السؤال الثاني: كيف يتأتى من ملك الموت قبض روح كل حي وقد يموت العدد الكثير في وقت واحد في أماكن كثيرة من السماء والأرض مشرقها ومغربها وشامها ويمنها ومن المستحيل أن يكون ملك الموت في أماكن كثيرة في وقت واحد. وأجبت بوجوه:ـ
الأول: حمل القبض على أعلام الله أياه بذلك والأعلام يتأتى على كل تقدير لكن هذا تأويل نادر لا توافق عليه تلك الظواهر ولا تساعد.
الثاني: أن يحملعلى قبضها بعد خروجها ونزعها وذلك يمكن وإن خرجت في وقت واحد ويكون قبضه إياها في أوقات.
الثالث: أن ذلك لا يبعد إذا مكنه الله منه كما يروى أن السموات والأرض وما بينهما من الأحياء بين يدي ملك الموت كما يكون الإناء بين يدي من يلتقط منه.
الرابع: أنه يتولى ذلك بأن يبعث أعواناً له لقبض الأرواح........ عنه وإضافة قبض الأرواح إليه بهذا المعنى صحيحة كما يضاف إلى صاحب الحال في الشاهد ما فعله أعوانه.
الفائدة الرابعة: هل يمكن معرفة أمد الدنيا ووقت وقوع الفناء وما قد مضى منها قبل مبعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فأما منذ بعث إلى وقتنا هذا فمعروف.

الذي عليه جمهور المسلمين أنه لا يمكن ذلك لأن معرفة أمدها لا يعرف إلا بمعرفة آخرها وآخرها قيام الساعة وقد قال تعالى: {إنما علمها عند ربي}. وقال: {إلى ربك منتهاها}. ودلت الأخبار أيضاً على أن ذلك مما أستأثر الله بعلمه، وقد حكي عن ابن عباس أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وروي عنه الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة ونقل مثله عن الطبري وبه قالت اليهود والنصارى وعن وهب بن منبه أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وروي عن بعضهم أن مدة الدنيا خمسون ألف سنة وأحتج بقوله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}. وحمل اليوم على أن المراد به مدة الدنيا لا ما ذكره المفسرون أنه يوم القيامة لأنه تعالى أخبر أن ملائكته تعرج إليه فيه باالأمر منه إلى عباده ويوم القيامة لا تكليف فيه فلا يكون للملائكة فيه عروج ولا هبوط لانقطاع أرسالهم إلى الخلق وأما ما مضى من مدة الدنيا إلى أن بعث صلى اللّه عليه وآله وسلم ففيه روايات كثيرة وهذا يمكن ضبطه ومعرفته بالوحي وما ينقل من الأخبار الصحيحة وقد نقل عن ابن عباس في قدر ما مضى من الدنيا إلى بعثته صلى اللّه عليه وآله وسلم روايات مختلفة أنه سبعة آلاف سنة وخمسمائة وسبعون سنة وخمسة آلاف وخمسمائة سنة وستة آلاف سنة وقال الواقدي من هبوط آدم إلى ولادة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم أربعة آلاف سنة وستمائة وأثنتان وأربعون سنة وقال اليونانيون من النصارى الماضي منها إلى الهجرة ستة آلاف سنة إلا أشهراً. وقالت المجوس الماضي منها أربعة آلاف سنة ومائة سنة وأثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوماً وقالت الروم الماضي منها ستة آلاف سنة ومائة سنة وسبع عشرة سنة، حكى ذلك القضاعي في تأريخه ولا يتيقن صحة لشيء من ذلك والله أعلم.

فصل:
قوله: (كان يحسن من جهة العقل ألا يعيد الله من يستحق العقاب).

