الأولى: في ذكر الأختلاف فيه.
الثانية: في الدليل عليه.
الثالثة: في كيفية وقوعه.
الرابعة: في وقته.
الخامسة: في فائدته.
السادسة: في شبه المخالفين فيه.
الفائدة الأولى: قوله: (إلا ما يحكى عن ضرار).
تحقيق الكلام في أن الذي عليه الأكثرون القول بالحياة في القبر قبل البعث وأنه لابد فيه من عذاب لأهل النار وبشارة لأهل الجنة ووصول شيء من أرائحها ونعيمها إليهم كما ورد: ((القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)). والخلاف في ذلك مع بعض البغدادية منهم بشر المريسي ويحيى بن كامل وغيرهما وروي ذلك عن بعض الزيدية منهم الناصر الحسن بن علي عليه السلام والمرتضى والناصر أبنا الهادي فهؤلاء منعوا من الحياة بعد الموت إلا في البعث يوم القيامة.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني كأن يذهب في تجزأ أو تتبدد أجزاؤه على وجه الأرض ولعل كيفية ذلك أن تعاد أجزاؤه وتؤلف وتجيء في أي مكان ثم يوصل إليه ذلك وهذا داخل في حيز الأمكان مع كوه مستبعداً غاية الأستبعاد والمعتبر الدليل السمعي وقد قصر المصنف الكلام على هل النار والصحيح أن الكلام فيهم وفي أهل الجنة والخلاف واحد كما أشرنا إليه.
الفائدة الثانية: في ذكر الأدلة على ذلك.
قوله: (إنما يكون لعذاب أو بشارة).
يعني وإلا كان الإحياء عبثاً لا فائدة فيه والحكيم ميزه عنه.
قوله: (ولم يذكر الحياة التي هم فيها يعني في الآخرة وهذا جواب عن سؤال يرد هنا تقريره لو كان الأمر كما ذكرتم لكان الله قد أحياهم ثلاث مرات فلم جعله مرتين.
وجوابه: ما ذكره المصنف وحاصله أنه إنما ذكر الأمور الماضية ولا حاجة إلى ذكر الحياة التي هم فيها.
ووجه آخر: وهو أن المراد الحياة التي هم فيها والأحياء في القبر لكونهم عرفوا الله فيهما ضرورة، ولهذا قالوا: {فاعترنا بذنوبنا}. ولم يذكروا ولم يذكروا الإحياء في الدنيا فلم يكونوا معترفين فيه بذنوبهم ذكره الإمام يحيى.

قيل: ويجوز أن يكونوا أغفلوا حياة القبر لقصر مدتها وذكر حياتين لا بدل على أنتفاء الثالثة لأن تعليق الحكم تعدد لا يدل على نفي ما عداه.
قوله: (فإن قيل: الأمانة الأولى هي خلقه إياهم بعد أن كانوا أمواتاً).
هذه عبارة ركيكة فاسدة وكيف يتصور أن تكون الأمانة الأولى خلقهم بعد أن كانوا أمواتهم إنما كانوا معدومين فالعبارة الحسنة في ذلك ما قاله السيد في شرح الأصول: ومتى قالوا أن إحدى الأمانتين إنما هو خلق الله الخلق من نطفة هي موات.
وجوابه: أحسن من جواب المصنف وهو أن الأمانة في الحقيقة إنما هي إبطال الحياة وإزالتها وتفريق البنية التي تحتاج هي في الوجود إليها ولا يتصور ذلك في النطفة التي لم تكن حية أصلاً وقد جعل الله الأمانة مرتين وعلى ما ذكرتم يقتضي أن يكون ذلك مراراً فقد قال تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ولم يصر حياً بعد ذلك بل صار علقة كما قال تعالى: {ثم خلقنا النطفة علقة فجعلنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً}.
قوله: (وأما قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت.. }) إلى آخره.
هذه إشارة إلى ذكر ما يحتجون به وسيأتي الكلام عليه ...... إن شاء الله تعالى.
قوله: (فبين أنهم يعرضون على النار أي آل فرعون).
يعني وإذا ثبت ذلك في آل فرعون ثبت في غيرهم من المستحقيق للنار للأتفاق على أن الحكم واحد في ثبوت عذاب القبر أو عدم ثبوته.
قوله: (إن كان المراد بالأغراق الموت الآية وآردة في قوم نوح ولا كلام في موتهم مقترن بإغراقهم.
قال جار الله: جعل إدخالهم النار في الآخرة كأنه متعقب لأغراقهم لا فتراته ولأنه كائن لا محالة فكأنه قد كان أو أريد عذاب القبر ومن مات في ما أو نار أو أكلته السباع أو الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب أنتهى.

