قوله: (وقال أبو علي كيف ندم ويمدح إلى قوله وهل هذا إلا جبر).
تحقيق هذا الوجه على ما حرره في شرح الأصول أن مذهبكم هذا يضارع مذهب جهم حيث جوز أن تعاقب العمد على ما يتعلق به أصلاً بل حالكم أسوأ من حاله لأن أكبر ما جوزه أن تعاقب العمد على ما يتعلق به وأما ألا يكون هناك فعل ينصرف إليه أستحقاق الذم والعقاب فلا وأنتم جوزتم أن ندم وتعاقب وإن لم يكن هناك فعل ولا كف ولا أخذ ولا ترك ولا صغيرة ولا كبيرة وذلك أدخل في الجهالة من قول جهم.
قال السيد صاحب الشرح: وهل هذه الطريقة إلا طريقة التشنيع الذي لا يعجز عنه عاجز والفرق بيننا وبينه أنه جوز أن يعاقب المرء على ما لا يتعلق به ولا ............. البتة بل على ما لا يقدر عليه ولا يطيقه أصلاً وليس كذلك حالنا فإنا إنما جوزنا نادمه ومعاقبته على أحلاله بما وجب عليه بعد ما أعطى القدرة على ذلك وخلى بينه وبين فعله وألا يفعله وأزيحت علته فيه فكيف يشبه أحد المذهبين الآخر.
قوله: (وذلك مفقود هنا).
يعني لأن أستحقاق الذم ليس بصفة ومزية تأتيه للمستحق ........ له بعد إن لم يثبت مع كون الحال واحدة والشرط واحداً.
قوله: (قالوا بوصفين لم يرد الوديعة ..إلى آخره).
تحقيق تحرير هذه الشبهإن من لم يرد الوديعة أو لم يقض دينه يسمى ظالماً وعاصياً ومتعدياً إلى غير ذلك من الألاظ والإسامي المشتقة عن الأفعال فلو لا أن هناك أفعالاً أخذت ..... هذه الأسماء فاشتقت إلا لما صح ذلك، وتحقيق الجواب من وجوه:ـ
أحدها: ما ذكره المصنف.
وثانيها: أن هذا يوصل بالعبارة إلى إفساد ما قد ركبه الله في العقول حتى علم تأويلها.
وثالثها: أنهم يسمون من لم يرد الوديعة ظالماً مع القطع بعدم علمهم بفعل وجهوه التسمية إليه.
ورابعها: أن أهل اللغة قد يجرون لفظة الفعل على عدم الفعل الذي يقف وجوده على الأختيار كما يقولون لمن لم يطالب غريمه بالذين ولم يستوف منه القصاص أحسن في فعله ولمن لم يرد الوديعة ....... فعل.
قوله: (في التنبيه فإن كل فعل يشتغل به عن الواجب فإنه ترك له).
يعني ويكون قبيحاً لكون منع الواجب من وجوده وذلك كالبيع وصلاة الجمعة ونحوه.
وقوله: (ما لا يمكن الإنفكاك من الواجب المضيق إلا إليه).
هذه الصورة نادرة الوقوع ومثالها أن يكون المكلف في مكان وهو محاط عليه إلا من جهة واحدة فيكلف السكون ولا يمكنه الإحتراك إلا إلى تلك الجهة ومثال ماله تروك كثيرة أن يكلف السكون في مكان مع إمكان الإحتراك في كل جهة من الجهات لعدم المانع وكتكليفه بالصلاة مع إمكان التشاغل عنها بأكل وشرب واضطجاع وغيره ذلك.
قوله: (ولم يكن أيضاً هو واجباً مضيقاً ........ عن نحو الصلاة في آخر الوقت مع المطالبة برد الوديعة.
قوله: (وقيل يقبح كل واحد منها على الجمع).
يعني فكل ما أتى به منها أستح العقاب عليه.
قوله: (وقيل على البدل).
