مثال المسألة: أن يطيع المكلف طاعة يستحق عليها في كل يوم عشرة أجزاء من الثواب، ويمضي له على ذلك عشرة ايام فيستحق فيها مائة جزء من الثواب ثم يأتي بمعصية يستحق عليها كل يوم أحد عشرة جزء من العقاب فتسقط المائة التي قد أستحقها لأنه بمنزلة من عمل عملاً بأجره ثم أتلفه قبل تسليمه وهو يستحق في كل يوم أحد عشر جزء من العقاب وعشرة أجزاء من الثواب فيسقط في مقابله عشرة أجزاء من العقاب ويبقى عليه في كل يوم جزء من العقاب فإذا تاب عن تلك المعصية فالظاهر من كلام الجمهور أن تلك الطاعة المتقدمة قد سقطت وبطلت بالكلية ولا يعود للتائب شيء من ثوابها الذي كان قد أجتمع ولا من ثوابها الذي يسقط في الأيام التي بعد فعل المعصية ولا من ثوابها في المستقبل ومن مذهب أبي القاسم أنه يعود له ذلك الثواب الذي كان قد أجتمع وهو مائة جزء والقدر الذي كان يستحقه في كل يوم بعد فعل المعصية وفي المستقبل وهو عشرة أجزاء وذكر المهدي أحمد بن يحيى عليه السلام أن نقل مذهب الجمهور على هذه الكيفية غفلة ووهم من الحاكم وغيره وأنه لا يصح على قولهم بالموازنة إذا اللزمهم ما لزم أبا علي من أستواء حال من أحسن وأساء وحال من أساء فقط كما إذا عبدالله رجل مائة سنة لا يكل ولا يمل ثم أتى بكبيرةثم تاب ثم مات من فوره فإنه على هذا يستوي حاله وحال رجل أستمر على الكفر والفسق والفواحش مائة سنة ثم تاب فمات من فوره ويلزم أن يكونا في الجنة والأثابة على سواء وهذا لا يحسن في حكمه الله وعدله وحمل كلام ........ والجمهور على ما ذكره ابن الملاحمي ورحجه وهو أنه لا يعود ما مضى إلى وقت التوبة ويعود الأستحقاق في المستقبل، وقال كنت أقول بذلك نظراً برهة من الزمان حتى وجدته نصاً للشيخ محمود بن الملاحمي وحاصله أن من تاب بعد أنحباط ثوابه بمعصية فعلها تجدد له بعد التوبة أستحقاق الثواب في المستقبل على طاعاته الماضية كالمستقبله لأن سقوط ثوابها الماضي بالموازنة لا
يصيرها كالمعدومة وبهذا يتضح الفرق بين هذا الطرف والطرف الأخير وهو عود عقاب المعاصي الساقطة بالتوبة حيث عاد إلى المعصية بعد التوبة فإن كلام الجمهور فيه مبقى على ظاهره لأن سقوط عقاب المعاصي المتقدمة علىالتوبة ليس بالموازنة بل بمجرد التوبة فقد صيرتها التوبة كالمعدومة فلا يعود من عقابها شيء لا في الماضي ولا في الحال ولا في المآل لمصيرها كأن لم تكن بخلاف ثواب الطاعات الذي يسقط بالمعصية فإنه إنما يسقط بالموازنة فيسقط في كل وقت بما يقابله من أجزاء العقاب المستحق فإذا زال أستحقاق العقاب المانع من تجدد أستحقاق الثواب في الأوقات المستقبله عاد الثواب إلى أستمرار التجدد لأنه مستحق على سبيل الدوام فثبت أستحقاقه في كل وقت ما لم يسقط بمنافيه.
