الفائدة الثانية: هل هي طريق يختار أو غير ذلك، جمهور العلماء أنه طريق يختار في الآخرة، وذكر قاضي القضاة عن كثير من المعتزلة أنه ليس بطريق يختار لكنه عبارة عن الأدلة الدالة على ما كلفناه في الدنيا من فعل أو ترك وهي التي من يمسك بها نجا ومن ينكب عنها هوى.
وقال السيد في شرح الأصول: يحكى ذلك عن عباد بن سليمان، وهو قول ضرار من المجبرة.
قيل (مهدي): وللهادي عليهم السلام في تفسير قوله: {أهدنا الصراط المستقيم}. يقضي بميل قول ضرار، والمسألة غير قطعية فلا يخطأ المخالف.
ودليل القول الأول وهو المختار أنه ظاهر القرآن فإن الصراط هو الطريق الحقيقي ويؤيده الخبر المشهور الوارد فيه من مسند أبي هريرة، وفي آخره ولجهنم جسر وهو الصراط أدق من الشعر وأحَدُّ من السيف عليه كلاليب وحسك والناس يمرون عليه منهم كالبرق والريح، ومنهم من أخذته الكلاليب والحسك والناس بين ناج مسلم ومخدوش مكبوب في النار على وجهه، وورد أيضاً عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أن بجانبي الصراط ملائكة بأيديهم خطاطيف من حديد يجذبون بها العصاة فيوقعونهم في النار)). وورد أيضاً أن شعار الملائكة والرسل والمؤمنين: اللهم سلم اللهم سلم.
ثم من المؤمنين المجاوزين للصراط من هو كالبرق الخاطف، ومنهم من هو كالريح، ومنهم من يمر كالفرس، ومنهم من يسعى سعياً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبوا حبواً، ومنهم من يزحف زحفاً، فإذا خلص المؤمن وجاز الصراط وقد رأى تهافت الناس إلى النار وجذب الملائكة للعصاة إليها، قال: الحمد الله الذي نجاني من النار بعد إذ رأيتها.
الفائدة الثالثة: (مؤخر)........ الذي عليه جمهور المتكلمين أنه طريق متسعة لأهل الجنة ويضيق على أهل النار مع إمكان المشي فيها وينكرون ما ورد في الخبر المذكور من دقته وجدته ويقولون: إنما هو من كلام الحشوية فإن المكلفين يكلفون أجتيازه فمن أجتازه فمن أهل الجنة ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار إلى
(مقدم)........فيحكي السيد صاحب شرح الأصول عن الحشوية أنه أدق من الشعر وأحَدُّ من السيف.
قيل (ي): وبه قال بعض المتكلمين وأجاز ذلك ذلك الإمامان المنصور بالله والمؤيد بالله يحيى بن حمزة، وفي كلام للأمام يحيى القطع بذلك ....... السيد صاحب الشرح هذا القول: بأن تلك الدار ليست بدار تكليف حتى يصح إيلام المؤمن وتكليفه ما هذا سبيله في الحدة والدقة وأيضاً فالصراط الطريق وما ذكروه ليس من الطريق بسبيل، وأعترض الوجه الأول بأن مجيز ذلك يقول: لا يلحق المؤمن بإجتيازه ألم ولا غم بل يقدرة الله على المشيء فيه بتيسير كما في إقدار الأنبياء وأهل الكرامات على المشي في الهواء وعلى الماء وأما أهل النار فمستحقون لما نالهم بذلك من ألم وغم.
قال الإمام يحيى بعد ذكر الميزان والصراط: أعلم أن هذه الأمور ممكنة وظاهر الكتاب والسنة عليها فوجب الأعتراف بها ولا يقال العقل تخيل وزن الأعمال وتخيل المرور على الصراط وهو أدق من الشعر وأحَدُّ من السيف، لأنا نقول لم لا يجوز أن نقول الموزون هو الصحف ويستدل بتفاوتها على تفاوت الأعمال، وأما المرور على الصراط فلما لم يستحيل الطيران في الهواء والمشي على الماء لا يستحيل المرور على الصراط ومن نظر إلى كمال القدرة فلا يليق به أستبعاد هذه الأمور.
