قال عليه السلام: (فهذه الآيات وغيرها تشير إلى ما ذكرناه ثم ما في القرآن الكريم من وصف السماء بالأنفطار، والشمس بالتكوير، والكواكب بالأنتثار، والنجوم بالطمس، والبحار بالتفجر، والأرض بالزلزلة، والجبال بالنسف، فيه دلالة قاطعة على صحة ما قلنا).
قال عليه السلام: (والذي يسببه الحال فيه من هذه المذاهب ليس إلا أن إعدامه يتعلق بالفاعل كما أن إيجاده متعلق بالفاعل وهذا ضعيف لأن الإعدام ليس أمراً محققاً فيجعل متعلقاً بالقدرة وإنما هو نفي بخلاف الإيجاد، فأما الكلام على أهل الفناء وكونه ضداً وعلى أهل الشرط فكلها تحكمات ضعيفة وخيالات فاسدة).
قلت: وكلامه عليه السلام في غاية القوة إلا أن القطع بأن الإعدام غير مقدور وأستضعاف القول بذلك لا دليل قاطع يدل عليه والآيات القاضية بأن العالم ينتثر نظامه وتتبدد أجزاؤه لا يمنع من الإعدام بعد ذلك إن قام دليل عليه وأعدل القول عندي في هذا الباب وإن كانت الأدلة ليست بتلك القاطعة القول بصحة الإعدام وأنه داخل في مقدوره تعالى وعدم القطع بوقوعه مع القطع بتبديد الأجزاء وبتر نظام العالم وتغيير أحواله والله سبحانه أعلم.
قوله: (ويبطله أن هذا القول يتعلق بالقادر.. ) إلى آخره.
هذه مواحدة من المصنف لأبي الهذيل بظاهر قوله فإنه يقضي بأن قوله أفنى هو المؤثر في الإعدام كما أنه يظهر من قوله الحكم على لفظه كن بأنها مؤثرة في الإحداث وأما السيد صاحب شرح الأصول فتأول ذلك بأن معناه أن الله سبحانه إذا أراد إحداث فعل فهو من الأفعال بشيء فذلك الشيء أيما هو بأن يقول له كن لا أن مراده أن الله لا يقدر على الأحداث إلا بهذه الطريقة وتأويل كلامه في الإحداث يستدعي تأويل كلامه في الإفناء إذ الطريقة واحدة وهو اللائق بجلاله قدر أبي الهذيل فإن ظاهر قوله في الإفناء والإحداث مما لا ينبغي أن يصدر عن مثله.
قوله: (لأنه جنس الفعل).

يعني ليس يقع على وجوه مانعة من أن يقع في تلك الحال بل هو فعل مجرد عارٍ عن ذل ففي أي وقت قصد القادر عليه إلى إحداثه لم يمتنع ذلك.
قوله: (لتعدى ولا حاضر).
يعني فكان يلزم أن يتعلق بالماضي والنافي وغير ذلك كالأعتباد فإنه لما تعدى في تعلقه لم يقف تعلقه على حد بل يصح أن يتعلق بالموجود والمعدوم والباقي والقديم، والصحيح والمستحيل.
قوله: (لوجب أن يقف عدم كل شيء.. ) إلى آخر كلامه.
يقال: هذا عكس والعكس لا يجب وإنما الذي يلزم الطرد وهو أن يصح من كل قادر أعدام ما بقي من مقدوراته التي وجدهاوأما ما لا يبقى فعدمه في الوقت الثاني حكم يرجع إليه في نفسه لا يقف على أختيار مختار.
قوله: (فليس للمعدوم بكونه معدوماً حال).
فيه نظر لأنه يقال لم يجعل الخصم التأثير في حال المعدوم بل ي حال الموجود وهو سلب صفة الموجود.
قوله: (وورود الموت على الأجسام.. ) إلى آخره.
جواب لسؤال يرد على الأحتجاج بهذه الآية وممن أورده الإمام يحيى......... أن الآية دالة على كونه أخر على الأطلاق وبأي أعتبار ما فإنه يصدق عليه قولنا ....... ونحن نقول بموجبها ونجملها على أنه تعالى يبقى حياً بعد موت جميع الأجسام.
قوله: (والهلاك في الحقيقة هو العدم.. ) إلى آخره.
قد قرر الأستدلال بالآية على كيفية أخرى وهي أن يطلق ويراد به أمران:ـ
أحدهما: خروج الشيء عن كونه منتفعاً به.