يعني فيكون القبيح منها ما وقع به التشاغل عن الواجب ومنع من فعله وما عداه فلا يحكم عليه بقبح ولا يستحق عليه عقاب وكلما تكشف أن المفعول المانع حكم بقبحه.
فائدة: يقتضي القياس على أصل .......... إن الذي لم يفعل الواجب واشتغل عنه بفعل يمنع عن وجوده يستحق العقاب من جهتين:ـ
أحدهما: كونه لم يفعل الواجب ويكون عقابه من هذه الجهة كاملاً لكمال جهة الإستحقاق وهي أن لم يفعل ويستحق عقاباً آخر على ذلك الفعل المحكوم عليه بالقبح لمنعه عن الواجب وإذا أخل بالواجب ولم يشتغل بففعل من جهة أن يمنع عنه أستحق العقاب من الجهة الأولى فقط، ونقل عن أبي هاشم في ذلك كلام مختلف فذكر تارة أنه إنما يستحق عقاب فعل الضد لأن الوجه الذي لأجله أستحق الذم على كونه لم يفعل الواجب قد حصل بالفعل فلم يستحق إلا عليه وذكر مرة أخرى أنه يستحق قدراً من الذم واحد .......... يستحقه على الوجهين جميعاً أخلاله بالواجب وفعله للقبيح لأن جهة الإستحقاق واحدة فالفعل إنما قبح لكونه ترك واجب والإخلال بالواجب جهة أستحقاق فلما كان وجه قبح القبيح هنا كونه متضمناً للإخلال بالواجب لم يستحق عليه أكثر مما يستحق على الإخلال بالواجب واستحق عليهما معاً تجريهما مجرى الشيء الواحد. قال الحاكم في شرح العيون: وهذا هو الذي أختاره الشيوخ.........
قيل: والوجهان متقاربان لأتفاقهما في أن المستحق عقاب واحد لا عقابان لكن علق في أحد الوجهين بالفعل فقط وفي أحدهما بالجهتين معاً.
قلت: (والذي ذكرناه أولاً هو مقتضى قواعدهم لأنهم إذا حكموا على ألا يفعل بأنه جهة في أستحقاق قدر بم ينضم إلى ذلك فعل الضد المحكوم عليه بالقبح فلا بد من أستحقاق العقاب على فعله لقبحه وإنضمامه إلى ألا يفعل لا يقتضى بطلان كونه جهة في إستحقاق ذلك القدر من العقاب والله سبحانه أعلم).
فصل:
والشرط في أستحقاق المدح والذم والثواب والعقاب علم المكلف بصفة ما أقدم عليه أو تركه أو يمكنه من العلم.
اعلم أن المصنفأقتصر على ذكر هذا الشرك بناء على ظهور ما سواه وعدم أحتياجه إلى الذكر إذ لا يجهل أحد أشتراك قبح الفعل في أستقاق الذم والعقاب واشتراط كون الفعل طاعة في أستحقاق المدح والثواب أو بنى على أن كون الفعل قبيحاً وكون الترك تركاً للواجب سبب في إستحقاق الذم والعقاب لا شرط وكذلك كون الفعل طاعة وكون الترك تركاً للقبيح والمكروه وقد صرح بذلك السيد في شرح الأصول، وأما الذي يذكره الأصحاب فحاصله أن الذم الذي يستحق على الفعل له شروط أربعة:ـ
أحدها: أن يكون الفعل قبيحاً.
ثانيها: ألا يكون ملجى إلى فعله.
ثالثها: ألا يكون له من المدح ما يزيد على ما يتحقه من الذم.
رابعها: أن يكون عالماً أو متمكناً من العلم يقبحه والعقاب المستحق على الفعل يشترط فيه ما ذكر وشرط آخر وهو أن يكون فاعله فعله لشهرة أو شبهة.
