الكلام في النبوات
الواو، وهي الأولى مع التشديد، والنبوة مصدر، فإن همزت فهي بمعنى الأنباء كما ذكر؛ لأن النبي مخبر عن الله ومبلغ عنه، وإن لم يهمز فهي من التنبوء نبا المكان .... إذا ارتفع، ومنه تسمية ما ارتفع من الأرض نبياً، قال:
لأصبح رثماً دقاق الحصى ... مكان النبي من الكاتب
والطريق أيضاً تسمى نبياً، ومنه الحديث نهي عن الصلاة على النبي ـ أي الطريق ذكره في الضياء، قال فيه: والنبي واحد الأنبياء واشتقاقه من النبي المكان المرتفع؛ لأن النبوة أرفع المنازل، ومن النبي الطيق؛ لأنه طريق إلى الخبر، وعلى ذها فالنبوة صفة للنبي، ومعنى فيه، إما بمعنى الأنبياء أو بمعنى الرفعة، أو بمعنى كونه طريقاً إلى الخير.
قوله: (وهي والرسالة في الإصطلاح بمعنى واحد وهو ما يحمله الإنسان..) إلى أخره.
فيه نظر، ويلزم أن يكون القرآن وما بلغه الرسول من الأحكام نفس النبوة هو بعيد، كما ترى، والأولى أن يقال: وهي تحمل الإنسان لما تحمله عز الله إلى الخلق من غير واسطة يسر ولم يذكر الرسالة لغ وهي في اللغة الألوكة.
قيل: ومنه سمى الملائكة ملائكة؛ لأنهم يحملون الرسائل وهي الألوكات عن الله إلى الخلق، فنمهم بتبليغ السرائع والإنتقامات كجبريل، ومنهم بالحفظ لعمل العباد، ومنهم بغير ذلك، والرسالة تقع على ما تحمله الرسول من غير إلى غير، ولا فرق بين أن يكون مالاً يحمل أو كلاماً يبلغ، وتقع رسالة أيضاً وإن لم يكن هناك شيء يتحمل كما في إرسال الله الملائكة لحفظ أعمال العباد، وكنايتها، وكما في إرسال الطلائع والعيون للدرية بما هو مجهول.
قوله: (من غير واسطة تسر).

هكذا عبارة المتكلمين في هذا الحد، ونقل عن والدنا الإمام الهادي علي بن المؤيد أن الأولى أن يقال: بواسطة غير يسر، ولعله أراد أن هذه العبارة تحصل بها ما أرادوه من الاحتراز، وما أرادوه من التثنية على أن يحمل الأنبياء لما تحملوه من الله عن واسطعة بطريق المنطوق لا المفهوم، وعبارتهم لا تفيده إلا من قبيل المفهوم فقط، لكنه يقال: إن هذه العبارة التي اخترعنا نخرج عنها ما يحمله نبي من غير واسطة كموسى عليهم السلام /72/ ووكنبينا صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي من مناجاة الله إياه ليلة العراج وعناية الجمهور الجرح عنها، ذلك إذ لا يمكن أن يقال عطف الرسل للتعظيم، يعني لكون الملائكة أفضل منهم، وهذا بناءاً على قاعدة العدلية من تفضيل الملائكة، لكن في كلامه نظر ن وهجين، أحدهما: أن كلامنا في منع تسميتهم أنبياء، وليس في هذه الآية ما يشعر به الوجه الثاني أن احتجاجه مشعر بأنه لا يصح تسمية الملك رسولاً، والقرآن قد نص على خلافه، قال تعالى: {جاعل الملائكة رسلاً} وقال تعالى: {يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس}، والمصنف لا يجهل ذلك، ولكن بني على أن تسمية الملك رسولاً إنما هو لغة لا إصطلاحاً، وأما في الإصطلاح بمعنى الرسالة المصطلح عليها غير حاصل فيه كما يشعر به تخفيفها المذكور، وقد ذكر بعض المتأخرين أنه يجوز تسمية الملائكة رسلاً وأنبياءاً لغة وشرعاً، وعلى اصطلاح المتكلمين؛ لأن معنى ذلك موجود فيهم، إذ فيهم من أرسل إلى الأجناس من الخلق، وهم عند الله بمكان رفع به منازلهم وأجبرهم، وهم مجبرون عن اله ولذهابه إلى هذا المعنى قال في حد النبوة والرسالة: هي تحمل الشرائع عن الله إلى الخلق، ولم يقل كقول المصنف ما يحمله الإنسان وكلاه لا بأس به إلا في لفظ النبي، فلم يطلق على الملك لغة ولا عرفاً، ولا سمع بذلك في استعمالات الشرع وأهله ولا كلام أهل اللغة.
قوله: (والنبي فعيل بمعنى منبئ).

