لا معنى لتمسكهم بهذه الآية إلا لو كانوا يقولون بأن الطاعات تكفر المعاصي والمعاصي لا تحيط بالطاعات وأما مع قولهم بأنه لا تكفير ولا أحباط فهي حجة عليهم كما تدم لما فيها من التصريح بثبوت التكفير إذ لا معنى لأذهابها إلا إذهاب ما يستحق عليها فأما هي فقد ذهبت في نفسها بعد فعلها واعترض بأن هذا يخال ما يذهبون إليه من أن الموازنة ليست بين الطاعة والمعصية بل بين الجزائين فإذا قلتم المراد أن جزاء الحسنات يذهب جزاء السيئات فخلاف الظاهر ويجاب بأنه وإن كان لا بد من تقدير ما ذكر فالمعنى يقود إليه والسياق يدل عليه وهو من قبيل المجاز البليغ الكثير الوقوع في القرآن الكريم فإذا حملت الآية على خلاف ذلك وهو ما قيل أن المراد أن من أكثر الطاعات كانت لطفاً له في الإمتناع عن المعاصي كما ذكره المعترض ففيه تعد وتعسف فلا يصار إليه وقد تأول جار الله الآية بالوجهين وفسرها عليهما والصحيح الأول وهو الأظهر الذي عليه المعول.
فصل:
قد ثبت أستحالة أستحقاق الثواب والعقاب جميعاً وأختلف الناس في هل يصح ألا يستحق المكلف واحداً منهما.
قوله: (بأن تستوي طاعاته ومعاصيه).
المراد بأستواء الطاعات والمعاصي أستواء ما يستحق عليهما من أجزاء الثواب والعقاب.
قوله: (فذهب الجمهور إلى أستحالة أستوائهما).
تحقيقالخلاف في هذه المسألة أن أبا علي منع من أستواء الثواب والعقاب عقلاً وسمعاً أما السمع فلما سيأتي وأما العقل فلأنه لو جاز أستواؤهما فأما أن يتساقطا فليس ........ الثواب في سقوط العقاب أولى من العكس فيلزم ألا يسقط أيهما فيستحقان جميعاً وهي محال وأما ألا يتساقطاً فيلزم كون الأنسان في الوقت الواحد مستحقاً للتعظيم والإستحقاق وهما متدافعات ولا يخفى ركة هذا الأستدلال على المتأمل.
وقال أبو هاشم، وقاضي القضاة: بل يجوز ذلك عقلاً إذ لا يمتنع من جهة العقل أن يستحق المكلف أجزاء من الثواب على طاعات له وأجزاء من العقاب على معاص منه وتكون تلك الأجزاء مستوية فيتساقطان كما يتساقط الدينان ويبقى كمن لم يستحق ثواباً ولا عقاباً ولا مانع إلا السمع وهو أنعقاد الأجماع على أنه لا بد من أن يستحق المكلف في الآخرة الجنة أو النار وأنه لا دار في الآخرة إلى الجنة أو النار ولا دار ثالثة غيرهما، وأنه لا يدخل الجنة مكلف إلا مثاباً والخلاف في ذلك لزين العابدين والقاسم والمؤيد والمنصور بالله والشعبي من التابعين والقاضي جعفر والشيخ الحسن الرصاص والفقيه حميد المحلي فهؤلاء أجازوا أستواء الثواب والعقاب عقلاً وسمعاً وأن يدخل المكلف الذي هذا حاله الجنة متفضلاً عليه لا مثاباً وكذلك الصوفية جوزوا الأستواء وإن من تلك حاله يدخل داراً ثالثة والأرجح ما قاله زين العابدين كرم الله وجهه ومن تابعه من جواز ذلك عقلاً وسمعاً إذ لا مانع منه والإجماع المدعى لا وجه يقضي بصحته ولا نقل يشهد له مما يؤخذ به في مثل هذا فمن كان كذلك لم يدخل النار إذ عقابه ظلم لا شك فيه والله يتعالى عن ظلم العباد وجاز دخول الجنة متفضلاً عليه (وما كان عطاء ربك محظوراً}، وأما ما قاله الصوفية من إثبات دار ثالثة فلا دليل عليه بل قد ورد ما يدل على خلافه كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((وما بعد الدنيا من دار إلى الجنة أو النار)).
قوله: (إلا ما يحكى عن بعض الصوفية وبعض الشيخ من أن الأعراف المذكورة في القرآن دار غيرهما الحكاية المستفيضه).