قلت: وهذا مبني على أن عشرة الأجزاء من الثواب في المثال المتقدم باقٍ أستحقاقها بعد أتيان المكلف بالمعصية التي يستحق عليها الأحد عشرة جزء من العقاب في كل وقت على سبيل الدوام وأنها إنما تسقط في الأوقات المتقدمة على الثوبة لمقابلة مثلها من أجزاء العقاب وأنه يبقى عليه في كل وقت الأجزاء من العقاب وسيأتي لهذا مزيد تحقيق على قواعد الأصحاب لكن أعجب من كونهم قضوا بسقوط المائة التي أجتمعت لا في مقابلة شيء وقضوا بأن العشرة المستحقة في كل وقت لا تسقط إلا بمقابل من أجزاء العقاب وإذا تأملت ما يذكرونه في هذا الباب من القطع بالمقادير وكيفية المساقطة وهذه التحكمات وجدتها من قبيل التكلفات التي ليست بمرضيه والتعسفات في طلب الأطلاع على الأمور الغيبية ثم أنا نذكر ما أحتج به الجمهور على ما أطلقوه من أن الثواب والعقاب لا يعودان وما أحتج به بشر على ما أطلقه من عودهما وما أحتج به أبو القاسم على ما ذهب إليه من التفضيل وهو أنه يعود الثواب دون العقاب فإن المصنف رحمه الله لم يستوف الكلام في ذلك أما الجمهور فأحتجوا على أن الثواب لا يعود بما ذكره المصنف في المتن وهو جيد لا غبار عليه وبأنه يلزم أن يكون سبب أستحقاق عودة التوبة لا الطاعة المتقدمة لأنه قد كان سقط حتى حصلت ولو صح ذلك لزم أن يستحقه من لم يكن قد أطاع فينبغي الفرق بين تقدم الطاعة وعدمه والأجماع واقع على أنه لا يستحقه من لم يكن قد أطاع وأحتجوا على أن عقاب المعصية الذاهب بالتوبة لا يعود بع نقضها بما تقدم من أن سقوط عقاب المعصية بالتوبة نفسها لا بالموازنة فيصير بالتوبة كالمعدون ويصير المعصية كأنها لم تكن، وأما بشر بن المعتمر فأحتج على عود الثواب بما يحتج به أبو القاسم فالحجة لهما على ذلك واحدة وسيأتي وأما على عود العقاب فقال المهدي عليه السلام: لا يعرف لبشر بن المعتمر حجة إلا أني أظن أنه ممن يقول: أن التوبة إنما تسقط العقاب بثوابها لا بنفسها وإذا
كان كذلك لزم ما قاله بشر لأن أستحقاق ثواب التوبة مانع من أستحقاق عقاب المعصية حينئذ فإذا زال أستحقاق ثواب التوبة بمعاودة المعصية فقد زال المانع من تجدد أستحقاق العقاب بالمعصية الأولى التي تمانع عقابها وثواب التوبة فلما زال المانع تجدد أستحقاق العقاب كما قلنا في عود الثواب فهذا أقوى ما يحتج به بشر.
قلت: وهذا في الحقيقة ليس بحجة له لأنا لا نسلمه وإنما هذه قاعدة له إذا صحت صح ما بنى عليها ومع الحكم ببطلانها كما تقدم فالذي تفرع عليها باطل.
وأما الشيخ أبو القاسم فأحتج على ما ذهب إليه من التفضيل بأن سقوط العقاب بالتوبة تفضل وليس التوبة بمانعة من أستحقاقه فإذا تفضل عليه بأسقاطه عند التوبة فلا وجه لعودة إذا عاد الذنب بخلاف سقوط الثواب المعصية فإنه عقوبة فالتوبة تسقط العقوبات ومن جملتها إسقاط الثواب فإذا أسقطت الأحباط عاد الثواب، وبما يحتج به له أن يقال يلزم أن يستوي حال من أطاع الله ثم عصاه ثم تاب وحال من لم يصدر منه إلا العصيان ثم التوبة، وأحتج أيضاً بأن الثواب لو لم يعد لما كان طلحة والزبير أفضل من أحدنا والمعلوم خلافه، وأحتج أيضاً بأن من أنعم على غيره ثم أساء إليه ثم أعتذر إليه فإنه يجب أن يعود وجوب شكره فكذلك الثواب.
وأعلم أن هذه الحجج التي أورجها قد أجبت عنها بأجوبة مقررة في البسائط ولكن إذا بنى على أن الجمهور يقولون بعود أستحقاق الثواب في الأوقات المستقبلة ولا يقولون بعدم العود إلا في الأجزاء المجتمعة والأوقات الماضية المتقدمة على التوبة فهذه الحجج كلها لا ترد عليهم إلا الأولى فقط.
وأما الثانية: فغير واردة لأنه لا يلزمهم أستواء حال الثانية الذي تقدمت له طاعات على معاصيه وحال ممن لم يسبق له طاعة ولا يلزمهم نفي فضله طلحة والزبير لأنه يعود ثواب طاعاتهم العظيمة في المستقبل ولا يكون عود وجوب الشكر حجة عليهم لأنهم يقولون وكذلك يعود وجوب الثواب في المستقبل.
