قلت: أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله إلا الموتة موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل لما كانت الموتة يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها، وأما الآية الثانية فالغرض من سياقها تشبيه الكفرة في عدم الأصغاء والقبول للحق بحال الموتى ونحن نعترف بأن الذين في القبور لا يسمعون حال كونهم موتى فبطل ما ذكروه، ويلحق بما تقدم فائدة وهي: أنه قد جرى فيما حكيناه من الآثار ما يقضي بوجود الجنة والنار وهي مسألة خلاف بين علمائنا رحمهم الله تعالى. ذهب أبو علي وأبو الحسين إلى أنهما مخلوقتان موجودتان. وذهب أبو هاشم وقاضي القضاة إلى أنهما غير مخلوقتين.
قال الإمام يحيى عليه السلام: والمختار هو الأول والمعتمد فيه ثلاث آيات:ـ
الأولى: قوله تعالى: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}. وقال في النار: {التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين}. ولا شك أن الاعداد صريح في ثبوت الشيء وتحققه ووجوده لأن ما كان معدوماً لا يقال أنه معد.
الآية الثانية: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنهى عندها جنة المأوى}. ليست إلا ذار الثواب بإجماع الأمة فصح أنها في السماء وأنها موجودة مخلوقة.
الآية الثالثة: ما ينطوي على ذكر نصه آدم وحوى وإسكانهما الجنة وإخراجهما عنها وهي مكررة في عدة مواضع وفي ذلك نص صريح على خلقهما ولا يجوز حمل ذلك على بعض....... الدنيا لإجماع الأمة مثل أبي هاشم على أن التي أهبط الله منها آدم هي الجنة التي سيعود إليها يوم الجزاء وإنكار ذلك يجري مجرى القول بأن الذي عصى ما كان أباً للبشر وإنما كان رجلاً آخر يسمى آدم لأن الجنة في عرف المسلمين أسم دار الثواب فصرفها عنها غير جائز وقد أعترض هذا الأستدلال بأن ما ذكر لا يفيد القطع إذ قد يعبر عن المستقبل بالماضي كقوله تعالى: {وسيق الذين كفروا} إلى قوله: {وسيق الذين أتقوا إلى ربهم}. {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}. {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة}. {ونادى أصحاب الأعراف}. ونحو ذلك مما يطول تعداده مما ورد بلفظ الماي المفيد للوقوع والحصول والمراد به المستقبل وكذلك ما يروى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه رأى في الجنة كذا معناه إذا كان في الآخرة رأى ذلك هكذا قيل. وقد تؤولت الآيات أيضاً على ما سبقت الإشارة إليه وإلى الجواب عنه وهو أن المراد جنة الدنيا وهي جنة آدم عليه السلام.
قال أبو هاشم لا يمتنع أن تكون في السماء حياتاً شتاً سوى جنة الخلد نحو الجنة التي كان فيها آدم ويكون فيها كثير من الملائكة والأنبياء الأن قيل والحق في هذه المسألة ما ذهب غليه أبو القاسم من التجويز لأن أدلة القاطع بخلقهما مبنية على أن نحو قوله تعالى: {أعدت}. مقطوع به.
قال الإمام يحيى وللمنكرين لخلقهما شبهتان:ـ
الأولى: أنه لا فائدة في خلقهما، وما لا فائدة فيه وجب تركه فيجب ألا يكونا مخلوقتين.
والجواب: أن في خلقهما لطفاً للمكلفين وترغيباً لهم فإن علمهم بخلقهما وما أعد فيهما من نعيم مقيم وعذاب أليم يكونون معه أقرب إلى الطاعة وأدخل فيها وفي الأنكفاف عن المعصية.
قال عليه السلام: أو يقول في خلقهما مصلحة استأثر الله بعلمها.
الشبهة الثانية: قالوا: قد ثبت أن كل شيء هالك فلو كانت الجنة مخلوقة لوجب أن تكون مما يهلك بالفناء ولا يجوز ذلك فيها لقوله تعالى: {أكلها دائم}. والدائم ما لا يزول ولا يتغير.
قلت: وهذه الحجة متمسك أبي هاشم لأنه لا يمنع من خلقهما إلا سمعاً وغيره ممن ذهب مذهبه منع من ذلك عقلاً وسمعاً ومتمسكه من جهة العقل ما تقدم.
