هو كلامه الأصح والذي يقوى على النظر للوجه الذي ذكره وإنما يعتبر العزم ويشترط لأن عدمه يكشف عن عدم صحة الندم وكيف يندم أحد على فعل من الأفعال وهو عازم على العود إليه وقد أختلف هل الخلاف في كون العزم ركناً أو شرطاً خلاف في المعنى وله فائدة وثمرة أو لفظي لا يختلف المعنى فيه مع أعتبارهما معاً ويوقف ثمرة التوبة عليهما فمن قال بأنه خلاف معنوي قال فائدته أنه لو نسي العزم أو كان يتعذر عليه معاودة ما تاب عنه كتوبة المجنون عن الزنا فإن التوبة تجزيه عند من جعله شرطاً لا عند من يجعله أحد ركنيها بل لا بد عنده أن يضمرانه لو قدر ما فعل وفيه تكلف.
قوله: (قلنا يتعلق بفعل الواجب لوجوبه وبكراهة فعل القبيح أو بأرادة فعل ضده.. ) إلى آخره.

هذا من التكلف والتعسف الذي ألجي إليه بصحيح تلك القاعدة وهو أن العزم إرادة والإرادة لا تتعلق بالنفي وهكذا كثير ما يبني المتكلمون على قواعد ويجدون في تقرير أطرادها فيلجيهم ذلك إلى أقتحام المضايق ومن المعلوم قطعاً أن العزم الذي يجده التائب من نفسه ليس متعلقاً بأن يفعل كراهة للقبيح ولا إرادة ضده ولو سلم لهلم ذلك لم يحصل الغرض المقصود من هذا العزم فإنه لا مانع من أن يعزم على فعل كراهة للقبيح مع عزمه على فعل القبيح فلا تنافي بين العزمين وكذلك العزم عليه والعزم على إرادة ضدده ونحن بحمد الله في غنيه عن هذه التكلفات البعيدة فالعزم أمر موجود من النفس يعلمه العازم من نفسه ضرورة ونجد من أنفسنا العزم على ألا نفعل................ وإذا صح لهم أنه من قبيل الإرادة وأن من لوازم الإرادة ألا تتعلق بالنفي جعلناه متعلقاً بالكف عن الفعل والكف عن الفعل فعل عند أهل التحقيق والله ولي التوفيق. وقد لمح السيد صاحب شرح الأصول إلى هذا المعنى الذي ذكرناه وقال المراد أن يعزم على ترك أمثاله ف يالقبح والترك فعل يصح تعلق العزم به وناقشه بعض المعلقين على كتابه فقال: يقال أما على رأي أبي على فالترك فعل كما ذكرت وأما عند الجمهور فالترك قد يكون مجرد الأخلال بالفعل وعدم إيجاده وذلك نفي محض وأجاب عن المناقشة بأن أبا هاشم وإن أجاز أن يكون ترك القبيح بمعنى ألا يفعله فليس ذلك يمنع من جعله العزم هنا متعلقاً بترك هو فعل يشغل العازم بأتخاذه أو يعزم على أتخاذه ليكون متعلقاً للعزم وذكر في الأكليل أن معنى العزم هنا الكراهة فحيث ندم على القبيح فعزمه على ألا يعود كراهة أن يحدث ما هو قبيح وإن ندم على الأخلال بالواجب فالعزم هنا أرادته .........ما وجب عليه في المستقبل وهو كلام جيد لا غبار عليه.
قيل: وتسمية تلك الكراهة عزماً من قبيل الأستعارة والمجاز.
قوله: (لأنه من قبيل الغم والأسف).

