هذا مذهب سيبويه رغم أن أي الموصولة إذا حذف صدر صلبها تثبت على الضم، وهي هنا مفعولة في المعنى، وقد غلط في ذلك حتَّى قال النخاس: لا أعلم أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطأ سيبويه، وقال الرجاح: ما تبين لي أن سيبويه غلط في كتابة إلاَّ في موضعين هذا أحدهما: قال: وقد أعرب سيبويه: أنا هي فرد، فكيف يبنيها وهو مضافة، والأصح أنَّها معربة وعلى ذلك ففيها هنا أقوال أحدها للخليل أن أيهم أسد مبتدأ وخبر محكي أي الذين يقال فيهم أنهم أشد الثاني ليونس إن أيهم أشد مبتدأ أو خبر في موضع نصب ينزعن معلقاً عنه. قيل: ومعنى ينزعن يمس فهو قريب من معنى العلم الثالث للكسائي أن معنى لينزعن لننادين فعلومل معاملته، قيل: وتدى تعلق إذا كان بعده جملة الرابع للمترد أن أيهم مرفوع بسبعة والتقدير لينزعن من كل فريق سبعة أنهم ويلزمه أن يقدم مفعولاً محذوفاً لينزعن الخامس للزمخشري، وهو أن المنزع واقع على من كل سبعة أي لينزعن بعض كل سبعة، فكان قابلاً قال: من هم قبيل هو أنهم أشد ويكون أنهم موصولة خبر مبتدأ محذوف.
قوله: (لغة بني الحرب هكذا في التسهيل والكشاف)
وقال في المنجد: لغة كتابة حكاها عنهم أبو الخطاب /100/ وغيره وحكاها الكسائي عن بني العبير ومراد وعذره، وقيل: لغة بني الحرب بن لعب وجنعم وزبيد وجماعة من قبائل اليمن ومن أسفارهم تزود منا بين أدناه ضربة دعته إلى هام التراب عقيم. وقال أبو زيد: سمعت من ثعلب كل يا ينفتح ما قبلها ألفاً.
قوله: (قال شاعرهم أن اباها البنت الحجة في غايتاها فإن الألف في اللغة الكبرى ينبغي أن تقلب بالآية منصوب).
قوله: (فأطرق أطراف الشجاع البيت في قوله لناباه وهو شاهد على إنفاء الألف في المبني المجرور الأول شاهد على إبقائها في المنصوب وفي نسخة الأصل الَّتِي يخط المصنف مصيباً لناباه. قيل: والرواية مضياً قبلك وهم ولعلة من سهو القلم.
قوله: (وقد قيل أن الياء لا تجوز في الآية لأنَّه ألف هذا) إلى آخره.
هذا الكلام فيه غرباة ولم أقف على مثله في كتب النحو المتداولة ومعنى كون الألف عماداً أنَّها لا تزول بحال.
وقوله: (وكان قياسه هذا أن بألفين كلام تبقى إلى تكميل).
وهو أنَّه أجمع ساكنان فحذف ألف التثنية؛ لأن النون يدل عليه فبطل عمل أن؛ لأن عملها في ألف التثنية وكان القياس حذف ألف هذا لأ،ها الأول ولكن حذفت الثانية لأن الأول أصلية أو عماد كما ذكرنا.
وقوله: (أصلية عند القراء).
لم أقف عليه والذي نسب إلى الكوفيين القول بأنها زائدة، والنصر فوق يقولون: أنَّها منقلبة عن أصل، قيل: يا وقيل واو، وفي الآية على هذه القراءة وجوه غير ما ذكره المصنف منها ما ذكروه قدماء النحاة أن هذان ليس باسم إن وإنَّما اسمها ضمير بيان حذف وهذا أن مبتدأ ولساحران خبره، وهما خبر اسم أن المحذوف وصعب بأن حذف هذا الضمير هنا لا يجيء إلاَّ في الشعر، وبأن دخول اللام على خبر المبتدأ ساد ومنها ما ذكره الرجاح، وهو ميل هذا الوجه؛ إلاَّ أن اللام دخلت على مبتدأ محذوف أي لهما ساحران واستحسنه شيخه المبرد ومنها أن ها ضمير القصة، ودار لساحران جملة خبر أن صعب بدخحول اللام وبمخالفة خط المصحف فإن ها متصلة بذا فيه ومنها ما ذكره المبرد والأخفش الصفة وهو أن أن بمعنى نعم، وهذان لساحران مبتدأ وخبر واللام على ما تقدم من الوجهين ومنها ما ذكره ابن كيسان أن المبني لما لم يغير له الواحد لم يغير هو في نصب ولا رفع ولا جر حملا على الواحد وهو هذا، وهذاالوجه قريب من الوجه الآخر الذي ذكره المصنف، وقد قال النخاس لابن كيسان حين سأله ما أحسنه لو تقدمك به أحد يريد أنَّه خلاف الإجماع.
