اعلم أن المجوج إلى بيان وجوه الفرق بين المعجز والخيل أن الباقي لقاعدة النبوة رغم في معجزات الأنبياء أنها خيل، قالوا: فن الجائز أن يظفر بعض الناس ويطلع على كثير من خواص الأشياء فيتأتى منه ما يمتنع على غيره، ومن المعيين لذلك البراهمة، وحكي عن الباطنية، وذكره ابن الراوني، حكى ابن الأصمعي عن ابن الروندي وابن زكريا في الطعن على المعجز أن أيها أمور يتمكن من فعلها بالخيل والمواطأة، قال ابن زكريا كما فعل بني المجوس فإنه نصها الصفر المذاب على صدره، لوم يؤذه عن بعض جذام إلا وبان أنه كان منجساً على سيف قد خرج من ظهره، ولا يسيل منه دم بل ماء أصفر، وذكر أنه رأى رجلاً يتكلم من إبطه وآخر لم يأكل خمسة وعشرين يوماً وهو مع ذلك ناعم البدن وكلامهم ظاهر البطلان وحكاياتهم هذه غير موثوق بها وأن صحت فأين هي من إحياء الموتى وفلق البحر وإخراج..... من الجبل ورفع الطور، وإن صح ما يقولوه، فلعل واضح الصفر على صدره حصل عليه من الأدوية ما يمنع النار من الإحراق، فقد قيل: إن ناساً يدخلون التنور المسحور، وصاحب السيف مشعبذ لا محالة، ومثل هذا كثير من من أفعال المشعبذين والمتكلم من إبطه
القول في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
اعلم أن هذا الفصل هو المهم المقصود من هذا الباب والقطب الذي يدور عليه رحى الكلام في النبوات، وهذه المسألة أصل للقواعد الشرعية، وعمدة مسائل أصول الدين بعد معرفة توحيد الله وعدله وعليها مدار العلم بجميع أنبياء الله وملائكته وأحوال الآخرة وجميع التكاليف العملية إلاَّ ما قضى به العقل منها قضية مطلقة، ولهذا ينبغي أن نرمق إليه عيون الحد ونستفرغ في الإطلاع على حقائقه وتفصيله الجهد.
قوله: (وقد خالف في ذلك أهل الإلحاد).
الأولى على ذكر خلافهم هنا لأنَّه مع جحدهم للصانع المرسل لا يتصور منهم إثبات رسول له، وإنَّما ينبغي ذكر خلاف من يثبت الصانع كاليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة وعباد الأوثان والنجوم، فإن هؤلاء يقول ثبوته صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ فرقة من اليهود وقد ذكرهم المصنف ونسبهم إلى البَلَه؛ لأنهم إذا اعترفوا بكونه رسولاً إلى العرب فالرسول صادق في كل ما جاء به ، وقد جاء بأنه رسول إلى الناس كافة فلا بد من تصديقه. قيل: ومن المخالفين في ثبوته صلى الله عليه وآله وسلم الباطنية والمطرفية لكن المذكورون أولاً من المخالفين خالفوا لفظاً ومعنى، وهؤلاء خالفوا في المعنى فقط، وأما اللفظ فيوافقون فيه ويقرون بأنه رسول الله وإنَّما حكم عهلمي بالخلاف في المعنى؛ لأنهم ينكرون كونه منعوياً من جهة الله على الحد الذي يقوله، فمنهم من يوقل النبوة تفعلها النبي لنفسه فمن شاء كان نبياً، ومنهم من يقول: هي جزاء على العمل ، ومنهم من قال: هي حكم وتسمية، والباطنية يقولون: النبوة ما دة ترد من السابق على قلب من وقعت للتالي به غيابه، وأن المعجزات تظهر على يد النبي لما اختص به من العلم بطبائع الأشياء وخواصها وهي من قبيل الحيل.
قوله: (وقال بعضهم؛ لأنَّه ليس له معجزهم قيمة).