يعني وهماً مما لا يشترط تعلقه بالأثبات ولا يحكم فيهما بأنهما لا يتعلقان بالنفي.
قال ابن منويه: فأما الندم فهو غم وأسف هكذا قال أبو هاشم والمراد به أي أعتقاد أن عليه فيما سلف منه مضرة أو فوت نفع ولولا ما فعله لم يكن ليلحقه ذلك وربما أنتبه أبو هاشم جنساً مخصوصاً غير هذا الأعتقاد وهو ظاهر كلام أبي علي مثل قوله في الغم والسرور ويفارق الغم بأن الندم لا يتعلق إلا بالماضي والغم ليس كذلك ولا يتعلق الندم إلا بفعل نفسه دون الغم.
قلت: أراد بقوله في الوجهين دون الغم أنه لا يقصر على ذلك بل هو أعم فحاصله أن الندم نوع من الغم قد نضر ابن منويه القول بأن الندم جنس برأسه بوجهين:ـ
أحدهما: أن الندم لو جعل من قبيل الأعتقاد كالغم ويكون أعتقاد مضره في أمر مضى لوجب في كل من أعتقد الوعيد ثم أرتكب كبيرة وعلم المضرة التي تلحقه بذلك أن يكون نادماً ونحن نقطع أنه ليس بنادم في الحقيقة ولا يجد الندم من نفسه إذن لا يصرف عن فعل مثل ذلك.
الثاني: أنه قد ثبت قبح الندم على الحسن لكونه ندماً على الحسن لا غير فلو كان أعتقاداً لم يقبح إلا إذا تعلق بالشيء لا على ما هو به ولا يعتبر في قبح الأعتقاد وأجلى الأمور ما يجده الأنسان من نفسه.

فصل:
قوله: (وأعتبرنا أن يندم على المعصية لكونها معصية إلى قوله: لم يكن ثابتاً).
كلام صحيح لا غبار عليه وقد تقدم ما ذكره بعضهم من أنه إذا ندم على القبيح لقبحه وليس من هذه الوجوه ليكن المهم المقصود في حصول الندم القبح فالتوبة صحيحة وهو كلام لا بأس به.

فصل:
قوله: (وأعتبر بعضهم أن يندم على القبيح لعظمه في القبح ..) إلى آخره.

هذه المذاهب المحكية في هذا الفصل غريبة خالية عن الوجوه الصارفة إليها ولا ينبغي أن يعول عليها ولا أعلم قائليها وأي وجه لأن يشترط في التوبة أن يتوب عنه لجنسه فإن جنس الزنا النكاح الذي هو الوطء وليس كونه نكاحاً يقتضي أن يتاب منه وكذلك لا معنى لاشتراط أن يتاب عنه لعظمه في القبح فإن التوبة لأجل مجرد قبحه أو في المراد وأقصى بالأنقياد والله سبحانه أعلم.

فصل:
قوله: (وأعتبر بشر بن المعتمر وأصحابه في التوبة الموافاة).
المراد بها أن التوبة لا تصح إلا إذا كان التائب لا يوقع بعدها معصية وقد أختلف في معنى الموافاة فقيل نزول الموت وقيل التعب وقيل موافاة عرضة القيامة.
قيل: والمعنى في ذلك واحد لأن من أرتكب كبيرة ثم تاب عنها ولم يأت بكبيرة بعد توبته إلى الموت فهو يموت عليها أو يبعث عليها أو يرد العرضة عليها.
قلت: وظاهر ما ينقل عن أهل هذا المذهب بشر وأتباعه أنهم أرادوا أن من كان في معلوم الله أنه لا يبقى على التوبة ولا يموت عليها فلا حكم لتوبته وإن وجودها كعدمها والذي حكاه الإمام المهدي في الغايات يقضي بخلاف ذلك وإن معنى ما ذهبوا إليه أن التوبة إذا وقعت منعت من أستحقاق العقاب وصحت فإذا نقصت بأرتكاب المعصية عاد أستحقاق العقاب على المعصية الأولى وحرر المسألة على هذه الكيفية فقال ما لفظه: قالت البصرية من المعتزلة ويقطع بأن من تاب من معصية ثم عاد أنه لم يعد لأجل عودة عقاب المعصية الأولى. وقال بشر بن المعتمر بل يعود أستحقاق العقاب كالثواب وليس هذا معنى الموافاة فليتأمل.
قوله: (وخالفه الجمهور).
نسب هذا إلى الزيدية والبصرية من المعتزلة وغيرهم ويدل عليه ما ذكره المصنف وأستدل إيضاً بأن الشرط هذا الذي شرطه المخالف مما لا يعلمه المكلف حال التوبة والمعروض عليه أن يبلغ جهده في تلك الحال في تلافي ما صدر منه وبأن الشر من حقه أن يكون مقارباً وهذا شرط متأخر متراخ.

فصل:
والتوبة واجبة عقلاً وسمعاً.

