هذا أحد ما يستدلون به على مذهبهم وله تحرير آخر وهو أن يقال: لو كان عوضها على الله لكانت في حكم أفعاله ولكان عوضها بالغاً في الكثرة إلى حد لاينبغي أن يسمح به لأن هذا حكم الأعواض التي على الله، ولو كانت في حكم أفعاله لكانت حسنة ولو كانت حسنة لم ينبغ أن يقع المنع عنها ولو كان عوضها كما ذكر لكان المانع لها عن الإضرار بمن قصدت الأضرار به جانياً عليه لحرمانه له العوض العظيم ومعلوم قبحها إذ فيها حقيقة الظلم، وإن الذاب عمن أرادت الإضرار به محسن إليه وقد اعترض صاحب المحيط ما ذكر بأن جواز المنع لايستلزم قبح الممنوع عنه ألا ترى أن للمحدود أن يهرب ويمنع الحاد مع حسن الحد.
ثم أجاب عن ذلك بأن حسنه في الحد لكونه ضرراً /54/ محضاً فيحسن منه دفعه في حقه لا ف يحق غيره بخلاف إيلام الحيوانات لنا أو لغيرنا فليس بضرر محض لما فيه من العوض العظيم من الله عند الخصم فإذاً لايحسن منا المنع منه.
قوله: (وعلى الجملة فلا يصح أن يقال: أيها يحسن منهم) إلى آخره.
يقال: هذا متفق عليه ولكن المحتج ألزم حسنها لكونها في الحكم من فعل الله تعالى فأقوى ما يرد به هو المعارضة بما إذا ألجيء إليها كما سبق.
قوله: (وأما المنع) إلى آخره.
قد ذكر بعض الشارحين فيه تفصيلاً أكثر إحاطة مما ذكره المصنف فقال: أما إضرار الحيوانات بأموال الآدميين بأكل أو فساد فقد ورد الشرع بالمنع منه وللعقل مجال في ذلك، فإنه يقضي بحسن المنع عن مضرة الغير وأما إضرارها بالحيوانات فإن كان بغير الأكل وجب منعها منه وقد ذكره قاضي القضاة، وقيل: لايجب إلا عند من يقول بأن القبح يدخل في فعلها ومن لايقول بذلك يجعله حسناً فقط وإن كان إضرارها بالأكل فالحكم كذلك أيضاً.
وذكر ابن الملاحمي أن الواجب منعها من الإضرار بمواشينا أو حيث يلحقنا غم بمشاهدة إضرارها ببعض الحيوانات فأما ما عدا ذلك فلا يلزمنا منعها عنه. قال: وليس في أدلة العقل والشرع ما يدل على وجوب ذلك ولاسمع عن أحد إيجاب الخروج على البراري لمنع الآساد ونحوها عن الاصطياد والافتراس.
قوله: (قال الجمهور: قد ثبت أن الصبي إذا جنى) إلى آخره.
هذا أوضح ما يتمسك به لمذهبهم وهو قياس جلي فإن الأروش في الدنيا بمنزلة الأعواض في الآخرة ولهذا لايجب الأرش والعوض معاً ولكنه مع وضوحه لايرتفع عن ريبة الظني وجواب المصنف عليه ليس بالقوي.
قوله: (قال الجمهور قال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت}).
مما يؤيد احتجاجهم بهذه الآية تفسير قتادة، قال: المعنى يحشر كل شيء حتى الذئاب للقصاص. ويضعفه تفسير ابن عباس قال: المراد بحشرها موتها، وجواب المصنف قوي فإن حشرها لايستلزم ما ذكروه ولجوبه وجه غير ذلك وهو أن يوفر عليها ما تستحقه من جهة الله تعالى أو من جهة المكلفين فإن لم يكن لها ذلك أو لبعضها فإعادتها تفضل عليها وهو حسن لايعارضه شيء من وجوه القبح.
قوله: (آحادي وإن ثبت فمعناه) إلى آخره.
أما كونه آحادياً فصحيح ولايؤخذ بالآحادي في المسائل لاقطعية وأما التأويل الذي ذكره فمن التأويلات البعيدة لأن ذلك ليس من الانتصاف ولأن لفظة من تفيد أن ذلك من القرناء لا لأجلها والله أعلم.
قوله: (ولم يحصل ما يقتضي نقله عنه).
يعني بأن توجيه الله عليه أو يندبه إليه أو .... له أو يلجئه إليه.
قوله: (متعدهاً للكذب أو على وجه قد نهي عن الإخبار عليه).