وثانيهما: العدم ولا يجوز أن يراد به الأول لأنه لا يمكن خروج العالم عن كونه منتفعاً به فإنه سواء أن بقي موجوداً أو صار معدوماً فإنه يمكن الأستدلال به على الصانع وذلك من أعظم المنافع فيجب حمله على المعنى الثاني، وفيه دلالة على فناء جميع المحدثات اعترض بأن الهلاك إنما هو خروج الشيء عن كونه منتفعاً به والإنتفاع المخصوص بالإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث يستدل به على الصانع بل من وجه آخر وكذلك فإن الثوب إذا بلي قيل أنه خرج عن أن ينتفع به لخروجه عن النفع المهم في حقه وإن لم يخرج عن كل نفع.
قوله: (وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك}.. الآية.
كان ينبغي أن أن يأتي تأولها فإن دلالة ظاهره على ما يزيد أثباته وهو قوله تعالى: {كل من عليها فان}. فإن الفناء هو العدم فإذن ظاهر الآية يدل على إعدام من على الأرض وهو المطلوب، وأعترض بأنا لا نسلم ذلك بل الفناء خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع لأجلها ألا ترى أن يسعمل الفناء في الموت فيقال: أفنتهم الحرب، وأفناهم الدهر، فيكون معنى الآية كل من على وجه الأرض من الحياء فهو ميت ويبقى حياً غير ميت وجه ربك ومن الآيات الدالة على أن الفناء هو الإعدام قوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده}. جعل الإعادة كالإبتداء أو شبهها به والأبتداء كان بعد عدم، وقوله تعالى: {وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده}. وإعادة الخلق لا يتصور إلا بعد عدمه هكذا قرر الإمام يحيى الإستدلال بها بين الأثنين ثم أجاب عنهما بأن الخلق هاهنا بمعنى المخلوق والخلق يطلق ويراد به الإيجاد كقول تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم}. وتطلق ويراد به التقدير كما قال تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين}. وقوله تعالى: {خلقكم من تراب}. فلم قلتم أن المراد بالخلق هاهنا هو الإيجاد دون التقدير فيكون المعنى هو الذي أبتدأ خلق المقدورات أولاً ثم يعيدها ثانياً إلى حالتها الأولى وعلى هذا ...... في الآية الأخرى.

قوله: (وليست تحتاج في وجودها إلى شيء.. ) إلى آخره.
يعني أنه لا يستغنى في أنتفاء شيء من النافيات عن الضد إلا فيما كانت هذه صفته وهو أن يكون محتاجاً في وجوده إلى شيء ولذلك الشيء ضد ينفيه فإذا أطرأ عليه ضده فنفاه أنتفى ذلك المحتاج إليه بأنتفائه من غير ضد كما يقوله المتكلمون في اللون أنه ينتفي بالفناء لا لأن الفناء ضد له بل لأنه ينفي الجوهر واللون محتاج إليه لا يوجد إلا حالاً فيه وكما تنتفي الحياة بتفريق البنية لأنتفاء ما يتوقف هي عليه وهو البنية مع أن البنية وهي التأليف المخصصوص أما ينتفي بالتفريق لإنتفاء الإجتماع الذي يحتاج إليه التأليف لا لأنه ضد للتأليف على قواعدهم.
قوله: (يوضحه أن صحة أستمرار الوجود حكم يثبت لما هو عليه في دأبه.. ) إلخ.
من قواعدهم أن صحة البقاء وهو أستمرار الوجود حكم مقتضى عن الصفة المقتضاة عن صفة الذابت ثابت لأجلها وفيما ذكره نظر من وجهين:ـ
أحدهما: أنه جعل هذا موضحاً لما تقدم وهو أمر غامض غير واضح لا يطلع عليه إلا الخواص من الخائضين في غمار هذا الفن وما ليس بواضح في نفسه فأولى ألا يكون موضحاً لغيره.
الثاني: أنه إذا ثبت ما ذكره من كون صحة أستمرار الوجود حكم مقتضى عن الصفة المقتضاة فالذي يقتضيه ذلك أن الحكم هذا وهو الصحة لا تختص بوقت دون وقت وأما أنه يقتضي ذلك في حق الوجود بنفسه فلا.
قوله: (أن يتخذ المحل).
يعني: في الأضداد التي تتضاد على المحل كالألوان والأكوان لا مطلقاً فهذا الفناء الذي بينوه معنى وجعلوه ضداً للجواهر لا يتصور فيه أشتراط إيجاد المحل لأنه عندهم يوجد لا في محل وضده موجود قطعاً لا في محل ويلحق بما تقدم فوائد:ـ
الفائدة الأولى: في أحكام الفناء عند مثبته وهي ثمانية:ـ
أحدها: أنه مقدور لله ...... وهذا حكم واضح لا منازعة فيه مع أثباته.

