وثانيهما: أن يكون ذلك على جهة التجوّز والاستعارة في السعادة والشقاوة، فيكون النور عبارة عن سعادة الآخرة والفوز بها، وتكون الظلمة عبارة عن الشقاوة، وعلى هذا يكون معناه أنه أسعد بنورالهداية إلى الدين من كان مظلماًبسواد الكفر بالألطاف الخفية والتوفيقات المصلحية، وأظلم بسواد الكفر بالخذلان له من كان مضيئاً بأنوار الإيمان ردة وجحوداً وعناداً.
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله): واعلم أنه إنما كرر الوصية بالتقوى في كثير من خطبه ومواعظه لما كانت التقوى جوهراً شريفاً، وَعِقْداً نفيساً، وقد أثنى الله تعالى على أهل التقوى في غير آية من كتابه، فمرة بإعطاء الجنة، كقوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران:133]، ومرة بالمصاحبة والمعية، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا }[النحل:128]، وتارة قبول الهداية، كقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ }[البقرة:2]، ومرة بالتذكر، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا }[الأعراف:201] إلى غيرذلك من الآيات الدالة على علو شأنهم، وارتفاع قدرهم ومكانهم، وأنهم قد فازوا بالنجاح والهداية والصلاح.
(الذي ألبسكم الرِّيَاشَ): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون حقيقة فيما تناوله، أي أفضل اللباس وأعلاه.
وثانيهما: أن يكون مجازاً، وأراد ما ألبسهم من الإيمان بالله ورسوله، وهدايتهم إلى ذلك، كما قال تعالى:{وَلِبَاسُ التَّقْوَى }[الأعراف:26].
(وأسبغ عليكم الْمَعَاشَ): أعطاكم ما تأكلون من جميع الطيبات، كما قال تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ }[لقمان:20] أي أكملها.
(ولو أن أحداً يجد إلى البقاء سلماً): يصعد به إليه فيكون دائماً خالداً في الدنيا.
(أو لدفع الموت سبباً ): وُصْلَة يتوصل بها إلى إزالته.
(لكان ذلك سليمان بن داود [ عليه السلام] ): فإن الله تعالى أعطاه ملكاً عظيماً كما قال: {مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي }[ص:35].
وحكي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ، فمنها خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحوش، وكان له ألف بيت من قوارير، فيها ثلاث مائة منكوحة وسبعمائة سرية ، وعلَّمه الله تعالى منطق الطير، وهو مايفهم بعضه من بعض من مقاصدها وأغراضها.
وحكي أنه مرَّ ببلبل في شجرة يحرِّك رأسه ويميل ذَنَبَهُ، فقال لأصحابه: تدرون ما يقول؟ فقالوا: الله ونبيه أعلم، قال : يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاؤوس، فقال: يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: يقول: استغفروا الله يا مذنبون ، وصاح خُطَّاف ، فقال: يقول: قدموا خيراً تجدوه، وصاحت رخمة، فقال: تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري ، فأخبر أنه يقول: سبحان ربي الأعلى، وقالت الحدأ: كل شيء هالك إلا الله، والقطاة: من سكت سلم، وقال الديك: اذكروا الله يا غافلون ، وقال النسر: يا ابن آدم، عش ما شئت فآخرك الموت، وقال العُقاب : في البعد من الناس أنس، وقالت الضفدع: سبحان ربي القدوس، إلى غير ذلك من مراداتها وكلاماتها ، ولهذا جعله من أعظم التفضلات وأكرم المنن ؛ حيث قال: {عُلّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ }[النمل:16].
(الذي سخر له ملك الجن والإنس): كما قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ }[النمل:17] فكانوا يعملون له أنواعاً من الصناعات، كما قال تعالى : {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيب َ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}[سبأ:13].
ويحكى أن الجن نسجت له بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ ـ يريد مقداره ـ وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، ويقعد العلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصِّبا البساط فتسير به يوماً مسيرة شهر .
ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ، ويأمر الرخاء فتسير به كما قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ }[سبأ:12].
(مع النبوة): فإن الله اصطفاه بالإرسال، وجعله حجة على الملوك في تواضعه لله تعالى، وخضوعه لجلاله.
(وعظيم الزلفة): الإجلال والكرامة، كما قال تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب }[ص:39] فهذه حالة سليمان فيما أعطاه الله تعالى.
(فلما استوفى طُعمته): الطُّعمة بالضم كالأُكلة: عبارة عمَّا يُطْعَم ويُؤْكَلُ، وأراد فلما استكمل رزقه الذي أعطاه الله إياه.