وأما الحجة الأولى فجوابها: إن أستحقاق أجزاء العقاب الساقطة في مقابلة أجزاء الثواب لم يزل بالتوبة فتعود أجزاء الثواب كما أنه لم يزل بالتوبة حسن ذمة فيما مضى لكن زال بمقابلة الأجزاء المستحقة من الثواب فتساقط الماضيان من الثواب والعقاب وإذا تاب أسقطت التوبة تجدد الأستحقاق للعقاب وما كان زائداً من أجزائه على ما يقابل أجزاء الثواب كمتعمداً من الذم فيتجدد أستحقاق الثواب على تلك الطاعات التي أنحبط ثوابها الماضي ويستمر الأستحقاق ولا يغير من أجزاء الثواب ما كان قد سقط وبطل ....... من أجزاء العقاب.
قوله: (وجعل أيضاً التوبة عن الصغيرة بعيد المدح والثواب المستحقين عليها).
هذا وهم والصواب بعيد المدح والثواب الساقطين في مقابلة ما أستحق عليها من العقاب.
قوله: (ومثل هذا يجيء الخلاف فيمن عصى ثم أطاع إلى قوله: ثم ندم على الطاعة).
هذه المسألة كمسألة من أطاع ثم عصى ثم تاب من غير فرق ولا يتقرر أن الشبهة هنا أدخل وقد بنى المهدي فيها على مثل ما سبق له في المسألة الأولى وهو أنه يعود عقابه المستمر في الأوقات المستقبلة ولا يعود ما كان قد أجتمع وسقط في مقابله ثواب الطاعة لأنه قد سقط من الثواب ما يقابله قبل سقوطه بالندم على الطاعة وأما عقاب الأوقات المستقبله فلما بطلت الطاعة وأنقطع ثوابها زال المانع من أستحقاقه فيستحق ومن فروع هذه المسألة إن من أطاع الله نزهه من الزمان ثم عصاه نزهه وندم على فعل الطاعات المتقدمة ثم تاب من ذلك كله فإنه لا يعود له ثواب الطاعات التي ندم عليها لأنها قد صارة بالندم كأن لم يكن فيعتبر كالمبتدأ بالتكليف.
تنبيه: ينطوي على ذكر ما وعدنا به من مزيد التحقيق فيما سبق ذكره من كيفية أستحقاق الثواب والعقاب وتساقطهما وعود ما يعود منهما وهو في الحقيقة كالقاعدة لما سبق من مسائل عود الثواب والعقاب والخلاف في ذلك فنقول لا كلام وأن الجزاء المستحق على الطاعة أو المعصية لا بد أن يكون قدراً معلوماً ولا بد أن يتجدد في كل وقت لما ثبت دوام الثواب والعقاب وإن أستحقهما منذ وقع الفعل وقد سبق ذكر ذلك وإقامة الدليل عليه، فإذا تعقب ذلك العمل الذي يستحق الجزاء عليه ما يبطله وذلك أحد أمرين: إما ندم، أو فعل يستحق عليه جزاء ينافي ذلك الجزاء فإن كان الندم فحكمه أن يبطل جزاء ذلك العمل الذي تعلق به ما قد أجتمع منه وما يستقبل ويصير ذلك العمل كأن لم يكن ويصير الجزاء المستحق الذي قد ثبت كأن لم يثبت والأستحقاق نفسه كأن لم يكن ثم إذا زال الندم وعاد النادم إلى مثل ما ندم عليه من طاعة أو معصية أو أزيد منه فإنما يستحق جزاء ما عاد إليه ولا يعود له ولا عليه شيء مما كان قد تعلق به الندم لا ما كان منه أصلياً ولا ما كان يتجدد في الأوقات المستقبلة لما ثبت أنه يصير ما ندم عليه كأن لم يكن طاعة كان أو معصية، وإن كان المتعقب للعمل الأول ويتوب الجزاء عليه عمل أجزء له جزاء ينافيه وأجزاؤه أكبر وأوفر فلا يبطل بذلك أصل العمل الأول ولا ما يستحق عليه مستمر أولاً ما قد أستحق عليه لأجل مرور الأوقات ولكن يكون ثمرة الأكثر جزاء المتعقب فعله أن يمنع من أتصال الجزاء الأول ويدافعه وما سقط أستحقاق وصوله إلى العامل لأجل الأكثر لم يحسن أتصاله إليه بعد ذلك هكذا قيل وهو مستقيم جاز على قياس قولهم وقواعدهم في الموازنة والذي ذكره هنا من قوله: (ولا ما قد أستحق عليه لأجل مرور الأوقات).