وأجاب الإمام يحيى بوجهين:ـ
أحدهما: أنا لا نسلم دخول الجنة في الهلاك ولا أندراجها تحت قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه}. وإذا قام الدليل على خلقها ومنع دليل آخر عن هلاكها وجب إخراجها من العموم وتخصيصها منه وتخصيص العموم جائز.
الوجه الثاني: أن الدائم هو الذي لا يفنى ولا يتغير ومعلوم أن مأكولات أهل الجنة تفنى وتعدم عند أكلهم لها فإذن هي غير دائمة فلا بد من حمل الآية على غير ظاهرها وتأويلها، فنقول: بأن الجنة مما تفنى وتهلك ونتأول الآية بأن معنى كونها دائمة أن الله تعالى يحدث أمثالها عقيب عدمها فالدوام بهذا التفسير لا ينافي تغيرها وزوالها.
فصل:
قوله: (وأما الميزان شرع المصنف في ذكر شيء من أحوال القيامة وأهوالها وبدأ بذكر الميزان وأهمل ذكر ما قبله وقد ذكرنا فيما مضى أول أحوال القيامة وأهوالها وهو النفخة الثانية وقيام الناس من قبورهم فزعين مروعين فتلك أول حالة.
والحالة الثانية: المساق إلى أرض المحشر لجميع الخلائق الملائكة والأنس والجن والشياطين والوحوش والطير وسائر الأحياء فإنهم يساقون إلى أرض المحشر أرض بيضاء وقاع صفصف ليس فيها ربوة عالية ولا وهدة منخفضة بل صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه وورد أن الناس يحشرون أصنافاً ركباناً ومشاة على أرجلهم ومشاة على وجوههم، فقيل له صلى اللّه عليه وآله وسلم: كيف يستطيعون المشي على وجوههم ـ إنكاراً من السائل لما لم يعتاد ـ فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((الذي أقدرهم أن يمشوا على أرجلهم يقدرهم أن يمشوا على وجوههم)). ومن أحوال ذلك اليوم وأهواله طوله وقد قال تعالى: {كان مقداره خمسين ألف سنة}. وورد أنه كذلك وأن المكلفين يقفون فيه خمسين موقفاً كل موقف ألف سنة ومن أحواله وأهواله أنه لا شمس فيه ولا قمر ولا نجوم وأن السماء تنشق وهي غليظة غلظها مسيرة خمسمائة سنة ثم تسيل كالفضة المذابة ويخالطها حمرة كما قال تعالى: {فإذا أنشقت السماء فكانت وردة كالدهان أي حمراء كالدهن اللزيت والملائكة في حافاتها وعلى أرجائها والجبال تصير فيه كالعهن المنفوش وهو الصوف ويشتبك الخلائق بعضهم ببعض، ورد أنهم يحشرون كل صنف كالحلقة ...... بها الصنف الآخر ثم كذلك حتى يكمل جميع أجناس الحيوانات ثم تبدو الشمس بعد أزدحام الخلائق في المحشر وقد تضاعف حرها وتدنوا من رؤوس الخلائق حتى تصير قاب قوسين، ولا يبقى ظل إلا ظل العرض ولا يستظل به إلا المقربون المتقون فيزدحم الخلائق ويشتد عليهم وهج الشمس وحر الأنفاس ويفيض عرق كل حي من كل حر من بدنه ومن تحت كل شعرة من شعره، فمنهم من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف ساقيه، ومنهم من يبلغ خاصريه، ومنهم من يبلغ فاه، وغيره ذلك.
قيل: تقف الخلائق شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم لا يتكلمون ولا يكلمون ولا ينظر في أمرهم ثلاثمائة عام، وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم، أنه قال بعد وصفه ليوم القيامة وهوله وطوله: ((والذي نفسي بيده أنه لحقيق على المؤمن حتى يكون أيسر عليه من تأدية مكتوبه)).
قلت: ولا يستبعد ما أنطوت عليه هذه الأخبار فهذا كتاب الله المتلو الذي لا ريب فيه يقول الله سبحانه فيه: {يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}. ثم نعود إلى تتبع ما يفتقر إلى بيان أو التذييل من كلام المصنف فيما أورده من ذكر بعض أحوال يوم القيامة.
قوله: (فقد أثبته الجمهور على الحقيقة).
أي أثبتوه على حقيقته وظاهره، وأنه ميزان ذو كفتين ولسان ينصب في المحشر يوم القيامة فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في أخرى فإذا رجحت كفة الحسنات علم أن الموزون عمله من أهل الخير وإن رجحت كفة السيئات علم أنه من أهل الشر وإن تساويا عند من تحيز استواء الثواب والعقاب علم أنه ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء.
