يعني وقد تقرر أن الإقدام على ما لايؤمن قبحه كالإقدام على القبيح. فإن قيل: يلزمكم مثل هذا حيث أقدم مع ظن النفع أو دفع الضرر.
أجيب بأن ذلك لايلزم ولايساوي بين الوجهين إذ قد تقرر في العقول تقرراً أولياً استحسان الآلام للنفع ودفع الضرر المظنونين بخلاف ظن الاستحقاق وفيه نظر.
قوله: (وقد دخل في جميع هذه الجملة بطلان جميع الأقوال المتقدم ذكرها).
يعني لكون مبناها على قبح الآلام مطلقاً وكذلك يدخل فيه بطلان قول التناسخية والبكرية لأنهم بنوه على أنها لاتحسن إلا مستحقة.
فصل
قوله: (وإن كان الألم من فعل الله) إلى آخره.
اعلم أن الآلام النازلة بنا من غير اختيارنا ولا اختيار غيرنا من القادرين بقدرة هي فعل الله تعالى وكذلك غيره /49/ من المضار التي لاتتوقف على اختيارنا كفساد الثمار واجتياحها بالبرد والبرَد، والذي عليه أهل الإسلام وكثير من الخارجين عنه أن جميع ذلك فعل الله تعالى والمخالفون فيه قد تقدم ذكرهم ودليل ما قلناه أنها محدثة بلا شك ولامحالة فإنها تتجدد ويجوز العدم عليها والمحدث لابد له من محدث وليس محدثها إلا الله تعالى إذ لايصح أن تحدث نفسها قطعاً، وغير الله إما موجب قديم فلا قديم مع الله لأن ذلك يستلزم قدمها وإما موجب محدث، وإما علة والعلل لاتؤثر إلا في الصفات والآلم ذوات على ما هو مقرر في موضعه، وإما سبب فلا بد له من فاعل وهو المؤثر فيها في الحقيقة وإما إن كان المؤثر فيها فاعلاً مختاراً غيره تعالى فغير الله من الفاعلين لايصح منه أني فعل فعلاً متعدياً عن محل قدرته إلا بسبب هو الاعتماد ونحن نجد هذه الآلام النازلة بنا ولدينا من غير إحساس باعتماد معتمد علينا.
وبهذا الاستدلال نبطل قول الملاحدة والمطرفية والثنوية ويتوضح فساد مذاهبهم الردية وللأصحاب في الرد عليهم بسط لاحاجة بنا إلى ذكره.
قوله: (وكان أبو علي) إلى آخره.
هذا المذهب الذي رجع عنه ذهب إليه أصحاب اللطف بشر بن المعتمر وأصحابه لما مر من مذهبهم في عدم إيجاب اللطف، هكذا ذكره بعض أصحابنا.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفيه نظر إذ قاعدتهم لاتمنع من الإيلام للعوض والاعتبار ولامن اشتراط حصولهما وإنما يمنع من إيجابه لأجل الاعتبار وقد نقل عن أبي علي تجويز كون الألم في حق الكافر والفاسق عقوبة معجلة كالحدود والخسف ونحوه.
ورد بأنا نعلم من الدين وجوب صبرهما على الآلم النازلة بهما وقبح الجزع والحدود لايجب فيها ذلك بل للمحدود أن يجد في الهرب عنه كما فعل ماعز.
قوله: (وقد ذهب عباد) إلى آخره.
اعلم أن كلام عباد إن كان على عمومه بحيث أنه يقول يحسن منه تعالى إيلام الأطفال ونحوهم لمجرد أن يحصل بذلك اعتبار للمكلفين أو بعضهم وإيلام مكلف لمجرد اعتبار يصحل لغيره فقد أبعد ومذهبه في غاية الضعف فإن الإضرار بشخص لنفع يحصل لغيره من أوضح الظلم ولو جاز ذلك لأجزنا جميع أنواع الظلم فإنه لايكاد يخلو شيء منها عن نفع لغير المظلوم وإن أراد أن الألم يحسن لمجرد اعتبار يحصل به للمؤلم وهو اللائق بعلمه وفهمه فمذهبه في غاية القوة وأي نفع للمكلف أعظم من نادية الألم هذا إلى كونه من أهل الجنة والسعادة الأبدية.