(واستمكل مدته): أجله الذي قدَّره الله له.
(رمته قِسيُّ الفناء بنبال الموت): استعارة حسنة، فاستعار رمي القسي بنبال الموت، وعبَّر به عن قبض الروح، ولو قال: فلما استكمل مدته توفاه الله على يد بعض الملائكة، كان بينهما بُعْدٌ متفاوتٌ في الفصاحة والبلاغة، وإن للاستعارة لمدخلاً عظيماً في علوم البلاغة، ومنها قوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }[الحجر:88]، وقوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا }[مريم:4]، ومن بديعها قول الكميت:
خَفَضْتُ لَهُم مِنِّي الْجنَاح مَودَّةً
إلى كَنَفٍ عِطْفَاهُ أَهْلٌ وَمَرْحَبُ
ويحكى أن بعض المتعاطين أنه لما سمع بيت أبي تمام:
لا تَسْقِني مَاءَ الْمَلاَمِ فإنَّنِي
صبٌّ قدِ اسْتَعْذَبْتُ مَاءَ بُكَائِي
عتب عليه وأمر إليه بإناء وسأله أن يهب له من ماء الملام، فأمر إليه أبو تمام بجلم ، وقال للرسول: يقصص له من جناح الذل ريشة .
(وأصبحت الديار منه خالية): يريد الديار التي كان فيها على الحالة والأُبَّهة.
(والمساكن معطلة): لا ساكن بها.
(ورثها قوم آخرون): سكنوها بعدهم، واطمأنوا إلى لذاتها بعدهم.
(وإن لكم في القرون السالفة): الماضية قبلكم.
(لعبرة!): مو عظة واعتباراً.
(أين العمالقة وأبناء العمالقة!): قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح ، تفرقوا في البلاد، ومنهم سبأ الذي حكاهم الله تعالى وضرب بهم المثل في التفرق، فقيل: تفرقوا أيدي سبأ، فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان.
(أين الفراعنة وأبناء الفراعنة!) فرعون: هو لقب الوليد بن مصعب صاحب موسى عليه السلام ملك مصر ، وقد قص الله من حديثه مع نبيه ما فيه كفاية، ومبلغ ونهاية، وكل من عتا وتكبر فهو فرعون، والفرعنة: هو التكبر والفساد في الأرض بغيرحق.
(أين أصحاب مدائن الرس) الرس: هي البئر، واختلف في أصحاب الرس، فقيل: هم قوم شعيب، كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيباً فآذوه، فانهارت بهم آبارهم، وخسف بهم في ديارهم، وقيل: الرس قرية باليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله وهم بقية ثمود، وقيل: الرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، وقيل: إنهم كذبوا نبيهم فرسوه في بئر -أي حشوه إياها- فأهلكهم الله تعالى ، ولهذا قال عليه السلام:
(الذين قتلوا النبيين): وقد حكاهم الله في كتابه الكريم غير مرة.
(وأطفؤوا سنن المرسلين): بالرد والتكذيب والقتل.
(وأحيوا سنن الجبارين!): بعبادة الأوثان والأصنام وغير ذلك من أنواع المعاصي والكفر بالله، والشرك بوحدانيته.
(وأين الذين ساروا بالجيوش): للحرب والقتال.
(وهزموا الألوف): غلبوهم وكسروهم.
(وعسكروا العساكر): عقدوها.
(ومدَّنوا المدائن!): عمروها وأقاموا مثل كسرى وقيصر، وتُبَّع وحمير، وغيرهم من الملوك والجبابرة، والعصاة و الفراعنة.
ثم ذكر حال المؤمن بقوله:
(قد لبس للحكمة جُنَّتَها) الْجُنَّةُ: ما يستر الإنسان ويُجِنّهُ، وأراد أنه قد أعدَّ لها عُدتها ليحرزها.
(واتخذها بجميع أدبها ): الاتخاذ: افتعال من الأخذ وقد فسرناه، وأراد أنه فعلها لنفسه، وأكمل ما يحتاج إليه من آدابها.
ثم فسَّرها بقوله:
(من الإقبال عليها): شغل نفسه بها.
(والمعرفة بها): أي لم يجهلها فيكون ذلك سبباً في إهمالها واطراحها.
(والتفرغ لها): فقلبه خالٍ عن غيرها، وقد عظم قدرها عنده.
(فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها): كما قال عليه السلام:((الحكمة ضالة المؤمن )) التي ينشدها، فكلامه هاهنا يشير به إلى كلام الرسول.
