يعني وهو أن من حق الحكيم أن يوصل إلى المكلف ثوابه على وه يعلم معه أنه قد وصل ما يستحقه وتنزه الحكيم عن ظلمه وما لم يصل إليه على هذه الكيفية فلا خروج به عن عهدة الواجب هكذا يذكرالأصحاب وفرقوا بين الثواب والعوض في ذلك فجوزوا أتصال العوض وإن لم يعلم المعوض أنه عوض على ما ناله من ألم أو نحوه فيه نظر.
قوله: (وهذا هو الوجه في حسن ......).
يعني كون المكلف مع العلم به أقرب إلى فعل الطاعة لكونها طاعة وترك القبيح لقبحه ويمحص بضده لذلك لأن علمه بالفناء يبعد النفع الموعود هونه والضرر المتوعد هونه.
قوله: (نعم قد يجوز إتصال بعض العقاب في الدنيا كالحدود ونحوها).
أراد بنحوها التعزيرات وظاهر كلامه أن هذا يختص بالعقاب دون الثواب وقد سبق له ما يقضي بذلك فإن الوجوه التي ذكر في منع أتصال الثواب تشمل الكثير واليسير لأنه ذكر أنه لا بد أن يعلم المكلف فيما وصل إليه أنه ثواب أو عقاب ولا بد أن يقارب التعظيم ويعلم أن الحكيم قصد ذلك وظاهر كلام الأصحاب أنه يجوز أتصال اليسير من الثواب وهو ما لا يصير المكلف بتقديمه ملجي.
وقيل: القدر الذي لا يعقد بنقضانه في الآخرة لأنها دار الجزاء فإذا نقص عليه في الآخرة وقت المجازاة ما يتألم بفواته في تلك الحال كان تبعيضاً لأهل النعم.
قلت: ولعلهم يشترطون علم من أوصل إليه بكونه ثواباً ومقاربة التعظيم وعلم المثاب بأن المثيب قاصد له وذلك يتصور بالوحي في زمن الأنبياء والله أعلم، ومما يجوز أتصاله في الدنيا عذاب الأستئصال لأنه لا مانع عنه إذ لا تكليف بعده فيقال أنه يكون في حكم الألجاء.
فصل:
(يجوز من جهة العقل سقوط الأستحقاق مع ثبوت سببه المؤثر فيه).
يعني فيصح أن يسقط أستحقاق الثواب مع حصول الطاعة التي هي سبب فيه ويسقط أستحقاق العقاب مع حصول المعصية التي أقتضته وقد جعل هذا الفصل تمهيداً لما سيأتي من أسباب سقوط الثواب والعقاب لئلا يستنكر سقوطهما بعد حصول ما هو سبب فيهما.
قوله: ونحو ذلك لهذا المعنى أنواع وتفاريع كسقوط القصاص مع ثبوت سببه في القتل العمد العدوان للأبوة ونحوها.
فصل:
والذي به يسقط أستحقاق الثواب سببان.
قوله: (الندم على فعل الطاعة لأنها طاعة مستندهم في ذلك التباس على التوبة فقد صح أنها تصير المعصية الموجودة في حكم المعدومة ويذهب بحكمها وهو أقتضاء العقاب لما دل على ذلك ممن العقل والسمع وهذا من قياس المساواة ويمكن أن يمنع التساوي فيقال العاصي لا بد أن يكون له طريق إلى التخلص من معصيته والخروج عن مقتضاها مع بقاء التكليف إلا فما الفائدة في بقائه مكلفاً ولا سبيل له إلى ذلك إلا بالتوبة وليس كذلك الحكم في المطيعفلا يصح أن يقال أنه لا بد أن يكون له طريق إلى الخروج عن ثواب طاعته وتلافي صدروها منه إذ لا وجه يقتضي ذلك ولا لبقاء التكليف دلالة عليه وأيضاً فقد دلت الأدلة السمعية على أسقاط التوبة للعقاب ولم يرد في هذا دليل سمعي.