وقول الجمهور في الرد عليه أن الثواب في مقابلة لاطاعة فهو وإن كان صحيحاً. يجاب عنه بأن الألم هو الداعي إلى الطاعة وهو في حكم المسبب عنه فالنفع حاصل في الحقيقة لأجله ولولاه لم يحصل وقد حكموا بأن تحمل الإنسان لمشاق السفر وأخطاره حسن لما في ذلك من النفع المظنون وهو حصول دراهم أو دنانير مثلاً وليس الانتفاع حاصلاً بها نفسها لكنها تؤدي إليه ثم أنهم يذهبون إلى أنه يجب على الله فعل الألم لأجل الاعتبار ولو تركه كان مخلاً بواجب فإذا كان الاعتبار قاضياً بوجوبه فأولى وأحرى أن يقضي بحسنه لأن الوجوب زائد على الحسن.
قوله: (حاكياً عن عباد وأيضاً فلو حسن من الله للعوض لحسن منا له).
قد نسب إلى أبي هاشم تجويز تحميل غير المكلف المشقة في مقابلة نفعه عقلاً كالبهائم فجعل العقل قاضياً بحسن ركوبها وغيره من الانتفاع بها لتعهدها بالسقي والعلف وبهذا أجاب من سأل عن وجه ركوب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للبهائم قبل بعثته إذا لم يكن متعبداً بشريعة من قبله وأنكر ذلك أبو علي ولم يجز عقلاً تحميلها أشياء من المشاق في مقابلة نفعها لأن اعقل لايهتدي إلى قدر العوض وإنما حسن ذلك للسمع، وأما إنزال الألم بالعاقل لنفعه من غير مراضاة له فقد اختلف الشيخان فيه فقال أبو هاشم ومعه الأكثر أنه يعلم حسن ذلك عقلاً كأن يكره على القيام من مكانه لأخذ صرة فيها ذهب كثير ليس بينها وبينه /50/ إلا قدر الخطوة ويعد ذلك تفضلاص عليه.
قيل: ولعلهم يعنون حيث لايكون السبب في امتناعه الزهد في الدنيا والخلوص عن تحمل المنة ونحو ذلك من المقاصد الحسنة بل علم ضرورة من حاله أنه امتنع لأجل الكسل. وقال أبو علي: لايحسن غ:راهه ويعلم قبحه عقلاً لجواز أن يكون هذا المتكاسل يلتذ بالدعة أبلغ من لذته بالمثاقيل.
قيل: وهو الصحيح وأما إجباره لدفع مضرة كأن يكون تحت جدار متداع يخشى انهدامه في الحال فلا يبعد اتفاق الشيخين على حسنه ويتفقان على حسن إيلام البهائم ونحوها لدفع المضرة عنها.
قوله: (أنه معارض بالاعتبار) إلى آخره.
قيل: هذه المعارضة لاتصح لأن أحدنا لايعلم هل يقع الاعتبار أم لا وإذا وقع فهل يفعل ما يقع الدعاء إليه أم لا، وما ذلك المدعو إليه ولا كذلك الله تعالى فإنه عليم بذلك كله.
قلت: قالم ولانا عليه السلام: وفي هذا نظر لأن المعارضة هي على تقدير حصول الاعتبار بما يفعله من اللم وليس ذلك متعذراً كما لو أخبرنا نبي صادق بأن إنزال أحدنا الضرر بمكلف يكون لطفاً له ثم أن وجه جعله للاعتبار مستقلاً بتحسين الألم كونه نوعاً من النفع وظن النفع كالعلم به.
قوله: (فهلا حسن منه تعالى الإيلام لدفع الضرر).
حسن الإيلام لذلك مذهب البغداديين.
قوله: (الضرر المزال) إلى آخره.