قوله: (بل هو كلام مقطوع مستأنف).
أي فهم يعتذرون إلى آخره الصَّحيح خلاف ما ذكره وأن المراد نفي الاعتذار، وإن رفع يعتذرون بالعطف على ديون وهو منخرط في سلك النفي، والمعنى لا يكون لهم إذن واعتذار منعقد له. والنصب إنَّما يلزم لو جعل الاعتذار مسبباً عن الأذن، وقيل: لم ينصب في جواب النفي لتشابه روس لأي والوجهان جائزان، واعترض بأن ظاههره استواء الرفع والنصب في المعنى، وليس كذلك؛ لأن النصب على معنى السببية بخلاف الرفع.
قوله: وعلى هذا قول الشاعر:
ألم تسأل الربع الفوا فينطق ... وهل يجزيك النوم يبدأ سملق
الفوا الأرض الفقر والبيداء المغارة والجمع يبدو، المسلق الأرض الأجرد المستوي.
قوله: (لأنه لا يصح العطف على المحرم إلاَّ بإعادة الحازم هذا خلاف المنصوص والمشهور المذكور في كتب لعربية وإن قال: إنَّما ذكره مقابل فقول شاذ لا يعتد به.
قوله: وإنما هو منصوب/ 101/ بتقدير أن قد وجه نصبه بوجهين أحدهما : ما ذكره فتكون الواو ومع أو مع الَّتِي تنصب بعدها الفعل بإضمار أن بعد نهي أو نفي، أو ما في حكمهما نحو لا يأكل السمك وتشرب اللبن والثاني أنَّه في المعنى محروم بالعطف على ولما يعلم ولكن فيجب الميم اتباعاً لفتحة اللام كفراه لما يعلم نسخ الميم.
قوله: (وقيل: أن الواو وأو مع).
أي مع علمه بالصابرين هذا ليس بوجه آخر، بل بمعنى الأول وهو تقدير أن؛ لأنَّه لا بد من تقديرها بعد واو مع لتصير هي والفعل الذي فعلها بمنلة المصدر.
قوله: (فيكون نصبه ينزع الخافض كلام مختلح لأن النصب ينزع الخافض، إنَّما يكون في الاسماء نحو: {واختر موسى قومه سبعين رجلاً} أي من قومه، فلما نزع حرف الجر وعدى الفعل إلى المجرور نصب.
قوله: (والباقي المصادر للتوحيد لا للتأنيث كلام توهم أن الَّتِي للتوحيد كعرفه وظلمه ليست للتأنيث، وليس كذلك فإنها مع ذلك للتأنيث.
قوله: (بمعنى الثواب إلى آخره قد قيل: بل التذكير؛ لانها بمعنى الرجم، وقيل: بمعنى الغفران، وقيل بمعنى المطر، وقد قيل في توجيه الآية الكريمة أنَّه بعث لمذكر محذوف أي شيء قريب، وقيل: شبَّه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، قال الجوهري والزمخشري: أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، ورد بأن ذلك لا يقتضي التذكير إلاَّ مع تقديم المسند نحو طلع الشمس، وأما مع التأخير فلا يقول إلاَّ الشمس طلعت أو طالعة بالتأنيث إلاَّ في ضرورة.
قوله: (فأتت قيمة وهي بعد للدين).
هذا غير مستقيم؛ لأن لفظه دين مضافة إلى قيمة، ولسيت موصوفة بقيمة، وكيف يصح أن يكون المضاف إليه صفة للمضاف اصطلاحية بحيث يعتبر فيها المطابقة في التذكير والتأنيث، ,إنما يصح هذا الاعتراض على قراءة عبد الله، وذلك الدين القيمة بتعريف الدين ورفع القيمة صفة له وبوجه بأن الهاء فيه للمبالغة أو على تأويل الدين بالملة كقوله: ما هذه الصون أي ما هذه الصحة ، وأما على قراءة الجمهور فالقيمة وصف لمحذوف بقديره الأمة أو الكتب، وقال جار الله: التقدير دين الملة القيمة، وأما قول المصنف لتناسب رؤوس الآي فكلام ركيك ولا حاجة إليه.
