إما أن يشاهده يصدر منه ويعلم وقوفه على قصده وداعيه فيه نظر لن مشاهدتنا لصدور الكلام منه كافية في معرفة إضافة الكلام إليه ولو لم يقف على قصده وداعيه ككلام الساهي والنائم وأهمل المصنف وجهاً ثالثاً وهو الخبر المتواتر بصدور كلام من متكلم معين فإن هذه طريق واضحة.
قوله: (فإنه ليس من ضرورة المعجز أن يكون فعلاً لله).
يعني بل وقوعه من القادر بقدرة على وجه لايتأتى من غيره من القادرين بقدرة إيقاعه عليه كاف في إعجازه، ويكون المعجز في الحقيقة إقداره على ذلك.
فصل
لاخلاف بين الناس في أن القرآن كلام الله وإنما اختلفوا في القرآن ما هو هذا الذي ذكره المصنف كما ترى وغيره يأتي بالخلاف على وجه آخر ويجعل محل الاتفاق أن هذا المتلو هو القرآن ومحل الخلاف هل القرآن هذا كلام الله أم لا وهذا أولى مما ذكره المصنف. قال بعض الشارحين: فالذي عليه أهل العدل بل جميع الفرق المقرة بنبوة محمد صلى الله عليه أنه كلام الله ووحيه وتنزيله، أي كلامه عرفاً لالغة لأن المتكلم لغة المحدث للكلام ومخرجه من العدم إلى الوجود، والمتلو ليس كذلك بل المحدث له والمتكلم به هو المتفوه به وهو الذي يمدح على قراءته ويذم ويثاب ويعاقب بحسب اختلاف الأحوال والمتكلم في العرف من كان منشأ أصل ذلك الكلام ونظم ألفاظه منه، وإن احتذى غيره على ذلك ونطق به كما نطق به المبتدئ وذلك ظاهر كما يقال في القصائد المنسوبة إلى الشعراء والخطب المنسوبة إلى الخطباء، والرسائل المبتكرة لقوم ويحكيها عنهم آخرون فما هذا حاله ينسب في عرف اللغة إلى المبتدئ لا إلى الحاكي، والقرآن كلام الله بهذا المعنى. وخالف في ذلك الأشعرية والكلابية والمطرفية والباطنية فهؤلاء جميعاً قالوا هذا القرآن ليس بكلام الله تعالى لغة ولاعرفاً ثم افترقوا فقالت الأشعرية: كلام الله معنى قديم قائم بذاته والمتلو عبارة عنه ومثله قالت الكلابية إلا أنهم أبدلوا لفظة قديم بأزلي، ولفظة العبارة بالحكاية، وقالت المطرفية: كلام الله صفة قائمة بقلب ملك يقال له ميخائيل، فبعضهم قال: إن الله أجبر الملك عليه وبعضهم قال: إن الملك صفت طبيعته وخلصت جوهريته واستنبط القرآن، والذي يتبنى حكاية ذلك.
وقالت الباطنية: هو كلام الرسول حصلت معانيه بالفيض من النفس الكلية إلى نفسه الجزئية فصاغ هذا القرآن وهو لفظه.
قوله: (وقال شيخنا أبو علي وأبو الهذيل) إلى آخره.
ظاهر كلامه أنهما لايثبتان ذلك المعنى إلا مع الكلام المسموع وأبو علي مصرح بأن القرآن إذا كان متلواً حل ذلك المعنى مع الصوت وإذا كان مكتوباً حل مع الكتابة، وإذا كان محفوظاً فمع الحفظ فيجعله موجوداً في المحل بغيره كما أوجب وجود الجوهر في جهة بالكون.
قوله: (من جنس واحد).
يعني وإذا اتحدت الجنسية لم يصح الافتراق في قدم ولاحدوث وذلك لأن الحكاية مأخوذة /63/ من المحاكاة وهي المشابهة.
قيل: ودخول الحكاية في الأقوال إن أريد المعنى لم يعتبر فيها المماثلة وإن أريد القول لم يكن بد من المماثلة ومسألتنا من هذا القبيل وأما الحكاية في الأفعال فتدخل في المتماثل كقولك هذا السواد يحاكي هذا وفي المختلف كهذه الكتابة تحاكي هذه مع اختلاف اللفظ وفي المتضاد كهذه المشية تحاكي هذه مع تضادهما.
