(مالك وما مالك؟): الإستفهام وارد على جهة المبالغة والتهويل، والإفخام في شأنه، كأن حاله بلغ مبلغاً لا يعلم فهو يستفهم عنه، وهذا كثير في كتاب الله حيث يريد التعبير عما عظم شأنه، كقوله تعالى: {الْقَارِعَةُ ، مَا الْقَارِعَةُ }[القارعة:1-2]، {الْحَاقَّةُ ، مَا الْحَاقَّةُ }[الحاقة:1-2]، وذلك كثير لا يحصر.
(لو كان جبلاً لكان فِنْداً ): الفند: الطويل من الجبال، وقيل: المتفرد منها، وأراد ها هنا العظيم في الطول والانفراد عنها.
(لا يرتقيه الحافر): تطلعه ذوات الحافر لصعوبته ولعسرة مرقاه.
(ولايوفي عليه الطائر): أوفى بالفاء إذا أشرف على الشيء، وأراد أن الطير لا توفي عليه أي لا تشرف لعلوه.
[444] (قليل مدوم عليه): أراد من الطاعات، وفي الحديث: ((إن الله يحب المداومة على العمل وإن قلَّ )).
(خير من كثير مملول منه): لأن مع الرغبة يحصل القبول، ومع الملالة يحصل الرد لا محالة، وفي الحديث: ((عليكم من العمل بما تطيقون ، فإن الله لا يملُّ حتى تملَّوا)).
[445] وقال عليه السلام لغالب بن صعصعة والد الفرزدق، واسم الفرزدق همام بن غالب ، في كلام دار بينهما:
(ما فعلت إبلك الكثيرة؟): البالغة في الكثرة مبلغاً عظيماً.
(فقال: ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين): أي فرقتها، يعني أخذتها الصدقات المطلوبة منها في كل عام.
فقال عليه السلام:
(ذاك أحمد سبلها): الإشارة إلى الأخذ على هذا الوجه، وأراد أنه أعظم الطرق التي يصدر تفريقها فيه، ويكون تبددها بسببه.

ويحكى أن غالباً فاخر سحيم بن وثيل ، فعقر غالب ناقة، فعقر سحيم ناقتين، فنحر سحيم ثلاثاً، فعمد غالب إلى مائة ناقة فنحرها، فنكل سحيم عن ذلك، فقال له قومه: جلبت علينا عار الدهر كله، فاعتذر بأن إبله كانت غائبة، ثم تقدم الكوفة فعقر ثلاث مائة ناقة بكناسة الكوفة من إبله، ثم قال للناس: شأنكم بهذا ، فشعر بذلك أمير المؤمنين فقال:
(هذا مما أُهِلَّ به لغير الله، فلا يأكل منه أحد شيئاً) ثم أمر بطرد الناس عنه، فتخطفتها الطير وأكلتها السباع والوحوش.
ولله درُّ أمير المؤمنين فما أصلب نفسه في الدين!، وأعظم وطأته على إيحار صدور المتمردين!.
[446] (من عظَّم صغار المصائب، بلي بكبارها): يريد أن الواحد إذا جرى عليه مصيبة وهي صغيرة في حالها فعظَّمها وكبَّرها في نفسه، ولم يجعل الصبر ذخيرة عند الله تعالى من أجلها، فلا يمتنع أن الله تعالى يبلاه بأعظم منها عقوبة له على فعله ذاك، وإبطال صبره على تلك المصيبة.
[447] (من كرمت عليه نفسه): عظمت عنده حالة نفسه، وأراد تكريمها.
(هانت عليه شهوته): أراد أن إكرام النفس وإعزازها إنما يكون بانقطاع الشهوة عنها، وإذا قطع شهوته لم يتواضع لأحد، ولا يزول عن حالة العزة بنفسه؛ لأن ذلك إنما يكون من أجل التهالك في محبة الشهوات وإحرازها.
[448] (ما مزح رجل مزحة، إلا مجَّ من عقله مجَّة): يشير إلى أن المزاح قليله وكثيره لا خير فيه، وأرد أن المزحة الواحدة لا محالة تنزل قدره وتسقط جلالة حاله، وفي الحديث: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً )) وكلامه عليه السلام محمول على إفراط المزاح، أو على أنه مزح بما يكون سقوطاً في حاله وإنزالاً لدرجته في ذلك.