اسم فاعل أو بمعنى منبئ اسم مفعول نظيره نذير بمعنى منذر بكسر الدال وحكم في وصف لاقرآن بمعنى محكم بفتح الكاف وهذا مع البناء على كونه مهموزاً وأما مع التشديد فهو فعيل بمعنى فاعل كعليم وسميع، هذا على تقدير كونه من النبوء، وهو الارتفاع، وأما إذا جعل التشديد من قبيل تخفيف الهمزة وتسهيلها فهو كالمهموز.
قوله: (وفي صحة استعماله بالهمز خلاف بين الشيو، ذهب أبو هشام وأصحابه إلى جوازه أخذاً له من الأنباء، وهو الأخبار مع عدم مانع من استعماله، كذلك أدلابوهم الخطأ، وقال أبو علي: لا يجوز إطلاق ذلك.
واختلافهم نقل في جو نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ولعل سائر الأنبياء في حكمه.
قوله: (والحق جواره).
يعني لاقتضاء قواعد اللغة صحته، ولوروده في القرآن من القراءات السبع قراءته نافع.
قوله: (دائماً أنكر عليه السلام إلى ى×ره إشارة إلى حجة أبي علي في المنع عن استعماله مهموزاً في الأثر أن أعرابياً قال: يا نبيء الله بالهمز، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <لست نبيئ الله وإنما نبيُّ الله>، أنا وهو ظاهر الدلالة على ماذكره أبو علي، لكن قد تُؤُوِّل لمعارضته القراءة السبعية، والجري على القادة اللغوية بما ذكره المصنف وحاصله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهم من الأعرابي أنه قصد بذلك الوضع عن منزلته، وفطن لما أراد ن أنك إنما أن منبئ، ومخبر فقط من غير علو درجة وارتفاع منزلة، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقريعه وتوبيخه وتنبيهه على فهم مراده، والله أعلم.
قوله: (وقال الشيخ محمود هو المؤدى عن الله) إلى آخره.
هذا الحد يقضي بصحة تسمية الملائكة أنبياء لحصوله فيهم.
فصل
قوله: (ولا فرق عند أصحابنا بين الرسول والنبي).

يعني في الشرع واصطلاح المتكلمين والخلاف في ذلك معزو إلى الخشوية وإلى الإمامية وإلى الزمخشري، وقاضي القضاة، وقد مر ذكر حقيقة النبي ممن حصلت فيه تلك الحقيقة فهو عندنا رسول ونبي مع حصول الوحي من الله تعالى إليه على لسان ملك بكلام ظاهراً، وخفي بلغته في باطن سمعه أو بكلام من الله بخلقه لا بواسطة، وحصول معجزة تدل على صدقه وشريعة تأتي بها أو يحيى شريعة قد اندرست كان قد أتى بها نبي قبله وسواء كان ما أتى به قليلاً أو كبيراً والمخلافون اتفقوا على أن الرسول من أرسل بشريعة مستجدة، وأنفقوا على أن معنى النبي يخالفه لكن اختلفوا في معناه، فحكى بعض المغفلين عن الإماية أن النبي من نبيّ إلى نفسه ولم يبعث رسولاً /73/ إلى غيره، ونقل عن الحشوية أنه يصح أن يسمى بعض الأشخاص نبياً من غير وحي ولا معجزة ولا شريعة متحددة، ولا أحياء مندرسة، بل يكون له بتوترات وإلهامات تفارق بها سائر اليسر وعنهم أنه الذي يرى في المنام ما لا يختلف ونسبه الوحي والمنقول عن الزمخشي وقاضي القضاة أن النيب من بعث لتقرير شريعة جاء بها غيره وأحياء ما اندرس منها، كهارون ويوشع وأكثر أنبياء بني إسرائيل بعد موسى فإنهم مقررون لأحكام التوراة محددون لمندرسها فقط، ورد ما ذكرته الإمامية والحشوية بأنه إذا تنبأ الله بنبأ لا يمكن أن يدل عل نبوته إلا المعجزة؛ إذ لا طريق إليها غيره، ولابد إليها من طريق، وإلا كانت النبوة عبثاً، والنيب لا بد فيه من معنى الإرسال ولا يصح أن يكون رسولاً إلى نفسه ولا يتصور فرق بينه وبين الأفاضل من أمية أو أهل وفيه ألا يكونه بوحي إليه ويظهر المعجز على يديه ويهتدي إلى ما لا يهتدي إليه غيره، ويهدى إليه.
قوله: (وأما قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول ولا نبي}) إلى آخره.