قوله: (إن كانت المعصية كبيرة).
هذا لا خلاف فيه بين المتكلمين.
قوله: (سمعاً فقط).
إن كانت صغيرة هذا ما ذهب إليه أبو هاشم وجمهور المتكلمين ودليله أن الوجه في وجوب التوبة عقلاً دفع الضرر ولا ضرر على مرتكب الصغيرة وطلب النفع لا يجب.
وقال أبو علي: بل تجب التوبة عن الصغيرة عقلاً لأنه لو لم يتب عنها لكان مصراً عليها والأصرار على القبيح قبيح فتجب التوبة لأن بها يقع ترك القبيح.
وقال أبو الحسين: تجب التوبة عقلاً عن الصغيرة لما ذكره ابو علي لكن لأن التوبة تجب عن القبيح لقبحه كانت فيه مضرة أو لم تكن.
قوله: (وأما من جهة السمع فهو معلوم ضرورة ....... في ذلك والأخبار لا توصف بأنحصار كقوله تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحاً}. {وأنيبوا إلى ربكم ثم توبوا إليه}. {واستغفر ربكم إنه كان غفارا}. وكقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم حاكياً عن ربه عز وجل: ((يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم)). وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((توبوا إلى الله قبل أن تموتوا)). وإجماع المسلمين على وجوب التوبة ظاهر ولا يعلم مخالف منهم في ذلك ولو خالف فيه أحد لم يعتبر خلافه لخروجه عن الإيمان برد ما علم ضرورة من الدين.
قوله: (ثم المعصية قد يعلم جملة فتجب التوبة عنها جملة.. ) إلى آخره.
لعله أراد بالجملة إذا نسي تفصيل ما عصى به وسهى عنه لتقدم ومنه أو غير ذلك ولم يغزب عنه أنه قد عصى معصية كبيرة أو معصية ما وبالتفصيل ما إذا كان عالماً لمعصية وأنها زنا أو شرب خمراً أو سرقة أو نحو ذلك.

فصل:
والتوبة تسقط العقاب.
قوله: (عند الجمهور).
أراد جمهور المتكلمين من العدلية فمذهبهم أن العقوبة تسقط لأجل التوبة وجوباً.
قوله: (قال أبو اللهذيل.. ) إلى آخره.

تحقيق كلام المخالفين هنا وهم أبو الهذيل والبغدادية والمرجئة أن أبا الهذيل يقول بعدم سقوط العقاب بالتوبة وجوباً وإنما يتفضل الله بإسقاطه ولو أنه لم يسقطه وفعل العقوبة لم يكن ذلك ظلماً ولا قبحاً بل حسناً، ونسب ذلك إلى الشريف المرتضى وغيره.
قلت: وربما أنهم يقطعون بأنه لا يعاقب التائب لدلالة السمع الصريحة، وأما المرجئة فيقولون كما ذكر لا يجب إسقاط العقاب بالتوبة بل يحسن المعاقبة بعدها ولا أدري ما يقولون في أدلة السمع هل تورثهم القطع بما تضمنته من الوعيد وغيره وأما البغدادية فهم وإن لم يحكموا بوجوب سقوط العقاب أستحقاقاً فقد أوجبوه من جهة الأصلح وكونه مققتضى الجود.
قيل: ولا خلاف بيننا وبينهم في الحقيقة وإنما هو خلاف لفظي لأنهم لا يجوزون العقاب بعد التوبة.
قلت: أما من هذه ......... فكما ذكره لا ثمرة للخلاف وأما من حيث الأصل في إسقاط العقاب فالخلاف خلاف في المعنى والحقيقة هل يسقط العقاب بها لاستحقاق سقوطه أو لكونه أصلح للمكلف فقط.
قوله: (روي عن أنب عباس والحسن البصري ..) إلى آخره.
وهذا أيضاً مذهب البكرية وقد روي عن الحسن الرجوع عنه لمناظرة فيه أتفقت بينه وبين عمرو بن عبيد وظاهر كلام المصنف الآتي بعد أنه دس بها عمرو إليه ولم يشافهه بها وهذا مذهب شاذ لا وجه له وهو خلاف ما عليه أهل القبلة غير من ذكر، ولهذا أنكر كثير من العلماء هذه الرواية عن ابن عباس لمحلة من العلم فإنه البحر جليل القدر وتأوله بعضهم بأنه أراد أنه لا يقبل مجرد الندم والعزم من غير تلافي ما يجب وهو القود أو الدية إذا أختارها ولي الدم.
قوله: (والجامع ما تقدم).

