كما ترى وإنما يقود إليه العلو في الأمور المغيبة والله أعلم.

فصل:
في كيفية التوبة.
قوله: (كفاه الندم والعزم).
قيل: ولا بد أن يرد مع ذلك الأخبار لمن أطلع على معصية بأنه قد تاب عنها فإن هذا يجب عليه دفعاً للضرر عن نفسه.
وقيل: بل لا يشترط ذلك لصحة التوبة وإن كان واجباً عليه إذا أخل به أثم.
قلت: والصحيح هو عدم أشتراطه في التوبة، وأما وجوبه في نفسه فهو واجب لأزالة التهمة ودفع مضرة الذم والأستحقاق.
قوله: (إلا أن يعفو أهل الحق).
يعني الورثة إن كانوا وإلا فالإمام لأنه يجب تسليم الدية إليه مع عدم الورثة، وأما الأنقياد للقصاص ففيه خلاف.
قيل: يجب وللإمام قتله لا لأن الأصلح للمسلمين الدية وعلى الإمام توخي الأصلح.
قوله: (سلَّمه إلى أهله إن كان باقياً).
يعني في يده أو يد غيره حيث يمكنه أستفداؤه ولو بأضعاف قيمته ما لم يرض صاحب المال بعوضه.
قوله: (وإن كان عرضاً).
يعني وإن كان الذي فرط منه النيل من عرض مسلم على وجه يقبح كأن يغتابه أو بتهمته أو بشتمه من غير مسوغ لذلك.
قوله: (وقال القاضي يصح أعتذاره).
قيل: وكلام القاضي هو الأقوى والأرجح.

فصل:
وأختلفوا في القبيح إذا تاب عنه ثم ذكره هل يجب تجديد التوبة كلما ذكره أم لا.
قوله: (بناء على أن علة وجوب التوبة القبيح أي قبيح ما فعله وجبت التوبة عنه لأجله).
وفي الحقيقة أن الوجه أتيانه بالقبيح فإذا كانت هي العلة فهي ثابتة مستمرة فيجب تكرار التوبة لحصول العلة وفقد ذلك بالذكر لأنه لا تكليف على غير الذاكر فالنسيان رافع للتكليف.
قوله: (وإن كان قد فسره مرة.. ) إلى آخره.
الظاهر أختلاف معاني هذه التفسيرات الثلاثة.
وقيل: بل يعود إلى معنى واحد وهو العزم على فعل المعصية.
قال: لأن ترك التوبة عنده فعل ضدها ولا ضد لها عنده إلا العزم ولا يعقل من معنى الثبات على المعصية بعد فعلها إلا العزم على معاودتها.

فصل:
عند الجمهور أنه لا تصح التوبة من معصية دون معصية.

قوله: (مع العلم بأن الأخرى معصية).
يعني لا إذا لم يعلم كون الأخرى معصية إما جهلاً لشبهة وإما غفلة منه أو نسياناً فالتوبة حينئذ تصح ومن هنا وقع الإتفاق على صحة توبة الخارجي عن نحو شرب الخمر مع بقائه على الخارجية وهذا قول جمهور الزيدية والمعتزلة وغيرهم، وأفضل القائلين به وأولهم أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي عليه السلام ثم القاسم وعلي بن موسى الرضا وإليه ذهب أبو هاشم وواصل بن عطاء والحسن البصري وجعفر بن ميسر وبشر بن المعتمر وأبو عبدالله وقاضي القضاة وغيرهم وقال أبو علي والمؤيد بالله والمنصور بالله والشيخ أبو القاسم وابن الملاحمي تصح التوبة عن معصية دون معصية ثم أختلفوا فقال أبو علي: ما لم تكن المعصية الأخرى من جنسها كما ذكره المصنف عنه وأطلق المؤيد بالله والبغداديون ذلك ولم يقيدوه بما ذكر، وقيده ابن الملاحمي بما سيأتي ذكره.
قوله: (على ما ليس من جنسها).
يعني فتصح توبته عن الزنا وشرب الخمر دون كأس ولا عن ترك صلاة مفروضة دون أخرى.
قوله: (وإلى هذا مال الشيخ محمود).
المحكي عنه القول بأنه إذا أنضم إلى القبيح صارف أخر غير قبحه نحو عظمه أو كثرة الزواجر عليه أو أستسياغ العقلاء له صحت توبته عنه دون غيره وسيأتي عنه ما يشعر بذلك.
واعلم أن من منع من صحة التوبة عن ذنب دون ذنب لم يمنع منه إلا من حيث الداعي والتكليف لا من حيث الإمكان.
قيل: ولا خلاف في أحكام ......... أنه يحكم بصحة التوبة عن ذنب دون ذنب كما في توبة اليهودي عن القود مع إصراره على غصب المال، وإنما الخلاف في صحة توبته بالنظر إلى حكم الأجرة وهو أستحقاق العقاب على المعصية التي تاب عنها.
قوله: (إلا أن توبته تكون محبطة في جنب الأصرار على الكبيرة وأعتقاد حسبها).

