الثاني: تأديته إلى إستواء مقادير ثواب الطاعات وأنه لا فرق بين أدناها وأعلاها إذ لا زيادة على ما يتناهى يمكن الإشارة إليها وقد تكلف المصنف وغيره في تصحيح ذلك ما وقعت الإشارة إليه بقوله: (والوجه في ذلك أن الصفة التي هي التعظيم.. إلى آخره)، وهو تعسف ويلزم عليه أن تصح الإبانة بقدر من المنافع من دون تعظيم بأن يكون فيها كثرة فبعضها هو القدر المستحق وبعضها يقابل التعظيم ومن قواعدهم المشهورة أنه لا بد من مقارنه التعظيم منافع الثواب وإن زيادة ........ لا يقوم مقامه ولا ينبغي أن يصغي إلى هذا الكلام إذن ولا أن يلتفت إليه فإنه كلام فاسد منهار القواعد خال عن الفوائد والقول الفصل والحق العدل أن الثواب يمتاز بمقارنة التعظيم والإستحقاق ويستحق منه قدر معلوم على قدر الطاعة وهو بمنزلة الأجرة في الشاهد فكما أن من أستعمل غيره في أمر شاق أو أستهلك منافع عين لغيره يجب عليه تعويضه بقدر قيمة تلك المنافع وأجرة مثله ولا يشترط أن يبلغ ذلك مبلغاً لا يحسن التفضل بمثله كذلك هاهنا فقد يكون للأجرة المستحقة ....... ويحسن من المستحقه هي على أن يتفضل على ذلك المستححق بقنطار وما أتي للأصحاب في هذا ونحوه إلا من التعسف والتكلف ولأقتراح وعن ذلك مندوحات ومخلص من عدة جهات والله الموفق.
قوله: (ولا شك أن الواحد ثواب والتسعة الثانية تفضل إلى أجره ذكر في اتهذيب ما يقتضي بمثل ذلك فإنه في في تفسير {وعشر أمثالها}: المراد أمثالها في كونها حسنة لا في الكثرة لأن هذه بعضها تفضل والتفضل لا يساوي الثواب في الكثرة عن أكثر الشيوخ. وقيل مثها في الكثرة ثم أختلفوا من وجه أخر، فقيل: واحد منها ثواب وتسعة تفضل. وقيل: العشرة كلها تفضل والثواب غيرها لأنه قال: {عشر أمثالها}. يريد الحسنة والثواب لا يقابل الحسنة لأنها طاعة شاقة وهو والتفضل من قبيل الملاذ فيجب أن يقدر عشر أمثال أجزائها أي ثوابها فيلزم أن تكون العشرة غير الثواب وللقائل أن يقول من أين لكم هذا؟ فإن الله سبحانه صرح بأن كل واحدة من العشر مثل فدل ذلك على أن العشر متماثلة لا تزيد واحدة منها على واحدة وقد ذهبت إلى أن الثواب لا بد أن يكون بالغاً في القدر مبلغاً عظيماً فهذا هو المبلغ المذكور أن الطاعة يستحق عليها عشر أمثالها وتكون العشرة كلها ثواب ........ لا أن الثواب واحد منها فقط وظاهر الآية يقضي بأن العشرة مستحقة مستوية ويمكن الجواب بأنه يمنع من ذلك أن الله سبحانه قد نص على أنه لا يستحق على الستة إلا مثلها والذي يستحق على السته إن لم يرد على ما يستحق على الطاعة لم ينقص منه بل قد نص محققوا العلماء على أن الذي يستحق على المعصية من أجزاء العقاب بالنظر إليها أكثر مما يستحق من أجزاء الثواب على الطاعة بالنظر إليها لأن طاعة المنعم بأصول النعم ليست في عظم الموقع معصيته ومقابلة أحسانه بعصيانه.
قال الزمخشري في منهاجه: معصية الله أعظم من طاعته لعظم إنعامه كما أن لطم ثلاثة أعظم من تقبيل رأسه أنتهى.
فإذا كان لا يستحق على السته إلا مثلها فكيف يستحق على الطاعة عشرة أمثالها ولأنه لا معنى للمماثلة بين الطاعة والجزاء إلا أنه قدر المستحق عليها أو لا يتصور المماثلة بينهما في الجنسية ولا غيرها سوء ما ذكر فلم يكن بد من القول بأن الزائد على القدر المستحق تفضل.