قالوا: والمراد بهذا الشرط الإحتراز من القبيح وقدر وقوعه من الحكيم ...... فإنه لا يستحق عقاباً عليه لعدم حصول هذا الشرط والمراد بما يفعل لشبهة العقائد الفاسدة والظنون القبيحة ونحو ما يفعله بعض المجوس من إلقائهم أنفسهم في النار لاعتقادهم التخلص بذلك من عالم الظلمة إلى عالم النور، وأن الذم الذي يستحق على الترك له شروط أربعة:ـ
أن يكون المتروك واجباً وعدم الالحاد.
وكونه لا مدح للتارك يزيد على ذمه.
وكون التارك لذلك الفعل عالماً بوجوبه أو ممكناً من العلم.
وهذه هي الشروط في إستحقاق العقاب مع كون ترك ذلك لشهوة أو شبهة.
قلت: (وهذا الشرط الخامس لا حاجة إليه لأن الكلام في شرائط أستحقاق المكلف لما ذكر ولذلك لم يذكر المصنف أشتراط عدم الإلجاء لأنه ينافي التكليف وكلامنا في المكلف ولم يذكر أشتراط الا يزيد ما يستحقه من المدح أو الثواب على ما يستحقه من الذم أو العقاب أستغناء عنه بما سيأتي في مسائل الإحباط والتكثير، وأما شرائط المدح والثواب على فعل الطاعة وترك المعصية نفسها على ما ذكر وهي أن يكون للفعل صفة زائدة على حسبه، وأن يكون المتروك قبيحاً أو مكروهاً ........... الألجاء وكونه لا يستحق ما يزيد على المدح ولا عقاب يزيد على ثوابه، وأن يكون فعله للطاعة لأجل كونا طاعة وتركه للقبيح والمكروه لأجل كونه كذلك، ولا شك أن المصنف أختصر الكلام في هذا الفصل أختصاراً مخلاً.
فصل:
قوله: (والدليل على أستحقاق الثواب على الطاعة وترك المعصية..إلخ).
اعلم أولاً أن القول بأستحقاق الثواب على ما ذكروا وجوبه على الله تعالى هو قول البصريين من المعتزلة، وقال الشيخ أبو القاسم أنه غير مستحق ولا واجب، قال: وإذا قلنا بوجوبه فالمعنى أنه وجوب جود وتفضل بمعنى أن جوده وكرمه يقضي بأن ينعم به تعالى لأنه حق للمثاب عليه وظاهره أنه خلاف في الحقيقة، والمعنى وأنه يقول لو أحل الله بذلك لم يستحق بعدما وأنه لو يستحق الطاعة لما له من سابق النعم. وقيل بل خلاف لفظي لموافقته في أنه لا بد أن يفعل وإنما منع من أجر العبادة بالوجوب على الله، وأما المجبرة فخلافهم ظاهر من وجهين:ـ
أحدهما: أنهم لا يوجبون على الله واجباً ويرفعون القاعدة العقلية في ذلك.
والثاني: أنهم ينسبون الأفعال إلى الله فكيف يستحق الثواب عليه والفعل فعله فهذه جهة من الأختلاف.
الجهة الثانية: أختلف في دليل ذلك هل هو عقلي وسمعي أم سمعي فقط فقالت المعتزلة جميعاً يستدل على ذلك بالعقل كما ذكره المصنف وبالسمع وهو تسمية الله للثواب جزاء وأجراً لقوله:{........ بما كانوا يعمملون ويوفيهم أجورهم}. ونحو ذلك، ومثل هذا يقضي بأنه كالدين إذ لا يعبر بالوفاء إلا عما هو مستحق ولا يسمى التفضل وفاء ويقضي بأنه شيء قد علم قدره كالأجرة المعلومة وتسميته جزاء دليل واضح على كونه مستحقاً إذ لا يسمى التفضل جزاء والخلاف في هذه الجهة للمجبرة فإنهم ينفون دلالة العقل بناء على قواعدهم فأما المجبرة فالكلام بيننا وبينهم في القواعد التي بنوا عليها.