شرع المصنف في الكلام على الإعادة بعد الفراغ مما أورده في الإفناء وبدأ بذكر من يجب إعادته ومن لا تجب وما يجب أعادته ممن يعاد وأقتصر على ذلك ونحن قبل ذلك نذكر ما لا غنيه عن تقديمه من ذكر ما هية الإعادة وكيفيتها ثم الخلاف في صحة الإعادة وعدمها وذكر شروطها عند القائلين بصحتها وذكر الدليل عليها وشبه المانعين منها ثم نعود إلى ما ذكره المصصنف بتكميله ....... عليه أما حقيقة الأعادة فهي وجود بعد عدم سبقه وجود والمعاد الموجود بعد عدم سبقه وجود والمعبد فاعل الأعادة وأما كيفيتها فهي على حسب الخلاف في الإفناء فمن قطع بأن الأفناء هو الأعدام فلا أعادة الله للعالم إيجاده بعد عدمه ومن ذهب إلى أن الأفناء هو زوال هذا النظام وتفريقه قال الأعادة هي ....... وأجتماعه وعوده إلى حالة الأولى وأما الخلاف في صحتها فالقول بأنها تصح قول جمهور المتكلمين فإنهم يقولون بجواز إعادة المعدوم ولكن أختلفوا من وجه آخر فعند المعتزلة أن المعدوم لو بطلت ذاته وحقيقته أستحالت أعادته وأتفق الأشعرية على أن صحة الأعادة لا تتوقف على أثبات الذات في حالة العدم والخلاف في ذلك لمن لم يصحح أعدام العالم فلا تثبت الأعادة التي هي إيجاد بعد عدم بل بالمعنى الآخر وهو التأليف وجمع شتات الأجزاء المنتثرة، وأما شرائط الأعادة عند القائلين بصحتها على معنى أنها الوجود بعد العدم فهي شروط أربعة:ـ
أحدها: أن يكون المعاد نافياً.
وثانيها: ألا يكون من مقدورات القادرين بقدرة.
وثالثها: أن يكون سبباً غير مسبب وهذه الشرائط الثلاث متفق عليها وقد تقدم الكلام عليها في مسألة الأفعال.
ورابعها: ألا يكون المعاد من جنس مقدور القادرين بقدرة وإن كان من فعل الله وباقياً غير مسبب ذكر هذا وشرطه أبو علي والذي عليه ابو هاشم والجمهور أن ذلك لا يسترط وأحتج إبو علي بأنه لو جازت إعادة ما هو من جنس مقدورنا لجاز أن يعيد ما هو من مقدورنا من جنسه.

وأجبت: بأن أمتناع ذلك منا لأجل القدرة لا لأجل الجنسيه ولما كان الله سبحانه قادراً لذاته صحت منه إعادة مقدوره الذي يقدر على حبسه ولم يصح ذلك منا لأجل كوننا قادرين بقدرة إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا مخالف من المسلمين وأهل الملة في وقوع المعاد وهو معلوم من ضرورة الدين وإجماع المسلمين ومن خالف فيه فليس بمسلم ولا خلافه يعتد به وإن وقع الخلاف في كيفية الأعادة وحقيقة المعاد على ما ذكر والخلاف في أمر المعاد محكي عن بعض الفلاسفة قال الإمام يحيى أظنه جالينوس فقد حكى عنه أنه كان متوقفاً في صحة أمر المعاد ويدل على ثبوته على سبيل الجملة وكل فيه على أصله من إيجاد بعد العدم أو تأليف وأنتظام بعد الإنتثار مسالك ثلاثة:ـ
الأول: ما تقرر من كونه تعالى قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات فإذا ثبت ذلك فالأعادة ممكنة إن فرضنا أن الفناء الأعدام فمن قدر على النشأة الأولى والإيجاد أولاً قدر على النشأة الأخرى والإيجاد ثانياً وإن فرضنا أن الفاء نثر نظام العالم وتقربوا خرابه متميز أجزائها بعضها عن بعض وضم كل جزء إلى ما كان منضماً إليه ممكن في حق العالم القادر لذاته ولو لم يقطع بصحة الأعادة لزم أن يكون إنزال الشاق من التكليف وإنزال الآلام الشاقة ظلماً فلا بد من القضاء بوجوب الأعادة لتوفير ما يستحق من هذين الأمرين.
المسلك الثاني: النصوص الواردة في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا}. وقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون}. وقوله: {.............................إلى يوم القيامة}. وأما السنة فنصوصها على ذلك أكثر من أنت تحضى.
المسلك الثالث: أنا نعلم بالضرورة أجتماع الأنبياء على وجوب الأعادة وأنهم يدينون بذلك، ويعلم ضرورة إجماع المسلمين عليه، وأما شبه المنكرين للمعاد فأشقها ثلاث:ـ