وأما قولهم: لا بد أن تكون منافع الواحد وهو المستحق أكثر من منافع التسعة فبعيد وغير سديد وكيف يعد أمثالاً له والحال هذه وتقليلهم بأن الثواب لا بد أن يمتاز عن التفضل ليس بواضح فإنه يمتاز بمقارنة التعظيم فالعشر أمثال في النفع والواحد الذي هو ثواب يمتاز بكونه مستحقاً ومقاربة التعظيم ولو كان أجزاء النفع المستحق ثواباً يمتاز عن التفضل بالكثرة لزم أن يستحق على أقل الطاعات من المنافع ما لا يتناهى لأنه ما من قدر من المنافع إلا ويجوز التفضل بمثله والله أعلم.
فصل:
قوله: (والذي يدل على أن العاصي يستحق العقاب.. إلى آخره).
اعلم أن جمهور المعتزلة يذهبون إلى أن أستحقاق العقاب يعلم عقلاً أو سمعاً، وأبو القاسم يوافقهم هنا فالعقل ما ذكره المصنف وغيره، والسمع يسميه الله العقاب جزاء كقوله: {ذلك جزيناهم ببغيهم }. فلو لا أستحقاقه لم يسم جزاء. وقوله: {وما ظلمناهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون}. ولولا الإستحقاق لكان العقاب أشد الظلم ولأن الله سبحانه وتعالى صرح في القرآن بأنه يعاقب العصاة وكرر ذلك في غير موضع وقد دلت البراهين القطعية على عدله وحكمته فيعلم من ذلك أن العقاب مستحق إذ لا وجه يقتضي حسنه إلا الإستحقاق فمن المعلوم أنه ضرر عظيم وأنه لا يقع فيه ولا دفع ضرر يقاربه ولا يدانيه فضلاً أن يزيد عليه أو يساويه فدل ذلك على أنه مستحق ولا يبعد أن يكون مثل هذا الإستدلال مركباً من العقل والسمع.
وقال السيد أبو القاسم المرتضى من العدلية: فالكراميه من المجبرة لا يعلم إستحقاق العقاب إلا بالسمع ولا مجال للعقل في ذلك.
قوله: (هو أن الله جعل العقل شاقاً علينا.. إلى آخره).
هذا الدليل ذكره أبو هاشم وتُوبِعَ عليه، وهو عندي في غاية الضعف، فإن مناسبة خلق شهوة القبيح فينا ونفرة للحسن وحصول الدواعي إلى القبيح والصوارف عن الحسن لعدم أستحقاق العقاب أكثر من مناسبتها لاستحقاقه فما أضعف هذا المسلك وهو يتقرر أن يقال أنت يا هذا العاصي تستحق العقوبة لأن الله خلق لك شهوة تدعوك إلى الفعل الذي تستحق العقاب عليه ففعته لأجل الشهوة المركبة فيك التي لا تقف على إختيارك ولا يكمل لك الإختبار معها فما أرك هذا القول وأسمجه وأكثر ما ........ أن يكون ذلك دليلاً على أن الله لا ب أن ينذره ويتوعده بأيصال العقاب إليه، وأما على نفس الإستحقاق فلا ولكن البرهان الساطع والدليل القاطع دليل السمع الصادر عن العدل الحكيم الذي لا يظلم العباد ولا يريد الفساد وهو الدليل المركب الذي قدمنا ذكره والإشارة إليه فلا تعدل عنه إلى هذا البرهان التي لا يفيد ولا يبلغك ما تريد ولا يبلغ بك إلى مرتبة الظن فضلاً عن العلم اليقين والله المعين.
قوله: (وبعد فقد أوجب علينا الطاعة.. إلى آخره).
هذا الدليل الثاني من جهة العقل على أستحقاق العقاب وهو الذي حرره قاضي القضاة وتبعه عليه الحاكم والسيد صاحب شرح الأصول وغيرهم.
قيل: والتحقيق أنه دليل مركب من العقل والسمع لأنه مبني على ورود للأمر بالطاعات وهو سمعي وعلى أن الله عدل حكيم فلولا أن المكلف يتخلص بفعل الواجب من ضرر عظيم لما حس منه .... هذا الإيجاب وهذا عقلي وهو عندي كالأول في الركة وناهيك بأنهم حكموا فيه بأن وجه حسن التكليف دفع ضرر العقاب والعقاب لا يستحق إلا بعد التكليف فجعلوا وجهه الحسن متأخراً ومن المعلوم أن وجوه الأفعال لا يؤثر فيها ما يتأخر عنها وهذه قاعدة من قواعدهم المشهورة المذكورة في غير موضع وإنما يتصور ذلك لو كان يصح أستحقاق العقاب قبل التكليف ومع عدمه فيقال وجه حسنه دفع ذلك الرر وقد أورده على الأسئلة الواردة على الدليل الثاني.
