(وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ((يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر ))): يعني الذي جار على الخلق، وظلمهم الحقوق.
(((وليس معه نصير))): ينصره.
(((ولا عاذر))): يعني يعذره مما فعل.
(((فيلقى في جهنم))): أراد يرمى به فيها.
(((فيدور كما تدور الرحى))): أراد أنها تدور به.
(((ثم يرتبط في قعرها))) : وأراد بذلك أنه يشدُّ في قعرها، أخذاً من قولهم: ربطته إذا شددته، أو أنه يلازم قعرها، من قولهم: رابطت كذا إذا لازمته، ومنه رباط الخيل.
(وإني أنشدك الله): أي أسألك بالله كأنك ذكَّرته إياه، قال الأعشى:
رَبِّي كريمٌ لا يكدِّرُ نعمةً
وإذا تِنُوشِدَ في المهارقِ أنشدا
والمهارق: الصحف.
(أن تكون إمام هذه الأمة المقتول): الذي يقتل من الخلفاء، يكون أول قتيل في الإسلام فيهم.
([فإنه كان يقال: يقتل في هذه الأمة إمام] يفتح عليها القتل): إهراق الدماء على غير وجهها.
(والقتال): المحاربة وإثارة الفتن والحروب.
(إلى يوم القيامة): وتكون الفتنة به باقية إلى هذا اليوم.
(ويَلْبِسُ عليها أمورها): لما يقع في قتله من اللبس.
(ويبث الفتن فيها): ينشرها في جميع الأقطار والأقاليم.
(فلا يبصرون الحق من الباطل): لا يميزون باطلاً من حق بل يكون الحق ملتبساً بالباطل، لا خلاص له منه أبداً؛ لأجل ما وقع بينهم من الالتباس، واختلاط وإيثار الأهواء.
(يموجون فيها موجاً ): يضطربون في الآراء اضطراباً عظيماً، كاضطراب الأمواج بعضها ببعض، من كثرة الاختلاف والمنازعة.

(فلا تكوننَّ لمروان سيِّقة): السيقة: ما استاقه العدو، وأخذه من البلد من الدواب، أي لا تكن منقاداً له في أمره يصرِّفك على رأيه كيف شاء، وأراد ابن عمه مروان بن الحكم، وكان مساعداً له في الآراء.
(يسوقك حيث شاء ): من آرائه الرديئة، وقصوده في الإسلام والدين الخبيثة، وكان فاجراً أحمق.
(بعد جُلاَل السن): كبره، من قولهم: جلّت الناقة إذا كبر سنها.
(وتقضِّي العمر): نفاده وزواله.
فقال له عثمان: (كلِّم الناس في أن يؤجِّلوني، حتى أخرج إليهم من مظالمهم، فقال أمير المؤمنين:
(ما كان بالمدينة): يعني من المظالم التي أخذها على الناس.
(فلا أجل فيه): بل ينبغي توفيره على أهله لقربه، وانفصال الأمر فيه.
(وما غاب): بأن كان في جهات متباعدة.
(فأجله وصول أمرك إليه): بلوغ الكتب، والرسل بإعطائه أهله، وقبضه ممن يستحقه من أربابه.
واعلم: أن هذه الخطبة قد اشتملت على نوعين من أنواع البديع نذكرهما:
فالنوع الأول: يسمى الطباق، وهو ذكرالنقيضين معاً، وهذا كقوله: (أفضل عباد الله)، مع قوله: (أشر عباد الله)، وقوله: (جائر) مع قوله: (عادل)، وقوله: (أحيا سنة) مع قوله: (أمات بدعة)، وقوله: (مجهولة) مع قوله: (معلومة)، وقوله: (هدى) مع قوله: (ضلَّ) فهذه الأمور كلها تكافؤ و طباق.
النوع الثاني: الاستطراد، وهذا كقوله: (وإن الطريق لواضح ، وإن أعلام الدين لقائمة) بعد ذكره حال عثمان، فإنه لا تعلق له بالأول، وإنما وسَّطه على جهة الاستطراد.