فصل
قوله: (وأما الكلام على من يدعي التناقض).
ممَّن ادعاه المتزندق ابن الويدي.
قوله: (أي العرب كانوا أعرف منكم بالتناقض).
أصل هذا الاحتجاج الشيخ أثر الهديل، قال المعترض بالتناقض: إنَّما أشكل عليك ذلك؛ لأنك دخيل في لغة العرب ولست تعرف وجوه المجاز والحقائق ولو عرفت لم تقل ذلك، أما علمت أن العرب أعلم الناس بالمناقضات وأحرصهم على إبطال أمر النبي، فلو وجدوا مطعناً لأوردوه.
قوله: (وبعد فمن شرائط التناقض) إلى آخره.
اعلم أن النقيضين كل قضيتين إذا صدقت إحدهما كذبت الأخرى، فإن كانت القضية شخصية ليست مسورة بكل ولا بعض فلاشرط في التناضق تبديل النفي بالإثبات والعكس، مع اتحاد موضوع القضية ومحمولها في الإضافة، مثل زيد أب زيد ليس باب ويكون المراد في كليهما أب لبكر ليس بأب له، فلو قصدت في أحدهما أبوية لبكر وفي الأخرى أموية لعمرو لم يتنافيا، ومع الاتحاد في الجر والكل مثل: زيد أسود زيد ليس بأسود، فلو أردت في أحدهما جره وفي الآخر كله لم يتنافيا والاتحاد في القوة والفعل مثل الخمر في الدن مسكر ليس بمسكر، فلو أردت في أحدهما بالقوة والآخر بالفعل لم يتنافيا وفي الزمان مثل الشمس حارة المشس ليس بحارة ويراد في وقت واحد وفي المكان زيد جالس زيد ليس بجالس، ويراد في مكان واحد وفي الشرط مثل الكاتب متحرك الأصابع ليس بمتححرك الأصابع، ويكون المعنى ما دام كاتباً فيهما وإلاَّ فلا يناف وإن لم تكن القضية شخصية / 102/ لزم مع ما ذكر اختلاف الموضوع في النقيضين بأن يكون في أحدهما كلتا نحو كل الإنسان كانت وفي الآخر .....نحو ليس بعض الإنسان بكاتب، هذا مصطلح المنطقيين في النقيضين، وأما تعارف أهل اللغة فالأقرب أن التناقض هو التدافع وإن كل كلامين في أحدهما ما يدفع الآخر ويعاكسه فهما متناقضان ولو لم يجتمع الشرائط المذكورة كما لو قلت كل إنسان حجر ولا شيء من الإنسان بحجر، ومراد المصنف بالمنسوب ما يسميه المنطقيون المحمول وبالمنسوب إليه ما يسمونه الموضع ولعله أراد توجه الشبه القوة والفعل.
قوله: (لأن الكتابة في قوله: {لا تسأل عن ذنوبهم}..) إلى آخره.
أراد بالكتابة ضمير الغائبين المجرور بإضافة ذنوب إليه وهذا التفسير بعيد عن الصواب وكذلك قوله: أي عن ذنب الذي يرسل عليه. وهو خلاف الظاهر ولا محوج إلى المصير إليه وإنما المراد في الآية الأولى أن الله تعالى لما ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الذين كانوا أقوى منه وأغنى قال على سبيل التهديد له: {والله مطلع على ذنوبهم} المجرمين لا يحتاج إلى سؤالهم عنها وإستعلامهم وهو قادر على أن يعاقبهم عليها كقوله: {والله خبير بما يعملون} وما أشبهها وكذلك قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا ......} فالمعنى أنهم لا يسألون لأنهم يعرفون بسيماء المجرمين وهي سواد الوجوه وزرقة العيون إذا عرفت هذا فالجواب المعتبر ما ذكره آخراً من الوجهين وتحقيقهما أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواطن فيسألون في بعضها ولا يسألون في الأخر.
قال قتادة: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
الوجه الثاني: أنهم لا يسألون عن ذنوبهم ليعلم من جهتهم بل يسألون سؤال توبيخ.
قوله: (ثم أثبته بقوله: {غير مجذوذ}).
يعني: لأن المعنى غير مقطوع.
قوله: (قيل المراد: سموات الآخرة وأرضها).