وإلى مثل هذا ذهبت النصارى وعللوا بمثل هذه العلة، قال الحاكم: واتفقت اليهود على نبوة أنبيائهم بعد موسى، وأنه أنزل بعد التوراة سبعة عشرة كتاباً إلاَّ السامرية، فتقول نبوة من بعد موسى وهارون ويوشع واتفقت اليهود أيضاً على إنكار نبوة المسيح، إلاَّ شرذمة قليلة وعلى إنكا نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ فرقة اعترفوا بكونه أرسل إلى العرب خاصة، واتفقت اليهود أيضاً على تأبيد شريعة موسى إذا عرفت ذلك واعلم أن الطريق إلى ثبوت نبوة النبي مطلقاً، أما أن ينص عليه نبي آخر قد علمت نبوته، وأما أن يظهر المعجز على يديه، فالطريق الأولى لا يعتمد عليها في إثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إذ ليس في زمانه نبي أخبر بثبوته والمتقدمون لم يرد عنهم أخبار صريحة في ذلك، وإنَّما وردت عنهم بشائر تبني له صفات كصفاته عليه السلام مع كون الرواية عنهم في ذلك غير متواترة بالنظر إلى غير القرآن، وأما الطريق الأخرى فهي المعتمد عليها والمرجوع إليها، ومعجزاته صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة قد دونت فيها أسافر كثيرة لكن عادة المصنفين أن يقدمو منهما المعجز العظيم وهو القرآن /92/ الكريم؛ لأنَّه أوقع في النفوس وأضح في الدلالة لوجوه لا يعقلها إلاَّ العالمون منها، إن وجه إعجازه الفصاحة الَّتِي هي صيغة المبعوث هو بين أطهرهم وكانوا فرسانهما ومن ينتهي إليه غايتها؛ لأن المعجز من حقه أن يكون من جنس ما يتعاطاه أهل ذلك الزمان الذي ظهر فيه وتولى به على حد لا يستطيعون الإتيان بمثله، وربما أن معجزته لو جعلت من قبيل إحياء الموتى وإبراء الأكمه لحيل إليهم أنهم لو كانوا أطباء لأمكنهم ذلك، ومنها أنَّه معجز محفوظ مع المسلمين يتداولونه أبداً وينقلونه نقلاً متواتراً، ومع ذلك فلا يتلى على وجه الدهر ولا يندرس على مرور الأيام ولا يمكن المخالف إنكاره، فهو أبلغ من معجز يوجد بمعدم، ولا ينكر في الأزمان، ومنها أنَّه لاستمراره في كل
... كالمعجز المتكرر الحادث الذي ينكر التحي به لأهل كل زمان، ولا كذلك غيره ومنها أن سورة وآياته مشتملة على التكاليف العلمية والعملية من فعل وترك ولا كذلك غيره من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم. قيل: ومنها أن كون القرآن معجزاً يحتاج إلى كلفه ونظر ول يحصل معرفة ذلك إلاَّ بعد مشقة وما حصل كذلك، فالنفوس أحرس على حفظه وملازمته.
تنبيه
قد ذكر بالطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء فأما طريق النبي إلى معرفة نبوة نفسه فبان مجيء جبريل أو غيره من الملائكة بذل لكن لا بد أن يظهر على يدي الملك معجزة يدل على صدقه وطريق جبريل إلى معرفة رسالة نفسه سماع كلام رب العزة بخلقه في جسم ويقرنه بما يدل على أنَّه ليس من كلام غيره يجيب أن جبريل يعلم ذلك ولا ينكر فيه، قال: مولايا عليه السلام ومثل هذا يتصور في حق النبي فيعلم كونه مرسلاً كما كان في حق موسى عليه السلام.
قوله: (فهي معلومة ضرورة بالتواتر).
قيل: ينبغي أن يفصل فيها فيقال: أما كونه صلى الله عليه وآله وسلم ادعى النبوة فلا شك أنَّه معلوم ضرورة لجميع المكلفين، وأما غير ذلك فيعلمه كل مكلف مع البحث والمخالطة لأهل العلم أو من يتصل بهم والإقامة في أمصار المسلمين وهجرهم؛ غذ من المعلوم جهل كثير من أهل الإسلام بذلك.
قوله: (وعني القرآن من المعجزات).
فيه نظر؛ لأن مثل هذا بيعد إسفالاً وهو مغيب. قيل: بالأولى أن يجاب بأنا نعلم أن بعض القرآن أنزل على حسب ما ... للرسول علهي من الحوادث وهذا القدر كبير من سورة فيستقل معجزاً كافياً في الدلالة على الصدق كقوله تعالى: {وادارؤوا تجارة أو لهواً} الآية {وإذا سر النبي} الآية {إذ أخرجه الذين كفروا} الآية {وإذ يقول للذي أنعم الله} الآية {ويوم حنين} الآية {ولقد نصركم الله بدر} الآية وغير ذلك.
قوله: ( وهو أنَّه تحدى العرب).
