[455] (يغلب المقدار على التقدير): أراد أنه يغلب ما قضاه الله تعالى وقدَّره للعبد، وحتمه عليه ما يقدِّره لنفسه، وغرضه أنه لامحيص للإنسان عما قدَّره الله له وقضاه عليه، ولو بالغ في الاحتماء والصيانة عن ذلك كل مبلغ، فلا بد من وقوعه فيه.
(حتى تكون الآفة في التدبير): يعني أن الله تعالى إذا أراد إنفاذ ماقضاه على العبد وقدَّره له جعل تلك الآفة التي أرادها وحتمها فيما يفعله العبد من التدبير حذراً منها برُغْمِه.
[456] (الحلم والأناة): الصبر على المكاره والحلم عنها، والتؤدة في الأمور والإمهال فيها.
(توءمان): أراد أنهما أخوان متقاربان.
(ينتجهما علو الهمة): يريد إذا كانت الهمة سامية مرتفعة كان الغالب عليها التصبر على المكاره والإرواد في الأمور كلها.
[457] (الغِيبةُ جُهْدُ العاجز): الجهد هو: نهاية الطاقة، يروى بفتح الجيم وضمها، وأراد إن الغيبة لا تصدر إلا ممن يكون عاجزاً عن إيصال المضرّة إلى من اغتابه بالسيف وأنواع المضارّ للتشفي والانتقام منه، فلما عجز عن ذلك كان غايته قرض عِرْضَه بلسانه، وقد ورد الشرع بحظر الغيبة والوعيد عليها، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الغيبة أشد من الزنا )) ، وفي حديث آخر: ((الغيبة والنميمة ينقضان الوضوء )) ، وقوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }[الحجرات:12]، وغير ذلك من الوعيدات العظيمة في ذلك .
واعلم: أن الغيبة هي ذكرك الرجل بما فيه ممَّا كان يكرهه.
فأما ذكره بما ليس فيه مما يكرهه فهو بهتان، وفي الحديث: ((إياكم والغيبة فإنها أشد من الزنا )) ، وكفارة الغيبة الندم عليها والأسف على فعلها، ثم تستحل من المغتاب على ذلك.
وعن الحسن البصري في كفارتها: يكفيه عنها الاستغفار دون الاستحلال ، وفي الحديث: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له )) .
[458] (رب مفتون بحسن القول فيه): يشير إلى أن من الناس من يكون السبب في فتنته وإعراضه عن الدين هو ثناء الناس عليه، فيسمع ذلك فيكون ذلك إما سبباً لعجبه بحال نفسه، وإما لتقصيره في عمله ذلك، وكل ذلك هلاك له وفتنة في حقه.
اللَّهُمَّ، أجرنا من فتنة الدين.
قال السيد الرضي صاحب (نهج البلاغة): وهذا حين انتهى بنا الغاية إلى قطع المختار من كلام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، حامدين الله تعالى على ما منَّ به من توفيقنا لضمِّ ما انتشر من أطرافه، وتقريب ما بعد من أقطاره، ومقررين العزم كما شرطناه أولاً على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب، لتكون لاقتناص الشارد، واستلحاق الوارد، وما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض، ويقع إلينا بعد الشذوذ، وما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وذلك في رجب سنة أربعمائة.
والحمد لله رب العالمين، وصلاته على محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يتلو ذلك زيادة من نسخة كتبت على عهد المصنف
[459] قال عليه السلام:
(الدنيا خلقت لغيرها، ولم تخلق لنفسها): يريد أنها خلقت للعبادة لله تعالى، واكتساب الخيرات منها لينال بها رضوان الله تعالى، والفوز بجواره في دار كرامته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }[الذاريات:56]، فهي في الحقيقة مخلوقة من أجل غيرها كما ترى.
[460] (إن لبني أمية مِرْوداً): المِرْوَدُ ها هنا هو مفعل من الإرواد، وهو الإمهال والتؤدة والإنظار.