قوله: (لأنها طاعة).
كلام مستقيم، إذ لو ندم على فعلها لمضرة لحقته أو منفعة فاتته أو غير ذلك لم يحسن القول بإسقاط الندم لثوابه.
قوله: (عند من تخير المساواة).
أجازها عقلاً لا سمعاً أبو هاشم وقاضي القضاة وأجازها مطلقاً عدة من فضلاء أهل البيت كزين العابدين والقاسم والمؤيد، ومن التابعين الشعبي ومن شيعة أهل البيت جعفر والشيخ الحسن الرصاص والفقيه حميد.
قوله: (لا يجوز أسقاطه بإسقاط العبد المستحق له).
كان القياس أن له أسقاطه فإنه مطلق التصرف فيما يرجع إليه كما أنه يسقط العوض الذي يستحقه على غيره بالأمر أو الأسقاط إلا أن يقال إن صحة الإسقاط هو باعتبار ............ المسقط عنه به فلما كان الله سبحانه لا ينتفع بإسقاط الثواب المستحق عليه ولا ندب إلى ذلك ولا يعلم المسقط الكمية ولا له المطالبة به لم يمتنع ألا يجعل لإسقاطه مع ذلك حكم والله سبحانه أعلم.
قوله: (وبهذين السببين يسقط العقاب).
يعني: الندم على المعصية لكونها معصية وإن يفعل طاعة يستحق عليها من الثواب ما يزيد على عقاب تلك المعصية أو يساويه عند من يجني المساواة إلا أنه لابد مع الندم من العزم كما سيأتي في ذكر التوبة.
قوله: (ويسقط بسبب ثالث ..) إلى آخره.
هذه إشارة إلى مسألة جواز العفو عن العاصي وهي من مسائل الخلاف ذهبت البصرية إلى أنه يجوز عقلاً أن يعفو الله عن العاصي.
وقال أبو القاسم وبشر بن المعتمر: بل لا يجوز من جهة العقل وهاهنا جهة من الخلاف أخرى وهي أنه يحسن من الله عقلاً أن يعفو عن عاصٍ دون عاصٍ ولا يشترك في حسن العفو أن يعم المستوين في العصيان هذا ما ذهب إليه البصرية وذهب أبو القاسم ومحمد بن شبيب إلى أن ذلك لا يحسن لأن محاباة الأختصاص بالأحسان لأحد المستويين في وجه حسن حياتهما به .................. إذا كان الأتصاص لمزية ولما كانت العرب يكره المحاباة ظن أبو القاسم أنهم يستنتجونها أستنتاجاً عقلياً وليس كذلك إنما ترى العرف أن التسوية مع أستواء المعطين أولى ولا مانع من أن يفعل الحكيم غير الأولى إذا كان حسناً كما في عقاب العاصين فإنه لا شك أن الأولى العفو، وأبو القاسم يخالف هذه القاعدة ويقول أنه لا يجوز من الله فعل غير الأولى ولا ترك ما فعله أولى وأنه بمثابة فعل القبيح وترك الواجب ولا وجه لذلك والعفو عن عاص دون عاص كالإحسان إلى شخص دون شخص ولا شك في حسنه وله سبحانه أن يتفضل على من يشاء بما شاء.
قوله: (لنا أنه حق الله تعالى ..) إلى آخره.
يقال: فيلزم أن يصح من المنعم إسقاط الشكر لأنه حق له ويجاب بأن المصنف قد أحترز عن هذا بقوله: (وإليه أستبقاؤه). والشكر ليس كذلك بل يكون نظير ........... قضاء الدين فإنه حق لصاحبه وإليه أستيفاؤه وقد قيل الواجبات المتعلقة بالغير منقسمة فما لم يجب إلا لكونه حقاً للغير كقضاء الدين ورد الوديعة سقط بإسقاط من هو له وما كان واجباً بنفسه لم يكن كذلك كشكر المنعم ومعرفة الله فإن الشكر إنما وجب لكونه أعترافاً بالنعمة الواصلة والمعرفة إنما وجبت لكونها لطفاً لا لكونها حقاً لله فلو جاز إسقاط الشكر لكان فيه جواز إنكار وقوع النعمة وإباحة ذلك ولو جاز إسقاط المعرفة لكان فيه إسقاط وجوب اللطف.