وأما أبو القاسم فيقال له: إن من أنعم على غيره ثم أمكنه أستخدامه على وجه لا يلحقه به مشقة فإنه يقبح منه أن يعدل إلى أستخدامه على الوجه الشاق لأجل النعم السابقة إذ هو بمنزلة من أنعم على غيره بألف دينار ثم جعل يضربه ضرباً عنيفاً لمكان ذلك الإحسان وكذلك من أنعم على غيره نعمة ثم أنه كلفه لأجل ذلك الإشتغال بمدحه والثناء عليه من دون وجه سواء ما سبق له من النعمة قاصداً الأحسان ولأنه لو كان التكليف لأجل النعم السابقة لزم ألا يختلف تكليف المكلفين بها إلا لأجل أختلافهم في النعم ونحن نجد في المكلفين من تكليفه أشق والإنعام عليه أقل ولأنه لا يقع لله في تكليفنا فيلزمنا أياه لأجل إنعامه علينا ....... في نفي التحسين والتقبيح العقليين ويقولون لا طريق إلى أستحقاق الثواب إلا السمع إذ الإستحقاق مقتضيه وعده تعالى به لا لأجل العمل هكذا قدر الخلاف من هذه الجهة بعض المتأخرين بهذا.
قلت: وفيه نظر من وجهين:ـ
أحدهما: يشبه القول بدلالة العقل والسمع هنا إلى جميع المعتزلة ودعوى أتفاقهم عيه مع خلاف أبي القاسم المتقدم فإنه لا يقول بالإستحقاق فضلاً أن ييقضي بدلالة العقل عليه.
الثاني: أنه لا معنى لتشبه القول بالإستحقاق سمعاً فقط إلى المجبرة فإنهم ينفونه عقلاً وسمعاً وإنما يبنون بالسمع أتصال الثواب الموعود به لا أستحقاقه فقواعدهم تأباه فليتأمل.
قوله: (أو يزيل الشهوة النفار).
يعني يزيل شهوة القبيح والنفرة عن الحسن أو تحولهما فيجعل النفرة متعلقة بالقبيح والشهوة متعلقة بالحسن.
قوله: (يجري مجرى إنزال المشقة).
يعني فكما أنه لا يحسن أن ينزل بنا مشقة لا ليقع ولا أستحقاق لا يحسن أن يلزمنا فعلاً شاقاً لا ليقع ولا أستحقاق مع إمكان أن يجعل فعل ما أمرنا به وترك ما نهانا عنه غير شاق.
قوله: (ولأن التكليف يقتضي وجوب يقع من جهة المكلف والتفضل لا يجب فيه نظر لأنه أحتجاج بنفس المذهب أو أتكال على ما سبق ورجوع إليه).
قوله: (فإن قال هلا كان له أن يلزمنا المشاق.. إلى آخره).
إشارة إلى ما ذهب إليه أبو القاسم وخروج إلى ذكر ما يبطل به قوله في ذلك وقد قدمنا ما يبطل قوله على جهة الإستقلال وهو قريب مما ذكره المصنف ههنا ضمناً لجواب هذا السؤال.
قوله: وتجري هذه العبادات مجرى الشكر لها لم يجعلها شكراً حقيقياً لأنها لا تخلوا عن مخالفة للشكر على ما قرر في غير هذا الموضع.
قوله: (وبعد فحسن التكليف مشروط بأصول النعم إلى آخره).
كلام غير واضح فليس أشتراط أصول النعم في حسن التكليف يدفع أن يكون ما كلف به ساقطاً ثوابه لأجل تلك النعم هي وغيرها ولا يمنع من ذلك بل ......... فإنه يقال لولا حصول تلك النعم التي يتوجه لأجلها على العبد تلك الطاعات لما حسن من الحكم إلزامه أياها ألا ترى أن الشكر لا يحسن إلا مع تقدم النعمة التي يشتد عنه فحسبه مشروط بحصولها ولا يمنع ذلك من أن يكون في مقابلها ومن كون المنعم لا يجب عليه للشاكر ثواب فجزاء غير ما تقدم منه من الإنعام عليه.
