[الكلام في فائدة الإبتلاء بالقليل والكثير]
[40]
أراد من أهلِ القليلِ الصَبْرَا .... ومِنْ ذَوي المالِ الكثِيرِ الشُكْرَا
وادَّخَرَ الأَجْرَ لدَارِ الأُخرَى .... ومَنُّهُ على الجميعِ يَتْرَا
لِلفائزينَ بالمحَلِ العالي
أعاد في هذا البيت الكلام في معنى التقليل والتكثير وفائدته، وأن ذلك لغرض يعود على المكلفين لا عليه تعالى، وهو التعريض لهم للثواب، فقد عرض سبحانه الجميع، عرض أهل القليل للصَّبر ليعطيهم أجر الصابرين، وأهل الكثير للشكر ليوصل إليهم ثواب الشاكرين.....
وأجر الصبر أعظم من أجر الشكر، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(10)}[الزمر] ، ولا بد فيه - أيضاً - من العوض مع هذا الأجر العظيم، فالعوض يكون في مقابلة فعل الله، وهو الإبتلاء بالفقر، والثواب في مقابلة فعل العبد، وهو الصبر عليه ، فإذاً نفع الفقر أعظم من نفع الغنى، ولهذا إختار أكثر الأنبياء الفقر على الغنى؛ كما نعلمه من كثير منهم -صلوات الله عليهم- عامة، ومن نبيئنا -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- خاصة،

فقد روينا عنه في قصة ثعلبة بن حاطب، لما سأله أن يسأل الله -تعالى- له الغنى، فقال -عليه وآله السلام-: ((يا ثعلبة إتق الله، فإني لو سألت الله أن يسيل لي الجبال ذهباً وفضَّة لفعل)) والقصة طويلة([1]).
وكذلك روينا عنه -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أن ملكاً من الملائكة سأل ربَّه زيارة النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- فقال الله -تعالى- لذلك الملك: ((خَيِّر محمداً (بين([2])) أن أجعله عبداً نبياً أو ملكاً نبياً، فأتى إليه ذلك الملك ومعه جبريل -عَلَيْه السَّلام- فقال ما أمره به ربّه -عز وجل- فالتفت إلى جبريل كالمستشير له، فأوما إليه بالتواضع، فقال: بل أكون عبداً نبياً، فقال ذلك الملك: والله يا رسول الله لقد أخبرني بجوابك هذا ميكائيل تحت العرش([3]))) ، والأخبار في مثل هذا كثيرة جداً.
___________________
([1]) ـ تمام القصة برواية الإمام المنصور بالله عليه السلام: فقال: والله يارسول الله لئن رزقني الله مالاً لأصلنّ الرحم، ولأوتينّ المسكين، ولأعطينّ السائل، ولآتينّ حق الله، فقال صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم: ((اللهم ارزق ثعلبة، اللهم ارزق ثعلبة، اللهم ارزق ثعلبة مالاً )) فاتخذ غنماً فنمت كما تنمو الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً بها، فجعل يصلي الظهر ويترك ما سواها، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلاة إلا الجمعة ، ثم ترك الجمعة ، وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار، وسأل رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- فأخبر بخبره، فقال: يا ويل ثعلبة ونزل قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103]، فبعث إليه رجلين، فقال: مرا عليه فخذا صدقاته، فعند ذلك قال لهما: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فلم ندفع الصدقة، فأنزل الله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} [التوبة:75]، فقيل له: قد أنزل الله فيك كذا وكذا، وسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله منعني من قبول ذلك، فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني)) فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم ثم أتى أبا بكر بصدقته فلم يقبلها اقتداء برسول الله صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم ثم لم يقبلها عمر ثم لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان، انتهى من تفسير المصابيح لأهل البيت -عَلَيْهم السَّلام- في تفسير سورة التوبة، في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ...إلخ} عن المنصور بالله عليه السلام.
([2]) - نخ (ن) : أيحب.
([3]) ـ أمالي أبي طالب 43، عن علي بن عبدالله بن العباس عن أبيه. وروى نحوه الطبراني في الأوسط (5/166) رقم (6937) والهيثمي في مجمع الزوائد (10/318)...