يخالف ما تقدم من مذهبهم إن أجزاء الثواب المجتمعة تذهب بفعل المعصية التي يزيد عقابها المستمر على ثواب تلك الطاعة المستمرة لا بمقابل وقد أشار الإمام المهدي في الغايات أن ذلك من جملة مذهب البهاشمة وأهل الموازنة ولذلك تعجبنا منه لمخالفته قوانينهم وقواعدهم وقد عللوه بما ذكرناه فيما مضى ولا شك أن الذي ذكرناه هنا أولى وأرجح على قاعدتهم ويعود إلى عام ما كنا بصدده فنقول ثم إذا عاد المكلف بعد أن عمل العمل الأخر الذي جزاؤه أكبر إلى جنس العمل الأول الساقط جزاؤه حتى صار جزاء العمل الأول وما فعله من جنسه أكبر من جزاء العمل الآخر الذي قد كان أكبر الحكم أن الذي قد كان سقط من جزاء العمل به أول وقت قلته لا يسن أن يعادله ثواباً كان أو عقاباً وأما ما يستحق على أصل العمل في كل وقت فإنه يعود أستحقاقه في مستقبل الأوقات ويحسن أتصاله سواء كان المستحق أولاً ثواباً أو عقاباً مثال ذلك: أن يفعل طاعة يستحق عليها في كل يوم عشرة أجزاء من الثواب ومضى على ذلك عشرة أيام فأجتمع له مائة جزء ثم فعل في اليوم الحادي عشر معصية يستحق عليها كل يوم عشرين جزء من العقاب فإنه يحبط حينئذ المائة المجتمعة التي قد كان أستحقها. ذكره المهدي وعلى ما ذكره القاضي عبدالله بن حسن لا يسقط تلك المائة إلا بما يقابلها من أجزاء العقاب الزائدة على أجزاء الثواب ثم يستحق في كل يوم من اليوم الحادي عشر عشرين جزاء من العقاب على المعصية وعشرة أجزاء من الثواب على تلك الطاعة المتقدمة فإذا مضت عشرة ايام منذ فعل المعصية صار له ما يتأخر من العقاب ومائة جزء من الثواب فيسقط من المائتين مائة في مقابله أجزاء الثواب هذه وتسقط المائة الأخرى في مقابله المائة التي قد كانت أجتمعت على ما ذكره القاضي وعلى ما ذكره المهدي تبقى المائة هذه من العقاب مستحقة مع ما يزيد في مستقبل الأوقات من أجزاء العقاب على أجزاء الثواب ثم من بعد ذلك يستمر في كل يوم بقاء
أستحقاق عشرة أجزاء من العقاب وتسقط عشرة في مقابلة عشرة من الثواب فإذا بقي على ذلك عشرة أيام أُخر أجتمع من أجزاء عقابه مائة من غير ما سقط في مقابله أجزاء الثواب فيصير المتحصل له من العقاب مائتي جزء على قول المهدي ومائة فقط على قول القاضي إذا فعل طاعة يستحق عليها ثلثين جزء من الثواب وبقي على ذلك عشرة أيام فإنه يستحق عليها ثلثمائة جزء على طاعته الأولى مائة جزء صارت أجزاء الثواب أربعمائة، ويستحق من أجزاء العقاب مائتين فيسقط في مقابلتها مثلها ويبقى له ما يتأخر من الثواب فيسقطان في مقابله المائتين الباقيتين من أجزاء العقاب قبل هذه الأوقات أو مائة في مقابلة مائة فقط بأعتبار القولين المذكورين وتبقى مائة ثم هكذا يستحق في كل يوم أربعين جزءاً من الثواب وعشرين من العقاب فتسقط عشرين من أجزاء الثواب ويبقى منها عشرون فإذا تاب من تلك المعصية سقط عقابها بالكلية وأستمر له ثواب الطاعة المتقدمة على المعصية وهو عشرة أجزاء في كل يوم وثواب الطاعة المتأخرة وهو ثلاثون جزءاً في كل يوم ولم يعد شيء مما قد سقط من ثواب الطاعة الأولى المجتمع قبل المعصية والمستمر في حالة الأصرار قبل التوبة لأنه قد سقط بمقابل وذهب بذهابه ولا يعود أيضاً ما سقط من ثواب الطاعة الأخرى في مقابلة ما زاد من عقاب المعصية على ثواب الطاعة الأولى.