هذه حجة القائلين بالفرق بينهما، قال الزمخشري: هو دليل بين على تغاير الرسول والنبي، قال: والفرق بينهماأن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعوا الناس إلى شريعة من قبله، وقد أجيب عن ذلك بما ذكه المصنف وهما وجهان أدخل أحدهما في الآخر.
الأول قوله: قالوا: فلا يدل على الفصل، كقوله: وملائكته، فحاصله أن العطف قد لا يكون للتغاير بل للتفخيم، واعترض بما ذكره وهو واضح.
الثاني: ما جعله جواباً على الاعتراض، وهو لا يصح جواباً عنه، ,غنما هو وجه مستقبل في بيان معنى للعطف غير التغاير الذي احتجوا بالعطف عليه.
قوله: (كما يقال فلا قادر وعالم).
يقال: أما إاذ جعلتههه من هذا القبيل فهو حجة عليك لا لك؛ لأن القادر والعالم متغايران مختلفان في المعنى، ومما يجاب به احتجاجهم بالآية أن الشيء قد يعطف على نفسه مع اختلاف اللفظ للتأكيد.
قوله: (قيل ولا يبعد أن يكون الرسول) إلى آخره.
هذا كلام الزمخشي إلى قوله: بتغرير شريعة، وأما قهل: فتغيير، فإن من باب الأعم والأخص فكلام المصنف ركيك المعنى غير صيح ولا واضح، فإنه لا أعمية في أحدما ولا أخصية في الآخر، بل لهما معنيان متباينان، وإنما يوجد أن كل رسول يسم نبياً من ظاهر كلام المخالفين وما لا بد لهم منه، وهو تسمية الرسل أنبياء، فالقياس أن يقولوا: النبي كل من بعث وأوحي إليه، والرسول لا بد فيه من قيد زئاد، وهو أن يكون بعينه بكتاب وشريعة متحددة.

قوله: (ويمكن أن يعجل الفرق بينها هذا كلا يقتضي أن الرسول أعم ولا بأس به في تأويل الآية، وأما في مسألة الاختلاف فلا يصلح تأويلاً لكلام المخالف ولا تقرير المحل المنازع فيه، فإنه أمر متفق عليه، واعلم أن الزمخشري والقائلين بقوله يحتجون بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل: فكم الرسل منهم، قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً، وفي المصابيح أن الأنبياء مائة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائة وستون ثمانية منهم من العرب، أولهم إبراهيم وآخرهم محمد، وقد أجيب بأن الخبر أحادي، والمسألة قطعية، وأنه مخالف لما قضت به الأدلة العقلية ويتأوله بأن يريد بالأنبياء من يصلح للنبوة وبالرسل من أرسل، وفيه نظر، ويلحق بهذا الفصل فائدتان:
الأولى: أنه لا يطلق لفظ النبي والرسول على أحد من البشر شرعاً واصطلاحاً إلا في حق الأنبياء عليهم السلام، وأما مع التقييد بالإضافة إلى غير الله تعالى فيجوز في حق غير الرسل، كأن يقال: فلان رسول فلان أو نبي فلان، بمعنى أنه أنبأ عنه أو أخبره وأنبأه، وقد صار الأسبق إلى الاتهام والغالب بعرف الشرع من إطلاق لفظة الرسول أو النبي أو إضافته إلى الله كرسول الله ونبي الله، أن المراد بذلك خاتم الأنبياء صلى الله عليه.
الفائدة الثانية: في ذكر الأسماء التي يشترك فيها الأنبياء ويطلق على كل منهم /74/ وهي النبي والرسول والمصطفى والمجتبى والمختار والبعث والمبعوث والمرسل والحجة، وغير ذلك، لكن أكبر الإستعمال للفظي الرسول والنبي، وقد ورد في كلامهم قال: المبعثو، وقال: الحجة، وقال: النذير، واختلف في اسم الحجة، هل يستعمل في غير النبي كالإمام أولاً فالأظهر من كلام المتكلمين المنع، قالوا: لأن النبي إنما سمي حجة؛ لأن أقواله وأفعاله يحتج بها، وليس الإمام كذلك، وقالت الإمامية: بل يجوز وصف الإمام بذلك.