وقد روينا عن النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((أبشروا صعاليك المؤمنين بالفوز على الأغنياء يوم القيامة بمقدار خمسمائة عام، والأغنياء موقوفون يحاسبون على فضلات أموالهم، من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها([4]))) .
ولا شك أنما نقص في الدنيا وزاد في الآخرة خير مما زاد في الدنيا، ونقص في الآخرة.
وقال النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً أصبر نفسي في القعود معهم)) فأنزل الله -تعالى- في ذلك قرآنا: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}[الكهف:28] ، وهذا المغفل قلبه عُيينة بن حصن؛ لأنه نهى رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- عن مجالستهم لسوء حالهم، وقال له: (هذا مما ينفر عنك رؤساء العرب)، فنهاه الله تعالى عن مساعدته، وأخبره بأنه قد استحق الخذلان وسلب التوفيق لما تقدم من معصيته، فلذلك أغفل قلبه عقوبة له؛ لأن الله -تعالى- لا يغفل قلبه عن ذكره إبتداءً؛ لأنه مريد للطاعة من جميع عباده كافرهم ومؤمنهم خلافاً لما ذهبت إليه المجبرة.
[بيان الحكمة في تضييق وبسط الأرزاق]
وكان في مقدوره التوسيع عليهم، وبسط أرزاقهم، ولكن ضيق عليهم تعريضاً لمنازل عالية، ودرج رفيعة، لم يكن يوصل إليها إلا بتلك المشاق من الفقر وغيره، فرضوا بها وصبروا عليها، وهذا باب كبير من أبواب الدين، فمن جهل حكمة الله في المخالفة فيه بين عباده في البسط والقبض فقد جهل أصلاً كبيراً لا يسع أحداً جهلُه، ولا يتمحض الإيمان إلا بمعرفته، وكيف يسوغ إنكاره وآيات الكتاب الكريم مشحونة بذكره، وكذلك السنة الشريفة، وأقوال الأئمة مع إجماع الأمة وحجج العقول.
__________________
([4]) ـ أخرجه ابن ماجه في كتاب العلم (3/322) رقم (3666)، وأحمد في مسنده (3/78) رقم (11610) والطبراني من حديث طويل (6/307) رقم (8866).

أمَّا الكتاب: فقد تقدم منه شطر كافٍ، وكذلك السنة الشريفة.
وأما الإجماع: فلا يعلم قائلاً به من الأمة قبل حدوث هذا القول.
وأما كلام الأئمة -عَلَيْهم السَّلام-: فموجود في كتبهم وهي ظاهرة بحمد الله للكافة، ولو لم يكن من ذلك إلا ما روي عن أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- في كتاب (نهج البلاغة) حيث قال: (وقسم الأرزاق فقللها وكثرها، وقسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها لبلى([5]) من أراد في ذلك بميسورها ومعسورها، وأراد بذلك الصبر والشكر من غنيها وفقيرها، وقرن بسعتها عقابيل([6]) فاقتها، وبفرح أفراحها غصص أتراحها)، ولولا خشية التطويل لذكرنا من قول كل إمام من آبائنا -عَلَيْهم السَّلام- ما يشهد بصدق ما قلناه، وفي قول علي -عَلَيْه السَّلام- مقنع في هذا المكان وغيره؛ إذ الكل راجع إليه وفرع عنه، ولا تصح الإمامة والسلامة إلا بمتابعته، فقد رأيت أن كلامنا تفصيل لهذه الجملة التي أجملها علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام-.
وأما دلالة العقول: فهي ظاهرة من وجوه:
أحدها: أن الباري -تعالى- متفضل بالأرزاق، وللمتفضل المفاضلة بالإجماع.
وثانيها: أن الدنيا دار بلوى، والبلوى لا تكون إلا بالسعة والضيق، وقد صرح سبحانه بذلك في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}[الأنبياء:35] .
والعقول تقضي بحسن البلوى، والبلوى لا تكون إلا بما تنفر عنه النفوس، ولهذا لما كان الخير يجب عليه الشكر، والشكر لا يقع في حق الله -تعالى- إلا بالقيام بالواجبات، وترك المقبحات، وأداء الواجبات وترك المقبحات يشق على النفوس.
__________________
([5]) ـ في النهج: ليبتلي.
([6]) ـ في (م، ن): عقابيل وهي الشدائد، تمت.

