فصل في طريق الوصول إلى الرزق
/44/ قوله: (اعلم أن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى).
يعني وأما تسمية الواحد منا رازقاً فمجاز لأن الرزق لايقدر عليه إلا الله تعالى إذ هو أشياء ينتفع بها كالمأكول والمشروب أو غرض من فعله تعالى كنفس الطعوم والألوان والقوة مما لايدخل جنسه تحت مقدورنا أو يدخل جنسه تحت مقدورنا لكن لانقدر على فعله بتلك الكيفية كالعقل فإذا أضيف الرزق إلى الواحد منا فمن قبيل التجوز كما يقال: رزق فلان خادمه. أي أعطاه ومنه قوله تعالى: {فارزقوهم منه} ووجه التجوز كون له سبب فيه كالهبة والصدقة وأما استعماله حقيقة فهو في فاعل الرزق نفسه وليس إلا الله تعالى. هكذا ذكره أصحابنا وفيه نظر لأنه قد ثبت أن الرزق لغة بمعنى الإعطاء فإذن يكون رزق الملك جنده ونحوه مستعملاً في أصل ما وضع له فهو حقيقة لامجاز.
وقد قيل: التحقيق أن لفظ الرزق له معنيان أحدهما: العين المنتفع بها نحو: {في السماء رزقكم} أي المطر فلا يضاف بهذا المعنى إلا إلى الله إذ لايقدر عليه غيره. والثاني بمعنى الإعطاء ومنه قوله تعالى: {لايملكون لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً} أي لايملكون أن يرزقوهم شيئاً، وهذا فيه معنى المصدر ولهذا عمل النصب في شيئاً وبهذا المعنى يصح إضافته إلى العباد لأنه بمعنى الإعطاء ومنه: {فارزقوهم منه} أي أعطوهم.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وهذا أحد وجهين ذكرهما الزمخشري في تفسير الآية والوجه الثاني أن الرزق ههنا بمعنى ما يرزق ويكون شيئاً بدلاً منه يعني قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لايملك شيئاً من الملك. وقالت المجبرة: لايصح إضافة شيء من الرزق إلى العباد بل الجميع من الأرزاق والتسبيب وغيره من الله بناء على نفي أفعال العباد. ويقال لهم: إذا كان الجميع من الله لزم ألا يستحق الواحد منا على هبته ونحوها مدحاً ولا ثواباً والمعلوم خلافه.
قوله: (كالمواريث ونحوها). هو ما لايفتقر إلى قبول من التمليكات كالنذر على المختار.
قوله: (من بيوع وغيرها). يعني كالهبة على عوض.
قوله: (والإباحات ونحوها). يعني كالعارية.
قوله: (فكالمواريث والوصايا). يقال: أما المواريث فلا بأس، وأما الوصايا فهي في حكم الهبات عقلاً.
قوله: (وكذلك الصدقات). لعله قصد الصدقة الغير المعينة وكلام المصنف في هذا الفصل ليس بالجيد.
فصل
قوله: (زعم المتآكلة وأهل الكسل).
هم قوم من الصوفية يلزمون موضعاً مخصوصاً رجاء أن يحصل لأحدهم بذلك ما يقتاته وجرت لهم العادة بأن من سلك هذه الطريقة أوصل إليه الكفاية فجعلوا ذلك ديناً لهم ومذهباً.
قوله: (حاكياً عنهم أن طلب الرزق محظور).
قالوا: لأن فيه ترك التوكل على الله. واعلم أن هذا الفصل موضوعه حسن طلب الرزق لكنه صدره بمذهب الخصوم وكان الأحسن أن يقول مثلاً: فصل في أنه يحسن طلب الرزق. الذي عليه جمهور أهل الإسلام: أن طلب الرزق حسن فمنه واجب ومنه مندوب ومنه مباح وقد يكون في التكسب ما هو محظور وما هو مكروه ثم يذكر خلاف من خالف في ذلك ثم يذكر الدليل للمذهب الصحيح ويعقبه بذكر متمسك المخالف ونحن نتتبع ما يحتاج إلى الكشف من كلامه ثم نرجع إلى ذكر ما أهمله.
