هو كما ذكره مع التسلية يقع بذلك تثبيت لهم وتسكين لدهشتهم وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}.
قوله: (فذلك يأتي على وجوه:
منها: أن يرد بلفظ الأول إلى قوله.
ومنها: أن يكون المعنى بغير لفظ الأول).
فيه نظر لأنه قسم التكرار بإعادة اللفظ تعينه إلى أقسام:ـ
أحدها: هو تعينه وهو قوله: منها: أن يرد بلفظ الأول.
والثاني: غيره وهو قوله: منها: أن يكون المعنى بغير لفظ الأول.
والثالث: هو نفسه لكن مع تبنيه على موجب الإعادة.
والرابع: كذلك وهذا تقسيم فاسد وكان اللائق أن يقول: وأما التكرار في غير القصص فقد يكون بإعادة المعنى بلفظ غير الأول وهو حسن عند أهل الفصاحة وقد يكون بإعادة نفس اللفظ إما لكذا أو لكذا.
قوله: (أتساعاً وتأكيداً وتفحيماً للسان).
يعني: أتساعاً في الكلام وتأكيداً للمعنى المراد وتفحيماً لذلك السان الذي سبق له الحديث.
قوله: (فإن البلاغة لا تظهر في اللفظ الواحد).
قصد: اللفظ المفرد فصحيح لكن نحو أمرك بالوفاء ليس كذلك بل هو كلام تام وإن قصدنا باللفظ الواحد الجملة الواحدة الكاملة فلا نسلم ما ذكره بل تظهر البلاغة فيها ولعله أراد لا تظهر كل الظهور ولا تتضح كل الإيضاح.
قوله: (ومن هذا القبيل قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}).
فهو كما ذكره قال ابن قتيبة: لما عدد الله في هذه السور نعماءه وأذكر عبادة آلاءه ونبههم على قدرته جعل بين كل نعمتين فبأي آلاء ربكما تكذبان ليفهم النعم وتقررهم بها كما يقول الرجل لم أسكنك منزلاً أفتنكر هذا ألم أعطك مالاً أفتنكر هذا لم أنصرك على عدوك أفتنكر هذا.
قوله: (ومنها: أيضاً ما يرد على منوال الرجز نحو: {ويل يومئذ للمكذبين}. المنوال الخشب الذي تلف عليه الحائك الثوب ويقال للقوم إذا أستوت أخلاقهم على منوال واحد ورقوا على منوال واحد أي رسق واحد.
وقد قيل: أن قوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} على تكراره أراد به المذكبين بيوم الفصل فيكون تكرار فائدته توكيد الوعيد والتخويف.
وقيل: يرجع في كل آية إلى ما قبله ففي الأولى أراد المكذبين بيوم الفصل وفي الثانية أراد المكذبين بأهلاك الأولين وعلى هذا فقس وحينئذ فلا يكون تكراراً.
فصل
وأما الكلام على الطاغين بدعوى الكذب فيه والفساد
قوله: (المراد الإسلام اللغوي).
يعني: وهو الإستسلام لأمره وعدم الإمتناع عن حكمه وهذا يبقى اللفظ على عمومه ومن المفسرين من حمله على المعنى الشرعي وقال: طوعاً بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه وكرهاً بالسيف وبمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني أسرائيل وإدراك الغرق لفرعون والأشفا على الموت {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده}.
قال مولانا عليه السلام: وعلى هذا التفسير لأن أستعمال اللفظ العام في بعض مدلولاته أمر سائغ وشائع واسع في اللغة ويعتمد في المقصود على القرينة.
قوله: (والإسلام السرعي لا يكون كرهاً).
يقال: ليس وقوعه كرهاً منع من تسميته إسلاماً وإنما يعتبر عدم الإكراه في كونه مقبولاً مرضياً.
قوله: (ومنها: قوله: {وكذلك زينا..} إلى آخره.
هذه من شبههم في دعوى الفساد فيه لكن يقال وما معنى دلالتها على أن القرآن فيه فساد إن كان المراد أنها تدل على أن الله يزين للعباد أعمالهم القبيحة فليس هذا فساداً في القرآن بل دليلاً على أن الله تعالى يفعل ما يقع به الفساد من التزيين ولعل مرادهم أن ذكر مثل هذا في القرآن يقع به فساد لأن العصاة إذا سمعوه أستأنسوا به وأنشرحت قلوبهم بفهم تزيين الله أعمالهم.