[449] (زهدك في راغب فيك نقصان حظ): يشير إلى أنك إذا انكففت عن صحبة من هو راغب في صحبتك وأبيت عنها، فإنما ذلك نقصان حظ لذلك الذي صحبك في صحبتك.
(ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس): يريد أنك إذا رغبت فيمن يكون ممتنعاً من صحبتك فهذا لامحالة ذل نفس منك، وهون في الطبيعة، وعدم أنفة من جهتك.
[450] (ما لابن آدم والفخر!): إنكار عليه في التعلق بالفخر والرغبة فيه والتصريح به من جهة نفسه، وحاله معروفة.
(أوله نطفة): مهينة قذرة لها رائحة خبيثة، ثم جرت في موضع البول عند انصبابها من الإحليل، ثم جرت في موضع الحيض عند صبِّها في رحم المرأة مرة وعند خروجه من بطن أمه مرة ثانية، ثم صار يغتذي في بطن أمه بدم الحيض، فهذه حالته في الأولية من خلقه.
(وآخره جيفة): وبعد موته يستقذر من رائحته، ويعاف أمره، وتنفر النفوس من رؤيته وقذر رائحته، فإذا كانت هذه حاله فكيف يفخر ويعلو أمره؟
(لا يرزق نفسه): لا يقدر على ذلك، ولا له مكنة عليه.
(ولا يدفع حتفه): ولايقدر على دفع ما يصيبه من الآفات والمصائب.
[451] (الغنى والفقر بعد العرض على الله): يشير بذلك إلى أن الغنى على الحقيقة إنما هو بعد أن تعرض الأعمال على الله ثم يقبلها فهذا هو الغنى والفوز لا محالة، والفقر على الحقيقة بعد عرض الأعمال على الله وردها فهذا هو الويل على الحقيقة لأهله.
اللَّهُمَّ، أسعدنا بقبول الأعمال يوم يقوم الأشهاد.

[452] وسئل عليه السلام عن أشعر الشعراء؟
فقال:
(إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها): الحلبة هي: موضع السباق للخيل، أو اسم للخيل المجتمعة التي تأتي من جهات مختلفة، ولم أحط بمراد أمير المؤمنين في قوله: (إنهم لم يجروا في حلبة واحدة)، فإن أراد أنهم لم يكونوا في وقت واحد فالتفرقة بالسبق والتأخر في الفصاحة والبلاغة في الشعر تدرك ولو كانوا في أزمنة متفاوتة، ولهذا فإنها تعرف الآن بينهم وإن تفاوتت أزمانهم، وإن أراد أن كل واحد لم يعارض صاحبه فيما جاء به من المعاني والمقاصد فليس الأمر كذلك، فإن المعارضة قد وقعت بين علقمة وامرئ القيس في معنى واحد، وزاد أحدهما على الآخر في ذلك المعنى فصاحة وبلاغة، وعُرِفَ مقدار التفاوت بينهما فيه، وإن أراد أن مقاصدهم في العلوم الشعرية متباينة وأفانينهم فيه مختلفة، إذ ليس لتلك الأساليب غاية ولا يمكن الإشارة إلى ضبطها بحد ونهاية ، فهذا وإن كان الأمر فيه كما ذكر، لكن هذا لايمنع مما ذكرناه من معرفة السبق والتقدم، والفصيح والأفصح، وإن أراد أنهم لم يقصدوا معنىً واحداً يعبِّرون عنه بعبارات يعرف بها قدر التفاوت بينهم في السبق والتأخر، فقد رأينا الشاعرين يزدحمان على معنى واحد، ويعبِّر كل واحد منهما عن ذلك المعنى بعبارة يُعْرَفُ بها مقدار فضلهما في الفصاحة والبلاغة، ويزيد أحدهما على الآخر في ذلك، وهذا ظاهر لا يمكن دفعه.

وهم في تناولهم المعنى الواحد وكسوه ، كل واحد منهم آتاه عبارات غير عبارات الأول، منهم من يزيد على صاحبه فيه، ومنهم من يساوي، ومنهم من ينقص، فهذه ضروب ثلاثة نذكر من كل واحد منها مثالاً ليطَّلع الناظر على رونق البلاغة، ومحاسن الفصاحة، وكيفية تأديتهم للمعنى الواحد وتفاوت مقادير بلاغتهم فيه.