قوله: (بل هو أيضاً حق للمذموم).
كان الأولى أن يقول بل هو حق لكان أحد جتى المذموم نفسه يستحق الذم لنفسه لئلا يتوهم أنه لا يشارك المعصي فيه إلا العاصي المستحق له وحده.
قوله: (ويكون في حكم المغري على المعصية).
يعني بخلو الشهوة مع التجويز وعدم القطع بالعقوبة عليها.
قوله: (إن ظن نزول العقاب المستحق يكفي في التخويف ..) إلى آخره.
هو كلام حسن جيد وقد بالغ بعض المتأخرين فأدعى أنه لا بد من التجويز ولا يجوز القطع بالعقاب لأن مع القطع به يصير ملجي فلا بد من تجويز سقوطه بعفو أو توبة.
قوله: (وليس من حق الزجر أن يكون على أبلغ الوجوه وإلا وجب ألا يسقط بالتوبة).
يقال: إما أنه لا يجب أن يكون الزجر على أبلغ الوجوه فصحيح والألزام أن يجعل عقاب أصغر المعاصي أبلغ نوع من العذاب ونحو ذلك من المحالات وأما أستظهار المصنف بلزوم وجوب ألا يسقط بالتوبة فللقائل أن يقول ذلك أمر واجب فلا يلزم الإخلال به من أجل حصول المبالغة في الزجر ويجاب بأن المخالف في المسألة لا يقول بوجوب قبول التوبة لأنه يجعل وجوبها وجوب جود لا وجوباً تقتضيه الحكمة.
قوله: (لو تركنا ......... لما ..... ) إلى آخره.
كلام غير مستقيم لأنه يشعر بأنه إنما يستحق الذم لأجل لحوق العقاب به لكن سباق كلامه يقضي بأنه أراد لأجل أستحقاق العقاب وهو غير صحيح بل لأستحقاق الذم والتحقيق أنه إذا فعل المعصية أستحق أمرين الذم والعقاب وحسن من المستحق لكل منهما أتصاله إليه فالذم يستحقه كل أحد حتى المذموم والعقاب يستحقه الله سبحانه، وليس يلزم من سقوط أحدهما بإسقاط المستحق له سقوط الآخر ولا من مسامحة أحد المستحقين مسامحة الآخر.
فصل: في الإحباط والتكفير.
وهي خمسة فصول ذكرها المصنف في الأحباط والتكفير وما يستدعيانه ويتعلق بهما وكيفيتهما وقدم عليها ذكر حقيقتهما في الأصطلاح.
وأما حقيقتهما لغة: فالأحباط هو: الإهلاك وأصله تلف الحيوان بالحبط وهو أن يأكل الدابة فتكبر فينتفخ بطنها قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((........ مما ينبت الريح ما يقتل حبطاً أو بلم)). ثم أستعير كل ما يحصل به تلف غيره فلما كان سقوط الثواب بالعقاب بعد أستحقاقه يشبه تلفه بعد مصيره إلى مستحقه وحصوله سمي إحباطاً.
والتكفير لغة: التغطيةة فلما كان سقوط القعاب بالثواب كساتر له والحائل دونه شبهوا الثواب بالغطاء مكانه مغط للعقاب وساتر له عن أعين الناس، ولم يسموه إحباطاً هرباً عن تسميته بما يشعر بالهلاك والتلاف مع أنه السعادة العظيمة وجعلوا الإحباط أسماً لما هو أهل للتسمية به وأحق بذلك وهو عليه العقاب الذي هو أعظم الهلاك.