[ومضماراً يجرون فيه] : وهو من فصيح الكناية وعجيبها، كنى عن المهلة التي هم فيها، وملك الأمر الذي ملكوه بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغاية، فإذا بلغوا من ذلك منقطعها انتقض نظامهم بعدها، ولهذا قال: يجرون فيه، يعني يملكون ما ملكوه من الأمر.
(ولو قد اختلفوا فيما بينهم): جرى بينهم التشاجر من جهة أنفسهم لا بدخول داخل عليهم في ذلك.
(ثم لو كادتهم الضباع): أعملت فيهم المكر والحيلة .
(لكادتهم ): لغلبتهم في ذلك، وإنما مثل ذلك بالضباع؛ لأنها أعيا ما تكون بذلك، وأذهب الهوام في الفهاهة والعجز عن الكيد لغيرها.
[461] وقال في مدح الأنصار:
(هم والله ربَّوا الإسلام): نعشوه عن عثاره، وقوموه عن أوده.
(كما يُربَّى الفُلُّو): المهر من الخيل من العناية به وشدة الحرص عليه.
(مع غَنائهم): الغناء بفتح الغين هو: النفع.
(بأيديهم السباط): يريد مع ما انضم إلى ذلك من نفعهم بالأيدي الممتدة بالخيرات من جهتهم وحسن المواساة.
(وألسنتهم السلاط): السلاطة هي: حدة اللسان، يشير إلى ما كان من الذبِّ منهم عن الإسلام بالسيف واللسان ومحاماتهم عليه بذلك، نحو ما كان من حسان وابنه عبد الرحمن من المهاجاة والذبِّ عن الرسول وعن المسلمين، ونحو ما كان من كعب بن مالك الأنصاري .
[462] (العين وكاء السّه ): والظاهر أن هذا من كلام الرسول عليه السلام، وقد رواه قوم لأمير المؤمنين، وحكاه المبرد عنه في كتابه (المقتضب)، وهو من الاستعارات العجيبة والكنايات العالية الرفيعة، والسَّهُ: اسم للدبر، وأصلها سته ، ذهبت التاء تخفيفاً، وفيها لغات يقال فيها: سَهُ، وست، واست، كأنه شبَّه السَّه بالوعاء، وشبَّه العين بالوكاء، وهو الخيط الذي تربط به القِرْبَةُ، فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء، وفي الحديث: أن رجلاً غلبه النوم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنام فانفلتت منه ريح، فضحك الحاضرون من ذلك، فأنكر رسول الله ضحكهم، وقال عليه السلام عند ذلك: ((العين وكاء السّه )) ، وفي الحديث: ((كل بائلة تفيخ )) أي يظهر منه صوت، وهو بالخاء المنقوطة، يقال: أفاخ الإنسان إفاخة.
وزعم الشريف [علي بن ناصر] صاحب (الأعلام): أن المراد بقوله عليه السلام: العين وكاء السّهُ، أن العين إذا لم تضبط ولم تملك فإنها تطمح لامحالة إلى أشياء يميل إليها الإنسان، ويلتذ بها وتشتاق نفسه إلى تناولها، فيتبعها ويفرط في تناولها فيؤدي ذلك إلى النفخ والإسهال، ولذلك يقال لمن يأكل على الشبع: فلان يأكل بالعين يعني مادام يرى الطعام فإنه يأكله ، ولا يمنعه منه مانع، وهذا من الهذيان الذي طول فيه أنفاسه فأشاده ولم يحكم فيه أساسه، ولو سوَّغنا هذا التأويل على بُعْدِه لسوَّغنا للباطنية تأويلاتهم الردية، وأباطيلهم المموهة العمية.
[463] وقال في كلام له:
(ووليهم وال): يعني الأمة أي قام عليهم أمير يلي أحوالهم ويدبر أمورهم كلها.
(فأقام): أودهم، وأصلح دينهم، وساس بنظره أمورهم كلها.
(واستقام): في نفسه على أمر الله تعالى وأمر رسوله من الدعاء إلى الله وإحياء الشريعة وإظهار شعارها.