الضرب الأول: ما يكون بالزيادة
فمن ذلك قول قيس بن الخطيم يصف كتيبة:
لو أنَّك تُلْقِي حَنْظَلاً فَوْقَ هَامِنَا
تَدَحرَج عن ذي سامةِ المتقاربُ
وذو سامة: بيضة الحديد المطلي بالذهب، والسام: عروق الذهب، أخذه ابن الرومي فقال:
فلو حصَبتْهُم بالفضاءِ سحابةٌ
لظلّت على هاماتِهم تَتَدحرجُ
ومن ذلك قول نهشل في هذا المعنى:
تظلّكَ من شمسِ النهارِ رماحُهم
إذا رفعَ القومُ الوشيجَ المقوَّمَا
أخذه المتنبي فقال فيه:
تمنعَّها أن يصيبَها مطرٌ
شدة ما قد تضايق الأسلُ
ثم أخذ هذا المعنى عمارة اليمني فجوَّده غاية التجويد،
فقال فيه:
إذا شجراتُ الخطِ فيها تشاجرتْ
فليس لريحٍ بينهنَّ هبوبُ
وقول الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن امرأً
فقد الشبابَ وقد يَصِلْنَ الأمردا
أخذه أبو تمام وزاد عليه زيادة ظاهرة فقال:
أحلى الرجال من النساءِ مواقعاً
من كان أشبههم بهنَّ خدودا
فكل واحد من هؤلاء نراه قد أخذ معنى صاحبه وزاد عليه في الفصاحة والبلاغة، وجودة الحلاوة، ورقيق الطلاوة.

الضرب الثاني: ما يكون بالمساواة
فمن ذلك قول طفيل :
نجومُ سماءٍ كلَّما غابَ كوكبٌ
بدا وانجلت منه الدُّجنّةُ كوكبُ
أخذه أبو تمام وساواه، فقال:
إذا قمرٌ منهم تغوَّر أو خبا
بدا قمرٌ في جانب الأفقِ يلمعُ
ومن ذلك قول بعض الشعراء:
إذا بلَّ من داءٍ به ظنّ أنَّه
نجا وبه الداءُ الذي هو قاتلُه
أخذه المتنبي وساواه فقال:
فإن أسلم فلم أسلمْ ولكن
سلمتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ
ومن ذلك قول بعض الشعراء:
أنا السيفُ يخشى حدُّه قبل هزِّهِ
فكيف وقد هزَّ الحسام المهند
أخذه المتنبي وساواه فقال:
يهاب سيوفَ الهند وهي حدائدٌ
فكيف إذا كانت في نزارية غُلْبَا
ويُرْهَبُ ناب الليث والليث وحده
فكيف إذا كان الليوث له صُحْبَا
ويُخشى عُبابُ البحر وهو مكانُه
فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبَّا
فكل واحد من هؤلاء قد أخذ معنى صاحبه الذي أراده وساواه من غير زيادة ولا نقصان في فصاحته وبلاغته، وجودة معانيه كما ترى.

الضرب الثالث: ما يكون بالنقصان
فمن ذلك قول المجنون :
لقد كنتُ أعلو حبَّ ليلى فلم يزل
بي النقضُ والإبراُم حتى علانيا
أخذه المتنبي، فنقص عنه نقصاناً ظاهراً، وأكره فيه نفسه حتى انحطَّ عن عذوبته، بقوله:
كتمتُ حبَّك حتى عنك تكرمةً
حتى استوى فيكِ إسْرَاري وإِعْلاَني
ومن ذلك قول أبي تمام:
نرمي بأشباحِنا إلى ملك
نأخذ من فضلِه ومن أدبِه
أخذه المتنبي ونقص عنه، بقوله:
ولديه مَلْعِقْيَانِ والأدبِ المفا
د وَمَلْحَيَاةِ وَمَلْمَمَاتِ مناهل
فنزل عنه كما ترى ولم يجود في تأليفه، وفيه استكراه وتكلف ، وقد جمع من فنه في مواضع ثلاثة، فلهذا شابه بذلك وأبطل حلاوته.
وقد حكي عن عثمان بن جني أنه قال: إن المتنبي قد زاد على أبي تمام في هذا البيت حيث ذكر الموت والحياة وعظم الحال والمناهل، فاعترضه الشيخ الوجيه فقال: أيها الشيخ، إنه ليس نقد الشعر من صنيعتك ، ولا هو من عملك وعلمك، إنه ليس بجمع المعاني كما ذكرت، إنما يتفاضل بجودة النظم وحسن الديباجة، ورقيق الزجاجة.
وأقول: إن كلام ابن جني لقريب من الصواب، فإن رقته وبلاغته غير خافية، ولولا خوف الإطالة لذكرنا من هذا طرفاً، ولكنه خارج عن مقصدنا في الكتاب، وفيه تنبيه على ما وراءه من ذلك، فهؤلاء قد جروا في هذه الحلبة، فُعُرفَتْ الغاية التي يستبقون إليها في حيازة قصب السبق، وهي أعواد توضع يعرف بها الفضل في السبق ، وتكون غاية له، فمن سبق إليها قبل صاحبه أخذ السبق المعلوم بينهم، ثم منهم من زاد ومنهم من ساوى صاحبه، ومنهم من نقص عنه كما قررناه آنفاً.