أن هذا المذهب للصوفية ولم أقف على أن أحداً غير المصنف عزاه إلى بعض الشيوخ وتممسك الصوفية في ذلك بخبر أحادي يروونه وليس مما يؤخذ به في نحو هذه المسألة.
قوله: (وهي عند الجمهور مواضع عالية في الجنة الذي ذكره جار الله رحمه الله أن الأعراف عبارة عن الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي عالية جمع عرف أستعير من عرف الفرس وعرف الديك وإن الرجال المذكورين عليها من المسلمين من أجرهم دخولاً لقصور أعمالهم كأنهم المرجون لأمر الله يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة وأنهم المعنيون بقوله تعالى: {أدخلوا الجنة}. وذلك بعد أن يحبسووا على الأعراف وينظرون إلى الفريقين ويعرفوهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال وأن التقدم والتأخر على حسبها وأن أحداً لا يسبق عند الله إلا يسبقه في العمل ولا يتخلف عنه إلا بتخلفه فيه ولترغيب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على أجزاء قصتهم.
قلت: ولا يخفى على مميز أن كون الأعراف ما ذكره جار الله أو ما ذكره المصنف من أنها مواضع عالية في الجنة أو ما ذكرته الصوفية من أنها دار ثالثة ليس في العقل ما يخيل شيئاً من ذلك ولا ما يدل على شيء منه لأن العقل لا مجال له في الأمور الأخروية الغيبية ولا شيء مما ذكر يستحيل في القدرة ولا في الحكمة فالقطع بصحة شيء من هذه الوجوه أو باستحالته لا يصح إلا بدليل سمعي قطعي وليس من أدلة أهل المذاهب هذه ما يرتقي إلى درجة القطعي لا من الأحاديث ولا من الأجماع وأكثر ما يقضي إليه الظن فقطع الصوفية بأنه ثَمَّ دار ثالثة خطأ والقطع بأنه لا دار ثالثة لا برهان عليه والله سبحانه أعلم .............. على القلب قولك فيما لا يعلم لا أعلم.
قوله: (وللقائل أن يقول ..) إلى آخره.
كلام جيد لا غبار عليه.
فصل:
إذا أثبتت أستحالة أستحقاقهما وأستحالة الخلو منهما لم يكن بد من أن يزيد أحدهما على الأخر لا شك في ذلك لكن يقال أما أستحالة أستحقاقهما معاً أستحقاقاً مستمراً وأتصالهما معاً فقد صح ذلك ودل القاطع عليه لتنافي أوصافهما وتعاكسها، وأما أستحالة الخلو منهما فغير مسلمة كما تقدم.
قوله: (فلا يكون بد من أن يسقط الأقل بالأكثر).
هذا صحيح مطابق لقواعدهم لكنه يرد عليه سؤال وهو أنه يقال من مذهبكم أنه لو فعل طاعة يستحق عليها عشرة أجزاء من الثواب فعاش حتى توفر له مائة جزء ثم فعل معصية يستحق عليها أحد عشرة جزء من العقاب فإنه يعاقب ويبطل تلك المائة التي قد توفرت فما وجه بطلانها وليس في مقابلها عقاب وقد أجبت بأن العاصي يحصل هذه الصورة بمنزلة أجير استؤجر على عمل وله في كل يوم أجرة معلومة مشروطة بسلامة العمل حتى تقع المجازاة فتوفرت في ذمة المستأجر أجزاء كثيرة ولم يقبضها حتى أفسد ذلك العمل الذي أستحق للأجرة عليه بالكلية فإنه أبطل بذلك أستحاقه للأجرة فلا يستحق منها شيئاً وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
فصل:
وأختلف الشيوخ فيما به يقع الأحباط والتكفير.
قوله: (وقال أبو علي يقع بين الطاعة والمعصية).
تحقيق مذهبه أن الطاعة تنحبط، ولأن دليلهم هذا يقابل ما ذكرناه من الأدلة والتنافي بين الثواب والعقاب أظهر وأوضح.
والجواب: هذا مبني على أن الإصابة المذكورة وقتل المؤمن على تلك الكيفية كبيرة وأن قاربته التوبة أو سبقته وهو الظاهر من كلام أبو هاشم بوصف بأنها فسق وإن كان المرمي ...... فكفر ولا يسمى فاعلها فاسقاً ولا كافراً وإنما يسمى فاعل فسق بكفر، وأما أبو علي فقال: لا تسمى المعصية بعد التوبة فسقاً ولا كفراً.
فصل:
في كيفية الأحباط والتكفير.
قوله: (ذهب الشيخ أبو علي إلى أن الأقل يسقط من كل وجه).