يعني وهو أن كل واحد منهما بذل الجهد في تلافي ما وقع ودفع ما يستحق عليه من دم أو عقاب ومعنى التلافي لغة السعي في تدارك ما خشي تلفه من تلافي البهيمة إذا ردها عن التلف أو عن أن يحرم أكلها بالموت ويستعمل في الأفعال مجازاً فيقال: فلان تلافى ما فرط منه من الفعل القبيح باعتذار أو نحوه.
قوله: (وبعد فكان يجوز ألا يتفضل الله بالأسقاط.. ) إلى آخره.
فيه نظر لأن أبا هذيل ومن يقول بقوله يلتزمون ذلك لولا السمع، والبغدادية يجيبون بأنه إنما لم يجر لوجوبه من جهة الأصلح بناء على قاعدتهم.
قوله: (فكان بقبح التكليف ..) إلى آخره.
يعني لأن وجه حسن التكليف هو التعريض لنيل المنافع التي لا تنال إلا به فإذا كان عقاب المعصية الكبيرة لا تسقطه التوبة ولا تسقطه ثواب الطاعات وإن كثرت لم يبق للمكلف طريق إلى الإنتفاع بما كلف.
قيل: وفيه نظر لأن للخصم أن يذكر عرضاً في بقاء التكليف وهو تقليل عقابه بما يفعله من الطاعة.
قوله: (فأما ما يحكى عن ابن عباس والحسن ..) إلى آخره.
قد أستدل على بطلان ما به عزي إليهما من عدم قبول توبة القابل بوجوه:
منها: أنه لا خلاف في إسقاط التوبة لعقاب الشرك فأسقاطها لعقاب القتل أولى لأن عقابه دون عقاب الشرك.
ومنها: أن العلة التي لأجلها كانت التوبة مسقطة لعقاب المعاصي حاصلة في القتل وهي أن التائب بذلك الجهد في تلافي ما وقع منه وأستفرغ الوسع في ذلك.
ومنها: إجماع الصدر الأول وابن عباس وإن كان منهم فالرواية عنه غير مسموعة وذلك متأول بما سبق ذكره هنا وفي المتن، وشبهة من ذهب إلى ذلك ما ورد من تشديد الوعيد في حق القائل بالنار والخلود فيها وتأكيد ذلك بالغضب واللعنة فدل ذلك على أنه لا بد للقاتل من الخلود في النار من غير فصل بين تائب وغير تائب.

والجواب: أن ذلك لا يمنع من القول بقبول توبته كما لا يمنع من قبولها في غير القتل ما ورد عليه من الوعيد الشديد كما في سائر الكبائر وهي عمومات مخصصه أحيل بتخصيص التائب منها إلى أدلة العقل والنقل ويكون المراد بذلك الوعيد من مات غير تائب.
ولهم شبهة أخرى وهي: أن من حق التوبة عما هو أساءة إلى الغير الأعتذار إلى المسب إليه والمقتول لا يصح ذلك في حقه فلا تصح توبة قاتله.
والجواب: المعارضة بمن غصب ماله ثم مات فإن الغاصب تصح توبته عن ذلك والورثة قائمون مقام الميت في الصورتين والتحقيق أن الأعتذار إلى المساء إليه لا يشترط إلا حيث يتأتى قبوله العذر من المساء إليه والمقتول لا يصح منه قبول والحق قد أنتقل عنه إلى وارثه وصار قائماً مقامه.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني من تيسر الأمور الداعية إليها كتيسر سماع وعظ أو قراءة قاريء فالنعمة هنا صحة السمع المؤدية إلى ذلك روي أن سبب توبة بعض أكابر الفضلاء وكان من العصاة أنه سمع حال محاولته لبعض المعاصي قارئاً يقرأ: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}. فقال: بلى والله آن. فتاب توبة نصوحاً وأخلص لله حتى صار من أئمة أهل الفضل.
قوله: (ووجوب الفعل لا يخرجه عن كونه نعمة ..) إلى آخره.
يقال الظاهر أن النعمة من قبيل التفضل وأن الواجب ينبغي أن يؤدى لوجوبه لا للأحسان والألم يخرج المؤدى له عن عهدة الواجب فالمعمد في جواب السؤال ما تقدم.