قيل: وهو الصحيح بل لو قيل: أنه يوصف بذل جميع الأحياء، بل الأجسام، بل الأعراض المستدل بها على الله تعالى، لكان ذلك جائز إلا أن الشرع منع من ذلك؛ لأن هذه اللفظة موضوعة للتفخيم والتعظيم، فاختصت الأنبياء والأئمة تلوهم والعلماء تلو الأنبياء فلا وجه للمنع من ذلك،.
قال مولانا عليه السلام: ولا يخلو عن نظر، فإن لقائل أن يقول: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، فمفهومه أن الحجة بعدهم قد صارت لله، ومثل هذا لا يوجد في غير الأنبياء، ونقل عن أبي الهذيل وعناد صحة أن يوصف بذلك العدد الذي يحصل العلم عند خيرهم.
فصل
في أنه يحسن بعثة الأنبياء عقلاً.
قوله: (قد خالف في ذلك البراهمة).
قيل (سموا براهمة لإنكارهم حسن البعثة، والنبوات إلا نبوة إبراهيم وآدم، وقيل: لانتسابهم إلى رجل اسمه برهم، وقال بان الملاحمي: بل إبراهيم، وخلافهم في هذا الفصل ظاهر، وقد نسب الخلاف فيه إلى فرقة ينكرون الملل كلها، ذكره بعضهم وعزا الإمام يحيى في التمهيد الخلاف فيه إلى الملحدة والزنادقة والمعطلة والدهرية، وججمع من الطبائعية ويمكن أن يقال: لا وجه لذكر خلافهم هنا؛ لأن خلافهم في إثبات الصانع المختار يرفع قاعدة النبوة، فخلافهم فيها إنما تفرع على الخلاف فيه.
قوله: (وهذا هوس محض).
شبه قولهم هذا بالهوس، وهو طرف من الجنون لمخالفته ما علم من الدين ضرورة، ورده لصريح القرآن.
قوله: (إنه لا يمتنع أن يكون في أفعالنا ما هو لطف لنا) إلى آخره.
ظاهره أن الذي يحصل بإرسال الرسل من البيان كاف في حسن البعثة.

قيل وفيه نظر؛ لأن مجرد التعريف بذلك لا يكفي في حسن البعثة؛ لأنه سبحانه قادر على أن تعرفنا بها كا الملائكة والأنبياء فلا بد أن يكون في نفس البعثة مصلحة وإلا كانت عبثاً، وتلك المصلحة ما ذكروا من أنه لا بد فيها من لطف للمنعوت، والمنعوت إليه، وقد يقال: فكيفية التنظير أن في مقدوره تعالى ما يقع به البيان من غير بعثة، إما يخلق المعلوم الضرورية بما كلفنا، وإما بأن يخلق لنا من اللكلام ما سمعه ويبين به.
وأقول: إن هذا التنظير وهم؛ لأنه إنما يصلح، وأرادا على القول بوجوب البعثة، فيقال: لا يجب إلا إذا لم يمكن البيان بغيرها مع أنه أيضاً إنما يصلح قادحاً في القول بتعيين وجوبها، وأما إذا جعلت واجبة على التخيير فلا، أما على القول بحسنها فلا معنى له؛ لأن إمكان البيان بغيرها مع كونها طريقاً من طرقه لا يقتضي كونها عبثاً ويخرجها عن حيز الحسن إلى خير القبيح، وأما قول من قال: إما يخلق المعلوم الضرورية بما كلفنا فكيف يصح ذلك مع كون المكلف لا يعلم ضرورة.
قوله: (هل استتر أم).
معى الاستتار ظاهر، وهو هنا كونه سائراً لا مستوراً، وفي بعض النسخ: هل استترم، والمعنى هل حان أن يرمى، أي صلح.
قوله: (لمصلحة أعظم من ذلك).
يعني وهي المصلحة الدينية لما يحصل به من اللطفية.
تنبيه
لم يتعرض المصنف في هذا الفصل لذكر وجوب البعثة، وهو بحث مهم على قاعدة الأصحاب، وقد أساء إليه في الفصل الذي يلي هذا إيثاره تسييره غير مقصودة، والقول بوجوبها يبتني على أصلين:
أحدهما: أنها لطف.
والثاني: أن اللطف واجب عليه تعالى.