قوله: (وبعد فهذا يؤدي إلى أن يسقط وجوب شكر نعمة الله علينا.. إلى آخره).
يقال: إن الشكر من جملة الواجبات المستحقة لأجل نعمة الله فلما كانت نعمة الله جليلة القدر..... الحصر وجب على الواحد منا في مقابلتها واجبات الشكر باللسان أحدها فلا معنى لإلزام سقوطه.
قوله: (بل كان يلزم ألا تبقى علينا له نعمة).
غير سديد فليس مقابلتنا للنعمة بما يجب لأجلها من الشكر وما يجري مجراه يلزم منه أنتفاؤها ومصيرها في حكم العدم بل يلزم منه قيامنا بحقها وحسن المقابلة لها بما يستدعيه وسقوط الواجب عنا في ذلك.
قوله: (فإن قال هلا كفى أستحقاق المدح على الطاعة إلى آخره قد نسب القول بذلك إلى بعض الفلاسفة الإسلاميين فذكر أنهم يذهبون إلى أن المدح وما يقع من السرور كان في حسن التكليف بالمشاق.
قوله: (فإنا رأينا العرب يبذلون الرغائب).
((جمع رغيبه والرغيبة العطاء الكثير. ذكره الجوهري)) وتلخيص ذلك أن يقال المعلوم أنه قد يلتذ بالمدح أعظم الألتذاذ بالطعام والشراب ويجد الناس يتحملون المشاق العظيمة في طلب المدح ويبذلون المهج ونفائس الأموال في ذلك.
قوله: (لم يقع به اعتداد).
فيه نظر فإن المعلوم أنهم قد يعتدون بالمدح وإن لم ينضم إليه نفع.
قوله: (لإعتقاد النفع).
فيه نظر فإنهم يبذلون ما ذكر للألتذاذ بالمدح نفيه لا لأعتقاد عود نفع منه.
قوله: (يستحق عليه لو لم يكن شاقاً).
تحقيق هذا الوجه أن المدح والثناء قد يستحق على ما ليس بشاق كما يستحقه الله على النعم أو لا مشقة في حقه، وكذلك رد أحدنا الوديعة من غير مشقة فلا يجعل الواجبات شاقة علينا فلولا أن في مقابلة المشقة ما لا يحس ألا لأجلها وهو الثواب كان جعل الواجبات شاقة عبثاً وظلماً وهو تعالى عدل حكيم لا يظلم أحداً.
قوله: (وأما السرور.. إلى آخره).
رد لما نسب إلى الفلاسفة على ما ذكرناه وإن لم نذكره في المتن.
قوله: (فلا يصح أن يجعل ي مقابله الشاق).
تلخيص ذلك أن يقال ما تريدون بالسرور هل السرور الحاصل بالمدح فهو تابع له وفي حكمه وقد بينا أن المدح لا يستقل وجهاً في حسن التكليف لإمكان حصوله ووصوله من غير إلزام الشاق، وإن أردتم السرور لا بالمدح بل السرور المطلق وأنه يحصل بفعل الطاعة فالسرور على ما نذكر علم الحي أو ظنه أو أعتقاده بحصول يقع له أو دفع ضرر عنه في المستقبل ولا يصح أن يستقل ذلك وجهاً في حسن إلزام الشاق أما الظن والأعتقاد فلأنه لا يقع بهما أعتداد من الجائز عدم مطابقتهما، وأما العلم فإن كان علما بحصول يقع فليس إلا الثواب وهو الذي يقول وإن كان علما بدفع ضرر وهو العقاب فدفع هذه المضرة كان ممكناً مع عدم إلزام الشاق، فإن سلبنا شهوة القبيح ............ شهوة الحسن.
قوله: (ودليله أن الثواب نظير المدح.. إلى آخره).