قوله: (من طلب مالاً حلالاً ليصل به رحمه) الخبر . لم يدل على هذا الخبر في مظانه التي من كتب الحديث عندنا على سعتها واحاطتها .... أكثر مما علمنا.
قوله: (وقال عليه السلام: لو توكلتم على الله..) ألخبر.
أي قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وروي أنه قاله لجماعة وجدهم واقفين في مسجد ينتظرون ما يأتيهم من الرزق ويصفون أنفسهم بأنهم متوكلون.
قوله: (فأخبر بأنها تغدو وتروح).
يعني والمفهوم أنه أراد أن تلك صفة التوكل. قيل: وفيه نظر إذ ليس معنى الخبر إلا أنه يرزقهم لو توكلوا كرزق الطير وليس فيه ...... فعل الطير توكل ولا أن الطلب توكل بل مسكوت عن ذلك، فالأولى أن يقال: التوكل طلب الرزق من حله وعدم الجزع من فوته وعلمه أن الله تعالى لم يؤخره عنه إلا لضرب من الصلاح.
قلت: قال مولانا عليه السلام: في تنظيره نظر /45/ لأن شبيههم لو توكلوا بالطير مع ذكر صفة طلبها للرزق يفهم منه بالذوق السليم أن فعل الطير توكل إذ لو لم يكن توكلاً لم يصح التشبيه فما وجه الشبه حينئذ. وعن عمرو بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بقوم فقال: (( من أنتم؟ )) فقالوا: نحن المتوكلون. قال: (( إنما المتوكل رجل ألقى الحب وهو ينتظر الغيث )) يعني الزراع لأنه أ[لغ الناس توكلاً لشدة اعتنائه في العمل من حرث وغيره من إصلاح الأرض ثم إلقاء البذر فيها وليس معه في ذكل إلا التوكل على الله في إتمام ما فعله وصرف ما يفسده إذ لولا ثقته بالله وتوكله عليه لما سمح بإلقاء البذر وهو بضعة من ماله لايتسامح به مع تجويزه لبطلانه بأنواع واسعة من العوائق، وبعد الزراع في التوكل المسافر في البر والبحر للتجارة فإنه يقطع الآفاق ويخوض البحر الدفاق لابتغاء فضل ربه الرزاق متوكلاً عليه في صرف ما منع من غرضه وعاق.
قوله: (وأما من يقول أن المعاملات قد فسدت).
هؤلاء فرقة أخرى من الصوفية أيضاً يمنعون من التكسب لهذه الشبه التي اعترضت لهم ومما يبطل به قولهم وإن كان واضح البطلان أن في المكاسب ما لاتلتبس الحال في حله فيحسن طلبه كالاحتشاش والاحتطاب من الفلوات واستقاء الأمواء من الأنهار العظيمة كدجلة وهذا الاستدلال مستقيم، وإن كان المراد بذلك تناول ما يحتاجه منه، وأما إذا احتش أو احتطب أو اغترف الماء ليبيعه وينتفع بثمنه فالاحتجاج غير مستقيم، ويدل على حسن التكسب من العقل أنه يعلم بالعقل حسن طلب الانتفاع بما لاينتفع به مما لاضرر على أحد فيه، ولاورد الشرع بالمنع منه، ومن القرآن ما ذكره المصنف وقوله تعالى: {فانتشروا في الأضر وابتغوا من فضل الله}. وقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} فجمع بين الإنفاق من الكسب والإنفاق مما أخرجت الأرض مما هو باصل الإباحة.
ومن السنة ما روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( من طلب من الدنيا حلالاً تعطفاً على والد أو ولد أو زوجة جاء يوم القيامة ووجهه على صورة القمر ليلة البدر )).
ومن الإجماع أنه لاخلاف بين المسلمين في حسن طلب الرزق على وجه يحل أما من المباحات كالاحتطاب والاحتشاش ونحو ذلك، وإما من جهة تملك المملوكات بالبيع والشراء والهبة والصدقة ونحوها وإجماع الصدر الأول على ذلك كالمعلوم الذي لا تتطرق إليه الوهوم.