الفائدة الرابعة: في موضعه ذكر السيد صاحب الشرح وغيره من المتكلمين أنه طريق بين الجنة والنار، وذكر قاضي القضاة أنه طريق على باب النار فمن كان من أهل الجنة مر على باب النار إلى الجنة ومن كان من أهل النار عدل به إلى النار وأدخل من بابها، وحمل على هذا قوله: {وإن منكم إلا وآردها}. فجعل الورود المرور على بابها.
قوله: (وقيل: هو جسر على جهنم}.
هذا قول طائفة من المتكلمين وقال به الإمام يحيى بن حمزة وهو مروي عن ابن مسعود والحسن وقتادة والجسر بفتح الجيم وكسرها واحد الجسور التي يعبر عليها.
قوله: (إن كان الضمير عائداً إلى النار ظاهره أن فيه وجهاً آخر أنه يعود إلى غيرها ولم أقف على ذلك في شيء من التفاسير.
قال جار الله: إن أريد بقوله: {وإن منكم إلا وآردها}. جنس الناس فمعنى الورود دخولهم فيها وهي خامدة فيعبرها المؤمنون وينهار بغيرهم.
وعن جابر أنه سأل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك؟ فقال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض إليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة)). وعنه رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((الورود الدخول لا يبقى نزولاً فاجر إلا دخلها فيكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى أن للنار ضجيجاً من بردها)).
وعن ابن مسعود والحسن وقتادة هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.
وعن ابن عباس قد يرد الشيء الشيء ولا يدخله كقوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين}. ووردت القافلة البلد وإن لم يدخله ولكن قريب منه.
وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لقوله عليه السلام: ((الحمى من فيح جهنم)). ويجوز أن يكون المراد جثوهم حولهان وإن أريد الكفار خاصة فالمعنى بين ويلحق بما تقدم ثلاث فوائد:ـ
الأولى: اعلم أن من أحوال القيامة لا من أهوالها الحوض وهو من نعيم الآخرة وهو المراد بقوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: {إنا أعطيناك الكوثر}. في أحد تفسيراته ففي مسلم عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك، أول الناس ورود أغلبه)). ففر المهاجرين من شرب منه لا يظمأ أبداً.
الفائدة الثانية: هل يلحق من يستحق الثواب منذ مات إلى أن يدخل الجنة شيء من الآلام والغموم لأهوال القبر والبعث والقيامة أولا، الذي عليه الجمهور أنه لا يلحقه شيء من ذلك فلا يتألم ولا يغتم.
قالوا: لأن الألم والغم لا يحسبان إلا لنفع وأعتبار أو لأستحقاق المؤمن لا يستحق ذلك والدار ليست بدار تكليف، وهذا الدليل عام في كل من لا يستحق عقاباً من الملائكة والأنبياء والأطفال والبهائم والصالحين من الجن ولا ينال هذا الدليل إنما يمنع من أن ينالهم غم من الله تعالى ولا يمنع من أن يغتموا من قبل أنفسهم لظنون فاسدة، وأوهام كاذبة يتفق لهم لشدة ما يشاهدوه وعظمه لأنه يجاب عن ذلك بأن العلوم كلها ضرورية في ذلك اليوم فلابد أن يعلم المؤمنون صدق ما وعدوا به والأمن من العذاب وأستحقاق نعيم الأبد علماً ضرورياً والعلوم لا تصاحبها الظنون والأوهام ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر}. وذهب الشيخ أبو القاسم إلى تجويز الغم على المؤمنين وهو قول أبن الأخشيد لظواهر أحاديث وردت تقضي بذلك من ذلك أن النار تصيح صيحة شديدة يوم القيامة فلا يبقى ملك ولا نبي إلا جثا على ركبتيه من صيحتها. قال والآية لا تمنع من ذلك لأنه إنما منع فيها أن تجريهم لأكثر من الفزع.
ويجاب: بأن غيرها من الآيات غير مقتد بذلك كقوله تعالى: {وهم من فزع يومئذ آمنون ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
الفائدة الثالثة: ذهب الجمهور إلى أنه لا تكليف في الآخرة وبعد الموت.
وقال الشيخ أبو القاسم: إن أهل الآخرة مكلفون في الجنة والنار.