لعله يريد أن يخبر بصفة البغي المحرم ومع كونه صادقاص فالاغتمام لأجل المخبر به والعوض على فاعل السبب في الغم كما تقدم.
قوله: (نحو أن يلجئ أحدنا غيره إلى العدو على زرع الغير).
إن كان الإلجاء على وجه يخرجه عن حد الاختيار والقصد إلى الفعل فصحيح ما ذكره لأنه قد صار في حكم الإله للملجئ وإن كان قصده إلى الفعل باقياً وإنما هو مكره خشي من عدم الفعل التلف أو الضرر فالعوض عليه نفسه، وله عوض على ملجئه بسبب مالحقه بإلجائه من الضرر.
قوله: (كأن يضع صبياً في النار أو البرد).
هذا وجنسه جدير بأن يعد من الضرب الأول لأنه في حكم المباشر ولا أقل من أن يكون هذا من قبيل ما فعل سببه.
قوله: (بحسب الخلاف المتقدم).
لعله يريد في الملقي له إلى الأسد هل العوض على الأسد أو عليه وإذا جعل على الأسد فالخلاف فيه كالخلاف في من افترسه الأسد من غير أن يلقي إليه هل العوض عليه أو على الله.
قوله: (ونحو أن يشهد شهود الزور) إلى آخره.
اعلم أن أصحابنا يتكلفون ذكر صورتها هنا /55/ في هذا الضرب الثاني من القسم الثاني يشابه الصور التي في الضرب الثاني من القسم الأول.
قالوا: فيستحق على الواحد منا إذا أباح أو أوجب أو ندب أو ألجأ فأما الإلجاء فظاهر، وأما سواه مما ذكر فعلى جهة التجوز فإن المبيح والموجب والنادب حقيقة ليس إلا الشارع الحكيم لكن المعنى أن الفعل الصادر عن الواحد منا كان سبباً في الوجوه أو الندب أو الإباحة فيمثلون الإباحة بما إذا شهد شاهدا زور على آخر بأنه أتلف عليه مالاً أو أن معه له ديناً أو لمورثه مثلاً فاستوفاه فإن الشاهدين هما اللذان أباحا له ذلك وأما إذا أخذه بغير حكم ظاهر وأما إذا أخذه بالحكم فقد يقال لم لايكون العوض على الحاكم لأن الاستباحة كانت بحكمه وجوابه: أن الحكم كان لأجل شهادة الشاهدين فالإباحة مستندة إليهما، ومثال الإيجاب أن يشهد الشاهدان على آخر أنه شرب الخمر ونحو ذلك فإنه يجب على الحاكم الحكم بشهادتهما وأن يحده فإذا فعل وجب العوض عليهما، ومثال الندب لو شهدا بأمر يوجب التعزير إذا قلنا أن الحاكم لايجب عليه التعزير بل يندب وهذا مالم يكن المشهود له عالماً بأنه لايستحق ذلك ولم يكن الحاكم عالماً بكون الشهادة غير صحيح، فغ، كانا عالمين معاً والمحكوم له فقط فالعوض على المحكوم له، وإن كان العالم هو الحاكم فقط فالعوض عليه كما أن العوض عليه مطلقاً حيث علم في الحد والتعزير.
فصل في المضار التي يشتبه الحال في أعواضها على الله أو على غيره
أو هل فيها عوض أم لا
قوله: (ولهذا يوجب الفقاهء الدية أو القود).
أما إيجاب الدية فظاهر وأما إيجاب القود على حافر البئر فلا أعلم قائلا به. وأما إيجابه على واضع السم فكذلك لم يقل به إلا حيث وضع اللقمة المسمومة في يد الآكل مع جهله بأنها تقتل وعلم الواضع ففيه خلاف قيل الدية وقيل القود.
قوله: (على الملجئ أو من في حكمه).
لعله يريد بمن في حكمه حيث الإلجاء ممن لاعقل له فإن العوض على الله لتمكينه منه على قاعدة أبي الحسين وهو في حكم الملجئ وأما هذا الملجئ فلا يستحق عليه العوض.
قوله: (كإضرار البهيمة به وبنفسها).
يعني في أن العوض على الله على ما قاله أبو الحسين ورجحه المصنف واعلم أن كلام المصنف في مسألة حفر البئر إلى آخرها لايخلو عن نظر والأحسن في أمرها أن يعتبر فيها بالقاعدة الفروعية المذكورة في كتب الفقه فحيث يجب الضمان فإن سلم وإلا فالعوض واجب، وحيث لاضمان فلا عوض والله سحبانه وتعالى أعلم.