يعني فلا يستحق عليها ثواباً وأما عقاب الزنا الذي تاب عنه فقد أسقطته وأراد بالكبيرة خارجيته وجعل الأعتقاد حسبها مدخلاً في الأحباط ولا شك أنه معصية لأنه أعتقاد لشيء لا على ما هو به فهو جهل قبيح ولا يقطع بكثرة لكن له عقاب ينضم إلى عقاب المعصية التي هي الخارجية ومجموع عقابه هو المحبط لثواب توبته.
قوله: (قال أبو علي وقع الإجماع.. ) إلى آخره.
فقال: كيف يصر من مثل أبي علي على جلالته في العلم دعوى الإجماع على ما يخالف فيه الجمهور وينافي قول أمير المؤمنين وكثير من أعيان أولاده وغيرهم من أجلاء التابعين وتابعيهم.
والجواب: أن المشجع له على ذلك إجماع الأمة على أن يهودياً لو تاب عن اليهودية مع إصراره على غصب درهم أو غيره من المعاصي أخربت عليه أحكام المسلمين وزالت عنه أحكام اليهودية فلولا صحة التوبة لبقيت أحكام اليهودية عليه فالأجماع إذن قائم على صحة التوبة عن ذنب دون ذنب وسيأتي الكلام على ذلك بما ترفع به الأشكال.
قوله: (قالوا ولا يضر الجهل بعلة الفرق).
إشارة إلى ما ذكره السيد صاحب شرح الأصول فإنه أبطل تعليل أبي هاشم للفرق بأن الفعل شاق دون الترك بأن المشقة غير حاصلة في حق القديم مع أنه لا يجب إذا تفضل تعالى نوعاً من التفضل لحسنه.
قالو إحساناً أن يتفضل بسائر أنواع التفضل ثم قال الحكم معلوم وإن أمكن أن يطلب له علة صحيحة فذاك وإلا لم يقدح في صحة الحكم ويكون من الأحكام التي لا تعلل لأنه بأي شيء علل فسد.
قوله: (والحق أنه لا فرق.. ) إلى آخره.
كلام حسن وتوجيه عجيب في الأمثلة التي ذكرها ولا غبار عليه إلا أن يرد عليه ما أورده السيد على كلام أبي هاشم وهو أن يقال ما ذكرته لا يتصور في حق القديم وقد علمنا أنه يتفضل على شخص دون شخص بنحو الغناء وهبة الولد ونحو ذلك مما دعا إليه أرادة الأنعام ولا صارف يتصور في حق القديم إذ لا ضرر عليه في الأعطاء لا غير ذلك من لحوق مشقة أو حصول منفر.