سمي بلوى بإسم ما يؤدي إليه وذلك سائغ([7]) في اللغة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}[النساء:10] ، وذلك غير واقع في الحال، وإنما أكلوه شهياً لذيذاً، فلما كان مقدمة لأكلهم النار في دار العذاب -نعوذ بالله منها- ومؤدياً إلى ذلك سمَّاه بإسم ما يؤدي إليه، ولهذا قضينا بأن المشاق التي تنزل بالعباد من الله -تعالى- كالفقر، والمرض، والجدب، وذهاب الأموال، وموت الأولاد، حسنة وأنها منفعة على الحقيقة إلا أن نفعها متأخر عنها خلافاً لما ذهبت إليه المجوس والبترية([8])، كما حكينا عنهم في فصل الإمتحان في أبواب العدل، فإنهم ذهبوا إلى أن جميع ما تكرهه النفوس قبح، وأن جميع ما تشتهيه حَسَن، فغلطوا غلطاً عظيماً؛ لأن أكثر ما تشتهيه النفوس قبيح، وأكثر ما تنفر عنه حَسَن، فالأمر بالضدّ مما قالوا.
____________________
([7]) ـ في (م): شائع.
([8]) ـ البترية: يقال إنها فرقة من فرق الزيدية، أصحاب كثير النوى الأبتر، وهم متفقون مع الصالحية في المذهب ويرون رأي السليمانية في الإمامة من أنها شورى بين الخلق، ويقولون بإمامة المفضول مع وجود الأفضل إلى غير ذلك من التخاليط والأقوال التي تخالف مذهب الزيدية، قال الشهرستاني في الملل والنحل ص162: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة ويعظمون أئمة الإعتزال أعظم من تعظيمهم أئمة أهل البيت، انتهى.
ومن نظر بعين الإنصاف والبصيرة في حقيقة الزيدي ما هي؟ وما هي عقيدته؟ وقارن بين أقوال الفرق التي تنسب إلى الزيدية وبين الزيدية على الحقيقة، علم الفرق الشاسع، فكيف يضاف إلى الزيدية من يخالف الزيدية في أهم أصولها وعقائدها، وادعاؤهم أنهم زيدية دعوى تحتاج إلى برهان، وإذا لم يوجد البرهان بطلت الدعوى وفسدت،
والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء
وكفى بالمذهب فساداً أن لا يقوم عليه دليل، ثم إنه لم يؤثر عن أحد من أئمة الزيدية القول بأقوالهم، فبطلت نسبتهم إلى الزيدية بخروجهم عن أقوال أئمّتها، ثم تراه وهو إمام الزيدية -عَلَيْه السَّلام- يردّ عليها ويفنِّد أقاويلها ويبيّن ضلالها، وقد انقرضت هذه الفرقة وغيرها من الفرق المنتسبة إلى الزيدية وهي على غير مذهبها ولم يعد لها وجود إنْ كانت وُجِدت أصلاً.