تنبيه
قد ذكرنا فيما تقدم انقسام طلب الرزق إلى جميع أقسام متعلقات الأحكام من واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحظور، أما الواجب فحيث يخشى بتركه الضرر على نفسه بجوع أو عرى ولايندفع عنه ذلك إلا بأن يتكسب فيجب عقلاً لأن دفع الضرر عن النفس واجب، وكذلك إذا خشي الضرر على أبويه العاجزين وطفله فيجب شرحاً وكذلك يجب بالشرع لطلب ما ينفق على زوجته وإن لم يتضرر وكذلك حيث يعرف من نفسه أو يخاف عليها أنه إن لم يكتسب ما يحتاجه من نفقة ونحوها ويكون معداً لذلك وقع في الحرام فإنه يجب عليه وإن لم يتضرر بالترك ولايستغرب مثل هذا ويقال: كيف يجب طلب الرزق مع أنا مأمورون بالزهد في الدنيا ورفض الحب لها وعدم الاتفات إليها فقد بينا وجه الوجوب في ذلك، ولقد ذكر بعض أصحابنا المتأخرين شيئاً حفظه عن بعض العلماء وهو أن التكسب للنفس والأولاد من أهم الواجبات وإنما لم يقع تصريح من جهة الله بذلك اكتفاء بما ركب فينا من حب المال والحرص على جمعه فلا حاجة إلى التصريح بإيجابه كإيجاب الصلوات والزكوات والحج.
قال: ووجه ذلك ما في تحصيل المال من الاحتراز عن أذاء الناس بالسؤال وتحمل مننهم ولما في جمع المال من حفظ الورع عن أموال الناس وقد نبه صلى اللّه عليه وآله وسلم على ذلك حيق ال: دطلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة )) أو كما قال: (( نعم العون على التقى المال )) .
وأما المندوب فحيث لاوجه من وجوه الوجوب بأن يكون معه كفايته لكن يكسب ليتصدق أو لئلا يلحقه في المستقبل حاجة /46/ أو ليتجمل بما يكتسبه عند الناس.
وأما المباح فيكسبه ليتوصل بما يكتسبه إلى التلذذ بالمباح من مطعوم ومشروب ومنكوح ومركوب ومسكن ولايقصد غير ذلك.
وأما المكروه فحيث يكون معه كفياته والتكسب يشغله عما هو أفضل من طاعة الله وما يقرب إليه أو يكون تكسبه بحرفة تنقص قدره وتضع منه أوو يكون في منصب الاقتداء فيخشى أن يقتدي به غيره من العوام فيكسبهم ذلك الحرص على جمع المال والغفلة عن الآخرة والاستعداد للموت.
وأما المحظور فحيث التكسب من وجه محظور أو من حلال للمكاثة والمفاخرة أو حيث يشغل عن أداء واجب عليه ولايبعد أن يعد من هذا النوع التكسب بالسؤال لما ورد فيه من الأخبار القاضية بتحريمه وليس مما أردناه بقولنا يحسن طلب الرزق فإن الغرض بغير السؤال كالتجارة والإجارة والنجارة والفلاحة وسائر المهن والاصطياد واستخراج نفائس البحر والمعادن والاحتطاب والاحتشاش ليبيع ذلك وإحياء الأرض لبيعها وغزو ديار الكفار للاغتنام منها.
وقيل: ليس الفلاحات من التكسب وكذلك قبول الهبات والوصايا والنذور لأنها وإن كانت عملاً في تحصيل الرزق فلا تسمى كسباً لغة ولاعرفاً ولاشرعاً.
قلت: قال مولانا عليه السلام: وفي ذلك نظر لاسيما الفلاحة.
