الفص الثاني للحرب
وهو فص الفيروزج ، ولونه أخضر، وهو من الأحجار النفيسة الغالية، وإنما اختص بالحرب؛ لما فيه من الزينة وإظهار التجمل والهيبة، وكثرة الأبهة في أعين الأعداء للدين، ولهذا اغتفر في الحروب الدينية من إظهار الزينة ما لا يغتفر في غيرها، لما ذكرناه من إظهار الهيبة والقوة.
مكتوب فيه: ({نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ })[الصف:13].
وإنما كان هذا مختصاً بالحرب لأمرين:
أما أولاً: فلما يظهر في لفظه من التفاؤل بالنصر والظفر، والتفاؤل مستحب كما ورد عن صاحب الشريعة: ((أنه كان يحب الفأل، ويكره الطِّيَرَة)) .
وأما ثانياً: فبأن يجعل الله حال ذكرها وحملها والتلبس بها كحال نزولها فيجعل نصره في حربه ذلك مثل نصر رسوله حال نزولها في شأن بدر.

الفص الثالث للقضاء
وهو فص الياقوت ، وهو من الأحجار الرفيعة أيضاً، وإنما كان مختصاً بالقضاء لما فيه من المهابة، والقضاء مختص بالمهابة على الخصوم، ومحتاج إلى الوقار والتثبت في القضايا، وتمييز الحق من الباطل فيها.
مكتوب فيه: (الله الملك).
وإنما كان مختصاً بهذا الذكر، لأن الحاكم والإمام يملكان إنفاذ الأقضية وإبرام الأحكام، ويتحكمان فيها كما يتحكم الملك في رعيته، فلهذا ناسب هذا الذكر ما هو فيه من إنفاذ الأقضية.
(وعلي عبده): وإنما خصه بذلك؛ لأن كل من كان عبداً لغيره فهو يرعى مصلحته، فلهذا سأل من الله الرعاية في هذا المقام الذي لا يأمن فيه الزلل إلا بلطف الله ورحمته، فهذا النقش ملائم لحاله.

الفص الرابع للختم
وهو الحديد الصيني، وإنما كان مخصوصاً بالختم على كل ما كان يتحفظ عليه من أمواله وأموال الله المأمون عليها للمسلمين، ولا يحتمل أن يكون إلا من الحديد لقوته وصلابته؛ لأنه يختص بوضعه على الطين فيحصل الأثر فيه.
مكتوب فيه: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
وإنما اختص بهذا الذكر؛ لأن هذه الأموال أعني أموال المصالح كالفيء والغنيمة والخراج ومال الصلح والأخماس والجزي وغيرذلك، وأموال الصدقات نحو الزكاة والأعشار والْفِطَرِ وغير ذلك، إنما عرفت أحكامها ومصارفها، فالآخذ لها من دعا إلى التوحيد والرسالة، وكان أكثرها مأخوذاً ممن أنكر التوحيد والرسالة، فلهذا كان مكتوباً هذان الاسمان من أجل ذلك، ولو جعلت نقوش هذه الخواتيم على خلاف ذلك لساغ، لكنَّا أردنا أن لا نخلي أفعال أمير المؤمنين في ذلك عن سر ومصلحة، فلا جرم اقترحنا ما أشرنا إليه لهذا الغرض، والله الموفق.
وهذا حين وقع الانتهاء من شرح كلام أمير المؤمنين.

وأنا أسأل الله بسعة رحمته ولطفه لكل مذنب تائب ، وعظيم قدرته على إعطاء جميع الرغائب، أن يهب لي خاتمة الخير، ويوفقني لتمهيد العذر الواضح عنده من كل زلل سبقت إليه، وفرط مني في قول أو عمل، وأستغفره من زلة القدم، قبل زلة القلم، وأن يجعل عنايتي في كشف أسرار هذا الكتاب وغوامضه، وبيان لطائفه وحقائقه، وإظهار عجائبه وكنوزه، وتحصيل مكنوناته ورموزه، من أفضل ما يُصعَدُ من الكلم الطيب، وأعظم ما يُرْفَعُ من العمل الصالح، إذ كان ضالة ينشدها الأدباء، وجوهرة يتمنى العثور عليها المصاقع الخطباء، ولم آلُ جهداً في بيان حقائقه، والتثبت في مداحضه ومزالقه، مع بُعْدِ أغواره، وتراكم فوائده وأسراره، فليفرغ الناظر لها فكرة صافية، وليقبل إليها بعزيمة وافية، وأعوذ به من شر كتاب قد نطق، ومن علم قد تقدم وسبق، وأن يهب لي رضوانه العظيم، ويحلني دار المقامة من كرمه العميم، حيث لا يظعن الساكن ولا يرحل المقيم، وأن يصلي على خاتم رسله وأنبيائه، وعلى آله الطيبين من أصفيائه، ورضي الله عن أصحابه أهل محبته وأوليائه.
وكان الفراغ منه في شهر ربيع الآخر من شهور سنة ثماني عشرة وسبعمائة.
[الحمد لله على كل حال من الأحوال، والصلاة على محمد وعلى آله خير عترة وآل] .

194 / 194
ع
En
A+
A-