ومنها: أنَّا نعلم في الشاهد أنه يحسن من أحدنا أن يمنع ولده من تناول نوع من أنواع الطعام، وإن علم قوة داعية إليه إذا كان يعلم أن بين يديه على خطى([9]) يسيرة من الطعام ما هو ألذ منه، وأعلى قدراً، وأعظم نفعاً، ولا أحد من العقلاء المنصفين لنفوسهم ينكر ما قلناه، وحال الباري معنا أبلغ من حال الوالد مع ولده؛ لأن الوالد ربما يجتهد في نفعنا ليستر بذلك، أو لينفعه في المستقبل، أو خيفة من لائمة الغير، أو ليدفع عن نفسه رحمة التضييع، أو ليشايعه على عدوه، أو ليباهي أبناء نظراه من أوليائه وأضداده، وهذه الوجوه كلها مستحيلة على الباري -تعالى- فهو لا ينتفع بنا سواء كان لخير معجل كاللذة، والسرور، والتوسعة في المال، وتكثير الولد، أو لخير مؤجل كالألم في الأجساد، والغم على فراق الأحبة والأوداد، والضيق في الرزق، والعدم للأولاد، إلا لغرض يعود علينا نفعه خالصاً ، ولا يجوز أن يكون ذلك لغرض يعود عليه لاستحالة كل غرض -سوى نفعنا- في حقه.
وورد في (غريب الحديث) عن النبيء -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((ما تعدون الرقوب عندكم؟)) قالوا: الذي لم يولد له ولد يا رسول الله، فقال -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم-: ((الرقوب من لم يمت له ولد)) ، فصرح -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- بما ذكرنا.
__________
([9]) ـ الخطى: جمع خطوة بالضم ما بين القدمين، تمت مختار الصحاح.

وكذلك روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- أنه كتب إلى سلمان يعزيه بإمرأته: (أمَّا بعد فقد بلغني مصيبتك أبا عبدالله، فبلغت مني بحيث نحب لك، واعلم يا أخي أن مصيبة يبقى لك أجرها، خير من نعمة يبقى عليك شكرها).
وكذلك روينا عن جعفر بن محمد -عَلَيْهم السَّلام- قال: (مات لعمي زيد بن علي ابن، فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه، فلما قرأ الكتاب قلبه وكتب على ظهره: أمَّا بعد؛ فإنَّا أموات أبناء أموات آباء أموات، فيا عجباً من ميت يعزي ميتاً عن ميت، والسلام)، فهذا، كما ترى، آثار آبائنا -عَلَيْهم السَّلام- ناطقة بما نحن عليه.
[في قصر الأمل وذكر الآجال]
واعلم أن الواجب على كل مسلم: قصر الأمل، وحسن العمل، وأن إعتقاد وجوب المساواة في الأرزاق يؤدي إلى سوء الظن بالله.
بيان ذلك: أنَّا إذا اعتقدنا وجوب المساواة عليه وذكر لنا في أكثر آيات الكتاب الكريم التي فيها ذكر الرزق أنه فاضل، وأنه قدر على البعض، وبسط للبعض، اعتقدنا فيه لا محالة أنه ظلَم المقدور عليه، وهذا أقبح الظنون بالله، فما ظنك بمذهب أدى إلى هذا !؟
وكذلك الآجال؛ إذا اعتقدنا أنه يجب عليه تبليغها مائة وعشرين سنة([10]) أدى ذلك إلى قساوة القلوب، والتساهل في طاعة علام الغيوب، ولم نرض بقضائه في موت أحبتنا وأولادنا، فحبط الأجر، وعظم الوزر.
وسأخرج مما قلت:
__________________
([10]) ـ كما تقوله المطرفية.