ويلحق بما تقدم فوائد:
الأولى: أنه لايجب عليه تعالى أن يرزق أحداً من عباده إذ الغرض منه التبقية وهي لاتجب عليه مطلقاً إلا ما يقوله الأصحاب من أنه يجب عليه تبقية المكلف بعد تكليفه وقتاً يسيراً يتمكن فيه من فعل شيء مما كلفه لئلا تبطل فائدة التكليف وهي ممكنة وأكثر منها من دون رزق. وأما قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فهو وإن كان ظاهره يقتضي الوجوب للإتيان بلفظة على التي تدل على الاستحقاق مؤول بأن الله تعالى لما تكفل بالرزق ووعد باستمراره وأمن العباد من قطعه إيناساً منه لهم وصرفاً لهم عن استغراق الأوقات بطلبه صار كأنه واجب.
قال جار الله: فإن قلت كيف قال الله على الله رزقها بلفظ الوجوب وإنما هو تفضل؟ قلت: هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم رجع التفضل واجباً كنذور العباد.
الفائدة الثانية: أن لله تعالى أن يفاضل بين عباده في الرزق وقد خالف في ذلك بعض المطرفية فقالوا: بوجوب المساواة ومنع المفاضلة وخلاف ما ذكروه معلوم بضرورة الوجدان وبما ورد في القرآن كقوله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}، وقوله: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}، وقوله: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} ولأن الرزق تفضل فلا تجب فيه المساواة.
تنبيه
لو اشترى التاجران في جودة البضاعة ومكارم الأخلاق والتحبب إلى الناس وجميع ما يدعو إلى مثلهما وكان الناس إلى أحدهما أكثر انصرافاً وانجذاباً فقد اختلف فيه بعض الشيوخ هل ذلك بسبب من الله أو لا؟
قيل: والتحقيق أنه لابد من مرجح للناس في ذلك إذ مجرد الإرادة لاتكفي في الفعل فيكون ذلك المرجح اعتقاد جهل أو ظن لزيادة فيه من دون علم بالزيادة لأنا قد فرضنا الاتسواء من كل وجه ولايكون الجهل والظن من الله.
الفائدة الثالثة: أنه تعالى يرزق العصاة وهو مذهب المسلمين كافة وخالفت فيه المطرفية فذهبوا إلى أنه تعالى لم يرزق العصاة بل العاصي مغتصب لنفسه ورزقه ولعل هذا اختص به طائفة منهم إذ المحكي عنهم جملة أنه تعالى لم يرزق أحداً لامؤمناً ولا عاصياً وإنما كل حي يحتال في طلب رزق نفسه وهو خلاف ما علم ضرورة من الدين وكذلك قولهم هذا في العصاة فإن الله سبحانه قد صرح برزقه للكافرين كقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالا ممدودا} الآيات وغير ذلك وغيره.
فصل
اعلم أن الرزق قد يكون لطفاً وقد لايكون.
قوله: (لأجله منه). يعني من الرزق وكلامه في هذا الفصل جيد لا غبار عليه واضح لايتطرق اللبس إليه.
القول في الأسعار
قوله: (السعر هو تقدير الثمن). جعل ما هية الشعر نفس التقدير /47/ كأن يقول القائل: ابتع الرطل من هذا بكذا.
وقيل: إن السعر في اللغة عبارة عن قدر ما يباع به الشيء. يقال: سعر الطعام أي كم القدر الذي يباع به فهو على هذا اسم للثمن. وقال في الضياء: الشعر هو الذي يقوم عليه الثمن وهو قريب مما قال المصنف. قيل: والسعر غالب في المأكولات المثليات. وقيل: بل يختص من المثليات بالمكيلات في الغالب.
إذا عرفت هذا فالثمن هو الذي يستحق في مقابله المبيع هكذا ذكر صاحب شرح الأصول، ونظر بأن المستحق في مقابلة المبيع قد يكون مبيعاً أيضاً والأحسن أن يقال: أما في اللغة فالثمن ما دخلت فيه الباء والمبيع مالم تدخل فيه، وأما في اصطلاح الفقهاء فلهم تفصيل يذكر في مواضعه.
قوله: (فهو غلا).
هو مأخوذ من الغلو وهو تجاوز الحد ومنه لاتغلوا في دينكم.
