله عنه أكبر، والقرآن مصرح به قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}. وكلما كان في مقابلة الذنب فهو جزاء عليه وقد قدر جار الله هذا المعنى في تفسير هذه الآية وإن كان مخالفاً لقاعدة الأصحاب أو من قواعدهم أن كل ما أصاب العبد من مصيبة في الدنيا فلا يصح أن يكون جزءاً للذنب ولا مكفراً لها بل يستحق المسلم والمجرم عليها أعواضاً.

قال جار الله في تفسيرها ما لفظه: والآية مخصوصة بالمجرمين ولا يمتنع أن يستوفي اله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض فأما من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فالعوض الموفى والمصلحة. وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما من أختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب ولما يعفو الله عنه أكبر)). وعن بعضهم من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب بأكتسابه، وأن ما عفي عنه يتولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه، وعن آخر: العبد ملازم للجنايات في كل أوان وجناياته في طاعاته أكبر من جنايته في معاصيه لأن جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه والله نطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب لتخفف عنه أنتقاله في القيامة ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة، وعن علي رضي الله عنه وقد رفعه: من عفى عنه في الدنيا عفى عنه في الآخرة ومن عوقب في الدنيا لم يثن عليه العقوبة في الآخرة. وعنه رضي الله عنه: هذه أرجى آية في القرآن للمؤمنين وبالجملة فقوله تعالى: {من يعمل سوءاً يجز به}، إن لم يزد في الأتهام وأحتمال التخصيص والبعد عن القطع على غيره من عمومات والوعيد لم ينقص عنها، وإن لم ينقص عنها في إفادة أتصال العقاب إلى الفاسق ومصيره في النار وعدم العفو عنه لم يرد عليها بل هي دون تلك الآيات في الدلالة بمراحل فإنه لا تصريح فيها باتصال العقاب الأخروي والوقوع في النار، وأما تعويل المهدي عليه السلام على ما سبقت له من الرد على من ذكر فيما أدعوه وأن في تخصيصها نقضاً لذلك فقد سبق ما ورد في التفسير من الأختلاف في سبب نزولها وفيمن وجهت إليه وجميعها من قبيل روايات الآحاد التي لا تثمر القطع فكيف تركب الدلالة القطعية عليها فقد وضح لك ضعف الأعتماد على الأستدلال بتك الآية الكريمة مع تسليم عدم حصول القطع بغيرها وقوة التوقف لولا هي فالأقوى الأعتماد على غيرها كما بنى

عليه سائر الأصحاب والله ولي التوفيق.
قوله: (قيل: لهم جوزوا الخلف في الوعد بالتفضل الذي لا يجب إيصاله لهم).
أن يجيبوا بأنه لا وجه للخلف فيه يقتضيه ويحسنه وأما الخلف في الوعيد ففيه عفو ومسامحة وإسقاط للحق ويعد كرماً ويمتدح به فلا تساوي بينهما.
قوله: (فإن قالوا علينا في عمومات الوعد تكليف من جهة العمل).
هذا ليس بالواضح وأي تكليف علينا في ذلك فإن الواجبات تجب لوجوه تقع عليها لا للقطع بمضمون الوعد عليها بالثواب وإنما يتصور ذلك لو ثبت أن الواجبات والمندوبات لا تجب إلا لثبوت الوعد بالثواب على فعلها وليس كذلك فهذا السؤال مختل.