(حتى ضرب الدين بِجِرَانهِ): حتى هذه متعلقة بكلام محذوف تقديره: فلم يزل ذلك دأبه حتى استقر الدين قراره، والجران: مقدم نحر البعير من مذبحه إلى منخره، وكنى بذلك عن ثبوت الدين واستقراره ورسوخه.
[464] (يأتي على الناس زمان عضوض): عض الزمان عليهم إذا كان فيه قحط وشدة وبلاء، وعض الرجل على ماله إذا جمعه لنفسه، ولم ينفق منه شيئاً، قال الفرزدق:
وعضَّ زمان يا ابن مروان لم يدعْ
من المال إلا مسحتاً أو مجلف
(يعض الموسر على ما في يده): يكنزه ويخبأه ويجمعه .
(ولم يؤمر بذلك): إنما أمر بالبذل وترك الادخار، ثم تلا هذه الآية: ({وَلاَ تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ })[البقرة:237]: يشير بها إلى المواساة والإعانة، والفضل ها هنا هو التفضل.
(ينهد فيه الأشرار): أي ينهضون فيه ويكون الأمر لهم فيه، وكلمتهم المسموعة وأمرهم المطاع.
(ويستذل الأخيار): ينقص قدرهم ويحتقر حالهم.
(ويبايع المضطرون): أي الذين ألجأتهم الحاجة حتى صاروا في حكم المكرهين في البيع.
(وقد نهى رسول الله [صلى الله عليه وآله] عن بيع المضطرين ): وهم الذين تلجئهم الحاجة فيبيعون الشيء بأقل من ثمنه.
[465] (يهلك فيَّ رجلان: محب مطر ): الإطراء: هو المبالغة في المدح.
(وباهت): أي ذو بهت، وهو: القول بما ليس فيه، قال الكسائي: يقال: رجل مبهوت ولا يقال: باهت، هذا إذا كان مأخوذاً من الفعل، فأما إذا كان على جهة النسبة كقولهم: تامر ولابن فهو جائز، وعليه يحمل كلام أمير المؤمنين.
(مفترٍ ): أي كاذب لاصحة لكلامه، وقد مضى نظيره كقوله: (يهلك في رجلان: محب غالٍ، ومبغض قالٍ) ، وقد مضى تفسيره في موضعه.
[466] وسئل عن التوحيد والعدل؟
فقال:
(التوحيد ألاَّ تتوهمه، والعدل ألاَّ تتهمه): يعني أن الوهم إذا توهمه فإنما يكون ذلك قياساً على هذه المحسوسات، وهو محال، والعدل يختص الأفعال، ونهاية ذلك أن لا يقع في نفسك أن جميع أفعاله كلها فيها أغراض حِكَمِيَّة ولطائف مصلحية؛ لا تهمة فيها ولا خلل يلحقها ولا فساد يتصل بها.
وأقول: إن هاتين الكلمتين في الإشارة إلى التنزيه في ذاته وفعله، من الْحِكَمِ التي لا ينسج لهما على منوال، ولا تسمح قريحة لهما بمثال.
[467] (لا خير في الصمت عن الحكم): يريد الحكمة أي لا مصلحة في السكوت عن النطق بالحكم الحسنة النافعة في الدين والدنيا لأهلها:
(كما أنه لا خير في القول بالجهل): يريد أنهما سيان فلا ينبغي من العاقل القول بما لا يعلم، كما لا ينبغي منه السكوت عن الحكمة والقول بها.
[468] وقال عليه السلام في دعاء استسقى به:
(اللَّهُمَّ، اسقنا ذلل السحاب دون صعابها): وهذا من لطيف الكناية وعجيبها، فإنه (شبَّه السحاب ذوات الرعود والبوارق، والرياح العواصف ، بالإبل المتصعبة التي تقمص برحالها): وقمص الفرس هو أن يطرح بيديه معاً.
(وتتوقص بركَّابها ): وقصت به راحلته إذا دقَّت رقبته من سقوطه منها، (وشبه السحاب الخالية من ذلك ؛ بالإبل الذلل التي تُحْتَلَبُ طيِّعة، وتمشي مسمحه) .