قيل (ي): ولا خلاف أن شكر نعمة الله واجب على أهل الآخرة وأنه يقبح منهم القبائح العقلية إلا أنهم غير مكلفين بذلك لما هم عليه من الألجاء ولعدم المشقة.
قلت: هذا كلام ركيك وكيف يحكى الأجماع على أن شكر النعم واجب عليهم ثم ينفي التكليف وهل التكليف إلا وجوب الواجب ونحوه، والظاهر من قول الجمهور أنه واجب عليهم لما ذكره من الأجاء وأرتفاع المشقة.
فصول:
في أن الله تعالى يفعل بالعصاة ما يستحقونه هي ثلاثة فصول:ـ
أولها: في أن وعيد الكفار مقطوع به.
وثانيها: في أن وعيد الفساق مقطوع به.
وثالثها: في شبه المخالفين في ذلك.
فلفظ العصاة قصد به الكفار والفساق ولا يدخل فيه أهل الصغائر وإن كانوا عصاة، وإن كان يفعل بهم ما يستحقونه من إسقاط بعض ثوابهم حسبما يقابل عقابها.
قوله: (وينبغي أن يتكلم في مقدمتين).
أما المقدمة الثانية فلا كلام في توجه تقديمها........ الفصول هذه عليها إذ أدلتنا فيها وأدلة المخالفين من قبيل العمومات، وأما المقدمة الأولى فالأحتياج إليها هنا وذكرها مقدمة لهذه الفصول غير واضح الوجه، وكان ذكرها في فصول الأحباط والتكفير أليق كما ذكر صاحب شرح الأصول بعد أن أتى بالكلام على الصغيرة والكبيرة عقيب الأحباط والتكفير، قال: لأنها إذا قلنا إن ما يستحق المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته وما يستحقه على الصغيرة يصير مكفراً في جنب ماله من الثواب لم يكن بد من بيان معنى الصغيرة والكبيرة ولعل المصنف لمح إلى أن الفاسق هو فاعل الكبيرة لا الصغيرة وأعظم مسائل هذه الفصول ذكر أتصال عقاب الفاسق إليه وأنه غير معفو عنه فأراد أن يقدم ذكر الكبيرة والصغيرة ليتميز الفاسق عن غيره من العصاة ولأنه لابد أن يذكر في أثناء الكلام في هذه الفصول أن التائب وصاحب الصغيرة مستثيبان من تلك العمومات فأتضح الوجه وقد أشتملت هذه المقدمة على فوائد:ـ
الأولى: في ذكر حقيقتها وهي كما ذكر المصنف وهي حقيقة جيدة سليمة عن الأعتراض مبنية على ما بنى عليه المتأخرون من المتكلمين من عدم أثبات الكبيرة والصغيرة المقدورتين فأما المتقدمون فيجعلون كلاً منما قسمين محققة وهي ما كانت على ما ذكر ومقدرة فالكبيرة المقدرة ما صدرت ممن له ثواب عظيم كثير فزاد على عقابها وصار عقابها مكفراً في جنبه ولو قدر أنها صدرت ممن لا يستحق مثل ذلك الثواب كان عقابها أكبر فهي كبيرة مقدرة وصغيرة محققة والصغيرة المقدرة نحو ما يرد من الفساق مما هو صغير في حق غيرهم فإنها حال صدورها منهم ليست بصغيرة محققة إذ لا ثواب لفاعلها يزيد على عقابها لكنها صغيرة مقدرة لأن فاعلها لو لم يكن فاسقاً وصاحب كبيرة لكان له من الثواب ما يزيد على عقابها فهي في حقه صغيرة مقدرة وكبيرة محققة وعلى قاعدة المتقدمين يزاد في الحد تحقيقاً أو تقديراً كما فعل السيد صاحب شرح الأصول.
قوله: (ولا عبرة بما أجتمع له في الأوقات الماضية).
يعني: فلا يقال أن ثواب تلك الطاعة أكثر أعتباراً به لأن العبرة بأصل ما يستحق في كل وقت ولهذا قال بعضهم في تحقيقهما: الكبيرة المعصية التي يزيد عقاب صاحبها المستحق على أصل أقترافها على ثواب صاحبها المستحق على أصل طاعته والصغيرة المعصية التي عقابها الأصلي أقل من ثواب صاحبها الأصلي.