الأولى: أن الإعادة لو صحت لكان الله سبحانه إما أن يعيد جميع الأجزاء البدنية الحاصلة في مدة العمر أو الأجزاء الحاصلة عند الموت الأول باطلة فإنا لو قدرنا أن أنساناً أكل آخر وصارت أجزاء المأكول غذاء للآخر........ لزم إعادة تلك الأجزاء في الأنسانين معاً وهو باطل.
والثاني: باطل لأنه يلزم منه الأعادة على صفته التي مات وهو عليها فيعاد الأعمى أعمى والمجذوم مجذوماً ونحو ذلك ولا قائل به.
والجواب: أن هذا الذي ذكروه لا يقضي بأستحالة الأعادة ولا يمنع إمكانها والتحقيق أن الذي تتوجه أعادته الأجزاء الأصلية وما عداها فضلات لا يجب أعادتها فالواجب عندنا من الإعادة إعادة تلك الأجزاء الأصلية فقط.
الشبهة الثانية: قالوا لو عبد الأنسان لكان ........ إما أن تعاد صفاته التي لمكانها يتميز من غيره........ أو لا يعاد إن لم يعد كان الله معيداً من ذلك الشخص ما لا يتميز به عن غيره فلا فائدة في الإعادة وإن أعتدت مع أنها كانت قد عدمت كان ذلك قولاً بإعادة المعدوم.
والجواب: أنا لا نسلم أستحالة إعادة المعدوم فإنها من الأمور الممكنة وحق قادر الذات، وأجاب الإمام يحيى حضور الموت يأمر الله الملائكة بقبض تلك الأجزاء التي هي الأنسان بالحقيقة من غير أن يقع فيها تبديل وتغيير ويفرق في صفاتها فيعيدها سبحانه وتعالى على تلك الصفة والكمية.
الشبهة الثالثة: قالوا: صحة المعاد على ما جاءت به الكتب وأخبرت به الرسل غير معقول من وجوه ثلاثة منحت أن يكون باطلاً:ـ
أولها: أن تكوير الشمس وأنتثار الكواكب محال.
وثانيها: أن بقاء الحياة في المعذبين مع دوام الأحتراق محال.
وثالثها: أن ........ الأخبار دالة على أن الله يعظم أبدان المعذبين وذلك ظلم.

والجواب: أن الأنبياء إذا ظهرت عليهم المعجزات وأخبروا بشيء من الأمور الممكنة وجب تصديقهم في كل ما أخبروا به ولا نسلم أن أنتثار الكواكب محال بل هو من الأمور الممكنة ولو كان مستحيلاً لما أخبروا به ولا نسلم أن بقاء الحياة مع دوام الأحتراق محال فإن الحياة إنما تفتقر إلى البنية وأعتدال المزاج وهذان حاصلان فيجب دوام الحياة في كل وقت هكذا ذكر الإمام يحيى وهو صحيح فإنه لا مانع من أن يجعل الله سبحانه بين النار وبين محال الحياة التي لا بد منها في بقاء حياة المعذب حائلاً أو يصرف النار عن إحراقها بمشيئته فيبقى البنية المحتاج إليها ولا يقع لها أحتراق ولا تفريق للأجزاء التي تحلها تلك البنية.
قال عليه السلام: وقد حكي أن إنساناً من منكري البعث أورد عليه هذا الأشكال فأجابه بأن مثل هذه الحالة موجودة فيما بيننا ونشاهده وذلك أن الأطعمة الغليظة تنظج بحرارة المعدة بحيث لا ييحصل مثل ذلك إلا بطباخ إذا جعل في قدر للطبح وليس ذلك إلا لمكان حرارة المعدة وذلك يدل على أن حرارتها أقوى من حرارة القدر أو يكون قريباً منها ثم إنا لا نتألم من هذه الحرارة بل لو تناقصت هذه الحرارة لظهر من الألم والضعف ما لا يخف فإذا جاز ألا تكون الحرارة القوية مؤلمة فلأن يجوز بقاء الحياة معها أولى.
وحكي أيضاً عن جالينوس: أنه شق بطن حيوان مغافصة وأدخل يديه فيه وجعل أصبعه في قلبه فما قدر على أمساك الأصبع من شدة حرارة القلب وحكي أن السمندل تعيش في النار وروي أيضاً أن بعض الدود يتولد من مواضع الثلوج العظيمة، فدلت هذه الأشياء على أن شدة الحر والبرد لا تنافي الحياة ونحو رد قامها مع ذلك.
وأما قوله: (إن تعظيم أبدان المعذبين ظلم).