قيل: ولا يعلم تعيين أتباعه في ذلك.
قوله: (وقال أبو هاشم بالموازنة).
قيل: وهذا الذي عليه الزيدية وجميع أهل العدل من المعتزلة والإمامية ولا يعلم قائل منهم بخلافه.
قوله: (لما ححسن من الكافر والمصر على الكبيرة أن يفعل شيئاً من الطاعات إذ لا فائدة له في ذلك فيه نظر لأن مقتضاه أن وجه حسن الطاعة الأنتفاع بها وليس كذلك فإنها تحسن لغير ذلك على أختلاف حالها في وجوب وغيره فكان الأحسن تحرير هذا الوجه على كيفية أخرى وهو أنه يلزم من قول أبي علي أن يكون العاصي بفعل الكبائر من غير طاعة أحسن من حال من فعل الكبيرة وأطاع إذ كلاهما صاحب كبيرة ويستحقان قدراً واحداً من العقاب والمطيع لم يفد إلا بتحمل المشقة فقط من دون أن تغني عنه شيئاً وقد تحرر هذا الوجه على كيفيتة أخرى وهي أنه يلزم أن يكون عقاب من أطاع مع المعصية أشد من عقاب الذي عصى ولم تصدر منه طاعة وبيانه أنه إذا فعل طاعة يستحق عليها عشرة أجزاء من الثواب ثم فعل معصية يستحق عليها أحد عشر جزء من العاب بمقتضى كلام أبي علي أن العشرة تسقط وتوصل إليه الأحد عشرة جزء فقط.
قوله: (لم يكن فرق بين بعض الكبائر وبعض).
فيه نظر لأن الفرق على مذهب أبي علي حاصل وهو كثرة أجزاء عقاب بعضها وقلة أجزاء عقاب البعض الأخر بمذهب أبي علي لا يؤدي إلى عدم الفرق بالكلية وإنما يؤدي إلى عدم الفرق بينها كان معه طاعة وبين ما لم يكن شيء ولعل المصنف قصد هذا ولكنه لم يحكم تحرر هذا الوجه وهو أوضح الوجوه وأقواها وتحقيقه أنا نعلم ضرورة الفرق بين من أساء بعد أحسان قد صدر منه وبين من أساء ولم يحسن قط ونعلم ضرورة أن الذي تقدمت إسأته أن لا يستحق من الذم مثلما يستحقه من لم يتقدم منه شيء من الأحسان ولم يشب إسأته المحضة أحسان قط وما ذاك إلا لأن الأحسان المتقدم قابل ما يستحق عليه من المدح بعض ما يستحق على الإسأة من الذم.
قوله: (ونحو ذلك من الآيات).
هي كثيرة واسعة في هذا المعنى كقوله تعالى: {ولن يتركم أعمالكم}. وقوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}. وقوله: {لا نضيع أجر عمل عامل منكم}. ولا ........ ومضمون هذه الآيات إلا إذا قلنا بالموازنة ألا ترى أنه لو لم يسقط من العقاب شيء في مقابلة الثواب كان ثواب عمله غير واصل إليه ولا له به أنتفاع فلم ير مثقال ذرة وضاع عمله بخلاف ما إذا قلنا بالموازنة فلا تذهب الفائدة ولا تقع الإضاعة لأن دفع المضرة بمنزلة جلب النفع.
قوله: (إن حقيقة الثواب غير حاصلة فيمن خفف من عقابه..) إلى أخره.
يعني لأن الثواب أسم للمنافع التي يقع بها الإلتذاذ والتنعم دون ........ ساقط العقاب فلا يسمى ثواباً، وكذلك فالعقاب أسم للمضار التي يقع بها التألم العظيم والهوان الجسيم دون ما ساقط الثواب.
قيل: وإن كانت الأجزاء التي أسقطت ما قابلها من العقاب يسمى ثواباً والعكس فلا يعد في أن يكون مثاباً معاقباً لعدم المنافع من أجتماعهما على تلك الكيفية.
وأحتج أبو علي أيضاً من جهة العقل بوجوه أخرى غير ما ذكره المصنف منها:
أن الطاعة ليست ..... يقابل بعصا من أجرى العقاب أولى من بعض إذ لا مخصص.
فجوابه: أن ذلك إنما يلزم لو كان الأجزاء أعياناً موجودة وأما ولا وجود لها فمثاله مثال الدين المستحق إذا ثبت على صابه للغريم مثل نقصه لوديعة فإنه يقع سقوط ما قابل ذلك ولا يحتاج إلى مخصص.