قيل: وإذا أ"لقت حكاية القول فشرطها اتفاق اللفظ والمعنى وذلك نحو تلاوتنا القرآن وروايتنا للأحاديث وشروط حكاية القول مطلقاً قصد الحاكي ذلك وأن يأتي به معرباً لاملحوناً وإلا يرويه مطلقاً إن كان مقيداً ولا مقيداً إن كان مطلقاً بل يأتي بالكلام كما قيل.
وأبو هاشم هو الذي شرط عدم اللحن وقال غيره إن غير اللحن معنى المحكي خرج عن كونه حكاية وإلا فلا.
قوله: (لأن العبارة لابد أن تكون من جنس المعبر عنه.
قيل: ولايدخل إلا في القول فإن أ"لقت أو قصد العبارة عن اللفظ فلا بد من التماثل كالحكاية وإن قصد عن المعنى لم يعتبر إلا تحصيله لا تماثل الألفاظ ومثال الحكاية للمعنى والعبارة عنه قول بعضهم:
إني من النفر الثلاثة حقهم ... أن يرحموا لحوادث الأزمان
مثرا قلّ وعالم مستجهل ... وعزيز قوم ذل للحدثان
حكاية لمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ارحموا ثلاثة عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالماً بلغت به الحمقى )) وعبارة عنه.
قوله: (أن يبين أولاً أن الكلام من جنس الحروف والأصوات ثم يبطل الكلام النفسي).
يقال: لم تفعل هكذا بل قدمت إبطال الكلام النفسي شاهداً وغائباً وجعلت بيان كون الكلام من جنس الحروف والصوات ضمنياً.
القول في إبطال الكلام النفسي شاهداً وغائباً
قوله: (وبعد فلا بد من القول بصحة إدراك هذا المعنى النفسي).
لعله يريد على قاعدتهم في كون الإدراك معنى لأنه يلزم إذا وجد الإدراك الذي هو معنى لشيء ألا يتوقف إدراكه على شرط لأن هذا حكم العلل وفي هذا الاستدلال ركة ورقة ولقد كان مستغنياً عن إيراده بما هو أوضح منه وأوصل إلى مراده.
قوله: (لايصح التوصل بالعبارات إلى المعاني).
يرد هنا سؤال وهو أن يقال: ألستم توصلون بالحدود وهي عبارات إلى معنى المحدود وبالأدلة وهي عبارات إلى العلم بالذوات المستدل عليها وأجيب بأن الذي جوزناه كون العبارات تعرف بها معاني ثابتة في نفس الأمر لكن جهلها جاهل فعرف بالحد والدليل ما هو ثابت وليس كذلك ما ذكرتم فإنكم تريدون إثبات ذوات لما يثبت بالعبارة لا على جهة التحديد ولا على جهة الاستدلال.
قوله: (فما عندكم لو لم يخلق الله العرب).
يرد هنا سؤال وهو أن يقال: إن هذا الذي قدحت به اختلال العكس والعكس في الأدلة لا يجب وإنما يجب فيها الاطراد وأجيب بأن لزوم العكس هنا من حيث أنه لاطريق إلى هذا المعنى إلا الكلام فإذا لم يقع الكلام لزم ثبوت معنى لاطريق إليه هكذا ذكروا.
قوله: (وأما قوله تعالى: {يقولون في أنفسهم} التلاوة ويقولون.
قوله: (للزم إذا أخطر أحدنا بباله أن يطلق امرأته) إلى آخره.
يقال: ليس هذا بلازم لأن الشارع علق وقوع ما ذكرنا للفظ الذي هو حكاية أو عبارة عندهم.
قوله: (لأنه كان نصرانياً).
اعلم أنه إنما يحتج من كلام أهل اللغة بما أوردوه لمعنى من المعاني فيستدل بذلك على أن اللفظ موضوع لذلك لامعنى ولامعتبر في الاحتجاج بذلك عدالة اللافظ به وأما إذا نقل الناقل أن اللفظ الفلاني عند أهل اللغة موضوع لما هو كذا فلا بد في قبول ذلك من عدالة الراوي وكونه موثوقاً بحفظه، والذي ذكره الأخطل ليس من أي الوجهين إنما يقضي بأنه يذهب /64/ إلى ..... أن الكلام معنى في الفؤاد وسواء كان عدلاً أو غير عدل فليس قوله بحجة مع أنه كان كافراً كفراً صريحاً ومما ينسب إليه من الشعر:
فلست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائم كالعير يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولقب الأخطل من قولهم رجل أخطل إذا كان طويل الأذنين وإذا كان أيضاً بذيء اللسان ويقال أنه لقب بذلك لأن ابني جعيل وأمهما تحاكموا إليه فقال:
لعمرك ابني وابني جعيل ... وأمهما لإنسان لئيم
فقالوا له: إنك لأخطل فغلب عليه ذلك.