فصل:
وللمخالفين شبه عقلية وسمعية أطلق المصنف نسبة الشبه إلى المخالفين وهم فرق ولهم أقوال مختلفة وهكذا غير المصنف بناءاً منهم على أن المرجئة كالفرقة الواحدة وكان الأولى أن ينسب كل شبهة إلى قول خاص وهو الذي تطابقه تلك الشبهة وتناسبه وأنت إذا تأملت الشبه وجدت العقلية منها تناسب مقالة أهل الوقف والأرجاء الحقيقي، وإذا تأملت الشبه السمعية وجدتها تناسب مقالة القاطعين بالعفو ما قبل دخول النار أو بعده.
قوله: (قلنا: هذا يزيد الألزام تأكيداً).
فيه نظر لأنهم ....... الفرق بين الوعيدين بعد أن ألزموا الأستواء فلهم أن يقولوا التجويز يثبت ما لم يمنع منه مانع وهو ما يفيد القطع وقد حصل ذلك في وعيد الكفار دون وعيد الفساق.
قوله: (نقلنا الكلام إلى جبريل..) إلخ.
بنى المصنف في هذا على قاعدة الأصحاب وهي أن الله تعالى لا يعلم في دار الدنيا إلا أستدلالاً سواء في ذلك الملائكة المقربون والأنبياء والمسلمون وإن كان الأقرب والأصح أن جبريل عليه السلام وسائر الملائكة المقربين لا تنتفي معرفتهم لرب العالمين بشك ولا تخمين وأنه علمهم به ضروري.
قوله: (كون هذه الأخبار).
يعني: الآيات التي تنطوي على الأخبار بإيصال العقاب إلى الفساق.
قوله: (فإن قالوا قد جوزتم شروطاً لم ينب عنها الظاهر..) إلى أخره.

أرادوا شروطاً في نفس الوعيد بناء على صحة الوعيد المشروط كما ذهب إلى ذلك أبو علي فإنه أجاز الوعد والوعيد المشروطين نحو: {لئن أشركت ليحبطن عملك}، {ولو أن أهل القرى آمنوا..} الآية. وجعل الأنبياء والصالحين وأهل الصغائر والتائبين داخلين في الوعيد ولكن لا يعاقبون لعدم حصول شرط العقاب لأنه مشروط بعدم التوبة وعدم تكفير الثواب للعقاب وجعل الكفار داخلين في الوعد ولكن لا يثابون لعدم حصول شرط الثواب وهذا قول أكثر المعتزلة وخالف أبو هاشم في ذلك ولم يجز الوعد والوعيد المشروطين قال: لأنهما يتضمنان إزادة الثواب والعقاب فيلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى مزيداً لثواب الكفار وعقاب الأنبياء ولا يصح أن يقال أنه يزيد ذلك بشرط أن يفعلوا ما يوجبه لأن الإزادةلا تقف في تعلقها على شرط، ثم قال: بأن صاحب الصغيرة والتائب غير داخلين في عمومات الوعيد لأن الوعيد إنما هو بصفة عنده ...... الاستحقاق في الآخرة فلا يتناول الوعيد إلا من يستحق العقاب في دار الآخرة وهكذا الوعد هذا مع أتفاق الشيخين على صحة الوعد والوعيد المتعلقين بشرط حاصل وكذلك يتفقان على جواز العلم المشروط والخبر المشروط كدخول أبي لهب الجنة لو آمن وقد قيل أن خلاف الشيخين لفظي لاتفاقهما على أن قوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك}. خطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قصد به وأتفاقهما أنه غير داخل فيما توعد به وهو الأحباط لعدم الاستحقاق فكان الشيخ أبا علي نظر إلى الطرف الأول فقضى بأنه متوعد داخل في الوعيد، ونظر أبو هاشم إلى الطرف الأخير فبنى على أنه غير متوعد.