وقوله: (وقد وردت الأحاديث في ذلك فيما ورد منها كثرة إلا أنها أحادية ولا يعتمد عليها إلا على جهة الأستظهار فمنها ما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)). وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد سمع هذه في غشية أوان غروب الشمس هذه أصوات اليهود يعذبون في قبورهم، وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم)). وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد نفرت ناقته أنه قال: ((نفرت من صوت صاحب هذا القبر فإنه يعذب)). وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من لم يؤمن بعذاب القبر عذبه الله)). وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((هو أول منازل الآخرة فمن نجا منه بعد أيسر منه ومن لم ينج منه فما بعده أشد منه)).
قوله: (أي عندهما).
يعني وإن كان كبيراً في نفس الأمر لأنه لا يستحق إيصال العقاب إلا على كثيرة فهو كما ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الرجل ليتكلم بكلمة يهوي بها في نار جهنم وما كان يظن أن يبلغ بها ما بلغ)).
قوله: (لا يستتر من البول).
هذه رواية وفي رواية لا يستتره بأثبات الهاء وهما بالتاء الفوقانية المثناة بعد السين المهملة ونون يعد ها زاي معجمة فالتي بالهاء من النزاهة وهو البعد من السوء والأخرى من ...... بفتح النون وككسرها وهو ما يتخلب من الأرض من الماء ذكره في الصحاح والزاي في رواية وحذف الهاء مضاعفة.
قوله: (وأما سؤال منكر ونكير.. ) إلخ ذلك.

اعلم أن الأكثر أجازوا دخول الملكين القبر لسؤال الميت بعد إحيائه عن ربه ودينه ونبيه وقضوا بذلك لما ورد من الأدلة النقلية عليه فإن كان الميت من المثابين وفق الجواب فيؤنسانه بعد ذلك ويبشرانه بما أعد له من النعيم الدائم وإن كان من المعاقبين أنعقد لسانه وتحير في الجواب فيهددانه ويعدانه ويوقعان الحسرة في قلبه والغم لما فاته من جزيل الثواب وما أعد له من عظيم العقاب، وخالف في ذلك البستي وضرار بن عمرو فذهبا إلى أنه لا يجوز دخول الملكين على الصفة المذكورة ولعلهما بنيا ذلك على نفي عذاب القبر فإن هذا من فروعه ومن نفاه نفا سؤال الملكين المذكورين.
قيل: وممن أنكر أمر الملكين وما ورد فيهما الشيخ أبو القاسم البلخي.