وبقوله: (فإن قال هلا كفى أستحقاق الذم.. إلى آخره).
وهو من الأسئلة الواردة على الدليل الأول وقد أستكملها الإمام المهدي رحمه الله في الغايات وبسطها وتكلف الجواب عنها ومع ما قدمناه من أستصحاف هذين الدليلين لا ينبغي الإشتغال بكثرة الأسئلة الواردة عليهما والأجوبة فإنما يشتغل بذلك مريد التصحيح ومتكلفه، ومن العجائب ما ذهب إليه قاضي القضاة من كون أستحقاق العقاب لا يصح أن يعلم إلا بالعقل ولا يصح الإستدلال بالسمع عليه وأسترجاح الإمام المهدي لذلك.
وقوله: (والمختار ما ذكره قاضي القضاة).
وعلل ذلك بتعليل بسط فيه وليس بشيء وحكي عن أبي رشيد أستدلاله بما قدمنا ذكره وهو الدليل المركب واعتماد بعض المتأخرين عليه وتربيعه للأدلة العقلية كما قدرناه سواء وهو الحق، وكان رقمنا لذلك وتقريرنا له قبل أن يطلع على أنا قد سبقنا إليه وإنما هو من قبيل نوادر النظار الموفقة المنورة. والحمد لله.
قوله: (فإن قال إنما يحسن إنزال الضرر لأجل التشفي).
هذا يرد على أصل المسألة وهو القول بأستحقاق العقاب لا على واحد من الدليلين المذكورين.
قوله: (لأنه نظير الذم ولأنه لو كان منقطعاً.. إلى آخره).
قد تقدم التنظير على مثل هذا في دليل دوام الثواب ومثله يرد هنا وزيادة بأن دوام العقاب الذي هو ضرر عظيم يفتقر القول به إلى الدليل القاطع والبرهان الساطع فإن الحظر في إدامته والقول بها أشد من الحظر في دوام الثواب والقول به إذ لا ظلم هناك يمكن تقديره، وأما العقاب فإن دوامه ما لم يثبت أستحقاقه بالدليل القطعي لا يحسن الإقدام عليه ولا على القول به ولا يعقل عما قدمناه من كون الأعتماد على دليل السمع فقد صرح الله سبحانه بأدامة العقاب وخلود أهل النار وأنهم لا يغيبون عنها فأرجع إليه وأعتمد عليه ورت على ذلك العلم بأستحقاقه فلولاه لما وقع من العدل الحكيم ولا يعتمد على هذه الأدلة المتكلفة التي إذا عرضتها على قوانين البراهين وحدتها عنها بمراحل وكيف يستدل على أن العقاب العظيم للأليم الذي يدهش الألباب ذكره فضلا عن الوقوع فيه يستحق دوامه أبد الأبدين ودهر الداهرين بأن المنقطع يسهل على كثير من الناس ولا ....... ما الوقوع في النار لحظة وطرفة عين يسهل على أحد وأما كونهم مع العلم بدوامه أبعد عن المعصية بصحيح لكن ذلك لا يقتضي أستحقاق الدوام كما أنه لا يقتضي أستحقاق عقاب الكفر على الفسق وعقاب الكبيرة على الصغيرة مع أنا نعلم أن العلم بذلك يقتضي كون العالم به أبعد عن مواقعة الفسق وأقتراف الصغيرة.
قوله: (ولمثل ذلك يجب أن يبلغ مبلغاً عظيماً.. إلى آخره).
فيه نظر فليس أقتضاء البعد عن المعصية يوجب أستحقاق ذلك كما قدمناه آنفاً إذن لأقتضىذلك أستحقاق ما لا نهاية له لأنه ما من قدر إلا والعلم بما هو أعظم منه أبلغ في كون العالم به أبعد عن المعصية وإنما الحق أن لكل معصية قدراً يستحق من العقاب عليها يحيط الله بعلمه ويوصله إلى مستحقه ليس لنا فيه مجال ولا مقال فلنقتصر حيث مبلغ علمنا والعلم علم الملك المتعال.
وقوله: (لتفارق الإمتحان).
يقال: هو تفارق بغير ذلك فإن الإمتحان وجه حسنه التحريض عليه واللطف فيه وعدم الإستحقاق وهذا مستحق لا نفع فيه ولا أعتبار لكن الإستحقاق مما يعلم أستحقاق العصاة له ومما صرح به القرآن لا لهذا الوجه المذكور.