يستكمل المصنف أقسام هذا الطرف والأولى أن يقال: وإن كان من فعل غيره تعالى فلا يخلو إما أن يكون مفسدة أو لا، إن لم يكن مفسدة لم يحسن من الله تعالى إنزال الضرر لدفعه بل النهي لذلك الغير إن كان مكلفاً كاف مع افنصاف منه إذا لم ينته والإنصاف من غير المكلف كاف وإن كان مفسدة فلا يخلو إما أن يكون مفسدة لفاعل الضرر أو لغيره إن كانت لغيره لم يمنكنه الله تعالى منذ لك الضرر ويختم منعه عنه ولو خرج عن كونه مكلفاً بالنظر إليه أو لايكلف من المفسدة هذه حاصلة في حقه بما هي مفسدة فيه، وإن كان الضررم فسدة في حق فاعله فالنهي والوعيد كافيان في منعه منه عند أبي هاشم وحيث لم يمتنع فقد أتي من جهة نفسه.
وأما أبو علي فقال: يجب المنع منه أيضاً لن المنع بالقهر من المفاسد كلها مطلقاً واجب عنده ويمكن أن يقال لأبي هاشم ولم قضيت بأنه لايحسن الإيلام لدفع الضرر الذي هو مفسدة لفاعله حيث مع إنزال الألم به وقلت: أنه يكفي نهيه وتوعده مع علم الله أنه لاينزجر بذلك والمعلوم قطعاً أن إنزال الألم به حينئذ أنفع له وتفضل في حقه لأنه يندفع به عنه ضرر آخر، ويسلم بذلك من الوقوع في الهلكة ويكون له فيهاعتبار يبلغ به إلى نعيم الأبد.
قوله: (وإلا أنصف المضرور من أعواض الضار).
ظاهره أن إنصاف المضرور من أعواض الضار غير المكلف ومن أعواض الضار الذي هو مكلف كاف وإن كان ذلك الضرر مفسدة وهو غير صحيح وقد قدمنا أنه يجب منع المكلف من المفسدة في حق غيره أو عدم تكليف ذلك الغير بما هي مفسدة فيه وهكذا الكلام في حق غير المكلف على ما تقتضيه قواعد الأصحاب والله أعلم.
قوله: (لما كان فرق بين أن يوضع الصبي في النار) إلى آخره.
ظاهره يقتضي بأن البكرية تقول أن الصبي لايتألم مطلقاً والمشهور أن الآلم الحاصلة من جهته تعالى لما ذهبوا إلى أنها لاتحسن إلا مستحقة والله تعالى لايفعل إلا الحسن والصبي لايستحق عقاباً /51/ ولكن مثل ما ذكره المصنف قد ذكره غيره وما هو أوضح منه في المعنى المشار إليه وهو قولهم في الرد على البكرية: كان يجب أن يكون تقطيع الصبي وضربه السياط عنده كالانتقال من جانب المنزل إلى جانب آخر ويلزم ألا يكون أحدنا ظالماً بجرحه وضربه لأنه لاضرر عليه في شيء من ذلك وكلام البكرية مستغن عن التطويل في دفعه فإن خلافه معلوم ضرورة.
قوله: (وقال أهل التناسخ).
تحقيق مذهبهم أن أرواح هؤلاء عضواً في أجساد مكلفة وهي التي عنوا بالهياكل ثم نقلت أرواحهم إلى أجساد هؤلاء يسمون أهل الهياكل والتناسخ وتنقل الأرواح.
قوله: (مع ما تقدم). يعني من بيان أن الآلام تحسن غير مستحقة.
قوله: (وهو عندنا باطل). يعني فإن الإنسان هو هذه الجملة المشاهدة.
قوله: (لاسيما إذا كانت حاله عظيمة). يعني لتعذر تطرق النسيان إلى مثل ذلك.
قوله: (وأن الله عدل حكيم). ليس يشترط في إنزال العقاب بمستحقه علمه بعدل الله وحكمته وفيه نظر.
قوله: (وأن يكون له طريق إلى تلافيه بالتوبة).
يعني لأنه الآن في دار التكليف وأما المعاقب في الآخرة فلا طريق له إلى التلافي لانقطاع دار التكليف ولهم أن يقولوا خروجه عن الهيكل الأول فيه قطع لتكليفه كما إذا .... المكلف في الغير وعوقب عندكم.