قوله: (وقد ورد من عرف أهل الحديث جعل أسم الأثر لما أثر عن غير النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من الصحابة والتابعين ولم يكن مرفوعاً إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم والخبر لما كان مرفوعاً، وأشار المصنف بذلك إلى ما ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يقول الله لملك الموت أنطلق إلى وليي فأتني به فإني قد بلوته في السراء والضراء فوجدته حيث أحب ـ إلى أن قال ـ فيبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف يطيان في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا قد نزعت منهما الرحمة والرأفة يقال لهما منكر ونكير مع كل واحد منهما مطرقة لو أجتمع عليها ربيعة ومضر لم ينقلوها ....... فيقولان له: من كنت تعبد ومن ربك ومن نبيك )). قالوا يا رسول الله: ومن يطيق الكلام عند ذلك وأنت تصف من الملكين ما تصف؟ فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (({يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين} فيقول المؤمن: كنت أعبد الله.. ) الخبر. إلى قوله: ((فينظر فوقه فإذا باب مفتوح من الجنة فيقولان له هذا منزلك يا ولي الله)). قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((فوالذي نفسي بيده أن يصل إلى فرحة لا تزيد أبداً)). ثم قال: ((ويقول الله عز وجل لملك الموت أنطلق إلى عدوي فأتني به فإني قد بسطت له رزقي وسربلت له نعمتي فلأنتقمن منه)). الخبر إلى قوله: ((ويبعث الله ملكين على تلك الصفة فيقولان له يا عدو الله ما كنت تعبد وما دينك ومن نبيك فيقول لا أدري فيقولان له يا عدو الله لا دريت ولا تليت ويضربانه ضربة تتطاير شرراً في قبره)). إلى آخر الخبر وغير هذا مما روي في معناه فإذا كان قد ورد الخبر بذلك ولا مانع عنه عملاً وجب قبوله ولا يقطع به إذ الخبر أحادي فلا يثمر لقطع لكن يثمر الظن ويصير محوراً رجحاً وفيه إشكال على النظر من حيث ذكره عظم جسم كل واحد من الملكين على ذلك الوجه

المفرط في العظم وكيف يتصور دخول من لك صفته في اللحد وإقعاد الميت فيه.
وإن قيل: بأنه يوسع.
ففيه إشكالات أخر، ولكن نؤمن بالله وما جاء به رسوله وبكل ما..... إلى علمه فهو يعلم ما لا نعلم وقدرته الواسعة وحكمته البالغة.
قوله: (ويشاهدهما على صورة حسنة).
هذا مقتضى القياس وربما أنه ورد في بعض الأحاديث وإلا فظاهر هذا الخبر الذي نقلناه خلاف ذلك وهو أن الصورة واحدة ولا مانع منه فإنه يمكن ألا يحدث روعة مع المؤمن بعاصم من عند الله ويكون في علم المكلفين بذلك لطف وأعتبار.
قوله: (إنما تكون التسمية ذماً بالقصد إلى ذلك).
يعني والأعلام لا يقصد بها أصلها ولا تفيد ما تفيده.
قيل: التسمية بها من مدح أو ذم وقد ورد السمع بذلك ولا مانع منه.
قوله: (والغرض بهذه التسمية.. ) إلخ.
هذا وجه آخر درجة في الأول وحاصله أنا لو علمنا أن الأعلام تفيد ما تفيده قبل التسمية بها فلا معنى لمنكر ونكير، قبل العلمية إلا أنهما غير معروفين وليس بذم وقد أجيب بأن الملكين الداخلين على أهل الجنة يسميان مبشراً وبشيراً.
الفائدة الثالثة: في كيفيته وهي أنه لا بد أن يحيى الميت إذ لا يصح تعذيب الجماد ولا بد في المعذب أن يكون عاقلاً ليعلم أستحقاقه لما أوصل إليه وإلا أعتقد أنه مظلوم ومع ثبوت عقله فإنه يعلم ضرورة الصانع وتوحيده وعدله ولا يصح منه حينئذ أعتقاد جهل بأنه مظلوم لأن معارف أهل الآخرة ضرورية وقد صار في أول أحوال الآخرة وزال التكليف وقد ذهب قوم إلى أنه يعذب ميتاً وهي جهالة فإن الميت لا يدرك العذاب لزوال حياته فالقول بأنه يعذب وهو ميت يؤول إلى القول بأنه لا يعذب.
قيل: ولعل هؤلاء لا يعنون أنه تعذب روحه دون جسده ولا مانع من ذلك على ما هو الصحيح من القول فإن الروح ....... فبقي ........ يصح أنفصالها وهي التي لا يكون الحي حياً إلا بها.