فأما الأصل الثاني فقد مر الكلام فيه /75/ وأما أنها لطف فللإصحاب في تقريره تحريرات تأتي منها بما ذكره الإمام يحيى في التمهيد، وهو أنا نعلم قطعاً بالضرورة بعد الخبرة، واستقل العادة أن الخلق إذا كان لهم رئيس قاهر يمنهم عن المحظورات ويحثهم على فعل إداء الواجب ويذكرهم بالله ويخوفهم عقابه، فإن حالهم إلى أداء الواجب وترك القبيح قرب من حالهم لو لم يكن ذلك مع ما يخصه الله به من إظهار الإعلام البين دالة على صدقه، ولا معنى للطف إذا ذال، واعترضه الإمام عليه السلام بمنع كون البعثة لطفاً، وإنما هي فضل وإحسان كأصل التكليف ولا يسلم إنما ذكر يكفي في الدلالة على كون البعثة لطفاً إلا بتق خلو البعث عن جيمع جهات القبح، فإن كون الفعل مصلحة من وجه لا ينافي كونه مفسدة م نوجه آخر، فعليكم أن تقيموا الدلالة على أن البعثة خالية عن جميع جهات القبح، ويمكن الجواب بأنا قد علمنا حسنها بما تقدم، وبأن الله سبحانه وتعالى لا يفعل إلا الحسن، فإذا لم يكن المانع من الوجوب إلا نحو تزان للقبح وجهاً، فقد حصل ما يدفع هذا التجويز والله سبحانه أعلم.
فصل
إذا قلت أن وجه حسن البعثة كونها لطفاً لم تجب أن يكون في كل زمان نبي خلافاً لقوم.
قوله: (لأن الحسن في البعثة ملازم للوجوب).
هكذا ذكر أصحابنا، فإن أرادوا الوجوب المعين فغير مسلم؛ لأن البيان إذاً كان يحصل بها وبغيرها حسنت ولم تتعين لقيام غيرها مقامها، وإن أريد الوجوب على التخيير فصحيح والله أعلم.
قوله: (كالثواب وكشكر النعمة).
يعني فإن الثواب متى لم يجب لم يحسن؛ لأنه يتضمن تعظيم من لا يستحق التعظيم، ومتى حسن وجب وكذلك الشكر فيه تعظيم للمشكور، فإن لم يكن منعماً لم يحسن شكره، ومتى أنعم أحسن، ووجب، وكان الأولى أن يقول: والشكر ولا تقيده بالنعمة؛ لأن شكر النعمة واجب بكل حال، فلا يمكن أن يقال فيه: متى لم تجب لم يحسن.
قوله: (أولاً مرد ينوي).

أدرج المصنف هذا القول في معرض الاحتجاج لأولئك القوم الذين حكى خلافهم وغيره يترجم المسألة في هذا المعنى بأن البعثة لا تجب إلا إذا كانت لطفاً للمنعوت نفسه، والمنعوت إليه، ثم يحكي هذا الخلاف ويقول مثلاً خلافاً لأبي القاسم فزعم أيها يجب لمصالح الدنيا كمعرفة اللعاب والسموم والأعدية، وكذلك الأدوية، والصانع والمعادن، وإلى هذا أشار بقوله: ونحو ذلك، وقوله: بجميع الظالم والرجز عن الفساد فيه فيه نظر؛ لأن هذا ديني لا دنيوي، ولو كان فيه صلاح دنيوي.
قوله: (على أنه لو وجبت البعثة لما يرجع إلى البعثة وحفظ الصحة) إلى آخره.
يعني إذا ملتم بوجوبها للتعريف بالأغذية والسموم والأدوية التي نحصل بمعرفتها رعاية الصحة وحفظها وحصل التنقية لكان ذلك قاضياً بوجوب التنقية؛ لأن البعثة لأجلها تتفرع على وجوبها كما أن البعثة لأجل الشرائع فرع على وجوبها، وإذا وجبت لم يجز من الله الاحترام؛ لأن فيه إخلالاً بالواجب، وفيه نظر؛ لأن الذي يستلزم وجوب البعثة لذلك وجوب طلب التنقية على المكلف و الاعتناء بتحصيلها لا وجوبها على الله فليتأمل قوله: ولما حسن بنفيه من علم جهل ما يعب به الأنبياء تقرير هذه الوجه: أنها لو حسنت التنقية من دون ذلك يستقم القول بوجوب البعثة لأجل التنقية؛ لأنه لا يحسن منه تعلى تنفيه المكلفين من دون أن يبعث إليهم من يعرفهم بحكم الأغذية والسموم والفصل بينها، فإذا لم يبعث فيجب التنقية، وهذا فيه من المكلف ما لا يخفى، ومن البين عدم استلزام ترك البعثة لقبح التنقية، وإن ان الغرض من البعثة ما ذكره الخصم.
فصل
قد تقدم أن البعثة متى حسنت وجبت.
قوله: (وعلى الجملة فإنما يحس) إلى آخره.

106 / 158
ع
En
A+
A-