ومنها: أنه يفعل المعصية كالجاني على طاعاته فهو المبطل لثوابها كما لو ندم على فعل الطاعة.
وأجيب: بأن الندم على الطاعة يبطل الثواب بنفسه كما يبطل عقاب المعصية بنفس الندم عليها بخلاف المعصية فإنها لا تعلق لها بالطاعة ولا للطاعة بها فلا تبطل أحدهما الأخرى بنفسها بل بما يستحق عليها فوجب الحساب والموازنة، وأما الندم على الطاعة فهو متعلق بها فكان جناية عليها ومبطلاً لها.
ومنها: أن فاعل المعصية بعد الطاعة كمستأجر على أن يخيط قميصاً فلما أكمل خياطه فبقه وأذهب كلما قد فعل فكما أنه لا يستحق شيئاً من الأجرة كذلك لا يستحق العاصي شيئاً من أثواب الطاعة لا يعتد به ولا تحسب له.
والجواب: إن سقوط أجرة الخياطة لعدم تسليم العمل فوازانه في ............ لو أتى المطيع بالطاعة لا على الوجه المشروع والمسألة مفروضة حيث أتى بالطاعة على ما شرع فقد سلم عمله صحيحاً فيستحق الأجرة كاملة فوزانها في الشاهد أن يستأجر على خياطه قميص يخيطه له ويسلمه إليه ثم يفتق قميصاً للمستأجر ويغير خياطته بحيث تنقص من قيمتهيما يزيد على أجرة ما خاطه فليتأمل ذلك.
قوله: (وأما من جهة السمع.. ) إلى آخره.
وجه أحتجاجه بما ذكر أن معنى قوله: {أن تحبط أعمالكم}. أنها تبطل عليكم منفعتها ولا يتم ذلك مع الموازنة ولا معنى لقوله: {ولا تبطلوا أعمالكم}. إلا إذا كان يبطل بالمعصية ما قدموه من الأعمال الصالحة ومع الموازنة لم تبطل عليهم شيء ولا معنى لقوله: {فجعلناها هباءاً منثورا} إلا إبطال أنتفاعهم به كما لا ينتفع بالهباء المنثور والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبهه بالغبار، وفي أمثالهم أقل من الهباء والمنثور خلاف المنتظم، قال جار الله: شبه العمل بالهباء في قلته وحقارته عنده وأنه لا ينتفع به ثم بالمنثور منه لأنك تراه ........... مع الضوء فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب.
قوله: (يحتمل أن يصرف هذه الآيات إلى الكفرة).
فيه نظر لأن الكفار إن فرض أنه لا طاعة لهم ولا يمكنهم الأتيان بها على الوجه الذي كلفوا أن يأتوا بها عليه فلا طاعة ولا إبطال، وإن كانت لهم طاعة ويستحق عليها ثواب فالحكم واحد كما أعترف به المصنف بقوله: وإن كان فعل الطاعة يقتضي تحقيقاً عنهم وهكذا حال الفساق فلا فرق.
قوله: (ويجوز أن تصرف إلى أهل الصغائر.. ) إلى أخره.
كلام في غاية الركة وما الملجي إلى أن تصرف إلى أهل الصغائر والمعنى الذي أتى به حاصل في أهل الكبائر الذي هو محل النزاع وممكن فيه بل هو أوضح والبطلان والأحباط فجعل الأعمال هنا منثوراً بتغفل في جودي الكبيرة الذي سقط جميع ثوابه لا في حق صاحب الصغيرة الذي بقي له من الثواب ما يسعد به دائماً ويفضي به إلى نعيم الأبد، وإذا لم يسلم الخصم أن يكون عمل صاحب الكبيرة ساقطاً إذا .............. من العقاب مع بقاء ما يستحق به الخلود في النار ولم يسم ذلك بطلانا فكيف نسلم أن سقوط اليسير من ثواب ذي الصغيرة مع بقاء أكثر ثوابه أو بعضه يكون إبطالاً لعمله وإضاعة له فلقد عل في التأويل إلى ما هو أبعد عن التحصيل وأي وجه لهذا التعسف ولِمَ لم يقل المحبط والمبطل والمجعول له هنا من أعمال أهل الكبائر والفساق ثوابها الذي قارب بعض عقاب المعصية وقائلها وذلك معنى إبطاله لأن العاصي بعد الطاعة في حكم من أبطل على نفسه الإنتتفاع بطاعته لأنه قد كان يستحق لأجلها نعيماً دائماً فصار الآن مستحقاً لعذاب دائم فلذلك وصف بإبطال عمله وكذلك لما فوت على نفسه النعيم الدائم بفعل المعصية صار فعله للطاعة كأنه هباء منثورا بالنظر إلى فوت ما قد كان أستحقه من النعيم الدائم والسرور ويكون بنزيل فوات معظم النفع منزله فواته كله من قبيل المجاز والداعي إلى حمل الكلام عليه أن يكون السمع مطابقاً لعقل فيما قضى به من عدل الله وحكمته فإن من مقتضى العدل والحكمة ايفاء كل ذي عمل أجر علمه وألا يتحسن منه شيء كما يقضي به وعده الصادق وحكمه السابق.