قوله: (لمثل ما تقدم).
يقال: الذي تقدم خلوص الثواب عن كل تبعيض وفسقه لوجهه المذكور وليس هو الوجه في خلوص العقاب عما ذكر والذي يقضي به العقل أنه يحسن من الله سبحانه إيصال ما يستحقه العبد من أجزاء العقاب إليه وأنه يحسن منه مع ذلك الأحسان إليه كما قد صرحوا بأن العقل يقضي بحسن العقود وإنما الطريق إلى ذلك السمع ولا كلام إن ظواهره تقتضي بأن أهل النار لا ينالون رَوْحَاً ولا راحة ولا يجابون إلى ذلك مع سؤالهم له وهي ظواهر كثيرة شهيرة.
قوله: (وقال قوم: لا يستحق على الصغيرة).
هذا القول ينسب إلى جعفر بن ........).
اعلم أن مع القول بأن المعاصي تنقسم إلى كبيرة وصغيرة متعمدة لا ينبغي لقائل أن يقول بأن العقاب لا يستحق على ما هذا حاه كما نسب إلى جعفر مع جلالة قدره أنه لا يستحق العقاب على الصغائر ولا يجوز العقاب عليها ولو أنفردت حيث لا ........ عليها وأي وه يحسن هذا القول أو يلبس على صاحبه وإنما ذهب جعفر إلى ذلك بناء على قاعدة له وهي: إن كل عمد كبير وإن الصغير ما وقع سهواً فقط والساهي لا يستحق عقاباً رأساً وهذه القاعدة لو صحت لصح ما بناه عليها فلا ينبغي أن ينازع فيه بل ينقل الكلام إلى قاعدته التي بنى عليها.
فصل:
واستحقاق العقاب والثواب هو من حال الطاعة والمعصية.
قوله: (على معنى أن للمكلف الحكيم.. إلى آخره).
هذا من فروع القول بأستحقاق الثواب والعقاب من حال الطاعة والمعصية وهو مذهب البصرية وله فرع آخر هو محط الفائدة، فإن أتصال الثواب والعقاب في الدنيا لا يتهنا منه إلا اليسير، وذلك الفرع هو: أنه يستحق منذ فعله للطاعة والمعصية في كل وقت أجزاء معلومه منهما ويحسب له ما يجمع في دار الدنيا ولا ينقص منه شيء حتى يُوَفَّاه كاملاً في الآخرة فإذا فعل طاعة يستحق عليها في كل يوم مثلاً خمسة أجزاء من الثواب وعاش مأتي يوم فقد يوفر له ألف جزء فيوفى هذا القدر في الآخرة ثم تستمر له الخمسة، ولا يقال أنه يلزم أستمرار الألف وإلا وقع التبعيض في الجنة بقطع تلك الجملة لأنه إذا لم يصر إليه في الوقت الثاني إلا نصف عشر العشر مما كان قد أعطي في الوقت الأول فلا بد أن يعتم لذلك لأنا نقول إن سلم من الإعتمام وكان في معلوم الله أنه لا يعتم بمانع يمنع الإعتمام ويشغل عنه وإلا أوصل تلك الجملة مفرقة على وجه لا يلحق بإنقطاعها معه أعتمام، هذا ما تقتضيه قاعدة الأصحاب، وإليه ذهب أبو علي وصرح به.
وقال أبو هاشم: بل يجري له الله مثل تلك الجملة في كل وقت تفضلاً لئلا يقع التبعيض.
قيل: وهو باطل لأنه إن جعل هذا الذي يجري ثواباً صار واجباً وهو خلاف ما فرض وإن جعله تفضلاً فذلك يقتضي أن له أن يجريه وله أن لا يجريه، وأبو علي والجمهور لا يمنعون من ذلك.
قوله: (وأختلف القائلون بالموافاة هم بشر بن المعتمر وهشام العوطي ومن تابعهما).