فصل:
قوله: (وإذا ثبت أن التوبة تسقط العقاب فهي تسقطه بنفسها لا بكثرة ثوابها).
هذا مذهب الزيدية وجمهور المعتزلة وتحقيقه أن عقاب المعاصي يسقط بنفس التوبة ولا يسقط من ثوابها شيء في مقابلته يتفق الشيخان أبي العباس والمؤيد بالله وأتباعهاهنا على أن التساقط بين الفعلين التوبة والمعصية دون المستحقين لأن التوبة تتعلق بنفس المعصية من غير التفات إلى العقاب المستحق عليها بحيث أن التائب تصح توبته وتقبل وإن لم يذكر العقاب ولا خطر له ببال.

قوله: (خلافاً لقوم).
هذه العبارة تشعر بأن المخالف مجهول وفي بعض كتب الأصحاب نسبة هذا القول إلى البغداديين وهو أن التوبة تسقط العقاب بكثرة ثوابها وفي الغايات مثل ما في المتن من عدم التصريح بنسبته إليهم وإبهام القائل به.
قوله: (لنا أنها نظير الأعتذار ..) إلى آخر الوجهين المذكورين.
هذان الوجهان أقوى ما يستدل به على أنها تسقط العقاب بنفسها وقد يحتج الأصحاب بغيرهما من ذلك قولهم أن التوبة قد تسقط عقاب المعصية في حال لا يكون لها فيها ثواب بأن تصدر من مصر على كبيرة يعتقد أنها غير معصية فإنه إذا تاب عما عداها قبلت توبته ولا ثواب له لأن ثوابه محبط بتلك الكبيرة التي أعتقدها ....... عنه بأنها إنما أسقطت عقاب ما تعلقت به من شرب المسكر وغيره بثوابها فتسقط ثوابها في مقابلة عقاب تلك المعصية وأن بقيت منه بقية سقطت لأجل عقاب تلك االكبيرة ولا مانع من ذلك.
قوله: (في الشبهة).
نقول: إنها تسقط العقاب بثوابها ولا ثواب لطاعة المختضر ومن في الأخرة، وإنما يلزم على القول بأنها تسقطه بمجردها فإنها حاصلة من المحتضر ومن في الآخرة فالمعارضة هذه غير صحيحة.
قوله: (والتحقيق أن أهل الآخرة إلى أجره حاصلة).
إنا لم نقل بأنها تسقط العقاب بنفسها على كل وجه بل حيث تكمل شروطها ومن شروط صحتها أن تقع مع بقاء التكليف وأن يندم على القبيح لقبحه وليس كذلك المحتضر ومن في النار فلا تكليف ولا ندم لأجل القبح بل الألجاء، وللمخالفين شبه أخرى:ـ
منها: أنها لو أسقطته بنفسها لوجب مثل ذلك في كل طاعة إذ الفرق بين طاعة وطاعة.
والجواب: أنها لم تسقط العقاب بنفسها لكونها طاعة فيلزم ما ذكر بل لكونها بذل المجهود في تلافي ما فرط وليس كذلك غيرها من الطاعات فلا تعلق له بما سبق من المعصية.

ومنها: أنه يلزم المساواة على القول بأنها مسقطة للعقاب بنفسها بين من أستمر على المعاصي دهراً طويلاً ثم تاب ومات وبين من عصى معصية واحدة فقط ثم تاب ومات لأن التوبة أسقطت ما قبلها بنفسها وبقي لهما ثوابها في الصورتين معاً وأجبت بالألتزام لأن التوبة تجب ما قبلها وتصيره في حكم المعدوم فكان كل واحد من المذكورين لم يصدر منه عصيان.

فصل:
قوله: (وإذا أسقطت التوبة عقاب المعصية فليس يعود الثواب الذي أسقطته المعصية خلافاً للكعبي).
أعلم أن للمتكلمين من أصحابنا في هذه المسألة خطباً كثيراً وأقوالاً مختلفة ومذاهب متكلفة وأكثرهم يجري في حكاية المذاهب على نحو ما ذكره المصنف ويحصل ما أطلعنا عليه من نقل المذاهب في هذه المسألة أن الذي يذهب الجمهور إليه أن الثواب الذي سقط بعقاب المعصية المتقدمة على التوبة لا يعود بالتوبة وكذلك العقاب الذي سقط بالتوبة لا يعود بمعصية تتعقب التوبة، ومذهب أبي القاسم: أن الثواب المذكور يعود ويذهب إلى أن العقاب لا يعود في الصورة الأخرى، وبشر بن المعتمر يذهب إلى أنهما يعودان في الصورتين.

117 / 158
ع
En
A+
A-