فهو باطل لأن المعذب الجملة المستحقة ......... وعذابها مستحق فبل ما أوردوه ووجب القطع بأثبات المعاد على ما قضت به الشريعة. وأما من يحب أعادته فهو من له حق من ثواب أو عوض على الله أو على غيره لوجوب الأنصاف والإنتصاف ووجوبها معلوم عقلاً وشرعاً لأنه لا بد من توفير ما يستحقه عليه ولا يتم ذلك إلا بالإعادة فيجب وأما من يستحق العقاب وسائر الحيوانات التي لا تستحق عوضاً فلا نعلم أعادتها إلا بالشرع الدال على ذلك كقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}. وقوله: {وإذا الوحوش حشرت}. إلا أن هذه الآية الأخيرة لا دلالة فيها على إعادة من لا حق له لأنه يجوز أن يكون للوحوش أعواض على الله بما يلحقها من الآلام أو لبعضها على بعض وأما الجمادات فلا وجه لوجوب أعادتها ولا ورد دليل عليها إلا الأصنام فقد ورد قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله خطب جهنم أنتم لها وآردون}. ووجه الحكمة فيه أن يزداد بحشر الكفرة ........ حين يرون آلهتهم التي جعلوها شركاء لله معهم في النار وأما المقدار الذي تجب إعادته فقد أشار إليه المصنف.
بقوله: (واعلم أن الذي تجب أعادته.. ) إلى آخره.
وفي هذه المسألة خلاف، قال الإمام يحيى عليه السلام: أختلف القائلون بصحة المعاد على ثلاثة أقوال:ت
الأول: أن المعاد ليس إلا هذه النفس الناطقة وهو قول الفلاسفة.
الثاني: أن المعاد النفس الناطقة مع الجسم وقد ذهب إلى هذا طائفة من المسلمين.

قلت: وتحقيق ما ذهبوا إليه أنهم أثبتوا النفس الناطقة كما يقوله الفلاسفة وذهبوا إلى أنها هي الإنسان في الحقيقة المكلف المطيع والعاصي والمثاب والمعاقب والبدن يجري مجرى الآلة لها وأنها تبقى بعد فساد البدن فإذا وقع الحشر خلق الله لكل نفس بدناً وردها إليه ونسب القول بذلك إلى الغزالي وأبي الحسين الحليمي وأبي القاسم الراغب ومعمر وأبو الهيصم وهو من الكرامية وكثير من الصوفية والرافضة وهذا هو مذهب جمهور النصارى و......... إلا أنهم يخالفون المسلمين من وجهين: أثبات قدم الأرواح هذه وأنهم يقولون ترد إلى الأبدان في هذه الدار وينكرون الآخرة والجنة والنار.
الثالث: أن المعاد هذا البدن وهو قول أكثر أهل الإسلام ثم أختلفوا فمنهم من ذهب إلى أنه لا يعاد من البدن إلا ما لا يكون حياً إلا به دون سائر الأبعاض والأوصال وهو قول أبي هاشم ومنهم من قال بإعادة البدن كله وسائر أوصاله وأبعاضه تى أنه يجب إعادة ما قطع من البدن وهو قول أبي علي وأختلف المتكلمون في الأمور التي بها يتعين ذات كل شيء ويتميز عن غيرها فزعم بعضهم أن التميز يكون بالتخطيط والتشكيل، وقال بعضهم يكون بالتأليف وذهب بعضهم إلى أن التميز يكون بالحياة وسائر الأعراض، وقال بعضهم يكون بالأجزاء المعينة.
قال عليه السلام: والمختار أن المقدار الذي يجب إعادته هو هذه الأحوال التي لا يكون الإنسان إنساناً إلا بها وأن التميز إنما هو واقع بها ويدل على ذلك أن الذي تجب إعادته هو المثاب المعاقب وليس إلا هذه الجزاء فيجب أن تكون هي المعاد دون ما سواها.
قلت: وكلامه عليه السلام تقضي بأنه لا تعاد إلا الأجزاء المذكورة وليس كذلك بل القصد أنها الذي يجب أعادته وأما فضلات الأجساد والشعور فلا يجب أعادتها.