أمَّا قساوة القلب: فقد روينا عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- أنه قال: ((أذكروا الموت، وكونوا من الله -تعالى- على حذر، فمن كان يأمل أن يعيش غداً فإنه يأمل أن يعيش أبداً، ومن كان يأمل أن يعيش أبداً يقسو قلبه)) ([11]) وصدق -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- وبلّغ، ونحن على صدقه من الشاهدين، فما ظنك بمن يأمل أن يعيش مائة وعشرين سنة !!؟، وإنما أطلق جدنا القاسم -صلوات الله عليه- هذه اللفظة في شأن الغائب وميراثه، والقدر الذي ينتظر فيه أمره، ورأى -عَلَيْه السَّلام- أن العادة جرت من الله -تعالى- بأن أحداً من هذه الأمة لم يعمر أكثر من ذلك، ولم يقل بأن من مات قبل ذلك فلم يمته الله -تعالى- ولا يوجد هذا القول لأحد من الأمةقبل حدوث هذا القول فضلاً عن الأئمة -عَلَيْهم السَّلام-، فما ظنك باعتقاد أدى إلى قساوة القلب !!؟، فنسأل الله -تعالى- الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.
وأما ما ذكرنا من إحباط الأجر وعظم الوزر: فذلك لما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عَلَيْه السَّلام- في كتاب (نهج البلاغة) وقد مات للأشعث بن قيس ولد، فعزاه -عَلَيْه السَّلام- عنه فقال: ((يا أشعث؛ إن صبرت جرى عليه القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور، يا أشعث سرك وهو بلاء وفتنة، وغمك وهو ثواب ورحمة)) .
فقد رأيت خروجنا عن عهدة ما تكلمنا به بقول من لا إيمان إلا باتباع قوله، وهو محمد -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- ووصيه علي بن أبي طالب -سلام الله عليه، ورضوانه- وهذا القدر كافٍ لمن نظر بعين بصيرته، وطلب نجاة نفسه، وفزع إلى من أمره الله بالفزع إليه من عترة نبيئه -صلى الله عليه وسلم، وعليهم-.
_____________________
([11]) - رواه الإمام أبو طالب في الأمالي ص(431) عن ابن مسعود.

قوله: (وادخر الأجر لدار أخرى): بنيتها على أن هذه الأرزاق لا تجري مجرى المستحقات، ولا ترمى من موضع الإستحقاق؛بل تقع مطابقة لإرادة الحكيم في باب الإمتحان بوجودها وعدمها، وتقليلها وتكثيرها، وقد قدمنا ما روي عن أمير المؤمنين -عَلَيْه السَّلام- في ذلك، فلا معنى لإعادة ذكره، ودار الأجر والمكافأة على الأعمال هي دار الآخرة على ما يأتي بيانه.
قوله: (لِلفائزين بالمحل العالي): هم آل النبي -صَلَّى الله عَلَيْه وآله وسَلَّم- من هذه الأمة وأتباعهم -رضي الله عنهم-.
وهذا حين انتهينا إلى آخر الشرح للجزء الأول من جزء (الرسالة الناصحة)، ويتلوه الجزء الثاني في فضل أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، والرد على من أنكره من الملحدة والروافض وطبقات النواصب، أوله حمداً لمن أيدنا بعصمته، والحمد لله أولاً وآخراً، وباطناً وظاهراً؛ حمداً كثيراً، بكرة وأصيلاً، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله - آمين - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - آمين-.
ـــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * *

الجزء الثاني من شرح الرسالة الناصحة

بسم الله الرحمن الرحيم
[الكلام في فضل أهل البيت(ع) وذكر المخالف في ذلك]
[1]
حَمْدَاً لِمَنْ أيَّدَنَا بِعِصْمَتِهْ .... وَاخْتَصَّنَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهْ
وَصَيَّرَ الأَمْرَ لَنَا بِرُمَّتِهْ .... فِيْ كُلِّ مَنْ أَظْهَرَ مِنْ بَرِيَّتِهْ
هذا هو الكلام في فضل أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، والخلاف فيه مع طائفة من المطرفية، ومع الملحدة، وخلاف الملحدة فرع عن أصل؛ لأن الكلام بيننا وبينهم في إثبات الصَّانع تعالى، وصفاته، وما يجوز عليه، وما لا يجوز، وأفعاله وأحكام أفعاله، وما يجوز عليه، وما لا يجوز ، والكلام في النبوءات وتوابعها من فضل أهل البيت -عَلَيْهم السَّلام-، وغير ذلك من الفروع، وعند الإستقراء([12]) للأصول ينقطع خلافهم،
_______________
([12]) - في (م، ن): الإستقرار.

33 / 63
ع
En
A+
A-