(155) ومن خطبة له عليه السلام يذكر فها عجيب خلقة الطاؤوس
(ابتدعهم خلقاً عجيباً): اخترع هذه الأشكال المتنوعة، والمكونات المختلفة على تقديرات عجيبة، وتأليفات محكمة.
(من حيوان): حساس متحرك بالإرادة، له أوصال وحس وإدراك.
(وموات): لا حياة فيه كالأشجار النامية، والأحجار والجبال وسائر الجمادات.
(وساكن): لا يزول عن موضعه، ولايباين مكانه كالصخور العظيمة.
(وذي حركات): وذي قدرة يتحرك بها، ويتصرف في منافعه.
(وأقام من شواهد البينات): أي أوجد من الحجج الواضحة، والأدلة الظاهرة.
(على لطيف صَنعَتِه): غامضها، ودقيقها.
(وعظيم قدرته): باهرالقدرة.
(ما انقادت له العقول): أذعنت، وأطاعت لجلاله.
(معترفة به): متحققة له.
(ومسلِّمة له): مستسلمة، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً }[آل عمران:83]، والضمير في قوله: (به) (وله) راجع إما إلىقوله: (ما انقادت له) أي انقادت له عالمة به ومنقادة له، وأراد الأدلة الظاهرة، وإما إلى الله تعالى، والمعنى منقادة لله ومستسلمة له بما أظهر من البراهين القاطعة.
(ونَعَقَتْ في أسماعنا دلائله): النعيق هو: الصوت الذي لا يفهم، ومنه نعق الراعي بغنمه، إذا صاح لها ، وأراد أنها بمنزلة من يهتف بأن لها فاعلاً ومدبِّراً، فهي دالّةٌ:
(على توحيده ): أنه واحد لاثاني له يشاركه في الخلق والإبداع.

(وما ذرأ من مختلف صور الأطيار): ما هذه موصولة، وهي معطوفة على قوله: (ما انقادت له العقول) وهما في موضع نصب على المفعولية لأقام، والذري : الخلق، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِي‍راً }[الأعراف:179]، والذري: البثُّ، ومنه ذرأ الْحَبَّ إذا وضعه في الأرض، قال الشاعر:
شققت القلب ثم ذرأت فيه ... هواك فَلِيْمَ والتأم الفطور
واختلاف صورالطير ما فيها على اختلاف أنواعها من صغيرلا يدرك بالحس إلا عند تحركه، ومن كبير يعظم حجمه، وما بين ذلك.
(الت‍ي أسكنها أخاديد الأرض): الأخاديد: جمع أخدود، وهو: الشق المستطيل في الأرض، قال الله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ }[البروج:4] لأنها إنما تسكن حيث تستقر وتمكَّن من إحراز منافعها واستراحتها من ذلك.
(وخروق فجاجها): الفجاج: جمع فجٍّ وهو الطريق الواسع بين جبلين، قال الله تعالى: {مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ }[الحج:27]، وأراد المخارق التي تكون في الجبال فإنها كثير ما تكون مساكنها فيها تحصيناً عن الأذى، وترفعاً عن كل مخافة.
(ورواسي أعلامها): الرواسي هي: الجبال، قال الله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا }[فصلت:10]، والضمير للأرض، والرواسي هي: الأعلام، وهومن باب إضافة الصفة إلى موصوفها، كقولهم: جائبة خير، على تأويل رواسي مواضع أعلامها.
(من ذوات أجنحة مختلفة): من ها هنا لبيان الجنس، واختلاف الأجنحة: في حجمها وألوانها وطولها وقصرها، وغير ذلك من الاختلاف .
(وهيئات متباينة): في ألوانها لا تشبه بعضها بعضاً ولا تتماثل.
(مصرَّفة): مختلفة أحوالها.