قوله: (وأقل ما يتوصل بذلك إلى نفي كونه معجزاً).
أي إلى نفي كون هذا القرآن المتلو معجزة لنه ليس بكلام الله في الحقيقة بل كلام الله غيره وفيه نظر ويلزم منه أن كل من قال من علماء الإسم بأن كلام الله معنى قائم بذاته يلزمه نفي الإعجاز وليس ذلك بلازم لهم.
قوله: (لما صح منه وصفه بأنه ساكت إذا حلف بطلاق امرأته) إلى آخره.
يقال: إن مراده ما أثبت بلفظ وكلام منتظم من الأحرف والعبرة في الحنث بالقصد.
قوله: (ويصح منه القذف).
فيه نظر لأن القذف لايصح منه ولايثبت إلا بأن ينطق به تصريحاً أو كناية أو تعريضاً.
قوله: (ونحن نجيز وقوعها بغير الكلام).
يعني من إشارة أو كناية.
قوله: (لايلزم ذلك).
يعني لأن الصوت جنس أعم غير مساو للكلام كالحيوان والإنسان فإنه ليس يلزم من كون الإنسان من قبيل الحيوان أن يكون كل حيوان إنساناً.
قوله: (إذا كان لا علاقة بينها وبينه).
يعني لكونها ليست مؤثرة فيه ولاهو بمؤثر فيها ولابينهما تلازم فإنه يصح وجوده من دونها فما الوجه في دلالتها عليه.
فصل
قوله: (وأما إبطال الكلام في حق الباري تعالى).
يعني الكلام النفسي.
قوله: (وكان ما يفعله من العبارة دليلاً على ذلك المعنى).
يحتمل أن يكون حرف المضارعة في يفعله هو الياء للغائب والضمير عائد إلى الله تعالى ويكون المعنى ما يفعله من العبارة كالذي يحدثه في الحصى والشجر ويحتمل أن يكون هو النون للمتكلم مع غيره ويكون المعنى ما يحدثه من التلاوة لما هو عبارة عن المعنى.
قوله: (لكان إذا قال أحدنا لغيره) إلى آخره.
فيه ركة ظاهرة فلا ينبغي أن يعول عليه.
قوله: (وهي لاتفيد جميع ما يفيده المعنى النفسي).
يعني لأن المسموع قد يكون خبراص أو أمراً مثلاً، والمعنى النفسي يشتمل على جميع معاني الكلام الإلهي وأنواعه وجميع الكتب المنزلة عندهم.
قوله: (هذا ظاهر الفساد).
يعني لأنه إذا كان إتيانه معنى واحداً وشيئاً منفرداً فاسداً قد قامت الأدلة على فساده فأ,لى ,احرى إذا جعل أشياء كثيرة ففساد ذلك يكون أظهر وأوضح.
قوله: (وإما أن يكون كما يزعمون شيئاً واحداً).
اعلم أن الأشعرية والكلابية يتفقون على أن هذا المعنى النفسي غير حرف ولاصوت وأنه مع ذلك قرآن وتوراة وإنجيل وزبور وغير ذلك من سائر الكتب وأنه أمر ونه يوخبر ووعد ووعيد مع كونه معنى واحداً.
قوله: (لكان القرأن الكريم قد نزل على جميع الأنبياء).
وقوله: (ولكان يصح وصف القرآن) إلى آخره.
مما يمكن المناقشة فيه لأن هذا إنما يلزم لو جعلوا النازل على محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم والقرآن المتلو هو نفس المعنى وهم لايقولون بذلك وإن كان كلامهم غير متضح المعاني ولا متطابق المباني.
قوله: (بما يصح وصفه بأنه إن شاء أمر) إلى آخره.
يقال: بل يصح لأن المشيئة معلقة بإحداث هذا القول الذي هو عبارة.
قوله: (وإنما يكون مفيداً بالمواضعة) إلى آخره.
يقال: هذا في الكلام الذي هو من جنس الحروف والمعنى الذي أثبتوه هو غيره.
قوله: (لكان هاذياً عابثاً).
فيه نظر من جنس ما تقدم وكذلك في قوله: (تقتضي /65/ أن يكون جميع القرآن مجازاً) إلى آخره.
قوله: (فهلا جاز إثبات لون قديم) إلى آخره.
لهم أن يقولوا إنا إنما أثبتنا الكلام القديم بأدلة لنا عليه ولايلزم من إثبات ما عليه دليل إثبات ما لادليل عليه.