قوله: أذ كثره المعاصي كان الأولى أن يقول أو زيادة عقاب عصيانه وكذلك قوله: أو كثرة الطاات كان الأولى فيها أن يقول أو زيادة ثواب طاعته وأحسن من ذلك وأخصر أن يقال الأحباط سقوط الثواب بأمر ما والتكفير سقوط العقاب بأستحقاب الثواب أو سقوطه بأمر ما.
فصل:
قوله: ومتى جمع المكلف بين الطاعات والمعاصي فلا شبهه في تعذر أتصال الثواب والعقاب إليه).
وذلك لأن الثواب يستحق على سبيل الإعظام والعقاب يستحق على سبيل الإهانة وأستحالة تعظيم أحدنا لغيره مع أستخفافه به في حالة واحدة معلوم بالضرورة والأستحقاق يبنيى على صحة الأتصال.
قوله: (خلافاً لما يقوله بعض المرجئة).
أختصر المصنف حكاية الخلاف في هذه المسألة وينبغي أستيفاؤها ففيها أنواع من الخلاف وقد حررها للإمام المهدي عليه السلام وحققها تحقيقاً شافياً فحصل ذلك حتى قال ما لفظه: فصار المنكرون للأحباط والتكفير ثلاث فرق:
فرقة قطعت بحصول أثابه الفاسق ودوامها وحصول عقابه في الآخرة وأنقطاعه، وهذا هو قول الخالدي منا والرازي من المجبرة وغيرهما.
وفرقة قطعت بحصول الثواب الأخروي ودوامه للفاسق وأنه لا عقاب عليه رأساً وهذا قول مقاتل بن سليم وأصحابه.
وفرقة قطعت بحصول ثوابه في الآخرة ودوامه ووصول العقاب إليه في الدنيا فقط وهذا قول جماعة من أهل الحديث، وحكي أيضاً عن بعض منكري الأحباط والتكفير أنه من غلب ثوابه عقابه أستحق الثواب الأخروي الدائم والعقاب الدنيوي المنقطع، ومن غلب عقابه ثوابه أستحق العقاب الأخروي الدائم والثواب الدنيوي المنقطع، والذي ينسبه الأصحاب إلى أكثر المرجئة أنهم منعوا من إسقاط أحدهما بالآخر وذهبوا إلى أتصالهما جميعاً في الآخرة والمشهود عن عباد أنه يقول: لا يسقط الأقل بالأكثر. وذهب إلى أن عقاب المعصية لا يسقط أبداً إلا بالتوبة فمهما لم يتب لم يسقط عقابه بوجه من الوجوه وكذلك الثواب لا يصح عنده سقوطه بعد ثبوته وتحقيق مذهبه أن المستحق على المعصية نوعان:ـ
العقاب الأخروي وذلك حيث كانت معاصيه عالية لطاعاته.
النوع الثاني: التفرقة فقط وذلك حيث غلبت طاعاته معاصيه ومعناها أنه دون من خلصت طاعاته عن المعاصي في المرتبة ولمن خلصت طاعاته مرتبة عليه وكذلك المستحق على الطاعة نوعان:ـ
الثواب الأخروي وذلك لمن غلبت طاعاته معاصيه.
والنوع الثاني: التفرقة وذلك فيمن كانت معاصيه عالة على طاعاته فلا يستحق بطاعاته إلا التفرقة فقط وهي مرتبة ........ له على من خلصت معاصيه عن الطاعات، وقد ذكر المصنف ما يدل على المنع مما ذهب إليه المخالفون على جهة الأختصار وترك شيئاً مما يستدل به الأصحاب ومما يستدلون به ما يعلم قطعاً من أن أحدنا لو كسر لأخر رأس قلم ثم أنقذه من غرق أو نحوه فإن ذمة على كسر القلم بسيط بذلك وكذلك لو أهدى له قلماً أو نحوه ثم قبل بعض .......................... هذه العمى تسقط ما كان يستحقه من الشكرعلى تلك المنة اليسيرة وقد أورد الرازي وغيره على هذذه الأدلة سؤالات حاصلها يرجع إلى المنع مما ذكره الأصحاب ولها أجوبه نذكر في البسائئط ولم يذكر المصنف ما يدل على ما ذهبنا إليه من جهة السمع وهو من أقوى الأدلة في هذه المسألة ولعل الأعتماد عليه أولى كقوله تعالى: {الحسنات يذهبن السيئات}. وقوله: {ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}. وقوله: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}. وغيره هذه الآيات مما لا تنضبط لكثرته.