قوله: (المراد عملهم الذي أمرهم به هذا أحدنا وتلاتها.
وقيل: المعنى خليناهم وشأنهم ولم يكفيهم حتى حسن عندهم سوء عملهم أو يكون المعنى أمهلنا الشيطان حتى زين لهم عملهم.
قوله: (والجواب أن التسبيح يستعمل..) إلى آخره.
هذا كلام المحققين أن التسبيح في الآية مجازاً يراد به التنزيه بلسان الحال وشهادة الاستدلال.
قالوا: ولا يحمل على المقال لأنه لا يصح من غير حي ولو جوزنا في غير الحي أن يكون قادراً عالماً متكلماً لم نجد دليلاً على أن الله حي.
قال الرازي: وهذا كفر.
وقيل: بل تسبيح قولاً وهو باق مستمر.
وقيل: كانت الجمادات أول ما خلقها الله ناطقة مسبحة.
عن وهب: ما من شيء إلا وقد كان يسبح الله ثلاثمائة سنة.
وقال ابن الجوزي: أختلف في تسبيح غير العقلاء من قال أنه نطق.
فقال إبراهيم النخعي: هو عام في كل شيء حتى الثوب والطعام وصرير الباب.
وقال عكرمة: هو عام في كل نام من شجر ونبات الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح.
وقال قوم: كل شيء لم يغير عن حاله فهو يسبح فإذا غير أنقطع تسبيحه.
قوله: (أي يخضع ولا يمتنع عما يفعل).
في هذا أحد القولين وهو أن المراد أن كل من في السموات والأرض تنقاد وتخضع لما أراده الله فيه ولا يقدر أن يمتنع ومعنى طوعاً وكرهاً على هذا أن بعض ما يريد الله إحداثه قد يكون مما يمثل إليه طبعه ..... وقد يكون مما ينفر عنه كالمرض والموت والهرم مع عدم القدرة على المدافعة.
القول الثاني: أن المراد وضع الجهد على الأرض وعلى هذا ففي من قولان:ـ
أحدهما: أنه عموم يراد به الخصوص فبعض الساجدين يسجد طوعاً وهم المؤمنون من الملائكة وغيرهم وبعضهم يسجد كرهاً وهم المنافقون.
وثانيهما: أنه على عمومه وفيه وجهان:ـ
الأول: أنه خبر في معنى الأمر بمعنى أنه يجب على كل من في السموات وألأرض أن يسجد لله طائعاً أو كارهاً وهو حيث يشق عليه السجود لمرض أو أمر شاغل.
والثاني: أن المراد أن في خلق من في السموات والأرض وتصويرهم ما يدل على وجوب السجود لله طوعاً وكرهاً.
قوله: (في البيت:
يجمع تصل البلق في حجراته ترى الآكم فيها سجد للحوافر).
أراد بالجمع ...... والبلق نوع من جنس الخيل قال في الصبا البلق كل لون خالطه بياض ويصل بفتح الباء الفوقانية المثناة وكسر الصاد المهملة وتضعيف اللام ومعنى الصليل صوت لأجواف الخيل عند العطش والحجرات جمع حجرة وأصلها حظيرة الإبل وحجرة الدار معروفة والآكم أصله الأكم بضم الكاف مخفف وهو جمع اكام واكام جمع اكم واكم جمع اكمه وهو معروفة.
قوله: (قالوا: فكيف يجوز في الحكيم أن يفعل هذا القبائح).
أعلم: أنه لا ينبغي أن تورد مثل هذه الآيات في معرض الطعن في القرآن وإنما ينبغي إيرادها في عرض الطعن في العدل والحكمة كما مضى.
قوله: (قالوا: فأقسم الله بالأشياء الخسيسة).
كان الأحسن أن يقول فتضمن القرآن القسم بهذه الأشياء لأن ذلك في معرض القدح فيه ودعوا انطوائه على الفساد.
قوله: (قد يكون لتحقيق الأمر المخلوف عليه).
يعني: وإن لم يكن المقسم به عظيماً عند المفسم من هذا القبيل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أفلع وأبيه إن صدق)). لمن سأله عن الفرائض فلما علمه إياها أقسم لا زاد عليها ولا نقص فما قصد صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا تأكيد الخبر وتحقيقه لا تعظيم أبيه فإنه كان كافراً.