قيل: إلا أن في الآثار النبوية أن المعادين يعادون على فخامة وعظم في أجسادهم فأهل الجنة كذلك على أتم حال في صورهم وألوانهم و........ أعضائهم لأن ذلك أقر لعيونهم إلا شعر اللحى فإنها لا تعاد ففي الأثر: ((ألا تراهم يدخلون الجنة خرداً مرداً مكحلين)). وأما أهل النار ففي الأثر: ((أنهم يعادون كذلك في عظم أجسامهم الواحد منهم كالجبل تشديداً في عذابهم)). فما أزدادت أجزاء العاصي وأخر حياته كان ذلك أزيد في عذابه.
قوله: (فقال أبو هاشم يجب أعادتها).
يعني البنية فيجب أعادة التأليف بعينه وهذا قوله القديم ثم رجع عنه وأبو علي لا يوجب أعادته بعينه بل لا يحيزها لما سلف له من أن من شروط المعاد ألا يكون جنسه داخلاً تحت مقدورنا.
قوله: (قيل والحق.. ) إلى آخره.
هذا مذهب قاضي القضاة أنه لا يجب أعادة التأليف بعينه وكذلك الحياة.
قوله: (أو مثلها).
يعني مثل البنية التي هي تأليف مخصوص والمعنى تأليف على شكل التأليف الذي كان في الدنيا.
قوله: (فقيل يجب أعادتها بعينها).
هذا قول لبن عبدالله وهو قول أبي هاشم أيضاً لكن حكى عنه قاضي القضاة أنه قال بعد يحب ذلك وهو مذهب أبي علي قال لأن حياة زيد تصح أن تكون حياة لعمر.
وقوله: (مما كان لا يصح أن تكون ححياة إلا له).
يعني: ما لا يصح أن تحل إلا في أجزائه بناء على قاعدتهم في أن لكل معنى محلاً معيناً لا يجوز أن تحل في غيره.

تنبيه:
وأما سائر الأعراض فلا قائل بوجوب إعادتها.
فائدة: ينطوي على نكتتين:ـ
الأولى: أن المعاد يعاد بمعنى أنه يبتدأ إيجاده أختراعاً لأقتداره تعالى ومشيئته، ومعنى الإعادة إيجاده ثانياً وذلك بالفاعل وذهب عباد وهشام وأبو بكر الرازي إلى أن المعاد يعاد والمعنى وبه أيضاً قال هشام وعباد في المحدث أنه يحدث لمعنى.

الثانية: أن الوجود الحاصل للمعاد وهو عين وجوده الأول وصفته التي كانت له في الدنيا لا غيرها لأن وجود الذات لواحدة لا يصح تعدده هكذا ينبغي أن يقال على قواعد المتكلمين من أصحابنا، ويحتجون بأنه لو صح كونه على حالين بالوجود في وقتين لصح كونه عليها والوقت واحد وذلك يقضي بصحة وقوع التزايد في صفة الوجود وهو باطل.
قيل: ويأتي على قول من يحيز مقدراً بين قادرين ويحككم على كل قادر بالتأثير في صفة وجود غير الصفة التي يؤثر فيها القادر الآخر جواز أن يعاد بصفة وجود صفة غير الوجود الأولى.
فائدة أخرى: قد تقدم ذكر النفخة الأولى التي بها يموت بقية الأحياء إلا من أستثنى ثم تكون الإعادة بالنفخة الثانية التي هي عبارة عن البعث وذلك أن الله تعالى بعد نفخة الصور الأولى وموت جميع الخلائق ثم فنائهم يجي إسرافيل عليه السلام ويعيد الصور فينفخ فيه إسرافيل نفخة أخرى فيقع لذلك صيحة شديدة تنفرج بها القبور عن رؤوس الموتى فيثورون دفعة وأحدة من قبورهم، قال تعالى: {ونفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}. يثورون مبهوتين فزعين متغيري الوجوه والأجساد لطول أقامتهم في التاب ولهول ما يتوقع قال تعالى: {فإذا نقر في الناقور فذلك يؤمئذ يوم عسير}. والصور الذي يقع فيه النفخ ويسمع منه الصوت كهيئة البوق ودائرة رأسه كعرض السموات والأرض وردت الآثار بذلك وبين النفختين أربعون سنة هكذا ذكره غير واحد من أصحابنا.
قلت: وفي هذا الكلام طرف غفول عن قاعدتهم في أثبات الفناء فإنهم ذكروا أن العالم يعدم بعد النفخة الأولى ثم ذكروا أن النفخة الثانية تقع فيثورون من القبور بظاهره أنهم وقبورهم لم يعدموا بل باقون على صفتهم بعد الموت والدفن إلا أن يكون من كلامهم أنهم يعادون.
قيل: النفخة الثانية يوجدون وتوجد أجدثهم ويعادون إلى مثل تلك الحالة التي كانوا عليها بعد الموت واللدفن فيتأمل.

فصل:
في عذاب القبر وسؤال الملكين. الكلام من ذلك يقع في فوائد ست:ـ

121 / 158
ع
En
A+
A-