قوله: (دون الزائد).
فيه نظر لأنه وإن لم يكن فاعلاً للزائد فهو الفاعل لما جر إليه وما هو كالسبب فيه فالقوي على القواعد أن العوض كله عليه.
فصل
ذهب الجمهور إلى أنه لايجوز أن يتفضل الله بالأعواض التي تستحق على العباد.
قوله: (وقال ابن الملاحمي وغيره يجوز).
هذا مذهب الشيخ أبي القاسم فإنه ذهب إلى جواز أن يتفضل الله على الجاني بما عليه من الأعواض للمجني عليه وقد حكاه قاضي القضاة عن بعض الشيوخ.
قوله: (أنه يجب الانتصاف).
يعني والتفضل لايسمى انتصافاً لغة ولاشرعاً ألا ترى أن الحاكم لو سلم مالاً للمدعي في مقابلة بناء على المدعى عليه له لم يسم منتصفاً له وإذا قيل أن الحاكم إذا ملك الظالم ذلك الذي سلمه وأعطاه من نفسه ثم قضاه المظلوم عنه سمي منتصفاً له لحصول حقيقة الانتصاف أجابوا بأن لاتمليك في الآخر غير متأت فلا يمكن أن يمك الله الظالم تلك الأعواض ثم يوفرها عنه إلى المظلوم وأحسن من ذلك أن يقال: هذا غير ما ذهب إليه الخصوم فإنهم إنما أجازوا أن يتفضل الله بإيفاء المظلوم حقه من غير تمليك، ومرجح الجمهور أن الانتصاف لو كان بالتفضل لكان في ذلك إغراء للظلمة وغيرهم وكأنه قيل لهم: افعلوا /56/ ماشئتم فنحن نتفضل بتوفير ما وجب عليكم، ولهم أن يحسبوا بأن الإغراء إنما يكون مع القطع على ذلك فأما مع التجويز فلا.
واحتج ابن الملاحمي ومن يقول بقوله أن الواجب للمظلوم إيصال نفع في مقابلة ما نزل به من المضار عوض له ثم لافرق بين أن يصل إليه ذلك من جهة الظالم أو من جهة غيره، وقد ذهبت المجبرة إلى أن الانتصاف يكون بالثواب والعقاب فإن كان للظالم ثواب أعطي المظلوم من ثوابه وإلا طرح عليه من عقاب المظلوم وعلى ذلك ظواهر من الأحاديث تقضي به، إلا أن قواعد العدلية تمنع منه لأن الثواب يستحق على وجه التعظيم والعقاب على جهة الاستحقاق ومتعلقهما الأعمال ولأن ذلك لايتصور ف يحق من لايستقح ثواباً ولاعقاباً كالصبيان والمجانين والحيوانات. وذهبت المطرفية إلى أن الانتصاف يكون بمعاقبة الظالم ويبطله أن ذلك لايعود منه نفع إلى المظلوم فلا إنصاف في حقه.
فائدة
ظاهر كلام الأصحاب أن الخلاف هذا في كيفية الانتصاف من الظالم على سبيل الإطلاق سواء تاب أو لم يتب والتحقيق أن في الثابت خلافاً يخصه فنقول: اعلم أن المؤلم لغيره إذا كان مكلفاً يلزمه حق لله وهو العقاب وحق للمظلوم وهو العوض فإذا تاب سقط حق الله بالاتفاق، وأما حق المظلوم فلا يسقط إلا بايصاله إليه فيجب على الله أن يستوفي للمظلوم من أعواض الظالم التائب. وقال الشيخ أبو القاسم: بل التوبة قد صيرت ذلك الفعل كأن لم يكن فيبطل ما يفرع عليه من عقاب وعوض ويجب على الله أن يقضي عنه ورد بما تقدم من أن ذلك لايعد انتصافاً وبأن التوبة لاتسقط ما يجب بالجناية للغير كالأرش ولأن العوض وجب في مقابلة الجناية لا في مقابلة المعصية والتوبة إنما ترفع حكم المعصية لا حكم الجناية.
قوله: (تنبيه لما ذهب الجمهور) إلى آخره.