وقال الشيخ أبو عبدالله: بل الخلاف بينهما معنوي ينبني على أنه هل يصح توقف تعلق الإزادة على شرط أو لا. وكذا قال القاضي: وهو معنوي لأن أبا هاشم يقول: إزادة العقاب إنما تتناول المستحق فقط. وأبو علي يقول: بل تتناول المستحق وغير المستحق لكن بشرط أن يفعل موجب الاستحقاق ولا يجعل الشرط شرطاً في تعلقها بل في حصول متعلقها وهو فعل العقاب والصحيح ما قاله أبو علي وإلا لزم أبا هاشم أن يخرج كثير من الوعيد عن كونه وعيداً كقوله تعالى في حق الملائكة: {ومن يقل منهم إني إله}. وقوله في صلى اللّه عليه وآله وسلم: {لئن أشركت ليحبطن عملك}. ولكن قد بنى أبو هاشم على أن الوعيد يتناول الفعل لا الفاعل ورد بأن الفعل لا ينفك عن الفاعل فتناول الوعيد لأحدهما تناول الأخر فلا يصح أن يثبت وعيد وفعل متوعد عليه ولا متوعد أصلاً.
قوله: (لأن أحدنا لا يستحق على غيره عقوبة).
يعني: لا يصح أن يعلم بالعقل أن أحدنا يستحق على غيره أجزاء من العقاب معلومة متصفة بصفة العقاب الحقيقي في كونها مصاراً يقترن بها الاستخفاف والأهانة ونحو ذلك، وهذا ما ذهب إليه أبو هاشم فإنه كان يمنع من ذلك أشد المنع وإليه ذهب الكثيرون، قالوا: لأنا لو قلنا بأن المُسىء إليه يستحق العقوبة على المسيء فهؤلاء يعلم القدر المستحق ولا يأمن التعدي عليه فيبطل استحقاقه والآساءة مجبورة بالعوض المستحق، وفي ذلك حصول الأنتصاف.
وقال أبو علي: بل يصح ذلك على معنى أن الواحد يعلم يعقله أن له الأنتصاف ممن أساء إليه بمثلما فعل والسمع مطابق له، قال تعالى: {فمن أعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم}. وجعل من هذا القبيل أستيفاء القود من الجاني والحد من القاذف. ودليل....... استحقاق أحدنا له صحة عفوه عنه وإسقاطه له.

واعلم أن الجمهور لا يخالون أبا علي فيما ذكره لكنهم يقولون طريق ذلك الشرع لا العقل فلا خلاف في الحقيقة فإنهم يتفقون على استحقاق المسىء إليه ما قضى به الشرع له من قود أو قيمة متلف أو جلد قاذب، وأبا علي لا يخالف في أنه ما لم يرد الشرع به لم يجز للمسىء إليه إستيفاؤه عملاً بمجرد قضية العقل.
قوله: (إنما رغبنا في الفعو لما لنا في ذلك من النفع والثواب).
هذا كلام مختل فإن الترغيب بالثواب والنفع لويس الثواب هو علة الترغيب وإنما علة الترغيب كونه إحساناً وفعلاً من أفعال الخير والثواب والمدح لأجل ذلك وهو العلة فيهما لا أنهما العلة فيه وإذا كان العلة فيه كونه تفضلاً وإحساناً فهي حاصلة في حقه تعالى بل لا يبعدان الوجه في حق الله أوفى وأكمل.
قوله: (وإن توعده بما له أن يوصل إليه كالحدود ونحوها).
لعله أراد بنحوها رد المظلمة وتمكين المستحق للقود منه ويقال إن الحدود ونحوها يجب عليه أن يوصلها والله سبحانه لا يجب عليه إيصال العقاب فوزان المسألة ما كان للسلطان أن يوصله وألا يوصله كما لو توعد بأستيفاء دين له أو عقوبة له أن يسقطها كالتعزير والخصم حينئذ يدعي أن عدم تنفيذ ذلك عدل وحسن ويستحق به المدح والثناء.
قوله: (فقد ثبت عند العقلاء أن الخلف في الوعيد).
كرم الخلف: هو بضم الخاء وليس بفتحها والذي بالفتح هو الردي من القول يقال: سكت الفاء ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ والخلف بالضم الأسم من الإخلاف وهو في المستقبل كالكذب في الماضي، هكذا ذكر الجوهري، وقال السيد في الشرح: هو الخبر بأنه يفعل ولا يفعل أو يترك ولا يترك وليس بصحيح فإن الخبر بأنه يفعل أو يترك هو نفس الوعد أو الوعيد والأولى أن يقال: هو ترك ما أخبر بأنه يفعله أو فعل ما أخبر بأنه يتركه، وإن كانت عبارة الجوهري تقضي بمثل ما ذكره السيد فليتأمل.
قوله: (في البيت إذا وعد السراء وإن وعد الضراء الرخاء والضراء نقيضه).

129 / 158
ع
En
A+
A-