قوله: (وبهذا يفارق الثواث والعوض).
إشارة إلى ما يورده الخصم من الأعتراص بالعوض وكون مذهبنا فيه أنه لا بد أن يوصل إلى المعاقب ما يستحقه منه فبين الفرق بين العوض والثواب وهو أن هذه الوجوه المانعة من مجامعة الثواب للعقاب غير حاصلة فيه فإنه لايستحق على سبيل الإخلال ولا يشترط خلوصه عن كل شائب ولا يستحق على جهة الدوام وأيضاً فلا يتعدى إيصاله في الدنيا بخلاف الثواب كما مر فبان الفرق بينهما وهذا الأعتراض لا يرد على أبي علي لما ذهب إليه من أن العقاب يسقط العوض كما يسقط الثواب وقد تقدم تحقيق ذلك.
قوله: (شبههم ..) إلى آخره.
ذكر المصنف شبههم من جهة السمع ولم يذكر ما يوردونه من الشبه العقلية وقد أورد الرازي شبهاً عقلية متعددة وطول الكلام عليها وتممها على ما يعتاده في كتبه من محاولة تقويم الأود وتصحيح ما فسد فلا يشتغل بذكرها وذكر ما أجبنا به عنها لعدم الحاجة إليه والشبهة العقلية الشهيرة لأهل هذا المذهب أن قالوا: كل واحد من سببين الثواب والعقاب قد حصل في حق من صدرت عنه طاعة أو معصية فيجب حصولهما له على الجمع ووصولهما إليه.
والجواب: أن السبب وإن حصل فقد بينا ما يمنع عن مسببه والأسباب لا تقتضي إلى المسببات إلا مع عدم المانع وقد حصل الإتصال بنفس المعصية لا بعقابها والمعصية تبطل بمجرد الطاعة لا بثوابها.
قوله: (وقال ابن الأخشيد: بين الطاعة والعقاب).
هذا أيضاً مذذهب أبي القاسم وظاهر حكاية المصنف أنه لا مخاطبة إلا بين الطاعة والعقاب وليس كذلك بل التحقيق في هذا المذهب أن المخاطبة الفعل والمستحق فيقع بين أحد العملين وجزاء العمل الأجزاء إما بين الطاعة والعقاب وإما بين المعصية والثواب.
قوله: (وقال أبو هاشم والجمهور).
ممن ذهب إليه قاضي القضاة وهو رأي سائر المحقين فإنهم ذهبوا إلى أنه يقع بين الثواب والعقاب.
قيل: والتحقيق أنه بين أستحقاقهما لا بين أجزائهما وقد ذكر المصنف ما يدل على المختار ومما أستدل به عليه أن الأحباط والتكفير قد يقعان حيث لا فعل كترك الواجب وترك القبيح إلا أن أبا علي يجيب أن الترك عنده فعل وأستدل أيضاً بأن الأحباط والتكفير يتبعان القلة والكثرة وإنما يتصور ذلك في الثواب والعقاب لأنه قد يقع تقليل الأفعال من طاعة أو معصية أسقاط ما هو كبير ألا ترى أن أستحلال جرعة من خمر أو الفجور لحطة تبطل عمل طاعات مدة مائة سنة أو أكثر وكذلك التوبة في لحظة تسقط عقاب معاصي مائة سنة.
وأحتج أبا الأسلم أنهما يحسنان في وقت واحد بل لا بد في الوقت الواحد من أن يكون أحدهما حسناً والآخر قبيحاً ثم إن التخاي ليس مقتضية الحسن والقبح بل يتنافى الأستحقاقين.