فصل في الوجه الذي يقبح عليه الألم
قوله: (وكان أبو هاشم يذهب) إلى آخره. مثل قوله هذا حكي عن القاضي.
قوله: (ويجعل الوجوه التي تقتضي حسنه مخرجة له عن كونه ضرراً).
هكذا ذكر وقال أبو علي: لايخرج الضرر عن كونه ضرراً بإيقاعه لنفع أو دفع وهو الأظهر. قيل: ويشهد له قوله تعالى: {ولايتعلمون ما يضرهم ولاينفعهم} فلو كان ما كان فيه نفع من الضرر لايعد ضرراً كان قوله: ولاينفعهم زيادة مستغنى عناه وفيه خفا فإن أبا هاشم إنما أراد والله أعلم أن الوجوه التي تقتضي حسنه تخرجه عن حكم الضرر وتصيره في الحقيقة غير ضرر لا أنه لايسمى ضرراً ثم إن قصد ذلك فله أن يقول: قوله تعالى: {ولاتنفعهم} من قبيل التأكيد ووروده سابغ شايع.
قيل: والأقرب أن الخلاف لفظي راجع إلى وضع لفظ الضرر لماذا فأبو هاشم والقاضي يقولون إنما وضع للألم القبيح ويجعلون كونه ضراً حينئذ وجه قبحه ككونه ظلماً وأبو علي يجعل الضرر اسماً لما يتألم به حسناً كان أو قبيحاً والمرجع في ذلك إلى ما نقله أئمة اللغة.
قوله: (ما رجع إليه آخراً). فيه تصريح بأن ذلك قديم قوليه، وقيل: بل هو الأخير منهما.
القول في الأعواض
قوله: (المستحقة) يخرج به التفضل.
قوله: (لا على جهة .......) يخرج به الثواب وهذا الذي ذكره المصنف حقيقته اصطلاحاً، وأما في اللغة فهو ما فعل لأجل أمر آخر على جهة المقابلة سواء كان ذلك في ضر أو نفع.
فصل والعوض قد يستحق على الله تعالى
قوله: (وقد يستحق على المخلوقات). صوابه: المخلوقين فإنه يجب تغليب العقلاء.
قوله: (أو سببها) هو كأن يفعل سبب الألم من الأكوان أو سبب المصائب كعصف الريح في انكسار السفن وشدة البرد في إهلاك الثمار وإحداث البرد. وغير ذلك.
قوله: (بأن يأمر). يعني أمر إيجاب كأمره بذبح الهدي أو أمر ندب كأمره بذبح الأضحية ويدخل في هذا شرب الدواء والفصد والحجامة لدفع المضار.
قوله: (أو يبيح ذلك) كإباحة ذبح البهائم لا أكلها وتأديب الخادم.
قوله: (أو يلجأ) كمن ألجأه سيل إلى أن يطأ زرع الغير أو شيئاً من الحيوان.
قوله: (وقد يستحق لأنه في حكم الفاعل). نحو أن يضع أحدنا صبياً في النار أو يلقيه إلى الأسد فالفاعل للإحراق والأكل وإن كان غيره فهو في حكم الفاعل له، والعوض عليه، وسيأتي تحقيقه.
قوله: (ومنها العموم). اعلم أن الغم كالألم في لزوم العوض لأجله بأن يفعله الله تعالى أو يفعل سببه أو يكون في حكم الفاعل له إما بإيجاب كالحاصل بحجر الحاكم تعذر /52/ إن طلبه الخصم وشهادة الشهود بعد أن طلبت منهم أو بإباحة كإخبار رجل آخر بموت ولده أو ذهاب ماله لا إذا أخبره بأن زيداً قتل ولده عدواناص ونحوه، فالعوض على زيد لأنه كأنه المخبر وإن كان الله هو المبيح للخبر هكذا ذكره بعض الأصحاب وفيه نظر.
الأحسن أن الغم مسبب عن المخبر به لاعن الخبر فالعوض على الله في الصورة المذكورة أو لا لأنه فعل سببه لا لأنه أباح الإخبار به وعلى زيد لأنه الفاعل لسببه لا لما ذكر من أنه كالمخبر.