قوله: (وليس شيء من خلق الله بخسيس)
ليس على عمومه فإن أشياء من المخلوقات تلحقها الخسة إما بأصل الخلقة كالكلب والخنزير ونحوهما وأما لأمر مكتسب كالكافر ونحوه لكن أما التين والزيتون فقد قال جار الله: أقسم الله بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة.
وروي أنه أهدي للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: ((كلوا فلو قلت أن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه)). ومر معاذ بشجرة الزيتون وأخذ منها قضيباً فأستاك به وقال سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة)).
قوله: (فيقال: أنتم فعلتم أي آباؤكم).
من هذا القبيل قوله تعالى: {قل قد جأكم رسل من قبلي بالبينان} وبالذي قلتم فلم قبلتموهم فإن القائلين والذين خانهم الرسل هم آباؤهم لا هم وإذا أجمل قوله تعالى: {خلقناكم ثم صورناكم}، ثم قلنا للملائكة على ظاهره فالمعنى ثم أنا نخبركم أنا قلنا للملائكة.
قوله: (فقد قيل: أن ثم هنا بمعنى الواو).
هذا لا يوجه به الكلام إلا من ضاق عطنه وأتيان ثم بمعنى الواو غير مشهور وقوله: {ثم الله شهيد} توجه بأن المراد مقتضى الشهادة وهو العقاب وهو متأخر عن مرجعهم إليه أو يراد ثم الله مؤد شهادته.
قوله: (ومنها: أن الله جعل القرآن بعضه محكماً وبعضه متشابهاً).
المحكم ما أحكمت عبارته بأن حيطت من الاحتمال والاشتباه.
وقيل: ما وافق الدليل القاطع والمتشابه ما خالفه مثال المحكم: {لا تدركه الأبصار}، {ليس كمثله شيء}، {إن الله لا يأمر بالفحشاء}. ومثال المتشابه: {إلى ربها ناظرة}، {الرحمن على العرش أستوى}، {وأمرنا مترفيها ففسقوا فيها}. ولقد أحسن المصنف فيما أتى به من الوجوه المقتضية لحسن ورود المتشابه في القرآن.
قال جار الله: ولما في تقادح العلماء وأتعابهم القرائح واستخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله ولأن المؤمن المعتقد ألا مناقضة في كلام الله ولا أختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد فكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه وبين مطابقة المتشابه المحكم أزداد طمأنينة إلى معتقده وقوة في إيفائه.
قوله: (من التجوز والاستعارة والتشبيه والكتابة).
يعني: لأن الذي يعرض من التشابة بسبب سلوك هذه المسالك ولو أتى بالكلام على حقيقته لم يعرض فيه أشتباه وعدة للتشبيه من الأسباب في التشابه فيه نظر لأنه من قبيل أستعمال الحقائق لا المجازات مثال التشبيه: زيد كالأسد. والاستعارة مبنية عليه لكنها من قبيل المجاز وهي أن يطوى ذكر المشبه ووجه التشبيه وأداته وتقتصر على الإتيان بالمشبه به نحو: رأيت أسداً وأنت تريد الرجل الشجاع والتجوز ظاهر وهو الإتيان بالمجاز والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له والكناية التعبير عن الشيء بلوازمه كقولهم في الكناية: طويل نجاد السيف، وعن الكريم: كثير رماد القدر.
قوله: (والملاحة يقال: ملح الشيء بملح).
ملحاً وملاحة وملوحة أي حسن فهو مليح ومُلاح بالتخفيف.
قوله: {لأنه بالإشتباه يحتمل أكثر من معنى واحد).
هذا يتفق في بعض المتشابه أنه يحتمل معاني متعددة أو معنيين كقوله تعالى: {إلى ربها ناظرة}. فإنه يحتمل نظر العين ويكون المعنى إلى ثوابه ونظر الانتظار.
القول في سائر معجزاته صلى اللّه عليه وآله وسلم
قوله: (وقد روى الحاكم له ألف معجزة).
قيل (ي): وذكر محمود بن الملاحمي والإمام يحيى عليه السلام: أن له صلى اللّه عليه وآله وسلم ثلاثة آلف معجزة وأرادوا بذلك ما ظهره له وعلى يديه من حد الطفولة بل من حال الحمل به ثم إلى أن بُعث ثم إلى أن توفي.