قلت: ولعلهم يحتجون على ما ذهبوا إليه بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في الميت أنه يسمع خفق النعال. فظاهره أنه يسمع وهو ميت لكن ذلك لا يتأتى لهم فإن إدراك غير الحي معلوم بضرورة العقل أنه ...... والخبر متأول إما بأن المراد من كان ميتاً لا في تلك الحال أو من يظنونه ميتاً.
وقيل: إن ذلك على سبيل التخييل كأنه يسمع.
الفائدة الرابعة: في وقته.
واعلم أنه لا يجب العلم بتفاصيل عذاب القبر في وقته وكيفيته ولا البحث عن ذلك ولا وجد ما يدل عليه وإنما قامت الأدلة على وقوعه جملة فيعتقد كذلك ومن ثم ذهب الشيخان والمحققون إلى أنه أنقطع بوقته هل هو عقيب الموت أو بين النفختين اللتين قدمنا ذكرهما أو قبلهما وهل هو طويل ممتداً أو قصير منقطع بل توقف في أمره على ما ورد فإن ورد في شيء من ذلك أخبار ولو أحادية وجب قبولها وصار مظنوناً.
قلت: هكذا ذكر أصحابنا وفيه نظر لأن قبول الأخبار الأحادية في الأمور العلمية التي لا يتوقف عليها عمل لا يخلو عن إشكال فليتأمل، وقد ورد في الأحاديث النبوية وكلام أمير المؤمنين عليه السلام ما يدل على أن ذلك عقيب الدفن وهكذا نقل عن قاضي القضاة.

قيل: وقد تواتر النقل بمشاهدة النيران في القبور وسماع الصياح والأنين منها وهو معلوم ضرورة لكن لا يقطع بذلك على أن المعذب والذي يصيح هو ذلك الميت المودع ذلك القبر بل الأمر محتمل وإن كان الأغلب أنه هو وكذلك قد شوهد بعض الموتى قبل دفنه ظاهرة فيه آثار العذاب وتغير جسمه، ومما يدل على ذلك ما أثر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن القبر يكلم الميت عند وضعه فيه إما بلسان الحال أو المقال يقول حين يوضع في القبر: ((ويحك ألم تعلم أني بيت الفتنه وبيت الوحدة وبيت الوحشه وبيت الظلمة فما غرك بي)). وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن العبد الصالح إذا وضع في قبره أحتوشته أعماله الصالحة فتأتي ملائكة العذاب فتقول أعماله الصالحة إليكم عنه لا سبيل لكم إليه ثم يقال: ...... طيبب حياً ومياً ويفتح له في قبره مد بصره ويؤتى بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم بعثه، وفي الأثر أيضاً أن المستحق للعقاب إذا وضع في قبره أتاه آتٍ قبيح الوجه منتن الريح، فيقول له: أبشر بسخط الله والعذاب الأليم. فيقول له الميت: من أنت؟ فيقول له: أنا عملك الخبيث والله إن كنت لسريعاً إلى معصية الله بطيئاً عن طاعته فجزاك الله شراً ثم يقبض له أصم أعمى أبكم مع مرزية من حديد لو أجتمع عليها الثقلان ما أستطاعوا نقلها فيضربه بها ضربة يصير تراباً ثم يفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار يأتيه ن حرها وسمومها إلى أن يبعث وورد أيضاً أنه لا بد لكل ميت من ضغطة القبر يضغط مستحق العقوبة ضغطة يدخل منها جانبه الأيمن في الجانب الأيسر والأيسر في الأيمن، وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال في أبنته زينب: ((لقد ضعطها القبر ضغطة سمعها من بين الخافقين غير الجن والأنس)).
قيل: والمراد بما يصيب المؤمن من ذلك وقوعه بغير ألم ولا غم.