قوله: (فهو رخص). مأخوذ من الرخص الذي هو اللين يقال: كف رخص البنان إذا كانت لينة اللمس.
فصل
ومعنى إضافة الرخص والغلا إلى الله تعالى هو أنه فعل الأشياء التي تقتضي ذلك.
قوله: (ونحو ذلك). يعني ككثرة الانتظار وصلاح الثمار وتقليل الشهوات للطعام.
قوله: (وكذلك قد يكون سبب الغلا من جهة الظلمة).
يعني فيكون الغلا وكذلك الرخص منهم حيث السبب منهم وقد خالفت الحشوية في ذلك فقالت: جميع الأسعار من الله ولاشيء من العباد ورد بأن الله سبحانه نهى عن الاحتكار للقوتين على ما هو مقرر بشروطه في موضعه وما نهى عن ذلك إلا لئلا يقع الغلا فدل على أن لهم أثراً في التسبيب في ذلك.
قوله: (في آخر الفصل ونحو ذلك). كأن يمنعوا المبتاعين للحب من دخول المصر فترخص الحبوب لكثرتها مع عدم طالبيها.
فائدة
هل يجوز التسعير أم لا؟ فالذي عليه الأئمة عليهم السلام والمعتزلة وجمهور الفقهاء أن ذلك لايجوز وذهب مالك إلى جوازه وجه المنع نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك والمجيز له زعم أن النهي لم يكن إلا عن التسعير في تلك الحال لعدم المصلحة فأما إذا ظهرت المصلحة صح وجاز.
قيل: وهو القوي لكن لايجوز إلا لذي الولايات إذ إليهم النظر في المصالح العامة فإذا رجح عندهم أن في التسعير مصلحة شاع ذلك.
القول في الآلام والغموم
اعلم أن الألم جنس من الأعراض متميز عن غيره غير راجع إلى النفي واللذة من جنسه ولايتميز أحدهما عن الآخر إلا بمقارنة الشهوة أو النفرة فما قارنته الشهوة فلذة وما قارنته النفرة فألم ودليل كونهما جنساً واحداً أن الواحد منا قد يتألم بما يلتذ به ويلتذ بما يتألم به كالحك وغيره وحقيقة الألم على هذا القول ما ذكره المصنف وهو قول جمهور المتكلمين.
وقال أبو إسحاق بن عباس: المرجع بالألم إلى النفي، وهو خروج الجسم عن حد الاعتدال أو إلى أمر ثبوتي غير ما ذكره الجمهور وهو حصول آخر بمنزلة حمل الثقيل والصحة عكسه في الوجهين، وذهب ابن زكريا المتطبب إلى أن اللذة يرجع بها إلى النفي أي الخروج عن الألم وحكي عنه مثل ذلك في الألم وهو الخروج عن اللذة.
قوله: (بمحل الحياة فيه).
هو يمتاز بهذا الحكم عن سائر المدركات لأن سائرها يدرك بمحل الحياة في غيره فلهذا كان ما ذكره فضلاً له عن سائر المدركات والكلام في تصحيح ما ذهب إليه الجمهور وتزييف قول من خالفهم مبسوط في مواضعه من علم اللطيف وليس مما يهمنا الكلام فيه هنا لأن الذي نحن بصدده لايتوقف على صحة ما ذكر ولافساده.
قوله: (والغم) إلى آخره.
هذه الحقيقية مثبتة على ما اختاره أبو هاشم من كون الغم من قبيل الاعتقاد أو الظن وليس جنساص مستقلاً وذهب أبو علي إلى أن الغم والسرور جنسان مستقلان ليسا من قبيل الاعتقاد ولا الظن والذي قاله أبو علي هو الصحيح وإنما الاعتقاد والظن المذكوران في الحد لابد منهما أو من أحدهما في حصول الغم والله أعلم.
ولبسط الكلام في ذلك ونظر أدلة المذهبين موضع أليق به من هذا وليس ذلك مما يتوقف عليه ما نحن فيه.