قيل: التحدي: طلب الفعل منن عرف الطالب عجزه عليه إظهاراً لعجزه عنه مأخوذ من حد الإبل وهو حبها على السير بكلام مخصوص.
قوله: (لكن بعد الفحص هذا هو الأصح).
وقد قيل: أنَّه معلوم ضرورة على الإطلاق. وقيل: بل يعلم استدلالاً فقط، فإن كتاب الله مشحون بآيات التحدي وهو قول الجمهور.
وقوله: (إنه كان يعشي محافل العرب).
وجمع محفل اسم كان من حفل القوم حفلاً وحفولاً إذا اجتمعوا.
قوله: (أنه ان يدعي الفصل على جميع الناس).
قيل: وتحرير هذا الوجه أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان في قومه صغيراً يتيماً فقيراً وفيهم ذوو الزعامة وأولو النزه والمكان الشهير الذي لا يدافع صاحبه فيما يقول ثُمَّ ادعى سفيه أحلامهم وضلال سعيهم واستحقار دينهم، وسب آلهتهم الَّتِي هي عندهم أحب من الآباء والأبناء واعدهم مع ذلك ناراً يصلونها في الدنيا والآخرة إن لم يطيعوا.
قوله: (ويمتثلوا مره، ويكون له عليهم حكم السيد المالك مع العبد المملوك، ولم يكن منه ذلك إلاَّ لما جاء به من القرآن).
وهذه الأمور الَّتِي ادعاها يصيبهم منها من الغم والصغار أعظم ما يكون من التحدي ويحملهم ذلك بالضرورة الَّتِي يعتاد من البشرية على معارضته فيما ادعى أنَّه يستحق هذه /93/ الأحوال به مع ماهم عليه من التجوه والكبرياء وعدم الانقياد.
قوله: (وبعد فالقرآن مشحون).
أي مشحون مملوء يقال: شحن السفينة أي ملأها قال الله تعالى: الفلك الشمحون وهذا على جهة المبالغة، وقد قيل: إن كتاب الله تعالى مشحون بذلك من جهة المعنى.
قوله: (قبيل هذا الأمر العظيم لا يتم كتمانه..) إلى آخره.
فيه نظر لأنكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات وحي عنا غليه سهل يسير بخلاف ما رامه خلفاء الدولتين، فإنهم أرادوا كتم شيء قد علمه الناس فشاع منهم.
قوله: (لنقلت معارضته على حد نقله).
قال الإمام يحيى في التمهيد: بل يجب أن يكون اشتهار المعارضة أولى من اشهار القرآن؛ لأن القرآن حينئد صير كالشبهة، وتلك العارضة كالحجة، ومتى كان لمر كذلك كانت الدواعي متوفرة إلى إسقاط أبهة المدعى وإبطال رونقه، وكان اشتهار المعارضة أولى من اشتهار الأصل.
قوله: (كمعارضة مسلمة وابن المقفع).
روي عن مسلمة في معارضة سورة الكوثر إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وجاهر ولا تطع كل شيح فاجر. وتعرفى إلى ابن المقفع معارضة ركيكة لا يعول على نقله، وأبلغ ما نقل من المعارضات، ما عرى إلى المتنبي الشاعر المعروف، فكان قد ادعى النبوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، فحنس حتَّى كاد يهلك ثُمَّ تاب فأطلق، قال: والنجم الستار والفلك والدوار والليل والنهار إن الكافر لفي إخطار، امض على سبيلك وانف أثر من قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دنيه، وصل عن سنبله وابن هذا على بلاغته من عدوته الكلام الإلاهي وجوده ألفاظه ومعانيه وحسن رونقه، قال بعضهم: ما أجهل أبا الطيب فيما رام، أين قوله: امض على سبيلك إلى آخره من قوله: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين}.
قوله: (فيما يتصل بالنفس والمال).
الذي يتصل بالنفس إقامة الحدود من قبل وغيره، وإبغائها في طعاته والجهاد معه ونحو ذلك، والذي يتصل بالمال أخذ الحقوق منه والستعانة ونحو ذلك.
قوله: (على أنَّه ليس من حق المعارضة أن تشابه المعارض من كل وجه..)الخ.
هذا الجواب ليس بالمطابق لأصل السؤال؛ لأن حاصل السؤال أن العارضة لا ينقطع بها السجادة، فجواب ذلك ما ذكره أولا، ولعله لمح إلى أن السائل متى على أن البعض لها وتقربت على اشتراط مساواتها فيكون النزاع في حصول التساوي، فأجاب بأن التساوي غير مشروط بل يكفي التشابه.