قيل: وهو ميزان.
وقيل: بل موازين متعددة، وهو ظاهر الآية الكريمة.
قوله: (فليس على الحقيقة).
قد حمله بعضهم على حقيقته وهو باطل لما ذكره.
وقوله: (ومما لا تجوز عليه الأعادة هو لما تقدم من أن مقدورات العدد لا تصح إعادتها من القادر عليها لما ذكر هنا ولا يصح إعادتها من القادر للذات لتأديته إلى مقدور بين قادرين.
قوله: (ويجوز أن يجعل الله في إحدى الكفتين نوراً علامة للطاعة وفي الأخرى ظلمة علامة للمعصية.
قال أبو هاشم: فإن قيل: النور والظلمة أجزاء حقيقه لا نقل فيها فكيف يصح وزنها.
أجبت: بأنه يجوز أن يخلق الله فيها نقلاً بقدر ما جعلت علامة له من الثواب والعقاب.
وقد قال بعضهم: بوضع الشخص في كفة وعمله في كفة وهو غير منصور ولا مقابله بينه وبين عمله إنما المقابلة بين العملين.
قوله: (ويجوز أن تكون الأعمال مكتوبة في صحائف.. ) إلى آخره.
هذا الوجه أرجح وأظهر وقد ورد من الأخبار ما يقضي به فإنه روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يؤتى يوم القيامة لابن آدم بسبعين سجلاً كل سجل منها مد البصر مكتوب فيها ذنوبه ثم يؤتى بقرطاس يوازي قدر الأنملة فيها شهادة ألا إله إلا الله فترجح بتلك السبعين)).
قيل: وهو محمول على أن تلك الذنوب صغائر أو أنضمت التوبة عنها إلى الشهادة.
قوله: (وفائدة ذلك تعجيل المسرة.. ) إلخ.
هو كلام جيد لا غبار عليه وهو إشارة إلى رد حجة المنكرين للميزان الحقيقي فإنهم أحتجوا بأنه لا فائدة فيه.
قوله: (ويكون في العلم به لطفاً للمكلفين).
هكذا في المتن فيه خلل من جهة العربية ولعله من سهو العلم وتحقيق اللطيفة أن المكلف إذا علم ذلك عرف الأهتمام بحاله وأنه غير معقول عن محاسبته بنصب الميزان الذي هو الغاية القصوى في تحقيق الحساب والزيادة والنقصان فيكون أقرب إلى التحفظ فيما كلفه خوفاً من هتك الأستار والفضيحة على أعين الأشهاد.
قوله: (وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن المراد بالميزان في الآخرة العدل).
أرادوا العدل في تحقيق الحساب السوي وإن الجزاء على حساب العمل وأنه لا يعقل عن صغيرة الأعمال وكثيرها من غير أن يظلم العباد مثقال ذرة وهذا القول منسوب إلى مجاهد التابعي الكبير و.......... والضحاك وهو قول المطرفيه وقد عزي إلى الهادي عليه السلام.
قوله: (ولا موجب للعدول عن الظاهر).
يعني: لكون ذلك ممكناً ولا مانع عنه من جهة القدرة ولا من جهة الحكمة.
قوله: (لما كان لذكر النفل معنى أما لو كان للعدول عن الظاهر موجب فذكر النفل لا يمنع من ذلك ويكون من قبيل ترشيح الإستعارة وهو من أنواع البلاغة.
فائدة: ورد أن صاحب الميزان يوم القيامة والقائم عليه هو جبريل عليه السلام.
فصل:
قوله: (وأما الحساب ونشر الصحف وإنطاق الجوارح فما لا يمكن إنكاره).
يعني: لما ورد من القرآن فيها كقوله تعالى: {فسوف يحاسب حساباً يسيراً}. وقوله: {وإذا الصحف نشرت}. وقوله: {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون}. وغير ذلك من الآيات القرآنية والأخبار النبوية الواسعة.
قوله: (وصورة الحساب.. ) إلى آخره.
قال السيد صاحب شرح الأصول غير أن محاسبة الله أيَّانا لا تجري على حد ما تجري المحاسبة بين الشريكين أو المتعاملين فإن ذلك يكون بخلق العلم الضروري في قلته أنه يستحق من الثواب كذا ومن العقوبة كذا.