[469] وقيل له: لو غيَّرت شيبك يا أمير المؤمنين؟
فقال: (الخضاب زينة): يتجمل به ويستحسن في العيون.
(ونحن قوم في مصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم): أراد أن مصابنا برسول الله[ صلى الله عليه وآله وسلم] ظاهر بفقده، فلا ينبغي لنا زينة من أجل ذلك.
[470] (القناعة مال لا ينفد): هذا كلام للرسول ، وقد تقدم وذكرنا تفسيره هناك، فلا وجه لتكريره.
[471] وقال لزياد بن أبيه وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على فارس وأعمالها، في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقديم الخراج:
إما بأن يأخذ منهم ذلك لسنة أو سنتين كما يفعل بالزكاة، وإما بأن يأخذه منهم قبل إحصاد الزرع وبلوغه حد حصاده.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:
(استعمل العدل): أراد إما العدل على الرعية فيما تأخذه منهم، وإما أن يريد الإنصاف من نفسه، وهما متقاربان.
(واحذر العسف ): وهو الأخذ على غير طريق.
(فإنه يدعو بالجلاء): وهو الانتقال عن الأوطان والمساكن.
(والحيف): يريد الظلم.
(يدعو إلى السيف): إما بتسليط الله عليك من يقتلك، وإما بتقوية المظلوم عليك فيكون هو المتولي لذلك.
[472] (ما أخذ الله على الجهال أن يَتَعَلَّموا): ما كلفهم الله تعالى وطلب تحصيله من جهة أنفسهم.
(حتى أخذ على العلماء أن يُعَلِّموا ): وفي هذا تنبيه على أن التكليف أولاً لازم للعلماء بالدعاء إلى الله تعالى، والإحياء لدينه، فعند بلوغ الدعوة إلى الجهال يجب عليهم حينئذ التعلم والأخذ منهم.
[473] (شر الأخوان من تكَلَّفُ له): يشير إلى أن الأخوة في الدين إنما هي بترك الحرسة ، وإزالة التجهم ، والتعويل على المساهلة في الأمور كلها من جهة العادة.
[474] (إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه): حشمت الرجل واحتشمته بالحاء المهملة، والشين بثلاث من أعلاها، إذا جلس إلى جنبك فآذيته وأغضبته، وأنشد أبو زيد:
لعمرك إن قرص أبي خبيب
بطيء النضج محشوم الأكيل
والاسم منه الحشمة، ومصدره الاحتشام.
انتهت الزيادة إلى ها هنا .
نقوش خواتيم أمير المؤمنين
وخواتيمه أربعة
اعلم: أن هذه النقوش على هذه الخواتيم ليس من (نهج البلاغة)، ولا من الزيادة التي زيدت عليه على عهد المصنف، ولهذا فإنه لم يوردها الشريف صاحب (الأعلام) في شرحه لها، وليس تحتها كثير فائدة إذ ليس من كلامه في ورد ولا صدر، وإنما الغرض يإيرادها هو التبرك بأفعاله والتيمن بما فعله، والتأسي به في ذلك، فإنه لم يؤثر عن الرسول عليه السلام شيء في نقش الخواتيم، وإنما المأثور عنه هو الخاتم نفسه، وأنه من السنة، هو في نفسه دون ما يكون عليه من الذكر ، ونحن نذكر ما نقش في خواتيمه بمعونة الله تعالى .
الفص الأول للصلاة
وهو خاتم العقيق ، وإنما كان مختصاً بالصلاة؛ لأن الصلاة موضع الرحمة، والقربة إلى الله تعالى، وله فضل على سائر الأحجار، وفي الحديث: ((تختموا بالعقيق ، فإنه أول حجر شهد لله بالوحدانية ولي بالنبوة)) .
مكتوب فيه: (لا إله إلا الله، عدة للقاء الله).
وإنما اختص هذا من بين سائر الأذكار؛ لأن الصلاة نهاية الخضوع ولا يختص بها إلا الله، وهذه كلمة التوحيد لا يختص بها إلا الله.