قوله: (وأما الملائكة فنحن وإن جوزنا قدرتهم على مثله إلىه.
قيل: أن قوله تعالى: {فأتو بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله } تجد لكل أحد من الجسن و والإنس والملائكة لأنَّه قال: فادعوا من استطعتم من دون الله أي ادعوهم إلى أن يعبثوا على الإتيان بمثله، فإنهم لا يستطيعون الإعانة على ذلك، وفي هذا إخبار بعجز من دون الله قد خلت الملائكة في ذلك.
قوله: (يكفي في العلم بكونه ناقصاً لعادة العجم..) الخ.
هذا كلام ركيك، فإنه ليس وجه إعجاز القرآن في حق العجم كونه ناقضاً لعادتهم أنفسهم، فإن كل كلام عربي فصيح أو غيره يثبت فيه ذلك وإنَّما وجه الاعجاز في حقهم هو وجه الاعجاز في حق العرب وهو كونه ناقصاً لعادة العرب مع كونه من جنس ما يتعاطونه، فإذا علم العجم أنَّه أتى بكلام من جنس كلام العرب وارد على صنعهم وعجزوا مع ذلك عن التيان بمثله كفاهم ذلك في كونه معجزاً دالاً على صدقه، وقد ورد من الأسألة في هذه المسألة أسئلة أخرى غير ما ذكره المصنف فمنها أنَّه كيف يتبنا لكم الحكم بكون القرآن معجزاً مع أن كثيراً من سور القرآن، وآياته محكية عمن تقدم من الأنبياء والأمم بكيف يحتج بها ويقال: إنها كلام لله ومعجزة، وقد أجيب بأن الكلام الوارد في الحكاية هو كلام الله وفعله.... والصادر عن الأنبياء والأمم هو معناه حفظ، ومنها أن من سور القرآن ما أتا به وألففاظه قليلة كسورة الكوثر وشبهها ومن أصولكم أن كل سور مستقلة بالاعجاز على انفرادها، ومن التعبد أن يتعذر على الفصحاء الاتيان بقدر ثلاث آيات ألفاظها جزيلة /94/ ومعانيها رائقة، وأجيب يمنع ذلك، فإن الفصحاء وإن أنواععاً هذا حاله فلن يرتقى إلى درحة القرآن إلى درجة القرآن في حسن المعاني وجودة الألفاظ، ومالها من الدرونق والطلاوة، وأجيب أيضاً بأنه لا يمتنع حمل ما ورد من التحدي بالسورة على السورة البار الَّتِي يطول سياقها، قال مولانا عليه السلام: وهذا خلاف الظاهر وما تم ما تكلف على العدول إليه.
تنبيه
قيل: ما ذكره المتكلمون من كون دواعي العرب متوفرة إلى المعارضة ليس على حقيقته ؛ لأنهم يعلمون ضرورة بعذرها عليهم، وما كان كذلك لم تتوفر الدواعي إليه، وإنَّما ينبغي أن يقال: دواعيهم متوفرة إلى التخلص مما لديهم من الحجة بإظهار العمجز وهم يعلمون أن ذلك لا يتم إلاَّ بالمعارضة، فإذا يبلغوها علمنا عجزهم عنها، قال مولانا عليه السلام: هذه منافشة لا حاجة إليها، فإن المراد أن دواعيهم متوفرة إلى المعارضة على تقدير إمكانها، فلو كانت محكته لحصلت منهم، فلما لم يحصل ذلك دلتا على عدم الإمكان.
فصل في وجه إعجاز القرآن
قوله: (ذهب الجمهور إلى وجه إعجازه هو كما ذكر).
قيل: وقد اختلف المتكلمون في حقيقة ذلك من الفصاحة كقوله: {وقيل يا أرض بلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين}. وقوله تعالى: {بل يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا زاهق} وقوله: تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحة} الآية، وقوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون} الآيات، وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} وبعضه ليس كذلك.
قوله: (واعلم أن الفصاحة) إلى آخره.
هذا معنها المصطلح عليه وأما في الأصل فتنبي عن الإبانة والظهور يقال: فصح الأعجمي وأفصح إذا انطلق لسانه وخلص من اللكنة، فلم يلحن وأفصح به أي صرح ومعنى كونها في مفرد الألفاظ ومركبها أنَّه يحصل حقيقتها وما هيتها في كل من النوعيين.