قوله: (فربما يبني الله بنية بعض الأشخاص بنية يشرع معها الخوف) لعل لفظه: بنية الأولى من سهو القلم أو يكون بنية بمعنى جملة.
قوله: (والزائد لا عوض فيه).
يقال: إذا كان السبب في زيادة غمة تلك البنية التي بناه الله عليها فالقياس أنه يستحق العوض على الزائد وقد ذكر بعض الشارحين المسألة علىص ورة أخرى حسنة وهو أن يغتم الإنسان لأمر من الأمور غماً زائداً على ما يحتمله الحال وكان يمكنه دفع ذلك عن نفسه فإنه لاعوض له لكونه أتي من جهة نفسه ونظيره من تألم ألماً يمكنه دفعه فإنه لاعوض له ولو كان سببه من الله كمن تألم بجوع أو برد وعنده طعام وما يستدفئ به ولامانع له من ذلك.
قوله: (كالممرور).
هو من علقت به المرة وغلبت عليه والمرء اسم إحدى الطبائع الأربع وهي الصفراء والبلغم والسودا والدم والأغلب أن الذي يكثر ..... وتعلق به العموم لأجل تلك التخيلات هو من غلبت عليه مرة السودا.
قوله: (وقال القاضي يجب).
كلام القاضي هذا في غاية الركة وتعليله واستدلاله إنما يوجب أن استحقاق العوض على نفس الضرر الذي لم يعلم به ولانزاع في ذلك وإنما النزاع في الغم الذي يلحقه على تقدير أن يعلم به.
قوله: (ولم يكن دفع ذلك الضرر واجباً).
يعني فأما مع وجوبه فهو يستحق على المشقة اللاحقة به ثواباّ وكذلك حيث يكون مندوباً.
قوله: (كدفع ضرر الأمراض) الخ.
يقال: إن من قواعدهم أن دفع ضررها مع العلم أو الظن لاندفاعه بشرب الأدوية واجب فكيف يعده مباحاً ولعله أراد مع عدم العلم أو الظن.
قوله: (مثاله أن يلحقه برد شديد) إلى آخره.
في عبارة المصنف هذه ركة لأنه قد فرع من التمثيل.
قوله: (أن يلزمه ابنه طلب قوت لغيره) لاموجب هنا لذكر الإلزام لأن العوض يستحق على الغم الحاصل لفقد القوت الجارية عادة مثله بتحصيله سواء كان لازماً أو غير لازم.
قوله: (بالنسبة إلى إيتاء جنسه) وذلك كاغتمام رجل بنقص خلقته على ما ذكره المصنف بالنسبة إلى رجل آخر أما لو اغتم بنقص خلقته عن خلقة من ليس من جنسه كالملائكة فلا عوض له في ذلك.
قيل: فلو اغتمت المرأة بكونها لم تكن من جنس الرجال ففيه احتمالان أحدهما ألا عوض كما ذكر آنفاً، الثاني أنها إذا اغتمت لأجل ما فضل به الرجال استحقت العوض كما ذكروه فيمن اغتم بسبب فقده ما تقع به المنافسة من ظهور فضل الله على الغير.
قلت: قال مولانا عليه السلام: الاحتمال الأول أرجح ووجهه أوضح.
قوله: (لأجل الجنون أو الدين ونحو ذلك). كالصغر مع التمييز والسفه والتبذير عند من يقول به.
قوله: (في كل هذيه يجب العوض على الله تعالى).
يقال: أما في الإلجاء بسيل أو نحوه إلى العدو على زرع الغير فيحتمل أن يقال مهما بقي للملجئ فعل هو سبب الإفساد فالظاهر أن قيمة الزرع يجب عليه فلا يستحق صاحبه عوضاً على الله بل يكون الملجئ هو لامستحق للعوض في مقابلة ما لحقه من الغرم ويستقيم الكلام حيث لم يبق للملجأ فعل أو صدر منه ما لايوجب عليه حقاً في الشرع وغرماً مع لحوق ألم أو غم.