فصل
وبأكثر هذه الوجوه يبطل كونه تعالى متكلماً لذاته.
قوله: (كما ذهب إليه برغوث).
هو محمد بن عيسى أحد رجال الجبرية وعلمائهم ولم يقل بمقالته هذه أحد غيره إلا من اتبعه من بعده.
قوله: (لكان متكلماً بجميع أنواع الكلام).
يقال: لايلزم من كونه متكلماً لذاته إلا صحة كونه متكلماً بما ذكره لا وقوعه كما في قولكم أنه تعالى قادر لذاته فيقدر على القبيح وغيره ولايلزم من ذلك وقوعه.
وأجيب بالفرق فإن معنى كونه قادراً صحة الفعل منه لا وقوعه ومعنى كونه متكلماً إيقاع الكلام لاصحته فإنه لايوصف من صح منه الكلام ولم يتكلم بأنه متكلم.
قوله: (فكأن يكون في كلامه الرفث والفسوق وسوء الثنا على نفسهوالهذيان).
عد هذه أنواعاً للكلام وليست بأنواعه المعروفة وإنما ينبغي أن تعد من أقسامه وضروبه والرفث الفحش والقبيح من القول والثناء المدح، والمراد به هنا ضده من قبيل التجوز مع قيام القرينة وهي إضافة السوء إليه والهذيان التكلم بما لايعقل.
قوله: (على أن أصولهم في الجبر) إلى آخره.
يقال: إنما تستد عليهم طرق العلم بصدقه إذا جعلوا الصدق والكذب من الأفعال وأما مع جعل الصدق صفة ذاتية فلا تمنع من ذلك أصولهم الجبرية.
قوله: (حتى يلزم أن يتكلم بكلامه جهرة).
يقال: كلمة جهرة وراءه جهرة أي جهاراً من غير إسرار، وقيل: المراد هنا من غير واسطة ولم يكن ذلك إلا لموسى.
قوله: (لأنا نقول ليس أحدهما عامة والأخرى خاصة).
كان الأحسن أن يقول ليس أحدهما بعام والآخر بخاص والمعنى أن العالم هو المختص بصفة لمكانها يصح منه الإحكام على بعض الوجوه والمعلم هو المحاول لأن يكسب الغير علماً فأحدهما بمعزل عن الآخر وأما المتكلم فمعناه معنى المتكلم مع قيد زائد وهو أن يكون موجهاً لكلامه إلى الغير.
قوله: (فكان يلزم ألا تتغير فائدته) إلى آخره.
ولايلزم مثله على قولنا لأنه تعالى قال ذلك فيما مضى قبل الإرسال والإهلاك ثم عدم ذلك الكلام وتقضى وصار تعالى غير متكلم بذلك بعد الإرسال والإهلاك وإذا تلوناه فالكلام لنا لا له.
فصل وشبهتهم إلى آخره
قوله: (إنما يطلقان على المتكلم بآلة).
يعني أن المرجع بالخرس إلى فساد آلة الكلام وبالسكوت إلى تسكينها عنه هكذا يذكر الأصحاب والمرجع في مثل هذا إلى أهل اللغة.
قوله: (ومحله القلب). يعني عندهم لجعلهم له معنى.
قوله: (فالجماد ليس بمتكلم ولا أخرس ولا ساكت).
يقال: إنما خرج عن الوصف بالكلام وضده لعدم مصححهما في حقه كما أن اللون لما خلا عن التحيز لم يوصف بحركه ولاسكون.
قوله: (لقيل لهم لو لم يكن فاعلاً فيما لم يزل لكان عاجزاً).
فيه نظر لأن كونه عاجزاً لايضاد كونه فاعلاً بل يضاد كونه قادراً.
قوله: (مأووف الآلة).
هو من بآلته آفة وهو معنى الخرس.
قوله: (وهو لايصح لأن ذلك الغير يكون الكلام أخص به).
اعلم أن كلامهم هذا مبني على قاعدة لهم وهو أن أسماء الفاعلين مما يسبق لمن قام به الفعل وللأصحاب قاعدة أخرى وهو أن الاشتقاق لمن صدر منه الفعل ولو قام بغيره وهي مسألة معروفة مبسوطة في غير هذا الموضع.
قوله: (ليؤدين إلى صحة حلول الكلام).
هذه اللفظة بهذه الصيغة وهي الإتيان باللام وبنون التوكيد إنما يصلح جواباً للقسم ولا معنى له هنا، فالقياس ..... وقد يصح ذلك على تأويل وتكلف لاموجب له هنا.