قيل: ومثال ذلك من الأمور المشاهدة نهر يجري من عين فقطع ذلك النهر فأهراق ماؤه إلى غيره مجراه ثم ختم ذلك القطع فعاد النهر إلى مجراه الأول فالذي كان قد أهراق قبل ختم القطع قد فات وتعذر عوده وبطل نفعه وحصل العود في المستقبل والنفع بالنهر مثال العمل طاعة أو معصية والقطع مثال العمل المتعقب الذي جزاؤه أوفر والختم مثال العمل المنافي للعمل المشبه بالقطع وجريان الماء في النهر بعد الختم كتجدد جزاء الطاعة والمعصية وأستمراره في الأوقات.
قلت: وهذا التمثيل ليس بالمطابق كل المطابقة من كل وجه وليس إليه حاجة فالمسألة متعقلة متصورة من دونه وقد أطلنا الكلام في هذا الفصل محبة لبيان حقيقة ما بنوا عليه فيه لأن المصنف رحمه الله أختصر الكلام ولم يأت منه إلا بطرف وإن كنا لا نجزم بتلك التحكمات ولا نقطع بصحتها وإنما الذي يقطع به أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل وإن التائب عن الذنب ناج يستحق الثواب ويؤول إلى دار الكرامة وأن من زادت طاعاته على معاصيه يستحق الثواب والجنة ومن كان بالعكس أستحق العقاب والنار ولا تكليف علينا في تلك الغوامض والدقائق وتحرير الحساب فذلك مما يستأثر الله بعلمه ويقضي فيه بحكمه من لا معقب لحكمه.
وأما بالنظر إلى قواعد البهشمية من العدلية في الأستحقاق وكونه من وقت العفل والموازنة وكيفية الأحباط والإسقاط وأن التوبة تسقط العقاب بمجردها لا بكثرة ثوابها وتصير المعصية باطلة واهية فالذي ذكر جار عليه ومطابق له إلا ما ذكره الإمام المهدي من ذهاب ما أجتمع من أجزاء الثواب قبل المعصية بغير شيء يقابلة من أجزاء العقاب فهو غير مستقيم والذي علل به من القياس على أجره من أتلف عمله قبل تسلميه فمقتضي ذلك يبطل أيضاً أستحقاق أجزاء الثواب على ذلك العمل في المستقبل منذ فعل المعصية ولا يعود بعد التوبة لأن ذلك العمل قد بطل كما لا تعود أجرة الأجير بعد بطلان عمله بندم ولا بعمل آخر وهذا هو ظاهر حكاية المصنف ومقتضى ما ذكره الحاكم وغيره على قاعدة البهاشمة، وإما أن قاعدة البهشمية تقتضي أن تبطل أجزاء الثواب التي قد أستحقت ووجبت بغير ما يقابلها ولا يبطل الأجزاء التي تستحق في المستقبل إلا بما يقابلها فغير مستقيم لكنه يرد على القول بأن الأجزاء المجتمعة من الثواب لا تسقط إلا بما يقابلها من أجزاء عقاب الكبيرة أشكال وهو أنه يلزم ألا تكون الكبيرة كبيرة لأن الكبيرة هي المعصية التي يستحق فاعلها من العقاب أكثر مما يستحقه من الثواب فإذا كانت مائة الجزء في المثال المتقدم لا تسقط إلا بمقابله والمعصية التي فعلها الكبيرة لا يستحق عليها ألا أحد عشر أجراً وهي تستحق على الطاعة عشرة أجزاء لزم ألا تكون كبيرة إلا بعد مضي مائة يوم منذ فعلها وأنه لو مات قبل مضي مائة اليوم المذكورة كان من أهل الجنة ولم يكن صاحب كبيرة وتمكن أن يجاب عنه بأنها كبيرة بالنظر إلى ما يستحق في كل وقت وما هو أصل الجزاء عليها وعلى تلك الطاعة المتقدمة إذا مات قبل سقوط جميع أجزاء الثواب المجتمعة فليس من أهل الجنة لأن الأستحقاق باقٍ مستمر في الأوقات المستقبلة فلا توافي العوضة إلا قد ذهبت بقية أجزاء ثوابه وسقطت بما يقابلها من زائد أجزاء عقابه وهذا كله