قوله: (وأعلم أن أكثرها متواتر ضروري..) إلى آخره.
هذا ما ذهب إليه الشيخ أبو القاسم البلخي فإنه ذهب إلى تواتر كثير من المعجزات غير القرآن كمجيء الشجرة بحد الأرض وتسبيح الحصا في كفه وانفجار الماء وحنين الجذع وإشباع الخلق الكثير من الطعام اليسير وكلام الذراع المسموم وكلام الذئب ورد الشمس عن غروبها لما خشي فوت صلاة العصر وحديث الإستسقاء والمعراج والأخبار بالغيوب وإنقضاض الكواكب فقال: هذه متواترة لكن لا على حد تواتر القرآن.
وقال الشيخان أبو علي وأبو هاشم: لم يتواتر من معجزاته صلى اللّه عليه وآله وسلم سوى القرآن وإلا لما أنكره مخالفونا من اليهود والنصارى وغيرهم ولكانوا مشاركين في العلم بوجوده كمشاركتهم في العلم بوجود القرآن.
وقيل (ي): هي منقسمة إلى ما هو متواتر معلوم بالضرورة وإلى ما هو متواتر في المعنى وإن لم يتواتر إفراده وإلى ما يعلم كونه معجزاً بالدلالة ومعنى ذلك أن هذه المعجزات على كثرتها لا تصح من جهة العادة كونها كلها كذباً لأن ذلك مما لم تجريه العادة فيجب أن يعلم بما بلغنا منها أن هناك معجزات أو معجزاً وإن لم تعلم عينه.
قال مولانا عليه السلام: ولا يخلوا هذا الكلام عن ركة.
قوله: (على فخذ شاة وعش من لبن وهم أربعون رجلاً في رواية جئت شاة وقدح من لبن وأنهم ثمانية وأربعون والعش القدح العظيم.
قوله: (فأشبعهم وأرواهم).
وفي رواية واللحم واللبن بحالهما وكان الواحد منهم يأكل الجذعة ولما أنفق ذلك.
قال أبو لهب: يا بني عبد المطلب لو لم يكن من سحر ابن أخيكم إلا ما ترون.
قوله: (وصاع من شعير).
وقد قيل: أنه ستة آصع.
قوله: (فصدروا وهو بحاله).
المروي أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما قرب الطعام واللحم أورد الناس عليه على عشرة عشره حتى صدروا وبقي شيء.
قال جابر: أكلنا منه وفسمنا ما بقي.
قيل: وكان الآكلون منه مئة وهم أهل الخندق وثلاثة آلاف.
قوله: (وجمع الناس مرة أخرى على أقل من صاع من التمر).
هذا أشارة إلى ما روي أنه أتته بشير بن سعيد دعتها أمها وهي أخت عبدالله بن رواة فأعطتها حفنة من تمر وأمرتها أن تذهب بها إلى أبيها وخالها وهما في عمل الخندق فلما مرت عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((هاتي ما معك)). فصبته في كفته فما ملأهما ثم أمر بثوب وبسط وجيء بالتمر عليه فتمدد فوق الثوب ثم قال لرجل عنده: ((أدع أهل الخندق هلم إلى الغداء)). اجتمعوا فأكلوا منه حتى صدروا وإنه ليتساقط من أطراف الثوب.
قوله: (وإن آخر زاده ضياح من لبن).
هو بفتح أوله لبن رقيق يخلط الماء عليه.
قوله: (وإن أمته تملك كنوز كسرى).
روي أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كتب إلى كسرى المسمى ...... فمزق الكتاب فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((اللهم مزق ملكه وسيمزق عليه أما إنكم ستملكون أرضه)). فكان كما أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم مزق ملكهم وشتت جمعهم وملك العرب رقابهم في خلافة عمر.
قوله: (وكأخباره بقتل الحسين وموضع قتله).
إشارة إلى ما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يقتل أبني الحسين بظهر الكوفة الويل لقاتله وخاذله ومن ترك نصرته)). ونحوه مما ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في هذا المعنى.
قوله: (وإن علياً ستخضب لحيته من رأسه).