(في زمام التسخير): الزمام: الخيط الذي يوصل في أنف الجمل، وجعل هذا كناية عن عظم الاحتكام لأمرالله تعالى، والانقياد لأمره، والتسخير: التذليل ، كما قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ }[ص:36]، وقوله: {مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ }[الأعراف:55].
(ومرفرفة بأجنحتها): رفرف الطائر بجناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه، والرفرفة هو كسر الجناح للوقوع:
(في مخارق الجوِّ المنفسح): الفسيحة خلاف الضيق، وأراد الواسع من ذلك، وأراد متنفسات الجوِّ الفسيحة.
(والفضاء المنفرج): الفضاء: المكا ن الخالي، والمنفرج هو: المنكشف الظاهر، يقال: رجل فرج، وهو الذي لا يزال يكشف عورته.
(كوَّنها بعد إذ لم تكن): خلقها بعد أن لم تكن مخلوقة أي أنشأها من العدم، والمعنى خلقها بعد زمان كانت غير كائنة فيه.
(في عجائب صور ظاهرة): حال من الضمير في خلقها، أي قدَّرها في تراكيب معجبة لمن رآها وتأمَّلها.
(وركَّبها في حِقَاق مفاصل محتجبة): الحِقَاقُ هي: الأشياء الصغيرة، ويقال للرجل إذا خاصم في الأشياء الصغيرة: إنه لنزق الحقاق، والمعنى أنه ألفَّها في مفاصل مستصغرة مستترة عمَّن يراها وينظر إليها لصغرها.
(ومنع بعضها بِعَبَالةِ خلقه): رجل عبل الذراعين، إذا كان ضخمهما، وفرس عبل الشَّوى غليظ القوائم، وأراد أنه أكبر بعض أجسامها، وضخَّمه فحجزه عن:
(أن يسمو في السماء خُفُوفاً): فيه روايتان:
أحدهما: أن يكون بالفاء، من قولهم: خف في حاجته إذا أسرع فيها، وأراد علوها على الأرض، وسموها في الجوِّ مسرعة.
وثانيهما: بالقاف، من قولهم: خفق الطائر إذا طار، وخفق إذا حرَّك جناحيه، والمعنى أنه منعها لضخامة أجسامها عن التحليق في جوِّ السماء.

(وجعله يَدِفُّ دَفيفاً): دفَّ الطائر إذا دنا في طيرانه إلى الأرض كالنسر، وما أشبهه في الكبر والفخامة.
(ونسقها على اختلافها في الأصابيغ): نسق الكلام إذا عطف بعضه على بعض ورصفه، وأراد ها هنا أنه ضمَّ إلى كل صبغ ما يليق به وتروق نضارته من مخالفه أو مماثله ويحسن في أعين النظار.
(بلطيف قدرته): على فعل ذلك.
(ودقيق صنعته): على إحكامه وإتقانه ، والأصابيغ: جمع أصباغ، جمع صبغ، وهي الألوان المختلفة.
(فمنها): الضمير للطيور.
(ما هو مغموس في قالب لون): غمسه في الماء فانغمس، إذا غطسه فيه، وأراد أن منها ما هو شامل له لون صرف من بياض خالص يَقق ، وهي طيورتكون بتهامة كأنهنَّ قطع العُطْبِ في البياض، أو سواد خالص كالغراب وماشاكله فهذه مختصة بلون خالص.
(لا يشوبه): يختلط به.
(غير لون ما غُمِسَ فيه): من سواد أو بياض.
(ومنها ما هو مغموس): مغطوس.
(في لون صبغ): من الأصابيغ المختلفة.
(قد طُوِّق): جعل له طوقاً في عنقه.
(بخلاف ما صبغ به): كالحمام، والقمري، والحجل، والقطا، وغير ذلك من ذوات التطويق بألوان تخالف سائر ألوانها.
(ومن أعجبها خلقاً): أبدعها في الخلق، وأغربها في الإحكام والصنعة:
(الطاؤوس): وهو نوع من أنواع الطير، وطاؤوس أيضاً مخنث كان بالمدينة، وفي المثل: أشأم من طاؤوس .
ويحكى عنه أنه قال: يا أهل المدينة، توقعوا خروج الدجال ما دمت حياً بين أظهركم، فإذا متُّ فقد أمنتم؛ لأني ولدت في الليلة التي مات فيها رسول الله، وولد لي في اليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين، وفطمت في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وكان يسمى عبد النعيم.