قوله: (إن حكمها حكم ما تقدم). هذا هو الذي اختاره بعض المتأخرين والأظهر أن الخلاف شامل لناقصي العقول من السباع والحيوانات والصبيان والمجانين ويدعم ذلك قول المصنف التي يصدر ممن لاعقل له وصرح به ابن الملاحمي وقيل: إنما الخلاف فيمن ليس بعاقل من غير بني آدم /53/.
واعلم أن الخلاف إنما هو في العوض الذي ليس فيه غرامة دنيوية فأما ما كان كذلك فتلك الغرامة هي عوضه وهي على من أوجبها الشرع عليه على ما هو محقق في الكتب الفروعية فقد تكون على الصغير ونحوه، وقد تكون على مالك البهيمة، وقد تذهب هدراً فتكون حينئذ محل الخلاف.
تنبيه
قال بعض الذاهبين إلى أن العوض هنا يجب على الله ولابد أن يكون في الآلام الواقعة ممن لايعقل مع العوض الواجب على الله لطف واعتبار والألم يحسن من الله خلق النفرة عنه لمجرد التعويض عبث فلا يحسن.
قيل: وعلى هذا يعلم أن كل ألم يغر مستحق سواء كان من الله تعالى أو من غير المكلف أو من المكلف فلا بد فيه من الاعتبار مع العوض إما من فاعله أو من غيره على ما مر، أما الألم من فعل الله فلما تقدم وأما من فعل غيره مكلفاً أو غيره فلأنه لولا الاعتبار ... حسن خلق النفرة عنه.
وقيل: أما ما يصدر من المكلف فلا يشترط فيه الاعتبار ولايعد تمكينه من الإيلام وخلق النفرة عنه مع عدم الاعتبار عيباً لأن الوجه في حسن خلق النفرة أنه يتضمنها التكليف بترك الظلم مع ما فيه من التعريض لمنافع لايحسن الابتداء بمثلها لأن علمه بتضرر من يؤلمه شرط في تكليفه بتركه.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وينبغي أن يتأمل هذا الكلام فلن يخلو عن مبالغة وغلو وتعسف والله أعلم.
قوله: (لأنه مكنها من ذلك) إلى آخره.
هذا الذي ذكره المصنف حاصل ما يعول عليه من حجج أبي الحسين وأتباعه ومما يحتج به له أن العوض كالعقاب فكما لايستحق العقاب على غير مكلف كذلك لايجب العوض عليه وفيه نظر لأن الذي يقتضي عدم التكليف امتناع الوجوب، والجمهور يسلمون ذلك ويقولون العوض لايجب عليها بل الوجوب على الله يجب عليه أن يأخذ ذلك من أعواضها وكما أنها تستحق العوض ولاتستحق الثواب يصح أن تستحق عليها العوض ولايستحق العذاب.
قوله: (وقال القاضي والجمهور).
هذا هو الذي عليه الزيدية وجلة المعتزلة.
قوله: (لأنه لم يلجها) إلى آخره.
يعني مع كونها الفاعلة لذلك الضرر ولاينتقل العوض عن فاعل الضرر إلى غيره إلا بأن يكون في الحكم كأنه من فعله بإيجاب أو ندب أو إباحة أو إلجاء والثلاثة الأول لاتتصور مع عدم التكليف وإنما يتصور الإلجاء وهو منتف بما ذكره، وهذا حاصل ما احتج به لمذهب الجمهور.
وقد اعترض المصنف أدلتهم اختياراً منه لمذهب أبي الحسين وتقوية له وإن لم يصرح بذلك واعلم أنك إذا تأملت أدلة الفريقين لهذه المسألة ونحوها وجدتها عن البرهان وإفادة اليقين بمراحل، ومن دون منزلته بدرجات ومنازل، وحيث لم تكن عملية فيؤخذ فيها بالظن ولاحصل فيها دليل قاطع وبرهان ساطع، فالأولى أن يرد إلى علم الله الذي وسع كل شيء وقصر عن دركه كل حي.
قوله: (قال الجمهور قد حسن منا أن نمنع من لاعقل له) إلى آخره.