فأما المعارضة فهي عند أهل البيان إنما تكون بالألفاظ في جودة الفصاحة والبلاغة، ولا يعتبر فيها بالمعاني، ولا بد فيها من المباينة في المقاصد، كقول امرئ القيس:
خليلي مرّا بى على أمِّ جندبٍ
لتقضي حاجاتِ الفؤادِ المعذّبِ
فعارضه علقمة بقوله:
ذهبت من الهجرانِ في كل مَذْهَبٍ
ولم يكُ حقاً كل هذا التجنُّبِ
فانظر إلى تباين مقصدهما في ذلك، فأحدهما وصف الوصال، والآخر وصف الهجران، فكان ذلك معدوداً في المعارضة، لما كان مماثلاً لما أتى به امرؤ القيس في جزالة الألفاظ وصوغها ونظامها، ولا حاجة بنا إلى الإكثار من هذا.
(فإذا كان ولابد): يعني من المفاضلة في الشعر، ها هنا قد رجع أمير المؤمنين إلى الاعتراف بصحة المفاضلة، خلافاً لما ذكره في صدر كلامه من امتناعها كما أوضحناه، وهو الصحيح ولهذا رجع إليه.
(فالملك الضِّلِّيل): يشير إلى امرئ القيس، والضِّلِّيل: كثير الضلالة كالفسِّيق لكثير الفسق، والضِّحيك لكثير الضحك، وهذا لقب لامرئ القيس معروف به، فظاهر كلامه ها هنا تفضيله على الشعراء في الفصاحة وجودة المعاني، وهذا محمول على تفضيله على أهل طبقته من أهل زمانه لا على تفضيله على الشعراء مطلقاً، أو على شعراء الجاهلية نحو النابغة وعمرو بن كلثوم وطرفة وغيرهم.
فأما المتأخرون من الإسلاميين نحو أبي تمام والبحتري وأبي الطيب المتنبي، فأهل العلم بالشعر وجودته يفضل هؤلاء على من تقدمهم من الشعراء في الرقة والدقة، والحلاوة والعذوبة، ثم يفضلون من هؤلاء الثلاثة أبا الطيب المتنبي فإنه أناف عليهم في الغاية، وجاراهم ثم سبقهم إلى النهاية، ولنقتصر على ما ذكرناه من ذلك، ونرجع إلى تفسير كلامه.

ومن كلامه عليه السلام (453-458)
[453] ثم قال عليه السلام:
(ألاحرُّ يلفظ هذه اللُّماظة): يشير بما قاله إلى الدنيا، واللُماظة بالضم: ما يبقى في الفم من الطعام.
(لأهلها!): أي للراغبين فيها المنهمكين في حبها، ويقبل على ما يعنيه من أمر الآخرة وإصلاحها.
(إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة ): يشير إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}[التوبة:111]، وذلك أن بيعة العقبة الأولى، كانت تسمى بيعة النساء يريد على ما بايع على النساء ألا يسرقن ولا يزنين .
وأما العقبة الثانية فإنما كانت على حرب الأسود والأحمر، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من البيعة.
قالوا: فما لنا على ذلك يارسول الله؟.
قال: ((الجنة)) .
[454] (علامة الإيمان أن تؤثر الصدق الذي يضرك): يكون عليك فيه ضرر في جسمك أو مالك.
(على الكذب حيث ينفعك): أي تجعل الصدق هو الأحق وإن كان ضاراً لك، وغرضه أنك إذا خيِّرت بين كلامين أحدهما صدق ضار، والآخر كذب نافع، فالذي يقضي به الإيمان فعل الصدق لحسنه وإن كان ضاراً، والإعراض عن الكذب لقبحه وإن كان نافعاً.
(وألا يكون في حديثك فضل): زيادة لا حاجة لك إليها، ولا رغبة لأحد فيها.
(عن عجلك ): أي من أجل العجلة وكثرة الفشل في الكلام فإنها غير محمودة.
(وأن تتقي الله في حديث غيرك): أراد إما في حمله إلى غيرك فيكون نميمة، وإما بالزيادة عليه فيكون كذباً.

192 / 194
ع
En
A+
A-