ومعنى القول بالموافاة إن فاعل الطاعة والمعصية لا يحكم له بأنه قد أستحق الثواب والعقاب في الحال بل ينتظر وينظر في أمره فإن وافى الممات ولم يفعل ما يبطل به ثواب الطاعة وعقاب المعصية ثبت أستحقاقه لذلك وإن لم يقع منه موافاة الموت إلا وقد فعل ما يبطل ثوابه لو ثبت أستحقاقه أو عقابه أنكشف أنه لم يستحق ذلك ثم أختلفوا والمشهور في أختلافهم أن بعضهم يقول الموافاة شرط حقيقي في أقتضاء الطاعة للثواب والمعصية للعقاب فلا يثبت الإستحقاق إلا بعد حصول الشرط وهو الموافاة فإذا وافي ولم يتقدم منه ما يسقط ذلك ويبطله أستحق الأجزاء المعلومة من الثواب والعقاب من ححين الموت ولم يعتد بما تقدمه من الأوقات، وبعضهم يجعل الشرط العلم فإن علم الله أنه يوافي بالطاعة حتى أنه لا يصدر منه ما يبطلها أستحق الأجزاء المعلومة من الثواب من حال فعلها وإن علم منه خلاف ذلك لم يستحق عليها شيئاً وكذلك المعصية وقد أشار المصنف إلى هذه الجهة من الأختلاف، وحكي أختلافاً آخر وهو أنه هل المعتبر موافاة الموت أو موافاة القيامة، والفرق بينهما غير واضح لأنه لا حالة بعد الموت يمكن فيها إبطال الطاعة أو المعصية إلا أن يتمخل لذلك وجه يدق وهو أن يقال قد يمكن أن يقع بعد الموت وقبل القيامة ما يبطل الطاعة ويحبطها كمن رمى مسلماً ومات بعد الرمي وأصابه السهم بعد الموت فقتله وفيه تكلف فإن ذلك في حكم الواقع قبل الموت والسبب معصية متقدمة للموت ولعل القائلين بالموافاة لا يختلفون من هذه الحيثية وإنما أختلفت عبارتهم فقط فبعضهم بعبر بالموت وبعضهم بالقيامة يظن أنه لأختلاف في المعنى ولا أختلاف فيه وقد صرح بعض أصحابنا بالخلاف بين أهل الموافاة من هذه الجهة على كيفية حسنه وهو وهم أختلفوا هل يستحق الثواب والعقاب من وقت إنقطاع التكليف أو من وقت الإعادة أو من وقت القيامة، وقال بكل واحد من المذاهب المذكورة طائفة منهم لكن وأي وجه لمن يجعل الإستحقاق وقت
الإعادة أو القيامة مع أن المانع لا يتصور أن يكون إلا بقاء التكليف وكون المكل ممكناً من إبطال ما قد وقع منه من طاعة أو معصية فإذا أنقطع التكليف بالموت فقد زال المانع فما وجه التحكم في تأخير الإستحقاق لوقت الإعادة أو القيامة.
قوله: (إلى حال دخول الجنة والنار أولاً).
يعني فمن لا يعتبر الموافاة يقول بتوفير ما كان يستحقه في الأوقات الماضية على فعل الطاعة والمعصية إلى أن يموت ومن يعتبرها يقول لا يوفرها له مع الموافاة ما تقدمها إلا من قال منهم إن الأعتبار بالعلم بالموافاة لأنها نفسها.
فصل:
والذي لأجله أمتنع إيصاله ذلك في الدنيا وجوه.
اعلم أن مذهب المحققين أن الدنيا وقت لاستحقاق الثواب والعقاب منذ فعل الطاعة والمعصية كما تقدم ولا يصح كونها وقتاً للأتصال فلا يكون أتصال الثواب وتوفيره وأتصال العقاب إلا في الآخرة إلا اليسير حسبما نذكره بعد أو عذاب الإستئصال.
وقال أهل التناسخ: بل يستحقان ويقعان عقيب فعل الطاعة والمعصية ولا يجوز تقدم أستحقاقهما على وقوعهما ويجعلون تكليف الشاق والأمراض والعموم من العقوبات.
وقالت المرجئة: يجوز تعجيل الإستحقاق والوقوع وتأخيرهما جميعاً.
وقال أبو القاسم: يجوز تعجيل بعض الثواب واستحقاقه وبعض العقاب كذلك لا كله فلا بد أن يتأخر أستحقاق البعض ووقوعه إلى الآخرة هكذا قيل عنه.
قلت: وقاعدة أبي القاسم في جعله للثواب من قبيل التفضل وعدم إيجابه له وما يذهب إليه من أنه لا يشترط خلوصه عن كل منغص يقضي بإجازة إيصاله كله في الدنيا وتأخيره إلى الآخرة ........ لفظه الأستحقاق.
وقال أهل الموافاة: بتأخر الإستحقاق والوقوع فقيل إلى أنتظار التكليف وقيل إلى القيامة وقيل إلى الأعادة.
قوله: (لأمر يرجع إلى الحكمة).