هذا فرع ينبني على قاعدة الجمهور ولم يشترطوا أن يكون الجاني في حال تمكينه من الجناية له من العوض حينئذ ما يفي به بل العبرة بما في معلوم الله من حاله عند موته فإذا كان يعلم أنه سيحصل له ما يوفي المظلوم مما يوافي به العوضة جاز تمكينه من إيلامه وخالف في ذلك الشريف المرتضى فاشترط في حسن التمكين أن يكون الظالم في تلك الحال مستحقاً من الأعواض ما يوفي المظلومن ورد بأن المعتبر في الإيفاء وقت التناصف لا وقت الفعل واحتج بأن التبقية للحيوان غير واجبة وكذلك إيلامه فيما بعد غير واجب فكيف يمكن من الإيلام والحال هذه.
قلنا: صحيح ما ذكرته ولكن علم الله بأنه يوافي العرضة وله ما يوفي عنه كاف ولو لم يجب ما ذكر. فإن قيل: فلو قدر أن الله تعالى أماته بعد أن جنى أو لم يؤلمه ما يكون الحكم هل يحكم بانكشاف قبح التمكين المتقدم أو يقضى بقبح اجترامه وعدم إيلامه.
قلنا: هذا من قبيل تقدير وقوع خلاف ما علم الله أنه لايقع فلا يستحق جواباً وإذا لم يكن بد من الجواب قابلناه بتقدير آخر وهو تقدير أن الله تعالى لم يمكن الظالم من الإيلام وفيه من الخبط ما قد تقدم ذكره في نظائره.
فصل في إسقاط العوض
قوله: (فقيل لايسقط).
هذا مذهب جمهور المتكلمين وحجتهم ما أشار إليه المصنف ومما احتجوا به أنه ليس إليه استبقاؤه فلا يكون له إسقاطه كالصغير.
قوله: (وقيل يسقط).
هو مذهب الشيخين أبي الحسين وابن الملاحمي والفقيه حميد ورجحه بعض المتأخرين.
قوله: (لأن الشرع ندب إلى إسقاطه).
يعني بما ورد في ذلك عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقد روي عنه: من كانت عليه مظلمة لأخيه في نفس أو مال فليتحللها.
قيل: وما ورد في الأربعين السيلقية في المظلوم الذي أمر بالنظر إلى الجنان فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة فقال: لمن هذا يا رب. فقال: لمن أعطاني ثمنه. فقال: ومن يملك ذلك يارب؟ فقال: /57/ أنت. قال: بم ذلك؟ قال الله تعالى: بعفوك عن أخيك. فلولا أن البراء يصح لم يستحق عليه مثوبة.
فائدة
فأما الثواب فلا يصح إسقاطه اتفاقاً ولعله لبلوغه في الكثرة والعظم مبلغاً لاتمح النفوس بمثله ولأنه يشتمل على التعظيم وليس مما يصح إسقاطه.
فرع
هل يصح نقل العوض إلى الغير. قيل: حيث لايصح إسقاطه لايصح نقله، وحيث يصح إسقاطه يصح نقله بطريق النذر والوصية لأنهما يصحان بالمعدوم وفي نقل العوض غرض وهو نفع المنقول إليه فلا وجه يقضي بمنعه.
فصل في دوام العوض
قوله: (فقال الجمهور).
هم الزيدية وأكثر المتكلمين فمنهم أبو هاشم وقاضي القضاة وتلامذته والشيخ أبو عبدالله وغيرهم.
قوله: (وقال أبو الهذيل) إلى آخره. من القائلين بهذا القول الصاحب الكافي.
قوله: (يوضحه أن العقلاء يستحسنون تحمل المشاق في الأسفار).
هذا في الحقيقة دليل مستقل تقريره أن دوام العوض لو كان هو الوجه في حسن فعل الألم لوجب ألا يحسن من أحدنا إنزال الألم بنفسه ولابمن له التصرف عليه من مملوك أو ولد صغير لأن المنافع الحاصلة بذلك غير دائمة ومعلوم أنه يحسن ذلك ذكر هذا الدليل أبو هاشم.
وقد اعترض بأن الواحد منا إذا آلم نفسه فهو يرضاه فلم يجب أن يكون ما يقابل ذلك دائماً بخلاف إيلام الباري إيانا ويدل على اختلاف الحالين أن أحدنا يؤلم نفسه لمنفعة مظنونة وإن كانت في حقيقة الأمر غير حاصلة ولاكذلك إيلام الله إيانا فإنه لايحسن إلا مع علمه بحصول النفع فتبين افتراق الحالين.
قوله: (ليس العلم معتبراً في الأعواض).
يعني لايجب أن يعلم المعوض أن هذا النفع الذي وصله هو عوضه فيما لحقه من الألم وهذا مذهب الجمهور لما ذكره المصنف ونقل عن صاحب الخلاصة أنه لابد من أن يعلم ذلك ولعله يريد في حق العقلاء.