فصول في التوبة:
وهي إثنا عشر فصلاً نذكر بعد ذكر حقيقة التوبة ووجه أتصال ذكرها بما تقدم أنها تسقط عقاب المعصية وتكفره فلذككرها مناسبة وإتصال بذكر الأحباط والتكفير وهي في اللغة الرجوع وفي الأصطلاح كما ذكر المصنف وقد زيد في الحد على ما ذكره مع تلافي ما يجب تلافيه وإلا قرب عدم الحاجة إلى هذه الزيادة لأن التلافي إنما هو شرط في صحتها ودليل على حصول حقيقتها التي هي الندم إذ لا يتحققو الندم إلا بذلك لا أنه ركن من أركانها والمراد بالتلاقي غرامة ما يجب غرامته بتك المعصية من قصاص أو مال أو أعتذار من أساءة ونحو ذلك والندم نوع من الغم يتعلق بالفائت فيما مضى فيقابل العزم حيث أنه لا يتعلق إلا بالمستقبل.
قوله: (في الحد لكونها معصية).
أحتراز عما إذا ندم عليها خوفاً من العقاب أو لرجاء الثواب ولما لحقه من ذم وصَغَار فإنه إذا لم يكن ندمه إلا لمجرد ذلك لم يكن توبة.
قيل: وإن ضام الندم عليها لأجل كونها معصية ما ذكروا شيء منه فالأقرب صحتها إذا كان كونها معصية هو الأهم في الندم.
قوله: (لا بد من أعتبار الندم إتفاقاً).
يعني: لأنه لم ينقل خلاف في أن التوبة تصح بغير ندم ولا سمع عن أحد بذلك.
قوله: (والعزم خلافاً لقوم).
يعني العزم لا بد من أعبتاره لكن مع خلاف فيه، والمخالف في أعتباره ابن الملاحمي فإنه قال: حقيقة التوبة الندم على المعصية لكونها معصية فقط ولم يذكر العزم في الحد وإليه أشار صاحب الأكليل ورواه في المحيط عن بعض المتكلمين.
قيل: وهو القوي ومقتضى الآثار تؤيده قوله تعالى: {وآخرون أعترفوا بذنبهم}. والأعتراف بذلك بصحبة الندم ولم يشترط العزم ولم يقع خلاف في أن الذاكر للمعصية في المستقبل لا بد أن يعزم على ألا يعود لمثلها في المستقبل وأنه لو لم يعزم على ذلك لم يصح كونه نادماً على الماضي لأن الداعي إلى أحدهما يدعوا إلى الأخر فمن ندم فهو عازم ومن عزم فهو نادم ولكن ليس ذلك عند من لا يعتبر العزم جزء من حقيقة التوبة لكنه لا بد منه من باب الداعي وإنما تظهر فائدة الخلاف لو ندم العاصي على المعصية في الماضي وكان ساهياً عن المستقبل فمن لا يعتبر العزم بقول توبته صحيحة ومن يعتبر العزم في التوبة لا يقول بصحتها.
قوله: (فهو عازم على قتل الولد الآخر.. ) إلى آخره.
قد عرفت ما ذكره بعض المتأخرين كما حكيناه آنفاً من أن مثل هذه الصورة من صور الأتفاق وأنه لا خلاف في أنه لا بد أن يعزم في المستقبل ألا يعود مع ذكر المستقبل وأخطاره بالبال وسيأتي ذلك قريباً في المتن.
فصل:
وأختلف المعتبرون للعزم: فقال أبو هاشم: هو جزء من التوبة.
قوله: (لما تقدم).
يعني من الدليل على أعتبارهما وأن التوبة لا تكمل إلا بهما قياساً على الأعتذار وإذا كانا معتبرين معاً فلا معنى لجعل أحدهما أصلاُ والآخر شرطاً إذ لا مخصص.
قوله: (وقال السيد صاحب شرح الأصول.. ) إلى آخره.