القول في أن القرآن الكريم هو هذا الذي نتلوه بيننا في المحاريب ونكتبه في المصاحف
المحاريب: جمع محراب، والمراد به هنا صدر المسجد.
قوله: (وقد خالف في ذلك المثبتون للكلام النفسي).
يعني خالفوا في قصر اسم القرآن على هذا المتلو والمكتوب فإنهم يسمون المعنى النفسي قرآناً وتورات وإنجيلاً، وأما أنهم يمنعون من تسميته هذا قرآناً فإن كتبهم ومصنفاتهم مصرحة بذلك.
إذا عرفت هذا ظهر لك ضعف احتجاج المصنف عليهم لأنه إنما يستقيم مع إنكارهم لتسمية هذا قرآناً.
قوله: (لاينكر هذا إلا مباهت). قد تقدمت الإشارة إلى ركة هذه العبارة.
القول في أن القرآن الكريم محدث
قوله: (إن هذا القرآن مرتب في الوجود) إلى آخره.
قد ورد عليه سؤال وهو أن هذا يدل على حدوث ما كان من ذلك بتلاوتنا وليس فيه دلالة على أنه كان كذلك في ابتداء وجوده وأجيب بأنه وإن وجد في الأصل هكذا استقام الدليل فيه، وإن وجد معاً دفعة واحدة لم يعلم به أصلاً معنى لأن معناه لايعرف إلا بانتظامه وترتبه بأن يوجد حرف بعد حرف.
قوله: (وقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر}) إلى آخره.
هذا استدلال على أن الذكر هو القرآن.
قوله: (والسبب يشهد بهذا). أي سبب نزول الآية الأولى وهي قوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} يشهد بأن الذكر هو القرآن.
قوله: (والحسن من صفات الأفعال).
وذلك لأن حقيقة الحسن ما للقادر عليه فعله والحسن كون للقادر عليه فعله وهذا حكم للمقدور هكذا ذكروا.
قوله: (والحديث نقيض القديم).
اعلم أن للحديث معنيين أحدهما هذا لكنه غير مراد في الآية، الثاني الحديث المعروف الذي هو بمعنى الخبر وهو نوع من الكلام وهو المراد هنا ودليله سياق الآية وهو ما رواه ابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملوا ملة فقالوا له: حدثنا حدثنا، فنزلت.
وقد أجيب بأنه وإن كان المراد هنا العلة لكن أصل وضع الحديث له لكونه محدثاً فيدل على حدوثه بالنظر إلى الوضع الأصلي.
قوله: (والقديم لايتشابه).
يعني لأن التشابع بفاعل ولايكون إلا مع تعدد الفاعل والتعدد على القديم محال، وأما لو قدرنا صحة التعدد في القديم فالتشابه لازم فلا يخلو ما ذكره عن نظر.
قوله: (معناه المحكم). فيه نظر والظاهر في تفسيره أن المراد ذو الحكمة أولأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به وهكذا يأتي في قوله في البيت حكيمة.
فصل في شبههم
قوله: (إن لفظ كن حروف).
لعله أراد قبل حذف حرف العلة منها، وأما بعده فهو حرفان فقط.
قوله: (لأن الحروف متماثلة). يعني لاتختلف باختلاف الفاعلني وكذلك تأثير العلل لايختلف باختلاف فاعلها.
قوله: (وبعد فقد عقب كُنْ) إلى آخره.
قد يحرر هذا الوجه تحريراص آخر وهو أن يقال: إذا كانت كن قديمة موجبة للعالم لزم قدمه.
قوله: (وإنما أراد المبالغة في سرعة وقوع المراد) إلى آخره.
قال جار الله: هو مجاز من الكلام وتمثيل لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات وإنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع.
قوله حاكياً عنهم: (والإسم هو المسمى).
اعلم أن هذه مسألة خلاف فالمحققون على أن الإسم عبارة عن اللفظ الموضوع للمسمى فهو غير المسمى مثاله رجل فالإسم عبارة عن هذا اللفظ وهذا اللفظ عبارة عن مسماه المعروف، وعن الكرامية أن الإسم هو المسمى يريدون أن لفظ اسم زيد عبارة عن زيد نفسه لا عن اللفظ الموضوع له، وروى الرازي عن أصحابه أن الإسم هو المسمى وعن المعتزلة أنه التسمية وعن الغزالي أنه وضع الإسم. قال: والتحقيق أن الإسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى من غير دلالة على زمان ذلك المعنى والمسمى هو الشيء الذي يقع ذلك اللفظ بإزائه.