(وحاجته التي يسأل عنها): حتى كأنه لا حاجة له في شيء سواها.
(فهو معترف ): الضمير لمن وصف حاله من قبل [وهو المؤمن] ، يريد أنه معترف بأحكام الدين وحقوق الله اللازمة له.
(إذا اغترب الإسلام): يعني إذا صار الإسلام غريباً لا تعرف أحكامه، فهو أهل لها، ومقيم لرسومها وأعلامها.
(وضرب بِعَسِيْبِ ذَنَبِهِ): هذا عطف على شيء محذوف تقديره: إذا اغترب الإسلام قام فيه وجدَّ واجتهد، وضرب بعسيب الذَّنَبِ فيه، وعسيب الذنَبِ: منبته من الجلد والعظم، وجعل هذا كناية عن شدة اجتهاده في الذبِّ عن الدين؛ لأن الحيوانات ذوات الأذناب إذا لحقه الأذى من ورائه من ذباب أوغيره فإنه يدفعه بفرع الذَّنَبِ، فإذا اشتد الأذى حرَّك جميع الذَّنَبِ من أصله.
(وألصق الأرض بِجِرَانِهِ): الْجِرَانُ: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، وكنى بذلك عن ثباته في الأمر، وقوته عليه واستمكانه منه.
(بقية من بقايا حجته): أي هو بقية، والبقية: هي الخيار من الشيء من بقايا حجج الله وأعلامه.
(خليفة من خلائف أنبيائه): يريد أنه يخلف الأنبياء في بيان أحكام الله تعالى وتشييد معالم دينه.
ثم التفت إلى خطاب أصحابه على عادته في التفنن في أساليب الكلام وأنواعه، وهو من الاستطرادات العجيبة، فبينا هو في أسلوب إذ خرج إلى أسلوب آخر غير ما كان فيه، بقوله [ عليه السلام] :
(أيها الناس، إني قد بينت لكم المواعظ): أظهرتها لكم، وأوضحتها لقلوبكم.
(التي وعظ بها الأنبياء أممهم): يشير بكلامه هذا إلى أنه مبلغ عن الأنبياء، ومؤدٍ عن الرسول ما أودعه إليها.
(وأديت إليكم): من الحكم والمواعظ.
(ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم): ويشير بهذا إلى تبليغه ما عهده إليه الرسول من ذلك، ويحقق أمر الوصاة بالأمة إليه من جهة الرسول.
(وأدبتكم بسوطي): بزجري، ومواعظي الحسنة، وآدابي النافعة.
(فلم تستقيموا): لما أمرتكم به من المصالح.
(وحدوتكم): حثثتكم من قولهم: حدا البعير إذا حثه.
(بالزواجر): من الوعيدات العظيمة التي تزجر من سمعها عن القبائح ووعاها.
(فلم تستوسقوا): تجتمعوا عليها بامتثالها وفعلها، مثَّل حالهم بحال من يحدو الإبل ويزجرها في السير، وهي لا تجتمع عليه، بل تذهب يميناً وشمالاً عن الطريق.
(لله أنتم!): مدح لهم وتعجب من حالهم.
(أتتوقعون إماماً بعدي يطأ بكم الطريق): يريد أن العجب منكم ومن أحوالكم، مالكم لا تقبلون إلى كلامي وتسمعون أوامري وتمتثلونها فلا تحظون بمثلي ممن يعرفكم أحكام الله تعالى، ويظهر لكم أمره، ويعرفكم طريق الهداية إلى الجنة، وقوله: يطأ بكم الطريق، من غريب الكلام وفصيحه.
(ويرشدكم السبيل): التي أرادها الله بكم، وطلبها منكم.
(ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً): بانقضاء آثارها وامحاء رسومها، ونفاد أيامها.
(وأقبل منها ما كان مدبراً): من الفتن والمحن والزلازل بخروج الدجال وغيره من شروط الساعة وعلاماتها.
(وأزمع الترحال): قرب الرحيل إلى الآخرة، والكون فيها.
(عباد الله): خطاب لهم على الخصوص.
(أين الأخيار): الذين اختارهم الله لعبادته، واصطفاهم لولايته.
(الذين باعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى): بحقيرها وأيامها المنقطعة.
(بكثير من الآخرة لا يفنى): أيامها الدائمة ونعيمها الباقي، وأراد أنهم اعتاضوا عن هذا بهذا.
(ما ضر إخواننا): المؤاخين لنا في الدين.
(الذين سفكت دماؤهم بصفين): أُرِيْقَت، من سَفَكَ الدم إذا أراقه، يعني في حرب البغاة والمفتونين عن الدين.