وقال في نفسه:
إنَّني عبد النعيم ... أنا طاؤوس الجحيم
Text Box: أنا أشأم من يمشي ... على ظهر الحطيم
(الذي أقامه في أحكم تعديل): أراد ركَّبه في قوامه واعتداله على أعدل صورة وأعجبها، ولم يجعله من الطير الصغار فَيُسْتَحْقَرُ وتزدريه الأعين، ولا جعله من الطيرالعظيمة الخلق فيجفو وَيُسْتَشْنَعُ، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }[التين:4]، إشارة بذلك إلى قوام الخلق وتعديله في تسوية الأعضاء وتركيبها أحسن تركيب مطابقة لأحكام المنفعة.
(ونضَّد ألوانه): جعل بعضها على بعض، من قولهم: نضَّد متاعه إذا جعل بعضه على بعض، أي رصَّف ألوانه مزج بعضها ببعض، وقوله تعالى: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ }[الواقعة:29]، أي أن ثمره نضد من أسفله إلى أعلى، فليس له ساق ظاهرة.
(في أحسن تنضيد): أعجب ترصيف لما يظهرفيها للأعين من الرقة واللطافة وعجيب المرآى.
(بجناح أشرج): الباء هذه متعلقة إما بنضَّد، ويكون من جملة التنضيد حسن الجناح، وإما بأحكم ويكون من جملة الإحكام أيضاً، وكله جيد، وتعلقها تعلق الأحوال أي موصولاً بجناح أشرج، فيه روايتان:
أحدهما: أن يكون بالشين بثلاث من أعلاها، أي منضد مرصوف، من قولهم: لبن أشرج، وشرجت اللبن إذا نضَّدته.
وثانيهما: أن يكون بالسين بثلاث من أسفلها أي بجناح حسن، من قولهم: أسرج الله وجهه إذا حسَّنه، وكلاهما محتمل ها هنا؛ لأن قصب ريشه وقوائمه مستوية منضودة، وهي أيضاً في غاية الحسن والنضارة.
(قصبه): إما نضَّدها وإما حسَّنها ، كما ذكرنا من التفسيرين في أشرج.
(وذَنَبٍ أطال مسحبه): أي أطاله فهو يجرُّه على الأرض ويسحبه عليها من طوله.
(إذا درج على الأنثى): لأن يسفدها .

(نشره من طيِّه): من ها هنا لابتداء الغاية، وأراد نشره بعد أن كان مطوياً مضموماً إلى جوانحه.
(وسما به): قوَّسه ورفعه.
(مُطلاً على رأسه): إما مشرفاً على رأسه، من قولهم: أطل برأسه إذا أشرف به بالطاء بنقطة من أسفلها، وإما بالظاء بنقطة من أعلاها، من قولهم: أظل رأسه إذا جعل عليه الظلة، وأراد أنه إذا نشره من طيه أشرف على رأسه إذا جعله كالظلة يستظل به من حرِّ الشمس.
(كأنه قَلْعُ داريَّ): القلع: شراع السفينة، وهو شيء يستعمل من الحصير يرد الريح عن النفوذ في جهتها تجري بها السفن، ودارين: فرضة بالبحرين يحمل إليها المسك من ناحية الهند ، وتؤخذ منها هذه الأقلاع للمراكب في البحر.
(عَنَجَه نوتيُّهُ): والنوتيَّ هو: الملاح، وعنجه إذا عطفه؛ لأن الشِّراع إذا كان مطوياً ثم نشره [يرد الريح عن صوب جريانها النوتي، فقد عطف ما كان منه مطوياً إلى نشره] وبسطه.
(ي‍ختال بألوانه): اختال الرجل إذا كان ذا خيلاء وكبر ، قال الشاعر:
فإن كنت سيدنا سُدتَنا ... وإن كنت للخال فاذهب فَخَلْ
أي إن كنت سيدنا فعلت ما تقتضيه السيادة من التواضع والرفق بنا ، وإن كنت متكبراً فاذهب عنا، والباء هذه للحال أي يختال متلوناً.
(ويميس بِزَيْفَانه): يميل جانبيه متبختراً، والزيفان: التبختر، والباء للحال أيضاً، إذا أراد سفاد أنثاه:
(يفضي كإ فضاء الديكة): يباشرها مباشرة الديكة ويخالطها مثل تلك المخالطة، من قولهم: أفضى الرجل إلى امرأته إذا باشرها وخالطها.