فإذا قيل: ما أنكرت أنه تعالى إنما لم يتفضل على زيد بمثل ما تفضل به على عمرو لعدم أستواء الحال وهو أن يقدر أن ...... في ذلك التفضل لطفاً ولا لطفته لعمرو في مثله أو لأن زيداً لا يقع بالتفضل عليه مفسدة دون عمرو فلعل في المعلوم أن في التفضل عليه بمثل ذلك مفسدة.
قلنا: بفرض المسألة في حق أهل الأجرة فكان يلزم ألا يصح أن يتفضل على واحد من أهل الجنة إلا بما يفعل مثله لسائر أهلها فلا .......هناك ولا مفسدة فظهر لك رجحان ما مال إليه السيد من صعوبة التعليل وإن كل فرق يذكر فهو عليل.
قوله: (حجة الشيخ محمود.. ) إلى آخره.
حجة هذه تقضي بصحة ما نقل عنه من أنه يصحح التوبة عن ذنب دون ذنب إذا أقترن ما تيب عنه بوجه من تلك الوجوه المذكورة وهذا في الحقيقة يخالف ما قاله أبو علي لأنه لم بشرط ذلك ولا يتأتى أن يكون ما ذكره هنا حجة على صريح مذهب أبي علي شاملة لا طرافة.
قوله: (فأما أنه يسقط عنه عقاب اليهودية).
فالحقيقة أن اليهودي لأجل يهوديته يستحق العقوبة العظمى في الآخرة ويستحق في الدنيا عقوبات بحق الأحكام الدنيوية فالعقوبة الأخروية فتبقى العقوبة الأخروية لعدم صحة التوبة بالنظر إلى ما يقضي به العقل ويسقط بدليل السمع ما يعيدنا بأجزاءه عليه في الدنيا فغير ممتنع أن تكون المصلحة في رع تلك العقوبات الدنيويه عنهم حينئذ وإن كانت العقوبة الأخروية باقية وفيه نظر فمن التعبد أن يستوي حال الباقي على اليهودية والتائب عنها في الأجرة لتلك العلة العليلة.

بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (غير صحيحة).
فيه نظر والظاهر صحتها مع الأتيان بها لأجل القبح ولو أنضم إليه ما ذكر وأما لو قدر أنه لم يتب لأجل القبح ولا دعاه ذلك إلى التوبة بل لأجل الوجوه الزائدة فقط فلا يبعد عدم صحة التوبة.
قوله: (وليس جزاء منها ولا شرط فيها).
يعني وأما إذا جعلنا العزم على ألا يعود إلى ميله في القبح جزاء أو شرطاً فالتوبة عما ذكر فقط غير صحيحة لعدم حصول ركنها أو شرطها، وعلى هذا فلفظة لا سيما غير واقعة موقعها لأنها تأتي لأمتياز ما بعدها ......... فيما أشترك فيه هو وما قبلها فكان الأولى حذفها وإن يقول وهذا قوي كما ترى على القول بأن العزم دليل على التوبة.
وأعلم أن الله سبحانه أمر بإخلاص التوبة وبالتوبة النصوح ولا يتصور ذلك مع الإصرار على قبح يعلم أنه قبيح ومعصية لله فالأظهر أنه لا توبة مع الأصرار على ذنب ولا خروج عما أسلف من القبيح مع بقائه على شيء منه والله سبحانه أعلم.

القول في الوعيد السمعي
فصل: في إنقطاع التكليف.
قد دل العقل على ذلك لما ذكره المصنف ولأنه قد ثبت أن الله إنما كلف المكلفين تعريضاً لهم إلى نيل الثواب وهذا يوجب إنقطاع التكليف لأن أتصال الثواب مع بقائه غير ممكن إذ المكلف حينئذ يصير ملجى إلى الأمتثال والألجاء مع التكليف وهذه الدلالة تختص بالمثابين ومثلها يتصور في المعاقبين فيقال قد ثبت بأخبار الله أنه لا بد من أتصال العقاب إلى مستحقه فلا بد من إنقطاع التكليف إذ لو أوصل إليه مع بقائه لصار ملجى.
قوله: (وكله محال في ذكر ما يلزم في حق أهل الجنة).
وقوله: (كله محال في ذكر ما يلزم في حق أهل النار).
لم ترد به الأستحالة العقلية فذلك من الممكنات بل أراد وهو لا يصح لقيام الأدلة على خلافه فلم يرد خلاف الأمران بل خلاف الصحيح.
قوله: (وكل سمي يجعل شبهة في تكليفهم).
يعني تكليف أهل الأجرة على ما يذهب إليه أبو القاسم والمجبرة.