قيل: وفيه يعدلان الحساب لم يوضع لمثل ذلك لغة ولا شرعاً، وقد جوز أن تكون المحاسبة بكلام يخلقه الله سبحانه فيه بيان ماله وما عليه، وأن يعهد الله تعالى إلى بعض الملائكة أن يحاسب المكلف على كل تقدير فأقرب الأحوال في كيفيتها أن يعرف بحسناته وسيئاته ويحصى ذلك عليه ويعرف بمقدار ثواب الحسنات ومقدار عقاب السيئات وسقوط ما يسقط من الأكثر في مقابلة الأقل وبقاء ما يزيد على ذلك.
قوله: (وليس على حد المحاسبة في الشاهد).
يعني: كما يجري بين الشريكين والمتعاملين فإن ذلك يكون بعقد الأصابع وما يجري مجراه ولو كان كذلك لم ...... محاسبة هذه الخلائق الواسعة بسرعة ولا يمكن إلا بمده مديدة وزمان طويل.
قوله: (وأما إنطاق الجوارح.. ) إلى آخره.
أختصر المصنف الكلام في ذلك وللعلماء في حقيقته وكيفيته أختلاف وخبط وأما إنكاره بالكلية فلا قائل به فالقرآن مصرح به في عدة آيات، كقوله تعالى: {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم}. وقوله تعالى: {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم}. وقال تعالى: {تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم}.
قيل: المراد أن الأسماع تشهد بما سمعت والأبصار بما أبصرت والجلود بما لامست من الحرام وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرمات.
وقيل: المراد بالجلود الجوارح.
وقيل: هي كناية عن الفروج.
قوله: (فهو بأن يخلق الله فيها الكلام).
هذا هو الوجه المعتمد عليه عند أهل التحقيق وهو أقرب الوجوه وأخلاها عن الإشكال والأستبعاد، ويكون المتكلم وفاعل الكلام هو الله سبحانه ونسبة الكلام والشهادة إلى الجوارح حينئذ من قبيل المجاز الأسنادي.
قال جار الله: فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق.
قلت: الله عز وجل ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاماً.
قوله: (أو بأن يبنيها بنية يصح منها الكلام ولا يقف على أجتيازه).
أي يصح منها الكلام لأجل تلك البنية وظاهره أنه أراد ببنيها بنية كبنية اللسان واللهوات التي تصلح آلة للكلام وهذا لا يستقيم على ظاهره لأن المتكلم إن كان صاحبها فهو يتكلم من لسانه ولا حاجة إلى ذلك ويكون حينئذ شاهداً لا مشهوداً عليه فلا يصح ذلك وقد منع عنه بقوله: ولا يقف على أجتيازه وإن كان المحدث للكلام الله سبحانه فذلك مما لا يقف على تلك البنية لأن الله سبحانه يصح منه إيجاد الكلام في كل محل كما يوجده في الحصى والشجر وإنما يتوقف على تلك البنية كلام القادر بقدرة فالأولى أن يكون المقصود من هذا الوجه وحاصله أن يجعل كل عضو من الأعضاء حياً بإنفراده متكلماً له آلة الكلام المبنية تلك البنية المخصوصة، وهكذا ذكر السيد في شرح الأصول وصرح به وضعف الشيخ أبو هاشم هذا الوجه بأنه يلزم منه خروج الجوارح من أن تكون جوارحهم إذ قد صار كل عضو منها حياً قادراً على إنفراده إلا أن يراد أنها كانت جوارحهم وفيه خروج إلى المجاز ورجح الوجه الأول وقد نسب إلى الشيخ أبي هاشم وجه آخر ونسب أيضاً إلى الفقيه حميد وهو أن المراد أن يجعل تعالى في كل عضو آلة ويقع الكلام بها أو يضاف الكلام إلى الجارحة لخلو الكلام فيها كما يضاف إلى اللسان، وإن كان المتكلم في الحقيقة هو الجملة.
قلت: ولا يبعد أن يكون هذا الوجه هو مراد المصنف لكن فيه ما ذكرناه من الإشكال ويمنع من أن يكون مراداً له.
قوله: (ولا يقف الكلام على أجتيازه).
فإن هذا الوجه مبني على أنه هو المتكلم.