وقال أبو الهذيل، والنظام، وبشر بن المعتمر: وهو مقتضى كلام السيد في شرح الأصول، أنه بين النفختين وأحتجوا على ذلك بقوله: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}. والبرزخ الأمر الهائل.
ووجه الأحتجاج: قوله بعد ذلك: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتسألون}. ففيه غشارة إلى أن النفخة الثانية التي يحيى بها الأموات واقعة عقيب البرزخ لمجيء الفاء في قوله: {فإذا نفخ في الصور}. والفاء للتعقيب. فدل على أن تلك النفخة عقيب البرزخ والبرزخ في اللغة الأمر الهائل العظيم ولا يستعظم بعد الموت إلا التعذيب أو التنعيم فيلزم كون ذلك بين النفختين إذ لا قائل بأستمراره من وقت الموت إلى يوم القيامة وإنما المسألة مرة واحدة.
قيل: وهذا واضح اللزوم لو كانت الآية وآردة على هذه الكيفية لكنها ليست كذلك بل أخبر سبحانه أن الذي يحضره الموت يتمنى أن يزاد في عمره وينفس في أجله لعله يعمل صالحاً فأخبر سبحانه أنه لا يجاب إلى ما طلب وإن بينه وبين مطلوبه برزخاً أي أمراً عظيماً هائلاً يمنع عن ذلك وهو ذوقه شكرة الموت ومنعه من العود إلى مثل الحال التي كان عليها قبل الموت إلى يوم يبعثون.
وقال جار الله في تفسير قوله: {ومن ورائهم برزخ}. الضمير للجماعة أي أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث وإنما هو أقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
الفائدة الخامسة: في ذكر فائدة عذاب القبر والإخبار به.
فالغرض في ذلك ما يتعجل للمؤمن من الثواب والمسرة وما يتعجل للعصاة من العذاب وفائدة العلم بذلك في الدنيا ما يحصل به من الدعاء إلى الطاعة والصرف عن المعصية وفيما يشاهد من العذاب ونحوه لطف للملائكة فيما كلفوه.
الفائدة السادسة: في شبه المخالفين: ولهم شبه ثلاث:ـ

الأولى: أن الإنسان إذا أحرق صصار رماداً ففرقته الريح في كل جهة أو فرسته السباع أو أختطفته الطير وتفرقت أجزاؤه كيف يصح تعذيب من هذا حاله.
والجواب: إن إعادة البنية وتعذيبه بعد ذلك ممكن وليس يشترط أن أن تكون البشارة والعذاب في حفرة هي قبر ولا مانع من أن يجمع الله الأعظاء من بطون السباع ونحوها أو يجمع الأجزاء الأصلية من كل حي ويحييها ويبشرها أو يعذبها فكل ذلك مقدور.
قال الإمام يحيى: أو يقول أنه تعالى يعذب أرواح الذين أفترستهم السباع وتفرقت أجزاؤهم إن كانوا من المعذبين كما أنه يثيب أرواح الشهداء فيجعلها في أجواف طير خضر وكل ذلك داخل في الإمكان.
الشبهة الثانية: قالوا لو صح عذاب القبر لوجب ان يسمع أنين المعذبين فيه وصياحهم ولوجب إذا فتح على أحدهم قبره أن يوجد جسده وعظامه محرقة بالنار أو على صفة من صفات العذاب ومن المعلوم أنها قد فتحت قبور أقوام يستحقون العقوبة فلم يوجد في أجسامهم شيء من ذلك.
والجواب: أنا لسنا نقطع بوقوع العذاب عاجلاً فقد جوزنا كونه بين النفختين على ما ذكره كثير من العلماء ثم أنه لا مانع أن يعذبوا في أوقات ولا يطلع على ذلك لحكمة يعلمها الله ولا مانع أيضاً أن يعذبوا حال الأطلاع عليهم ويكون عذابهم باطن أجسادهم فلا يطلع عليها ثم إن ذلك قد شوهد في بعض الموتى قبل الدفن وبعده وإن كان نادراً.
الشبهة الثالثة: من السمع تمسكوا بآيتين:ـ
الأولى منهما: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}. ولو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين.
الآية الثانية: قوله تعالى: {وما أنت بمسمع من في القبور}. فدلت على أنهم ليسوا بأحياء.
والجواب: أما الأولى فإن الله تعالى وصف نعيم أهل الجنة وأنه لا ينقطع بالموت كما ينقطع نعيم الدنيا فيجب أن يكون معنى الآية لا ينقطع نعيمهم ولا يتنغص عيشهم كما كان في الدنيا.
قال جار الله: فإن قلت: كيف أستثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه.

122 / 158
ع
En
A+
A-