الثاني: أنه غير باقٍ وهذا يححكم وما الطريق إليه فأما من جهة العقل فمتعذره، وأما من جهة السمع فقد أستدلوا بقوله تعالى: {هو الأول والآخر}. فلولا أن الفناء بعدم لعدم بقائه لم يثبت كونه تعالى آخراً.
الثالث: أنه يستحيل وجوده في محل لأنه ضد له وفي الجهة لأنه ليس بمتحيز وقد سبق ذكر من يخالف في ذلك.
الرابع: أنه غير مرئي لنا وأما في حق الله فمنهم من قال: أنه غير مرئي له، ومنهم من يقول: أنه يراه لأن ضده المتحيز يرى ومنهم من يوقف في رؤيته تعالى له هكذا.
قيل: والعبارة فيها ركة لأن عدم رؤية الرائين من الخلق له ليس في ذككره فائدة لأن الكلام مبني على أنه يفنيهم أجمعين فكيف يرونه وإنما الأولى أن يجعل الكلام والخلاف في هل هو مرئي في نفسه فيراه من لا يجوز الفناء عليه وهو الله سبحانه أو ليس بمرئي في نفسه ولعمري لقد بالغ المتكلمون في التكلف وغلوا في ذلك وإن حكمهم عليه بهذه الأحكام مع كونه لا طلايق لهم إليه فضلاً أن يتطرقوا إلى ثبوت أحكامه ويتسع خلافهم فيها من المجاوزة للحد في التطلع إلى علم ما لم يعلموه.
الخامس: أن الله قادر من جزئياته على ما لا يتناهى وهذا صحيح مع ثبوته.
السادس: أن الفناء الواحد يفنى به جميع العالم عند أبي هاشم وأتباعه وقد مضى ذكر الخلاف فيه.
السابع: أن الله لا يصح منه من جهة الحكمة أن يوجده قبل إيجاد العالم لأن ذلك عبث لا فائدة فيه ولا يصح منه حكمة أن يوجد فنائين للغنية بأحدهما وكون المتأخر عبثاً فإن أوحدهما معاً فقد حكموا بقبحهما مغالاته لم يتميز الحسن عن القبيح وعلى رأي أبي علي يجيء مثل ذلك في خلق فنائين لجوهر واحد لا لجوهرين.
الثامن: قال أبو هاشم لا يجوز أن يفني الله حياً قبل موته، لقوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}. وأجاز القاضي أن يرد الفناء مع وجود حي أو أحياء فيكون هو المذهب للحي وحياته.

قيل: وهو الصحيح لأن الموت لا بد معه من ألم وآخر الآحياء لا يحصل بألمه أعتبار فيقضي هذا بوجوب أن يفنى آخر الأحياء قبل موته إلا أن يقدر أنه يموت من غير تألم ويرد على المثبتين للفناء سؤال وهو: إن يقال من قواعدكم أنه لا يصح ثبوت ذات سمعاً فقط وهذا الفناء لا مستند لكم إلا السمع في إثباته.
وأجيب: بأنا لم نستند إلى السمع إلا في ثبوت حكم له وهو إعدام الأجسام فلما علمنا حكمه بالسمع أستدللنا عقلاً على ثبوته بحكمه وإنما منعوا من ثبوت الذوات بالسمع من حيث أنه لا يجب أن يرد السمع بثبوت تلك الذات فلو قدر أنه لم يرد ولا مانع من تقدير ذلك لزم ثبوت ذات لا دليل عليها وإذا تأملت هذا عرفت أن السؤال وارد عليهم في الفناء فيقال لو لم يدل السمع على ثبوت حكمه الذي أستدللتم به على ثبوته أليس يلزمكم ألا يكون إليه طريق فلا بد من الأعتراف بذلك.
الفائدة الثانية: ورد في الأخبار أن الله تعالى إذا أراد فناء العالم أمر سبحانه إسرافيل أن ينفح في الصور النفخة الأولى فيهلك بها جميع الأحياء وإليها الإشارة بقوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله.