وأحتج أيضاً بأن الثواب والعقاب لا نهاية لهما والإسقاط إنما يقع باعتبار القلة والكثرة ومع أتفاقهما في أنه لا نهاية لهما لا يتصور أن يكون أحدهما أقل أذ ما لا نهاية له لا ينقص عما لا نهاية له ولا يزيد عليه.
والجواب: أن المستحق ......... متناهٍ باعتبار كل وقت فإنا أجزاء معلومة تكون أقل من أجزاء الآخر وأكثر، وعدم التناهي إنما هو باعتبار الأوقات لا باعتبار الأجزاء.
وأجتح أيضاً بأن الثواب والعقاب معدومان فكيف يقع التساقط بينهما.
والجواب: أن التساقط في الحقيقة بين الأستحقاقين وهما أمران ثابتان معلومان ولو جعلناه بين أجزاء الثواب والعقاب المعدومة في تلك الحال فلا مانع من ذلك لأنه أمر معقول معناه إن أجزاء ما حبط يبطل أستحقاقها ويمتنع أيصالها فإنه لا يحسن من الله ما كان يحسن من أتصال العقاب أو لا يجب عليه ما كان واجباً من أتصال الثواب وليس الغرض أن هناك تأثيرات كتأثير المؤثرات وما يجري مجراها.
وأحتجت الأخشيدية: بأن المععلوم أنه لا يصح أجتماع المعصية وأستحقاق الثواب، فعلمنا أن التنافي بين الفعل والمستحق وأجبت بأنه قد يستحق الثواب مع المعصية إذا كانت صغيرة بل وكبيرة كمن رمى مؤمناً ثم بان حال الإصابة أو قبلها وقد حصل مقدم الإتصال على الوجه الممكن وهو أنه يسقط من الأكثر ما يقابل الأقل فحيث كان ثواب الطاعة أقل لم بعدم...........بل أسقط عنه ذلك ما يقابله من تلك المضار العظيمة وأي نفع أبلغ من ذلك وحيث كانت معصية أقل فقد أسقط عقابها ما يقابله من ثوابه وفاتت عليه منافع عظيمة ويالها من مضرة.
قوله: (وهي أعراض لا تصح عليها الإعادة).
فقال: ليس من لازم الأعراض ألا تصح أعادتها فمنها ما تصح أعادته، والجواب أنه لم يرد أن أمتناع أعادتها لكونها أعراضاً بل لأنها من مقدورات القدر ولا يصح أعادة شيء مما هذا حاله على ما تقدم.
قوله: (فصاحب الجنة ..) إلى آخره.
تحقيق هذا الوجه وهو المعول عليه أن المراد بقوله تعالى: {يره}. في الآيتين، أنه يرى جزاء ذلك ويوصل إليه ولا يتأخر عنه، فإذا كان من فريق السعداء ......... لجزاء ما عمله من المعاصي وما لاقاته لذلك وأتصاله إليه هو ما ناله به من نقصان ثوابه وفوات ما فات عليه من منافعه، وإن كان من فريق الأشقياء .......... لما عمل من الخير وأتصاله إليه هو بإسقاط ما أسقط عنه من عقابه وذهاب بعض من المضار الذي كان يستحقها وتأول جار الله الآية بأن المراد فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره من السعداء، ومن يعمل مثقال ذرة من فريق الأشقياء لأنه جاء بعد قوله: {تصدر الناس أشتاتاً}.
قوله: (وبعد فهب أنه عام ..)؟
يعني في كل من جاء بحسنة.
قوله: (فلفظ الحسنةة المذكورة شامل ..) إلى آخره.
هذا بناء على أن التعريف فيها للأستغراق والظاهر خلافه، وأن المقصود به تعريف الجنس إذ لا يستقيم أن يكون المراد من جاء بكل حسنة ولا يناسب ذلك السياق ولا يساعد عليه الذوق فلا يلتفت إلى هذا الوجه بل المعتمد بعد ما تقدمه.
قوله: (قالوا قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات.. ) إلى آخره.