قوله: (في المستقبل). أما ابن متويه /48/ فلم يشرط الاستقبال فيه بل قال: إما في الحال أو في الاستقبال وهو الأحسن.
قوله: (ويفارق الخوف مفارقة العام للخاص في بعض صوره).
هذا الكلام غير واضح المعنى ولامطابق للمقام فإنه لاحاجة إلى ذكر تميز الخوف عن الغم هنا ولو دعت إليه حاجة فاللائق حينئذ أن يذكر حقيقة الخوف ثم ينبه على وجه افتراقهما كما قال ابن متويه رحمه الله: الخوف الاعتقاد أو الظن لنزول ضرر به في المستقبل أو فوات نفع عنه إما فيه أو في من يجري مجراه وكذلك الخشية. قال: ويفارقان لاغم لأنه لايدخلهما طريقة العلم ولأنهما لايدخلان فيما وقع ومضى ولافيما هو موجود في الحال وليس كذلك الغم ولايستقيم أن يكون هذا ما أراده المصنف بقوله في بعض صوره لأنه قد جعل الغم مساوياً للخوف في اعتبار الاستقبال ولعله أراد من حيث أن الغم يكون مع العلم وغيره والخوف لايكون مع العلم والله أعلم.
فصول في الوجوه التي يسحن عليها الألم ويقبح
قوله: (ضل كثير من الناس).
اعلم أن وجه ضلالهم كون الآلم مضرة عاجلة ووجوه حسنها خفية غير واضحة وقد أشار إلى بعض الفرق الضالة بسببها فقوله حتى كان ذلك شبهة في إثبات ثان إشارة إلى الثنوية لأنهم جعلوا لها فاعلاً غير فاعل الخير لاعتقادهم كونها شراً محضاً، وأن الفاعل الواحد لايصح أن يفعل الخير والشر.
قوله: (وفي جواز كل قبيح على الله).
إشارة إلى المجبرة فإنهم لما اعتقدوا قبح الآلام مع صدورها عن الله جوزوا صدور غيرها من القبائح عنه وقالوا: لايقبح منه تعالى قبيح وله أن يفعل في ملكه ما شاء.
قوله: (وفي التعطيل).
عند ابن الراوندي الأصحاب يذكرون أنها السبب في تعطيل الدهرية وأنهم يقولون لو كان للعالم صانع مختار لما صدرت عنه هذه الآلام الضارة التي لاغرض فيها وأما المصنف فجعل تسببها في التعطيل مقصوراً على ابن الراوندي لأنه قد كان من علماء الإسلام فقاده الجهل بنفي جنسها إلى نفي الصانع والتعطيل بسبب الآلام في حقه أظهر وكذلك أبو عيسى الوراق وأهمل المصنف من الفرق الضالة بسببها البكرية والتناسخية وسيأتي ذكرهم وتفصيل مذهبهم، وممن ضل فيها وبسببها المطرفية فإنهم ذهبوا إلى أنها حاصلة بالفطرة والتركيب بمعنى أن الله تعالى خلقها على وجه يتألم عند مجاورة جسم آخر وقضوا بقبحها فلم يضيفوها إلى الله.
قال بعضهم: ما خلق الله ليفني ولا أحيا ليميت ولا أغنى ليفقر.
قوله: (في رواية البيت: كم عالم عالم).
الأشهر في الرواية: كم عاقل عاقل. وتكرير اللفظ للتأكيد.
قوله: (وكان السبب في جميع ذلك نفار الطبع عن هذه الآلام).
قد صرح بعض من قال بقبح الآلم بأن هذا هو الوجه في قبحها وأن المرجع بالقبح والحسن في العقل إلى الاستحلا والنفرة وصرح به بعض الأشعرية.
فصل
يحسن الألم من فعلنا إذا كان لنفع إلى آخره.
قوله: (إيلام من آلمه أو غيره). أي أو آلم يغره فهو معطوف على الضمير المنصوب في آلمه.
قوله: (لأن المنزل له يكون مقدماً على ما لايأمن كونه ظلماً).