قوله: (وتوصف بها الكلام والمتكلم).
كان الإكمال أن يقول ويوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم؛ لأن الكلمة مما يحصل معنى الفصاحة فيه، يقال: لكمة فصيحة وكلام فصيح في النثر وقصيدة فصيحة في التعلم ويقال: كانت فصح وشاعر فصيح.
قوله: (والبلاغة كالفصاحة) الخ.
يعني في الاصطلاح وأما في أصل اللغة فيعني عن الوصول والنتهاء.
قوله: (فلا يقال كلمة بليغة).
يعني ويقال: كلام بليغ ومتكلم بليغ، وقد تفسر في الاصطلاح بأنها التيان بالكلام فصيحاً مع مطابقته لمقتضى الحال.
قوله: (فالفصاحة في اللفظ المفرد) إلى آخره.
مثال التنافر لفظه مستسررات في قول امرء القيس: غداين مستسررات إلى العلى. وهو حال للكلمة يقتضي كونها ثقيلة في نطق اللسان بها ومثال الغرابة لفظه مسرحاً في قول العجاج: ووقاحماً ومرسناً مسرجاً. والمرسن الأنف ومراده بقوله مسرحاً: إما أن أنفه كالسيف السريحي في الدقة أو كالسراح في البريق وفي كلهما غرابة ومعناها كون الكلمة وحسنه غير ظاهرة المعنى، ومثال مخالفة القياس لفظه لأجلك في قوله الحمد لله العلي الأجلل.
قال القياس الأجل أن الإدغام واجب هاهنا وضابط المخالفة أن يؤتى بالكلمة على خلاف القانون المستنبط من نبع لغة العرب كوجوب الإعلال والإدغام وغير ذلك مما يشتمل عليه علم التصريف.
قوله: (وفي اللفظ المركب خلوصه) إلى آخره.
ويعتبر مع ذلك كون مفرداته صحيحة، والمراد يضعف التأليف أن يكون تأليف آخر الكلام على خلاف قانون النحو، أما عند النحاة كافة أو عند معظمهم بحيث يكون ممتنعاً عن الجمهور كالإضمار قبل الذكر لفظاً ومعنى نحو ضرب غلامه زيداً وإن أجازه بعض أهل النحو والتنافران تكون الكلمات ثقيلة على اللسان /95/ وينقسم إلى مثناه في الثقل كقوله: وليس قرب قبر حرب قبر. وإلى ما هو دون ذلك كتكرار لفظه أو مدحه في قول أبي تمام: كريم مني أمدحه أمدحه والورى معي ومتى ما لمته لمته وحدي.
والتعقيد ألا يكون دلالة الكلام على المراد منه ظاهره إما لخلل في النظم بأن لا تترتب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني سبب تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار أو عني ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد كقول الفرزدق في مدح إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله في الناس إلاَّ تملكاً ... أبوامه حي أبوه يقاربه
فإن مقتضى الترتيب ليس مثله في الناس حي يقاربه إلاَّ مملكاً أنوامه أي أم ذلك المملك أبوه أي أبو إبراهيم الممدوح، وأما الخلل في انتقال الذهن من المعنى الول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود لبعد اللوازم وخفا القرائن كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكت عينياي الدموع لتجمدا
معناه أن عادة الزمان الاتيان بنقيض المقصود فصار من بيانه أن يطلب عكس ما يريد ليقع ما يريد فيطلب بعد الدار ليقع القرب وتسكت الدموع والمراد الكناية عن الكآبة والحزن لفراق الأحبة وهذا صائب؛ لأنَّه كثيرياً ما يجعل البكاء دليلاً على الحزن لكنه أخطأ في قوله لتجمدا وجعله كناية عما يوجبه التلاقي والوصال من الفرح والسرور؛ لأنَّه إنَّما ينتقل من جمود العين إلى نحلها بالدموع لا إلى ما قصد.
قوله: (مع مطابقة المقام) إلى آخره.
هذا خلاف ما يذكره أهل علم البلاغة، فإنهم لا يشرطون في فصاحة الكلام مطابقته للمقام، وإما هذا القيد شرط في الكلام البليغ، فالبليغ من الكلام ما جمع شروط الفصيح مع مطابقة المقام، وربما استعملت الفصاحة في مكان البلاغة وإلى هذا لمح المصنف والله أعلم.
قوله: (فإن المقامات مختلفة) إلى آخره.