قوله: (فإن من حقهما الإجلال أو عكسه فلا بد من العلم).
يعني بأن ما وصل إليه هو ثوابه أو عقابه وإلا كان قد عرضه لاعتقاد قبيح وهو اعتقاد تعظيم من لايستحق التعظيم أو الاستحقاق بمن لايستحقه.
قوله: (إنما يقدح ذلك في حسن ايصاله دفعة واحدة).
يعني وهو غير محل النزاع، وليس جواز انقطاعه يستلزم جواز اتصاله في وقت واحد بعد استحقاقه على ألم طويل لنعمة ساعة وإن بلغت في الكبرة الغاية، ويصح أن يختار الألم في يوم لنعمة أيام كثيرة.
قوله: (والجواب أنه ينقطع على وجه لايتألم بانقطاعه كما سيتضح).
يعني في الفصل الذي يلي هذا وقد أجيب عن هذه الشبهة بأنه يلزمهم مثل ذلك في التفضل إذا انقطع وفي الثواب الذي كان قد اجتمع في الأوقات السالفة حتى انتهى إلى وقت اتصاله فإن ذلك يصل إلى العبد ثم ينقطع ولايدوم له إلا القدر المستحق على الطاعة في الأصل وبأنه وإن انقطع، فمن الجائز أن يتفضل الله عليه بمقدار تلك على الاستمرار فلا يلحقه غم وبأنه وإن انقطع فلا يسلم أنه يلحقه بانقطاعه غم لأن الله تعالى يرضيه ويقنعه كما في أهل الجنة تتفاوت درجاتهم ولايغتم غير ذي الدرجة العليا.
قوله: (فلوجه حكمة وهو أن يرى) إلى آخره.
الأحسن إبهام وجه الحكمة وإجماله وليس من فرضنا التكلف للكشف عنه على أن انقطاع العوض بعد توفير القدر المستحق لايفتقر إلى بيان وجه الحكمة فما لم يكن واجباً لم يجب أن يتكلف وجه حكمة في عدم فعله.
تنبيه
وإذا ثبت أن العوض لا دوام له فأجزاؤه لاتتزايد ....... كما في الثواب لأن الواجب من العوض أجزاء منحصرة معلومة والثواب يستحق منه ما لا نهاية له فإذا تأخر لزم اتصال ثواب تلك المدة كما سيأتي ونقل عن أبي علي أنه يلزم تزايده كالثواب لأنهما دائمان وهو بناء على قاعدتهم في دوام العوض، ولو صحت لصح ما بنى عليها لكن قد تقدم إبطالها.
فصل في كيفية إيصال العوض إلى مستحقه
اعلم أنه يجوز إيصاله في دار الدنيا بالشرطين اللذين ذكرهما المصنف فيما مضى وهو ألا يكون فيه مفسدة وألا يكون على مستحقه عوض لغيره /58/ عند من لايجيز أن يتفضل الله بإيفاء الحق عن الظالم.
قوله: (وجاز أن ينقله إلى صورة يلتذ بها أهل الجنة) إلى آخره.
ظاهره أن ذلك مع تبقية الحياة فيه وصرح بعضهم بأن المراد سواء كانت الصورة حيواناً أو جماداً بعد أن يميته ...... وقد جعل السيد صاحب شرح الأصول إقرار التفضل بعد انقطاع الأعواض تبقية المعوضين غير المكلفين أقرب الوجوه وعلله باتفاق الأمة على أنه لا موت بعد الحشر واعترض بعدم تسليم الإجماع وإن سلم فالمراد أنه لاموت معه ألم، والمراد لاموت لمن له حق لم يستوفه واعلم أن ظاهر كلام المصنف أن الوجوه التي ذكرها في حق من ليس بمكلف ثابتة سواء كان من صغار بني آدم أو غيرهم.
وقيل: بل تلك الوجوه المجوزة في حق غير المكلفين من غير الآدميين فأما غير المكلفين منهم فإن السمع ورد بأن الله تعالى يدخلهم الجنة ويعوضهم فيها أو قبل دخولها ثم يتفضل عليهم بأنواع النعيم في الجنة ويديم التفضل عليهم. وقيل: إن أولاد الكفار يكونون خداماً لأهل الجنة بحيث يتلذذون بذلك ولايلحقهم نصب ولاغم.
قوله: (أو في النار على وجه لايقع به اعتداد بأن يخفف من عقابه) إلى آخره.