الفائدة الثانية: أن في المعاصي كبائر وصغائر وإليها أشار المصنف بقوله: (وقد ورد السمع بأن في المعاصي صغائر وكبائر). وقد ذهب المعتزلة إلى أن جميع ذنوب الأنبياء وكل معصوم صغائر وإن جميع ذنوب الفساق كبائر إذ لا ثواب لهم يزيد على عقابها نظراً إلى أن المعتبر التحقيق لا التقدير وأما سائر المكلفين فما علمناه كبيرة من معاصيهم فلا كلام فيه وسائر معاصيهم يجوز أنها كبائر وأنها صغائر لأن ذلك بحسب قلة الثواب وكثرته ولا يعلم ذلك فالمعاصي عندهم منقسمة إلى صغير وكبير وهو قول جمهور الزيدية ولا فرق في ذلك بين العمد والخطأ وأختلفوا هل يعلم عقلاً إن صح فيها صغائر أو لا يعلم إلا بالسمع.
فقال أبو هاشم: يعلم عقلاً إن في الذنوب الصادرة من سائر المكلفين ما هو صغير بمعنى أنا نقطع بأن في ذنوبهم ما ينقص عقابه عن ثواب بعض الطاعات بحيث لو جمع المكلف بين تلك الطاعات وبينه لكان صغيراً ساقطاً في جنبها.
وقال أبو علي والقاضي: لا يقطع بذلك من جهة العقل وإنما يجوز فقط إذ ما من ذنب يشار إليه إلا ويحتمل كونه كبيراً.
قال أبو علي: فإن أقل قليل من الطاعات لا يستحق عليه الأجر واحد من الثواب، وأقل قليل من المعاصي يستحق عليه جزآن لأن موقع الطاعة في حق الله المنعم بأصول النعم وفروعها ليس كموقع معصيته والجرأة عليه والتوصل بنعمته إلى عصيانه وأتفقوا على أنا نقطع سمعاً بأن فيها صغائر كقوله تعالى: {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}. وكل صغير وكبير مسيطر {أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم}. {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. وظاهر العطف المغايرة فهو قسم ثالث كما ذكره المصنف وليس إلا الصغائر، وقال تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش إلا اللمم}. والمراد باللمم ما قل وصغر من المعاصي والأستثناء على هذا منقطع وهذا التفسير مروي عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي وغيرهم، ومنهم من ذكر أن اللمم النظرة والقبلة وما كان دون الزنا، ومنهم من قال: هو الخطرة بالبال يريد إذا هم بمعصية ولم يعزم عليها.
وقيل: اللمم أن يفعل كبيرة ثم يتوب عنها بسرعة ولا يعود وهو قول الحسن والسدي والزجاج والأستثناء متصل على هذا وذهبت الخوارج إلى أن كل معصية كبيرة. ومنهم من قال: بذلك إلا في معاصي الأنبياء وهو باطل بما تقدم، وذهبت البغدادية إلى أن كل عمد من المعاصي كبيرة وهو المروي عن الناصر عليه السلام بمذهب هؤلاء أنه لا صغير إلا ما صدر عن سهواً أو نسيان.
وقال الشيخ أبو علي: بل لا تكون الصغيرة إلا ما صدر بتأويل أو ترك أستدلال لا ما أقدم عليه مع العلم بقبحه فإنه كبير ويبطله أنه لم يفرق الدليل الدال على أن في المعاصي ما هو صغير بين العمد وغيره ولا مانع يمنع من كون العمد صغيرة ولأنه ثد ثبت أن الصغيرة واقعة من الأنبياء فإن كانت عن تعمد فهو الذي يقول، وإن كانت عن سهو ونسيان فليست بذنب أصلاً لأنهما مرفوعان، وإن كان لترك الأستدلال كما يقوله أبو علي.
قلنا: فهل ترك الأستدلال متعمد أو كان معصية فذلك ما يقول أو سهو أو لترك الأستدلال ويعود الكلام فيه كما تقدم فيتسلسل.
تنبيه:
السهو والنسيان مترادفان، وقيل: السهو أعم والنسيان مخصوص بما تقدمه من علم والخطأ ما صدر من غير قصد وقد ذهب الجمهور إلى أنها معفوة من كل مكلف.