هذا الدليل فيه ضعف كما ترى وليس كون الثواب مستحقاً على الطاعة كالمدح يلزم منه تساويهما في الإستمرار والدوام كما لا يلزم منه تساويهما في غير ذلك فالمعتمد في دوامه دليل السمع فإن القرآن فيه تصريح بذلك وتأكيد له وكذلك السنة النبوية والأخبار الصحيحة المروية.
قوله: (لأدى ذلك إلى التبعيص فيه ضعف أيضاً ويمكن أن يقال التبعيضينتفي بعلم الإستمرار ولو تفضلاً وليس تأدية قطع الثواب إلى التبعيض يكون سبباً في وجوب دوامه إذا لم يكن واجباً من الأصل بل إذا لم يكن واجباً من أصله لم يقع مبالاة بالتبعيض بعد إيفاء الواجب.
قوله: (لكان أعلى حالاً).
فيه نظر بل اللازم أن يكونا مستويين في جواز قطعهما وفي جواز إستمرارهما تفضلاً لا وجوباً ولا مانع من أستواء الثواب والتفضل في ذلك مع أمتياز الثواب بمقارنة التعظيم وغيره من المزايا.
قوله: (ولقبح التكليف لأجل الثواب).
كلام لا طائل تحته فليس تقدير إنقطاع الثواب مع عظمة وسعته ومقارنة التعظيم له وكونه لا ينال إلا بالتكليف يقتضي قبح التكليف لأجله.
قوله: (ولأخبار العقلاء التفضيل الدائم .. إلى آخره).
كلام ركيك ولا يتقرر إلا لو كان من لم ....... ثواباً منقطعاً تفضل عليه تفضلاً دائماً ولا قائل بذلك.
قوله: (وأيضاً فإذا كان لا يمكن تقديره بوقت دون وقت.. إلى آخره).
هذا خطل من القول ويقال عليه ما تريد هل لا يمكنا نحن تصحيح لكن ليس ذلك يستلزم عدم إمكان التقدير من المثبت القدير العالم بالمقادير أو لا يمكن ........ فغير مسلم وصار الحال في ذلك كالحال في كمية أجزاء الثواب فإنه لا يمكنا معرفة مقدارها والباري يعلم ذلك ولا يصح أن يقال إذا كان لا يمكن تقدير أحوالها بقدر دون قدر فوجب ألا يتناهى.
قوله: (ومن هنا زال التكليف عن المثابين وصاروا ملجئين).
يعنيلكون التكليف يستلزم المشقة والتبعيض وإذا زال لا بد من أن يكونوا في حكم الملجئين حيث لم يقابل دواعيهم إلى الحسن صارت عنه ولا صواب فهم عن القبيح داع إليه وليس ثم ........ حقيقي فكان ينبغي أن يقول في حكم الملجئين.
قوله: (ومنها أن يكون بالغالي الندر مبلغاً عظيماً لا يحسن الإبتداء بمثله في المقدار لتفارق التفضل).
وقوله: (فلا بد أن يكون منافع الجزء الواحد أكبر من منافع التفضل بالغة ما بلغت).
هكذا قال أبو هاشم ورجع إليه أبو علي وأطلقه المتكلمون وهو عندي من الغلطات العظيمة وحاصله ومؤداه يقتضي أن يكون ثواب أقل جز من الطاعة وأدنى ما يكون من القربة بالغاً في الكثرة حداً لا يتناهى إذا ما من قدر ينتهي إليه إلا ويجوز التفضل بمثله لا محالة فإن التفضل لأحد له ينتهي إليه ويحكم على ما بعده بالقبح بل من المعلوم أن أراد زيادة التفضيل زيادة في الفضل والإحسان فتؤدي هذه المقالة إلى محذورين:ـ
أحدهما: أنه يجب أن يبلغ ثواب كل طاعة وإن قلت ودقت ما لا يتناهى واستحقاق ما لا يتناهى في الوقت المنحصر محال لأن حصوله وإيصاله كذلك محال.