قيل: (ي) وكل هذه الوجوه ممكنة لا يستبعد شيء منها كما أستبعده أبو هاشم في ذلك الوجه وذكر الإمام المهدي وجهاً رابعاً وهو أن يكون المراد أن الجوارح تتكلم بلسان الحال لا بلسان المقال، على معنى أن الحال يقتضي أن لو كان لتلك الجوارح لسان وقدرة على الكلام لتكلمت وشهدت فهو كقوله تعالى: {قالتا أتينا طائعين}. والوجهان الأولان أرجح وأصح لأن فيهما أبقاء للفظ التكلم والنطق على حقيقته وإنما التجوز فيهما من جهة النسبة وفي هذا الوجه حمل اللفظ على مجازه وهو أبعد من المجاز العقلي فلا يعدل إلى ذلك مع عدم الموجب ولأنه لا معنى مع هذا الوجه لما حكاه الله من عتاب المعاتبين لجوارحهم إذا لم يكن منها نطق ولا يكون لذلك وجه يسوغه ولا قاعدة يبنى عليها.
وقال الشيخ أبو القاسم: لا يصح أن يكون ذلك الكلام إلا من فعل الله قطع بالوجه الأول وهو الراجح كما تقدم.
تنبيه:
ذكر المصنف صورة الحساب وصورة إنطاق الجوارح ولم يتعرض لصورة نشر الصحف، فأما الدليل عليه فهو ظاهر وقد أكتفى المصنف بظهور أدلة تلك الأمور كلها عن ذكرها وقد تكرر في القرآن ذكر...... الكتاب باليمين وبالشمال، ووراء الظهر وقال تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. وقال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}. وصورة ذلك أن المرضي عنه يناول كتابه بيمينه وذلك عنوان الرضا والثواب والمغضوب عليه يناول كتابه بشماله وذلك عنوان الغضب والعقاب نعوذ بالله منهما وفي بعض الآثار أن الذي يناول بيساره يكون ذلك من وراء ظهره بأن يثني يساره إلى ظهره لما في ذلك من تعنيفه.
قيل (ي): وذكر بعض المفسرين أن يد العاصي تدخل في صدره حتى تخرج من ظهره ويناول كتابه كذلك ثم أنه لا فائدة لنشر الصحف إلا الدراية بما تضمنته، ويدل على أن صاحب الكتاب يقرأ ما فيه، قوله تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}.
قيل (ي): وقراءته لذلك إن كان غير أمي على ظاهره وإن كان أمياً فبان يلهمه الله تعالى ما في الكتاب فيستطيع قراءته، وعن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يقول الله للعبد اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً فيخرس لسانه، فيقول تعالى للعبد: اقرأ كتابك فتأخذه الرعدة. فيقول: يارب إن جهنم أحب إليَّ من قراءة كتابي. فيقول الله تعالى: أذهب إلى الجنة فقد غفرت لك)).
قيل (ي): ويحمل على أنه أستمر على المعاضي حتى حضره الموت فتاب.
وعن الحسن البصري: ليس ممن يموت إلا ودخل معه ملك في قبره ومعه صحيفة ودواة ويناوله صاحب القبر، ويقول: أكتب كل عمل عملته من خير أو شر فيكتب ثم يطوى الكتاب، فيضعه عند رأسه فإذا جاء يوم القيامة وخرج من قبره جاء ذلك الملك فيدفع إليه ذلك الكتاب ويقول: أتعرف هذا الكتاب؟
فيقول: نعم.
فيقول: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً.
فصل:
قوله: (وأما الصراط فهو الطريق).
يعني: لغة وهو بالضاد والسين والزاي يقال صراط وسراط وزراط وشاهده قول الهذلي:ـ
أكر على الحروريين مهري وأحملهم على وضح الصراط.
هكذا في الصحاح.
وقال جار الله: الصراط الجادة من شرط الشيء إذا أبتلعه لأنه يشترط السائلة إذا أسلكوه كما سمي لقماً لأنه يلتقمهم، والصراط من قلب السين صاداً لأجل الطاء كقولك مضطر في مستطر وقد يسم الصاد صوت الزاي وقرىء بهن جميعاً وفصحاً هن أخلاص الصاد وهي لغة قريش، ويجمع على صرط........... ويذكَّر ويؤنث كالطريق والسبيل والكلام منه يقع في أربع فوائد:ـ
الفائدة الأولى: هل للمكلفين صراط أو صراطان الذي عليه جمهور المتكلمين أنه صراط واحد.
وقال بعضهم: بل صراطان وإليه أشار المصنف بقوله: قيل: (وهو طريقان.. ) إلى آخره. وهذا قول محمود بن الملاحمي.
قوله: (في أحد وجوهه).
يعني: وجوه تفسيره لأن منهم من فسره بأن المراد طريق الحق وهو ملة الإسلام، ذكره جار الله في الكشاف.