قيل: ......... بالمشبه الملائكة الأربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وهؤلاء الأربعة أفضل الملائكة عند الله وأعلاهم منزلة فإذا هلك كل حي ولم يبق إلا هؤلاء الأربعة أوحى الله إلى عزرائيل يقبض روح إسرافيل فيقبضه ثم يقبض روح ميكائيل فيقبضه ثم إن الله سبحانه يميت ملك الموت ولا يبقى إلا جبريل وهو أعظم الأربعة درجة عند الله فيقول تعالى: يا جبريل لم يتوخى إلا أنا وأنت ولا بد أن يموت أحدنا. فيقول جبريل: بل سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت الدائم الحي الباقي وأنا الميت الفاني ثم يخر ميتاً بإذن الله. وفي رواية: أن آخرهم موتاً عزرائيل وأن جبريل ممن يقبض ملك الموت روحه فإذا لم يتوخي إلا الله تعالى خلق الفناء فيعدم العالم عند وجوده ثم يعدم الفناء في الحالة الثانية من وجوده لأنه غير باقٍ ففي هذه الحال لا يبقى حي ولا موجود إلا الله تعالى وهي التي يكون فيها سبحانه الآخر كما قضت به الآية الكريمة، إذ قوله: {هو الأول}. معناه الموجود قبل الموجودات وكذلك قوله: {هو الآخر}. ليزدوج الكلام ويتطابق ولو حمل على أن المراد بكونه الآخر أنه حي ولا حي معه بعد أن يميت كل حي لم يزدوج ولا يتقابل أتم المقابلة.
فإن قلت: قولي: وجه الحكمة في الفناء الذي هو الإعدام عند مثبته وما وجه عدم الأكتفاء بالأمانة أوبها وبتبديد الأجزاء وتفريقها وتصييرها هباءً منثوراً فإن ذلك كاف في الفصل بين مدة التكليف ومدة المجازاة وزمانيتها وقطع التكليف.
وإن قيلإن في الفناء أعتباراً ومصلحة فمع زوال التكليف كيف يصح ذلك.

فالجواب: قال الشيخ الحسن بن أحمد بن منويه: قد أختلف كلام شيخنا في ذلك فقال أبو علي: إن فيه لطفاً وهو أن المكلف إذا عم أن المجازاة تتراخى عن حال التكليف على أقوى ما يكون من وجوه التراخي بأن يفنى ويعاد كان أبعد من أن يأتي بالطاعات طمعاً في المنافع أو خيفة من المضار بل يفعلها للوجوه التي يجب ويحسن ومن حق اللطف أن يفعل بالمكلف على أبلغ الوجوه فيجب أن يفنى ليصير علمه بذلك لطفاً.
وقال أبو هاشم: لولا الفناء لم يحسن التكليف لأن التكليف لا يحسن إلا مع زوال الإيجاد بالأفناء فهو أبلغ وعن الألجاء أبعد.
قال ابن منويه: والوجهان متقاربان إلا أن الشيخ أبا علي أعتبر ثبوت اللطف وأبا هاشم أعتبر زوال الألجاء ثم قال: ومتى أمكن قطع التكليف بكل واحد من الأمرين صار عز وجل في حكم المخير في فعل أي واحد منهما شاء فلا يقال هلا قطعته بأحدهما ....... لا سيما وفي الأفناء.
الفائدة الزائدة التي ذكرناها: وبعد فالموت لا يعم جميع المكلفين فيحتاج في كل واحد منهم إلى معنى محدد وفي الفناء يكفي الجزء الواحد أنتهى وهو كما ترى.