فصل:
كأن يصح من جهة العقل أن ينقطع التكليف بالموت فقط أو الجنون أو النوم.
قوله: (أو نحو ذلك).
يعني كالألحاد أو سلب شهوة القبيح ونفرة الحسن والأستغناء بالحسن عن القيح أو الموت.
قوله: (وأختلف الناس في معنى الفناء).
أعلم أن للناس في أم الفناء وما يتعلق به أختلافاً كبيراً وللناقلين مذاهبهم في ذلك أختلافاً في النقل ومن أحسن المصنفين أش........................ الخلاف وتحريراً للنقل الإمام يحيى عليه السلام في التمهيد ونحن نأتي بحاصل ما ذكره على أختصار مع زوائد وفوائد أختلف الناس هل الأجسام نافية أولاً، فحكي عن النظام أنها غير نافية وأن الله يحدث الجسم حالاً بعد حال وسائر الناس يذهبون إلى نفائها وقد ذكر الرازي والإمام يحيى أن مراد النظام ما بقوله الفلاسفة من أحتياج الأجسام إلى المؤثر في حال بقائها فظن أنه يقول بتجدد الجسم حال بقائه وليس كذلك ثم أختلف القائلون ببقائها هل يصح عدمها أو لا فذهبت الفلاسفة إلى أنه لا يصح عدمها وأنها أزلية واجبة الوجود لكن لا لذاتها بل لوجوب حصولها مع علتها وهي ممكنة لذاتها وهكذا ذهب الجاحظ وبعض الكرامية إلى أستحالة عدمها مع أقرارهم بحدوثها فهؤلاء القائلون بأنه لا يصح عدمها وذهب أبو الحسين إلى التوقف هل يصح عدمها أولاً وذهب غيرهم إلى أنه يصح عدمها ثم أختلف الشيخان فقال أبو هاشم لا يعلم صحة عدمها إلا بالسمع لأنه قد دل على العدم وهو يترتب على الصحة وقال أبو علي بل يعلم ذلك بالعقل لأن من حق القادر على الشيء أن يقدر على جنس ضده وقد ثبت أن الله قادر عليها فلا بد أن يقدر على ضد لها والضد من حقه أن يعدم ما هو ضد له عند وجوده وهذا مبني على أن لكل مقدور ضداً وهذه قاعدة غير مسلمة وإذا لم يثبت ذلك فلا دلالة في العقل على ثبوت ضد لها وإنما دل السمع عليه لما دل على أنها تعدم.
والحجة الواضحة على صحة العدم عليها وجهان:ـ

الأول: أنها محدثة وكل محدث يصح عليه العدم إذ لو أستحال عدمه لكان إما لأجل عدمه السابق وهو ........ لأنه نفي محض والعدم لا يكون جهة للتأثير في شيء ولا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر هو نفي أو لأجل وجوده الخلاف ولو أحال عدمه فائتاً لأحال عدمه ولا يصح أن يخيل عدمه أولاً لئن كل محدث مسبوق بتقدم العدم أو يكون لمجموعهما ولا يصح لأن الوجود والعدم يقضيان فلا تمكن أجتماعهما فلا يمكن على أثر واحد.
الثاني: إنا لو فرضنا أن القادر على الأجسام صرفه صارف عن إيجادها فيما مضى وأستمر الصارف إلى هذا الوقت الذي فرض صحة عدمها فيه لجاز كونها معدومة فيه وإذا كان كذلك فتقدم حدوثه فيما قبله من الأوقات لا يمنع من جواز العدم عليه في ذلك الوقت.
وأجتج القائلون من المسلمين بأستحالة عدم الأجسام مع قولهم أنها محدثة بوجهين:ـ
أحدهما:أنه لو صح ذلك لكان إما بأعدام معدوم أو طرؤ ضد أو أنتفاء شرط وكلها باطلة:
أما أولاً: فلأن الإعدام ليس بأثر فتتعلق به القدرة بل هو سلب محض.
وأما الثاني: فلأنه لا طريق إلى الضد وهو الفناء وأثباته بحكم لا مستند له.
وأما الثالث: فلأن البقاء ليس المرجع به إلا إلى أستمرار الوجود لا إلى أمر زائد عليه فلا يمكن أن يقال أن الجوهر مفتقر في بقائه إلى شرط.
الثاني: أنه لو صح عدم العالم لوجب القضاء بوجوب إعادته فيكون في حالة العدم محكوماً عليه بوجوب الأعادة لا محالة وذلك محال لئن الحكم بالشيء على الشيء معناه أعتقاد ثبوت الصفة للموصوف وذلك يتوقف على ثبوت الموصوف في نفسه ومعلوم أن الشيء في حال عدمه لا دأب له ولا خصوصية فأستحال أتصافه بصحة الأعادة.
وأجبت: عن هذا بما هو ظاهر وهو أن الحكم على المعدوم كالحكم هنا بوجوب الأعادة على ما ثبت له العدم إنما يتوقف على تصور الماهية ويكفي ذلك في أسناد الحكم وإن لم يكن للحقيقة وجود.