ممن ذكر هذا جار الله، قال: والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات}. قوله تعالى: {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}. ولأنه لا بد لأهل الجنة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها الله أو يظلهم العرش وكل ما أظلك فهو سماء.
قوله: (وقيل المراد: المبالغة في التبعيد).
هذا الوجه ذكره جار الله أيضاً، وقال: وإن تكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب: ما دام نعار وما أقام ببير وما لاح كوكب وغير ذلك من كلمات التأبيد وهذا أجود مما ذكره المصنف من قوله: (وليس من حق المثل المضروب..) إلى آخره.
ومن أستشهاده بالآية فإن ذلك من قبيل التشبيه وهو غير ما نحن فيه.
قوله: (وأما الاستثناء فهو من أول الوقت لا من آخره).
فيه نظر وأجود منه ما ذكره الزمخشري رحمه الله فالقول ما قالت حذام وهو أنه أستثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سواء عذاب النار وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وكسعه لهم وإهانته إياهم وكذلك أهل الجنة لهم سواء الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً وهو رضوان الله كما قال: {ورضوان من الله أكبر}. ولهم ما يتفضل الله به عليهم سواء ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو.
قوله: (إنما أراد بقوله: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب).
وعن عطاء: يغفر لمن يتوب إليه ويعذب من لقيه ظالماً.
قوله: (والجواب أن المراد بالضعف..) إلى آخره.
كلام لا بأس به إلا أنه لا غنيه عن بيان معنى الآيتين ليعرف عدم التناقض فإن الذي ذكره المصنف لا يكفي في دفعه بل فيه ما يشبه أن يكون تقريراً له لأنه قرر ضعف كيده مع وصفه بالأستحواذ والغلبة في الآية الأخرى ونحن نقول قوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} ترغيب للمؤمنين وتشجيع لهم بأن أخبرهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فالأولى لهم ألا هوكيد الشيطان للمؤمنين بالنظر إلى كيد الله للكافرين أضعف شيء وأهونه.
قوله: (أستحوذ عليهم الشيطان).
المعنى فيه: أنه ملكهم بطاعتهم له في كل ما يريده منهم حتى صاروا بأختيارهم رغبة له وحرباً وهو من جاد الحمار الغاية إذا أجمعها وساقها غالباً لها ومنه الأجودي وأنت إذا تأملت معنى الآيتين عرفت عدم التناقض فيهما.
قوله: (ومنها: قوله: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنه..} إلى آخره).
أعلم: أن دعوى التناقض في هاتين الآيتين لا معنى له لعدم ظهوره فيهما.
والجواب الذي ذكره لا بأس به والمعتمد عليه أن ذكر الأكنة والوقر مثل في نبق قلوبهم وآذانهم عن القبول وأعتقاد الصحة وأسنده تعالى إلى ذاته بقوله: {جعلنا} للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مخبولون عليه أو أنه حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: {وفي آذاننا وقر}، و{من بيننا وبينك حجاب}.
قوله تعالى: {فما أختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم}.
أي: ما وقع منهم أختلاف في دينهم وتشعب إلا من بعد ما قرؤا التوراة وكسبوا العلم بدين الحق ولزمهم الثبات عليه وعلموا أن الاختلاف فيه تفرق عنه.
وقيل: هو العلم بمحمد واختلاف أهل الكتاب في صفته وبعته وأنه هو أو ليس به بعدما جاءهم العلم والبيان أنه هو.
قوله: (يجوز أن يكون وصفها باللعب..) إلى آخره.
المعتمد عليه أن المراد بقوله: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أن أعمال الدنيا لعب ولهو وأشتغال بما لا يعني ولا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة.
قوله تعالى: {وللدار الآخرة خير للذين يتقون}).
دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو ومعنى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} أي: عابثين نفياً للعب في خلقهن وأنه لم يكن إلا لوجه الحكمة.
قوله: (والجواب أنه لا تنافي..) إلى آخره.
أعلم: أن قوله تعالى: {يرونهم مثليهم رأي العين}. ............................ الخطاب فعلى قراءة بالخطاب يكون المعنى يرون ... مشركون المؤمنين مثلي عدد المؤمنين ويكون المراد بالخطاب من حصر الوقعة من مشركي مكة.
فإذا قيل: هذا فهو متناقض لقوله في سورة الأنفال: {ويقللكم في أعينهم}.