الفائدة الثالثة: إن محل كل حي غير الله لا بد أن يموت فمن شاهدنا موته فقد علمناه بالضرورة ومن لم نشاهده علمنا ذلك في حقه بقوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}. وغيرها من الألزامات وهو مما يعلم ضرورة من الدين وإجماع المسلمين، والموت عبارة عن زوال الحياة وليس بمعنى عند جمهور العلماء من الزيدية والمعتزلة بدليل إنا معتى علمنا زوال حياته علمناه ميتاً وإن لم يعلم غير ذلك فدل على أن ذلك هو الموت، وذهب أبو علي وأبو القاسم والإمام المنصور بالله: أن الموت معنى يضاد الحياة فإذا حل محلاً فيه حياة أزال الحياة عن الجملة والجملة للحياة والموت كالمحل الواحد ولبسط الكلام في ذلك وأستيفاء الأدلة عليه مقام آخر إذا عرفت ما ذكر فمن المشهور أن المتولي لقبض الأرواح وإزالة الحياة ملك الموت عليه السلام وهو من أعظم الملائكة شأناً وأسمه عزرائيل وهو الموكل بقبض الأرواح كما أن إسرافيل الموكل بنفخ الصور ورد أنه لا يزال ملتقماً بفمه لموضع النفخ من الصور مترقباً ورود أمره تعالى له بذلك، وميكائيل موكل بالبحار والأمطار والنبات وفي الأثر أنه تعالى ينزل الغيث في سنة إلى الأرض قدراً مقدراً ألا يزيد في ذلك سنة عن سنة إلا أنه تعالى إذا أراد بالناس خيراً جعله في المواضع التي يعود بنفعها عليهم وإذا أراد البركة في الثمار مزج المطر بماء الجنة فما كثر المزاج عظمت الثمرات وكثرت البركات، وإذا لم يرد سبحانه إحداث الخيرات جعل الأمطار على البحار والقفار وما بعد عن العمران وجبريل عليه السلام هو الموكل بتبليغ الرسالة إلى الأنبياء عليهم السلام وبالنعم الدنيويه من الخسف والصاعقة ونحو ذلك فهؤلاء الملائكة الأربعة هم أعظم الملائكة شأناً وأعلاهم مكاناً وأخصهم بالرب سبحانه وتعالى، ثم نعود إلى ما كنا بصدده فنقول كل حي من بني آدم فالظاهر أنه لا بد من حضور ملك الموت عند موته وخروج روحه، وأما غير الآدميين من الملائكة والجن والشياطين

والأنعام والسباع.
قيل: فظواهر الآثار أنه لا بد من حضوره فنص روح كل حي منها أيضاً ويحتمل خلاف ذلك وأورد على ما ذكر سؤالان:ـ
الأول: كيف يتصور قبضه لروح نحو من مات في بطن أمه أو غريقاً في لجة البحر وغماره أو تحت دار أنهدمت فوقه، ومن مات على ظهر الأرض فالإشكال باقٍ في حقه فإن الأرواح في باطن الأجسام وكل على قاعدته في الروح وقبض الروح ونزعها لا يتهيأ إلا بدخوله حيث هي أو إدخال آلة لجذبها وذلك غير متصور فإن ملك الموت عليه السلام من جملة الأجسام والآلة لا تكون إلا من قبيل الأجسام ودخول متحيز في متحيز لا يصح. وقد أجبت عنه بوجهين:ـ
أحدهما: أن نازع الروح ومخرجها عن الباطن هو الله تعالى ونسبة ذلك إلى ملك الموت مجازاً ما الأعلام الله له بذلك وكونه يتفق بعلم منه وأما لقبضها بعد خروجها بأن يمكنه الله من ذلك ومن رؤيتها مع لطافتها ودقتها.
وثانيهما: أن يجري ذلك على ظاهره ويمنع أستحالته ويحكم بإمكانه لما في الجسد من المنافذ الخفية ولهذا يخرج منه الماء وغيره عند الشرب وفيه حروق ظاهرة كالفم والمنخرين والأذنين والعينين والسبيلين وجسم الملك رقيق شبيه بأجزاء الهواء فيدخل إلى باطن جسد الحي من هذه الحروق كما تدخل الشياطين للوسوسة في الصدور وكما يدخل الملك لألقاء الخاطر في القلب هكذا ذكر القاضي عبدالله الدواري، قال: إلا أن فيما يذكره المتكلمون من رقة جسد الملك نظراً كلامياً من حيث أنه حي قادر والحياة والقدرة ونحوهما تفتقران إلى محل فيه تأليف مخصوص وكثافة.
قلت: بل في الوجهين أنظار كثيرة وكلاهما من التعسفات العسيرة ونقل عن الغزالي أن موت الأحياء يكون بسبب مرونة شخص ملك الموت فإذا رآه الحي هلك لخاصة في ذلك.
قال: وللأشياء خواص معلومة مستمرة لا تختلف ولو صح هذا وقع التخلص به من الأشكال المذكور.

120 / 158
ع
En
A+
A-