إشارة إلى مما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم والراوي له علي عليه السلام فإنه عليه السلام قال في بعض مقاماته حدثني الصادق المصدوق البار صلى اللّه عليه وآله وسلم أني لن أموت حتى تخضب لحيتي هذه من دم رأسي يضربني أشقى هذه الأمة كما عقر ناقة الله أشقى ثمود.
قوله: (وإخباره بوفاة النجاشي يوم توفي).
قيل: أن النجاشي لما مات بالحبشة طوى الله الأرض حتى نظر صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى جنازته فصلى عليه هو وأصحابه ثم قال: ((أستغفروا لأخيكم)).
قال مولانا عليه السلام: أما على هذه الرواية فليس وجه الإعجاز الأخبار بالغيب فإنه قد شاهد ذلك بل يكون وجه الإعجاز طي الأرض له ومشاهدته لما بعد عنه البعد المفرط ولعلهم جعلوه من قبيل الإخبار بالغيب بالنظر إلى غيره صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قوله: (وكذلك قتل جعفر يوم مؤتة القصة أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم بعث جيشاً وجعل أميرهم زيد بن حارثة وقال لهم: ((إن أصيب جعفر وإن أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة)). فكان في حال معركتهم وهو صلى اللّه عليه وآله وسلم قاعد في مسجده يخبر بما جرى لهم قال: قتل زيد وأخذ الراية جعفر ثم قال: قتل جعفر ثم أمسك ساعة وقال: أخذ الراية عبدالله بن رواحة. وذلك أنه توقف عن أخذ الراية ثم أخذها ولم يبادر كجعفر ثم قال: قتل عبدالله فكان الأمر كما أخبر.
قوله: (وإخباره بقتل شيرويه لأبيه كسرى).
في السيرة النبوية عن الزهري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان وهو عامله باليمن أنه بلغني أن رجلاً من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فأستتبه فإن تاب وإلا فأبعث إليَّ برأسه فبعث باذان بكتاب كسرى إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم فكتب إليه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا)).
فلما أتاه الكتاب توقف لينظر فقال: إن كان نبياً فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال ابن هشام: قتل على يد أبنه شيرويه وفي ذلك قال خالد بن حق:ـ
وكسرى إذ تقسمه بنوه بأسياف كما أقتسم اللجام ... لمخضب المنون له بيوم أتى ولكل حامله تمام
فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلام وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وقالت الرسل من الفرس إلى من نحن يا رسول الله؟.
قال: ((أنتم منا وإلينا أهل البيت)). أنتهى.
وفي رواية أن كسرى ...... أمر عامله باليمن وهو باذان أن أبعث إلى هذا الرجل وكتب باذان إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنك إن أحسست كتبت فيك وسمعت وإن لم تحب فهو كسرى تخرب بلادك ويستأسر قومك ونزل جبريل عليه السلام بعد ذلك فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام فيقول: سلطت على كسرى أبنه فقتله لخمس ساعات مضت من ليلة كذا فدعا صلى اللّه عليه وآله وسلم رسل باذان وكتب إليه وأخبره بذلك وعده على الإسلام أن يستعمله فأسلم باذان والله أعلم.
قوله: (وأختاره بأن عتبة بن لهب يأكله الأسد).
المشهور أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم دعا على عتبة وكان يؤذيه كأبيه وطلق ابنته صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمر والده وكانت تحته ومزق ثياب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)). فخرج إلى الشام تاجراً مع نفر من قريش فلما كان ببعض من الطريق عرشوا ليلاً فسمعوا زئير الأسد فقال عتبة: هذا والله آكلي فقيل: وكيف تخافه أنت من بيننا؟
فقال: إن محمداً توعدني به، وقل ما قال شيئاً إلا كان فجعلوه في وسطهم وباتوا فتخطاهم الأسد إليه وأخذ برأسه فأحتمله من بينهم وذهب به وحطمه وكان يستغيث فلم يغثه أحد وهي من آياته صلى اللّه عليه وآله وسلم العظيمة وقد ذكر ذلك حسان في شعره له فقال:ـ
إذ سلط الله عليه كلبه يمشي الهويناء مشية الخادع ... حتى أتاه وسط أصحابه وقد علتهم سِنة الهاجع ... فألتقم الرأس بنافوخه والنخر منه فغرة الجائع ... من عاد فالليث له عائد أفضع به من خير شائع ... من يرع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع
قوله: (ونحو ذلك كثير).