وقال النظام: يعفى ذلك إلا عن الأنبياء فإنهم لعظم شأنهم أمروا بالتحفظ والتحرز من السهو دون غيرهم ورد بأنه يستلزم تكليف ما لا يطاق لأن السهو من فعل الله وهو سلب العلوم الضرورية والتحرز من فعل الله غير ممكن وأعترض بأنه قد يكون سببه من فعل العبد كشرب المسكر فيمكنه الأحتراز.
وأجبت: بأنه إذا فعل السبب عوقب على فعله لا على ما فعله حال السهو.
الفائدة الثالثة: هل من الصغيرة ما هو مقدر وكذلك الكبيرة أو لنسأ إلا قسماً واحداً وهو المحقق وإليه أشار المصنف بقوله: (وقد أختلف الشيخ.. ) إلى آخره. ذهب المتقدمون إلى أن كل واحد منهما يسمان محققة.
قوله: (وفائدته هل للكفار صغائر أم لا وكذلك الفساق).
فعلى إثبات قسم المقدرة يكون لهم صغائر وهي ما لو صدر من المطيعين المؤمنين لكان ثواب فاعلها أكثر من عقابها ومثله يلزم في الكبيرة المقدرة فيكون للمؤمنين كبائر مقدرة وهي ما لو صدرت من غيرهم ممن ليس ثوابه كثوابهم لكان عقاب فاعلها أكثر من ثوابه.
الفائدة الرابعة: هل يجوز التعريف بالصغائر أم لا؟ وإليها الإشارة بقوله: (وأتفق الشيوخ على أنه لا يجوز التعريف بجميع الكبائر.
وقوله: (وعلى أنه لا يجوز التعريف بشيء من الصغائر وهما في معنى واحد لأن التعريف بكل الكبائر يعلم منه أن ما عداها صغائر فهو تعريف بها).
واعلم أن التعريف بالصغائر من جهة السمع ممكن إجماعاً كأن يدل دليل سمعي على أن من فعل هذه المعصية مع هذه الطاعات كان عقابها مكفراً بثواب تلك الطاعات، وأما هل يمكن معرفة الصغيرة بالعقل فأختلف فيه.
فقال أبو علي والقاضي: لا يمكن ذلك إلا في حق الأنبياء فإنه يعلم بالعقل أن معاصيهم صغائر.
وقال أبو هاشم: بل يمكن أن يعلم عقلاً في غيرهم........ كمن وهب لغيره ألوفاً ثم سرق عليه جنة فإنه يعلم صغر هذه الإساءة في جنب إحسانه فكذلك من أطاع الله عمره لا يمتنع أن يعلم بالعقل صغر معصية يسيرة يفعلها بالنظر إلى طاعاته الكثيرة في المدة الواسعة ورد ما قاله بأن كبر المعصية وصغرها هو بالنظر إلى عظمها وعدمه وكثرة عقابها وقلته ومقادير الثواب والعقاب بحسب الموقع ولا طريق للعقل إلى تحقيق ذلك وأتفقوا على أنه لا يجوز التعريف بالصغائر من الله تعالى ثم أختلفوا في التعليل، فقال أبو هاشم والجمهور لأنه أغراء بفعلها حيث خلق في المكلف شهوتها ومكن منها وعرَّف بأنه لا يناله العقاب عليها بل يزيد ثوابه على عقابها فيخلص منه وهذا معنى المفسدة.
وقال أبو علي: بل لأن التعريف بها إباحة لها إذ يعلم المعرف بها أنه لا ضرر عليه فيها ولا معنى للإباحة إلا ذلك ورد بأن ذلك يخرج عن الإباحة لكونها تسقط بعض ثوابه وذلك ضرر وأما معرفة الصغائر لا بتعريف الله فقد قال جعفر بن ميسر ومن ذهب مذهبه: إن الصغير ما كان عن سهو أو تأويل فيعرف الصغائر بذلك.
قوله: (فأما بعد فعلها فيجوز.. ) إلى آخره.
أحتراز عن سؤال يرد وهو أنكم قد حكمتم على ذنوب الأنبياء بأنها صغائر وهم عارفون لذنوبهم فيعلمون أنها صغائر وفي ذلك إغراء لهم بفعلها وتقرير.