(ويأرُّ بملاقحه أرَّ الفحول المغتلمة للضِّرابِ ): الأرَّ: النكاح، وأرَّ المرأة يأرُّها إذا نكحها، ولقحت الناقة إذا حملت، واغتلم الفحل إذا هاج للضراب، والمعنى في هذا أنه ينكح فتلقح أنثاه، كما تفعله الفحول من الإبل، ويغتلم كاغتلامها وهياجها على أنثاه.
(أحيلك): من قولهم: أحال غريمه بالدين.
(من ذلك): الإشارة إلى المذكور من عجائبه وغرائبه.
(على معاينةِ): ما تشاهده من تلك المعاني الظاهرة، والإحكامات الباهرة، في خلقه ولونه.
(لا كمن يحيل على ضعيف إسناده): ليس كمن يحيل على خبر يضعف إسناده، ويكذب مخبره ، و((ليس الخبر كالعيان)) ، وأراد أحيلك في كونه ملقحاً لأنثاه كإلقاح الفحول على ما يشاهد من حاله ويدرك بالبصر لا كمن يقول خلاف ذلك.
(ولو كان كزعم من يزعم أنه يُلْقح بدمعة تسفحها): يفيضها.
(تنشجها مدامعه): تظهرشيئاً بعد شيء.
(فتقف في ضفت‍ي): الضفة بالضاد بنقطة هي: جانب النهر.
(جفونه): جفن العين: غطاؤها.
(وأن أنثاه تطعم ذلك ثم تبيض): تأخذه من جفن عينيه بمنقارها ثم تبيض من ذلك.
(لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس): الظاهر من جفونه، من قولهم: انبجس الجرح إذا ظهر قيحه.
(لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب): أراد أن إلقاحه لأنثاه إنما هو بما ذكرناه كإلقاح الفحول المغتلمة بإيلاج ذلك منه في ذلك منها، وهذا هو الظاهر من حاله، ثم لو سلمت خلاف ذلك وليس بأعجب من مطاعمة الغراب لأنثاه، وفي الإتقان والصنعة ودقيق الحكمة فإنه يقال: إن الغراب لا يبيض ولا يفرخ إلا بالمطاعمة دون السفاد، وصورتها أن يدخل أحد الغرابين منقاره في منقار الآخر، كأنه يزقُّه فتلقح الأنثى من أجل ذلك وتبيض.

(تخال قصبه): أصول ريشه التي تتصل بها صفائح الريش عن يمينها وشمالها.
(مَدَاريَ من فضة ): الْمِدْرَى: شيء تصلح به الماشطة قرون النساء يشبه الْمِسَلّة من فضة في بياضها، ودقتها واستطالتها.
(وما أنبت عليها): الضمير للقصب أي وما استقر عليها.
(من عجيب دَاَرَاتهِ): تدويرالنقوش.
(وشموسه ): ما بين دارة خضراء ودارة حمراء.
(خالص العقيان): مفعول ثاني ليخال، والعقيان: ما وجد من الذهب خالصاً عن الخلط والغش.
(وفلذ): جمع فلذة، وهي: القطعة الواحدة من اللحم والكبد.
(الزبرجد): من أنواع الجواهر، يريد ما كان منه في تلك الدارات [أحمر فهو يشبه الذهب الأحمر، وما كان منها أخضر فهو يشبه الزبرجد هذا إذا] شبه بهذه الأحجار الجوهرية.
(فإن شبَّهته بما أنبتت الأرض): من أزهارها ونباتها.
(قلت: جن‍يٌّ جُنِي): هذا زهر جني، أخذ:
(من زهرة كل ربيع): في رونقه وغضارته، وحسن بهجته وطلاوته، ما بين أحمر قاني وأخضر ناضر، هذا إذا شبَّهته بهذه النباتات الأرضية، والزهور الوردية.
(وإن ضاهيته بالملابس): بما يلبس من رقيق الثياب وغاليها، والمضاهاة: المشابهة.
(فهو كموشِيِّ الحلل): المخلوط بالألوان المختلفة، و الصباغات الأنيقة، والحلل: جمع حُلَّة وهو شيء من رقيق الثياب الحريرية وأغلاها.
(أو مُونِقِ عَصْبِ اليمن): المونق: المعجب، والعصب: ضرب من برود اليمن بيض، ولهذا يقال في قطع السحاب البيض: عصب، هذا إذا ماثلته بهذه الثياب الموشية.
(وإن شاكلته بالحلي): بما يصنع من أنواع الحلي المركبة.
(فهو كفصوص ذات ألوان ): قطع من الجوهر .
(قد نُطِقَت): أدير حولها وجعلت في الوسط.

87 / 194
ع
En
A+
A-