وأجبت عن الوجه الأول: بأنه ليس فيه دلالة قاطعة تدل على أستحالة تعلق الإعدام بالفاعل فيبقى الأمر موقوفاً على التجويز ثم إن الإمام يحيى بعد ذكره لما ذكرناه من أدلة الفريقين العقلية وبعد ذكره للأدلة السمعية التي يتمسك بها القاطعون بثبوت العدم على العالم وأعتراض أدلة الفريقين.
قال: فإذا بطل القطع من كلا الجانبين وجب التوقف وليس الوقف في الإعدام وألا أعدام يخل بشي من أمور الديانة لأنا نقطع بصحة الإعادة من غير إعدام وهو الذي تتأوله ظواهر الشريعة كما سيجيء، وكيفية الأفناء فأختار مذهب أبي الحسين في الوقف كما هي عادته عليه السلام فإنه لم يزل ناصراً لمذهب أبي الحسين مستمراً على ذلك كما أن بعض الأئمة المتأخرين لم يزل ناصراً لمذهب أبي هاشم حتى لقد ......... العجب من ذلك فإنه لا ينبغي أن يحمل سالك هذه الطريقة في المبايعة والمطابقة في جميع الأقوال على التقليد لجلالة قدر من ذلك حاله وكون المسائل هذه ليست من مسائل التقليد وإذا جعل من قبيل تطابق الأنظار فعجيب غريب وهذا من الأمور المستبعدة أن تتطابق الأنظار في هذه المسائل الكلامية من أولها إلى آخرها وبعد هذا من النوادر فإن الناس فيها مركبون ومخيلون على التنازع الكلي والتشاجر والأختلاف حتى الوالد وولده كما كان بين أبي علي وأبي هاشم وفي كثير من أدلتها غموض وإشكالات تقتضي التفاوت والتنازع فيها والعلماء الأخيار رحمهم الله ونفع بعلومهم محمولون على كاهل السلامة وحسن القصد وأستفراغ الوسع والجهد في الأطلاع على الحقائق والبعد عن المضايق بتجاوز الله عنهم وشكر لهم صالح سعيهم.
وأما أختلاف الناس في معنى الفناء فقال الإمام يحيى: أعلم أن الذين قطعوا بفناء العالم أختلفوا في كيفية فنائه على ثلاثة مذاهب:ـ
المذهب الأول: مذهب القائلين بأنه يفنى بإعدام معدم وأختلف هؤلاء:

فمنهم: من قال يعدمه الله فيصير معدوماً كما أوجده ويجعلون الإعدام متعلقاً بالقدرة كالإيجاد وهو مذهب ابن الملاحمي من المعتزلة وبعض الأشعرية.
ومنهم: من يقول إن الله تعالى يقول له إفن فيفنى كما أنه لما أراد أحداثه في الإبتداء قال له كن فكان، وهذه طريقة أبي الهذيل في الأفناء والإيجاد.
وثانيها: مذهب القائلين بأن فناء العالم إنما يكون بضد وهم جلة المعتزلة والشيخين وأتباعهما ويسمون ذلك الضد فناء ثم أختلفوا في كيفية إعدامه للأجسام فمن قائل أنه يحصل في الجبر على سبيل الأستقلال وهو مذهب الأخشيديه زعموا أن الفناء وإن لم يكن متحيزاً فهو يحصل في جهة معينة مستقلاً فيها فإذا أوجده الله في تلك الجهة عدمت الجواهر بأسرها.
ومنهم: من يجعله قائماً بالمتحيز وهذا وهذا يحكى عن محمد بن شبيب زعم أن الله يحدث الفناء في كل جوهر ثم يقتضي ذلك الفناء عدم الجوهر في الوقت الثاني.
ومنهم: من يحكم عليه بالوجود لا في محل فيؤثر في الأفناء حال حدوثه ثم أختلفوا، فقال بعضهم: الفناء الواحد كاف في عدم كل الجواهر وهو قول أبي هاشم وقاضي القضاة وجمهور أهل العدل.
ومنهم من قال: لا بد لكل جوهر من فناء يخصه وهو قول أبي علي ومحمد بن عمرو الضمري وابن الأخشيد.
وأحتجوا: بأن القول يكون الفناء الواحد يعدم به جميع الجواهر يؤدي إلى تعجيز الله عن أفناء بعض الأجسام دون غيره.
قيل: ورجع أبو علي أخيراً إلى مثل قول أبي هاشم في النسخة الأخيرة من نقض التاج.
وثالثها: مذهب القائلين بأن فناء العالم إنما يكون بإنقطاع شرط، ثم أختلفوا:
فمنهم من قال بأن ذلك الشرط موجود لا في محل وهو قول بشر زعم أن الجوهر يبقى ببقاء موجود لا في محل فإذا عدم ذلك البقاء عدم الجوهر.

ومنهم من يقول: أن الجواهر إنما تنتفي لانتفاء الأعراض ثم من هؤلاء من يقول لا تنفى كل الأعراض وهو قول بعض الأشعرية فإنهم ذهبوا إلى أن الجوهر يجب أتصافه بنوع من كل جنس من أجناس الأعراض إذا كان قائلاً له وهي غير باقية فإذا عدم واحد من هذه الأجناس عدم الجوهر.
ومنهم من يقول: الأنتفاء بعضها ثم أختلف هؤلاء أيضاً:
فقال بعضهم: الجواهر تبقى ببقاء قام بها وذلك البقاء غير باق بل يجدده الله حالاً بعد حال فإذا لم يجدده الله تعالى وجب أنتفاء الواهر أجمع وهذا يحكي عن البلخي من المعتزلة وبعض الأشعرية.
وبعضهم يقول: إن شرط أستمرار الجوهر في الوجود حصول الأكوان فيه غير باقية فمتى لم يخلق في الجوهر لزم عدمه وهذا يحكى عن بعض الأشعرية.
هذا حاصل ما ذكره الإمام عماد الإسلام من تحرير نقل المذاهب وتحقيقها وقد أجاد وأنت إذا تأملت ما ذكره المصنف من حكاية المذاهب وحدثه لا يخلو هو وكلام الإمام عن طرف أختلاف.
قال ابن منويه، وقال أحمد بن أبي علان: أن في المقدور كوناً لا يبقى فإذا أنتهت الأجسام إلى الجهة التي يوجد فيها ذلك الكون وعدم ولم يخلقه غيره عدمت الأجسام.
قوله: هو الأمانة وتبديد الأجزاء فقط).
إلى هذا ذهب الإمام يحيى وقوى هذا القول وأحتج له.
قال: (والمختار عندنا في كيفية فناء العالم أنه يكون ببطلان نظامه وتفريقه وزوال بنيته).
وهو الذي تشير إليه ظواهر الشريعة ويقتصر من ذلك على خمس آيات:
الأولى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة ونسفت السماء فهي يؤمئذ واهية}.
الثانية: {يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً}.
الثالثة: {ويوم تسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً}.
الرابعة: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب}.
الخامسة: {وسيرت الجبال فكانت سراباً}.
وقوله تعالى: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش}.

119 / 158
ع
En
A+
A-