أجبت: بأنهم قللوا أولاء في أعينهم ليجترؤا عليهم فلما لا لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين وعلى قراءة ...... يكون المعنى يرى الكافرون المسلمين مثلي الكافرين كثرهم في أعينهم ليهابوهم وكان ذلك مدداً من الله كما أمدهم بالملائكة وكان هذا في الانتهاء، وفي الابتداء قللهم في أعين المشركين ليلاقوهم كما تقدم.
وقيل: يرى الكافرون المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين.
وقيل: المسلمون يرون المشركين مثلي المسلمين ستمائة وسته وعشرين وكانوا ثلاثة أمثالهم على ما قرر الله عليهم أمرهم عن وجوب مقاومة الواحد لأثنين لئلا يقول المؤمنون قتال هؤلاء غير واجب علينا فينقلبوا وكانوا ثلاثة أمثالهم.
قوله: (يجوز أن تكون المواقف متغايرة..) إلى آخره.
هذا قطع به المفسرون فقالوا: القيامة مواقف ففي بعضها يختصمون ويتكلمون وفي بعضها يختم على أفواههم.
قال جار الله: أو جعل نطقهم كلا نطق لأنه لا ينفع ولا يسمع.
قوله: (وقال الشاعر:ـ
فلو أن قومي
البيت قائله عمرو بن معدي كرب الزبيدي من أبيات أولها:ـ
ولما رأيت الخيل زواراً كأنها جداول زرع أرسلت فاستطرت
ومعنى أجرت شدت مكان الجرة وهو الحلق كما إذا غص البعير بجربة فإنه لا يقدر على الرغا.
وقيل: من أجررت لبيان الفصيل إذا شققته لئلا يرتضع والمجرور المحلول لسانه من الفصلان ومعنى البيت: أن قومه لو كانوا ممن يقاتل ويبلى البلاء الحسن ذكر ذلك وفخر به ولكنهم أسكنوه وقطعوا لسانه باعتيادهم الفرار.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد فهم لا يتسألون عما أجابوا به الرسل..) إلى آخره.
تحقيق هذا الوجه وهو المعتمد أن المعنى لا يتسألون أي لا يسأل بعضهم بعضاً في شأن الأنباء التي عميت عليهم في قوله تعالى: {فعميت عليهم الأنباء}، أي: فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدي إليهم فلا يسأل بعضهم بعضاً في شأنها كما يتسأل الناس في المشكلات لأنهم مستوون في عماء الأنباء عليهم والعجز عن الجواب، والمراد بالنبأ الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله.
قال جار الله: وإذا كان الأنبياء يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال ويفوضون الأمر إلى علم الله بدليل {يوم يجمع الله الرسل} الآية، فما ظنك بالضلال من أممهم ومعنى {وأقبل بعضهم على بعض يتسألون}: يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله وما أستوجب به نيل ما عند الله.
قوله: (أي: وللرحمة خلقهم).
قال جار الله: الإشارة إلى ما دل عليه الكلام الأول وتضمنه المعنى أي: ولذلك من التمكين والأختيار الذي كان عليه الاختلاف خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن أختياره ويعاقب مختار الباطل بسوء أختياره.
ولقائل أن يقول: على كل من الوجهين المذكورين لا يندفع التناقض الذي قصد المعترض لأن الحاصل أنه ذكر هنا أنه خلقهم لغيرما ذكر في آية الذاريات أنه خلقهم له وهو العبادة سواء كان الاختلاف أو الرحمة أو التمكين.
والجواب: أما لو ثبت أنه خلقهم للاختلاف فلا كلام في التنافي وعدم التلاؤم بين الآيتين وأما إذا كان للرحمة فخلقهم للعبادة لا ينافيه لأن خلقهم لعبادته من رحمته التي تقتضي إرادة الخير لهم وكذلك تمكينهم وتخييرهم بحيث يصيرون متمكنين مما يرفعهم الدرجات العاليات، والله أعلم.
قوله: (لأنه جمع ولفظ ذلك مفرد).
هذا كلام ركيك لا ينبغي صدوره ممن له ذوق سليم فإن الإشارة عندهم إلى الاختلاف لا إلى لفظ الجمع كما أنه جعل الإشارة إلى الرحمة لا إلى لفظ الموصول فيمن رحم.
فصل
وأما الكلام على من يدعي الطعن من جهة التكرار
قوله: (فيتنزل عليهم في كل حال ما يسليهم به).