(ألاَّ يكونوا [اليوم] أحياء): يكونون معنا.
(يسيغون الغصص): يتجرعونها شيئاً بعد شيء، والغَصَصُ بفتح الغين هو المصدر، وهو مراده هاهنا ليطابق قوله:
(ويشربون الرنق!): الرُّنَق بفتح النون هو المصدر، والرَّنْق: الكدر من الماء بالتسكين، وأراد أن ذلك كان من هواهم فيكونون معنا على حالتنا كيف كانت، ولكنهم قد أحبوا الشهادة وأكرمهم الله بها.
(قد والله لقوا الله): بما كان من استشهادهم في سبيله، وطلبهم ما عنده.
(فوفاهم [الله] أجورهم): على جهادهم.
(وأحلهم دار الأمن): الجنة كما قال تعالى: {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ }[الدخان:51].
(بعد خوفهم): في الدنيا من أعدائهم.
(أين إخواني الذين ركبوا الطريق): سلكوا طريق الجنة.
(ومضوا علىالحق !): في الجهاد للأعداء في الدين والبغاة.
(أين عمار بن ياسر!): وهو الذي قال فيه رسول الله: ((عمار جلدة ما بين عيني وأنفي )) ، وقال فيه: ((تقتلك يا عمار الفئة الباغية )).
(وأين ابن التيهان!): وهو أبو الهيثم مالك بن التيهان، وهو أول من ضرب على يد الرسول في بيعة العقبة .
(وأين ذو الشهادتين!): وهو خزيمة بن ثابت ، شهد لرسول الله في فرس ادَّعاها ولم يجد شاهداً، فلما شهد له خزيمة وهو لم يحضر القضية، ولكنَّه صدَّق رسول الله فيما ادَّعاه؛ لكونه معصوماً لا يدَّعي ما ليس حقاً، فلما كان الأمر كذلك قال رسول الله: ((من شهد له خزيمة فحسبه شهادته )) فجعل شهادته بمنزلة شاهدين، فهؤلاء كلهم من جلة الصحابة وفضلائهم.
(وأين نظراؤهم): أشباههم.
(من إخوانهم): في الدين.
(تعاقدوا على المنية): فأزهقت أرواحهم في حرب البغاة وجهادهم.
(وأبرد برءوسهم إلى الفجرة): حملتها البُردُ من موضع إلى موضع، والبريد اثنا عشر ميلاً، قال الشاعر:
فَدَتْكَ عُرَابُ اليَومَ أَمِّي وخَالتي ... وَنَاقتي النَّاجِي إِلَيْكَ بَرِيْدُها
يقال: قد أبرد إلى الأمير أي سار ت إليه البُرُدُ، وأراد أنها حملت رؤوسهم من حيث قتلوا إلى معاوية وأصحابه.
(ثم ضرب بيده على لحيته [الشريفة الكريمة] ): قبض بأصابعه عليها.
(فأطال البكاء): حزناً على مفارقة أولئك، وتأسفاً على ذهابهم.
ثم قال:
(أَوهِ): وهذه الكلمة تستعمل عند الشكاية، وهي اسم من أسماء الأفعال الخبرية، ومعناه أتوجع، قال الشاعر:
فَأَوْهٍ لِذكْرَاها إذَا ما ذَكَرْتَهَا ... وَمِنْ بُعْدِ أرضٍ بَيْنَنا وَسَمَاءُ
وفيها لغات، أوْه بسكون الواو، وبقلبها ألفاً فيقال: آه، وربما شددوا الواو فقالوا: أوِّه، وربما أدخلوا عليها التاء فقالوا: أوتاه، إلى غير ذلك من اللغات .
(على إخواني الذين تلوا القرآن): أي قرأوه.
(فأحكموه): بتدبر معانيه وتجويد أحرفه وإخراجها من مخارجها، فأما تلاوته من غير تدبُّر لمعانيه ولا تفكّر في تأويلاته، واستنهاض الأسرار البديعة من جهته، فإنما هو دأب العجزة والذين قعدت بهم البلادة في حضيض الفهاهة.
وعن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه، وضيَّعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله أسقطه كله، فما ترى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ولابالورعة، لا كثّر الله في الناس مثل هؤلاء.
اللَّهُمَّ، اجعلنا من المتدبرين لمعانيه، المنتفعين بنوره وشفائه.
(وتدبَّروا الفرض): تفكّروا في الأمور الواجبة والأحكام اللازمة.
(فأقاموه): على الحد الذي أوجب، والوجه الذي فرض.