(إن أبصار هذه الفحول طوامح): طمح إذا زاد على الغاية وتجاوزها.
(وإن ذلك سبب هبابها): الهباب: صياح التيس للسفاد ، جعله ها هنا كناية عن شدة الغلمة، وعدم ملك الإنسان لنفسه في تلك الحالة.
(فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه): يقع حسنها في عينه.
(فليلامس أهله): أي يجامع امرأته، وكنى بالملامسة عن ذلك، كما قال تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ }[المائدة:6]، وهذا من الآداب العجيبة والكنايات الرشيقة التي استعملها الله تعالى في كتابه الكريم تأديباً للخلق، وحملاً لهم على أحمد الشيم وأعلاها.
(فإنما هي امرأة كامرأة ): يعني أنه إذا قضى نهمته منها فهو مثل ما لو قضى ذلك من غيرها حراماً.
(فقال رجل من الخوراج: قاتله الله من كافر ما أفقهه!): يريد لقد بلغت في الفهم كل غاية، لما رأى من مطابقة كلامه للحكمة وملائمته للمعنى في ذلك كله.
(فوثب إليه القوم ليقتلوه، فقال عليه السلام: رويداً): أي لا تعجلوا على قتله، فإن ذلك لا وجه له.
(إنما هو سبُّ بسبٍّ): إنما هو قصاص أذية باللسان بأذية باللسان مثلها من غير مجاوزة للقتل، إنما كان ذلك خاصاً للرسول، وفي الحديث: ((من سبني فاقتلوه )) .
(أو عفو عن ذنب): أو أفضل من ذلك العفو عن الأذية.
[420] (كفاك من عقلك، ما أوضح لك سبيل غيِّك من رشدك): أراد أن العقل لو لم يكن فيه من المنافع إلا إيضاح سبيل السلامة عن مسالك العطب؛ لكان فيه أعظم كفاية وأجود نفع.
[421] (افعلوا الخير): في كل الأحوال.
(ولا تحقروا منه شيئاً): أي لا تستصغروا من قدره شيئاً.
(فإن صغيره كبير): عند الله تعالى.
(وقليله كثير): لعظم حاله وجلالة قدره.

(ولا يقولن أحدكم: إن فلاناً أولى بفعل الخير من‍ي): يعني أحق به، وأراد أنه لا يفعله ويحيل به إلى غيره.
(فيكون والله كذلك): أي فيصدق الله تعالى هذا القيل، ويجعله كما قال، يمكِّن ذلك الآخر ويلطف له حتى يكون أولى وأحق على الحقيقة.
[422] (إن للخير والشر أهلاً): أراد أن الله تعالى قد جعل للخير أهلاً بلطفه لهم في فعله، وتمكينه إياهم منه، فلهذا كانوا أهلاً له، يؤخذ منهم ويوجد فيهم ويطلب من عندهم، وجعل للشر أهلاً بأن خذلهم عن فعل الخير وصرفهم عن إتيانه والحث عليه، فصار الشر موجوداً عندهم لايوجد سواه.
(فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله ): الضمير في قوله: تركتموه راجع إلى ما في قوله: مهما؛ لأن الأصل فيها ما ما خلا أن الألف الأولى قلبت هاء كقولك: إن آتك فمه؟ أي فما تفعل؟ ونظيره قوله تعالى: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ }[الأعراف:132].
وزعم بعض من شرح كلامه عليه السلام أن هذا الضمير قائم مقام الظاهر، تقديره: فمتى تركتم واحداً منهما ، وهذا لا وجه له، فإنه لاحاجة إلى ذلك مع جريه على ما ذكرناه من عوده على ما يفسره من قبل، كما أشرنا إليه ، كما هو قياس سائر الضمائر.
[423] (من أصلح سريرته): أعمال قلبه من الاعتقادات والإرادات كلها، وكانت كلها جارية على رضوان الله تعالى.
(أصلح الله علانيته): ما يظهر من أحواله كلها باللطف الخفي له من جهة الله تعالى.
(ومن عمل لدينه): من الانكفاف عن معاصي الله ومكروهاته.
(كفاه الله أمر دنياه): إصلاح ما يعود إليه نفعه في الدنيا واستقامة حاله.
(ومن أحسن فيما بينه وبين الله): من قيامه بأمر الله واجتهاده في طاعته.

(كفاه الله ما بينه وبين الناس): أصلح الله له حاله فيما بينه وبين الخلق بالكفاية من جهته لشرهم عنه، وأن يحول بين مكرهم وبينه كيف شاء، وهذا الحديث مروي عن الرسول عليه السلام في (الأربعين السيلقية) .
[424] (الحلم غطاء ساتر): يشير إلى أنه ساتر لجميع المساوئ التي لولاه لظهرت على أعين الملأ من الخلق.
(والعقل حسام قاطع): فَيْصَلٌ في الأمور كلها، يفصل ما التبس منها وصعب الأمر فيه.
(فاستر خلل خلقك بحلمك): يعني استر ما كان في أخلاقك كالغضب والحقد والحسد وغيرها من المساوئ بتغاضيك عن الأمور وسكوتك عنها، وإعراضك عن أكثرها.
(وقاتل هواك بعقلك): أراد وقاتل ما ينازعك إليه هواك من الخواطر الردية بردها إلى العقل وتحكيمه فيها وإزالتها عنك بذلك.
[425] (إن لله عباداً): خلقاً من خلقه، جعلهم أهلاً له وقربهم إلى رحمته.
(يختصهم بالنعم): من بين سائر الخلق في الإعطاء والرزق، وإعظام أحوالهم.
(لمنافع الخلق ): لا وجه لإعطائهم النعم إلا من أجل إصلاح الخلق ومنافعهم.
(فيقرها فيهم ما بذلوها): يعني فيديمها عليهم وقت بذلهم لها وإعطائهم إياها أهلها.
(فإذا منعوها): تركوها واستبدوا بها.
(نزعها منهم): أخذها من أيديهم.
(ثم حوَّلها إلى آخرين غيرهم): يقومون بحقها، ويفون لها بشرطها من أولئك.
[426] (لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين): يعني أن الأحوال في الإنسان وإن كانت على شرف المفارقة من العقل والقدرة والشهوة، لكن أدخلها في الزوال والانقطاع والتغير:
(العافية والغنى): فهاتان الخصلتان سريعتا الانقلاب والتغير.
(بينا تراه معافى إذ سقم): أراد تراه بين أوقات عافيته سالماً إذ عرض له المرض.

(وبينا تراه غنياً إذ افتقر): وتراه بين أوقات غناه حاصلاً إذ عرض له الفقر.
[427] (من شكا الحاجة إلى مؤمن): يعني من أطلع مؤمناً على فقره، وضربه على طريق الشكوى.
(فكأنما شكاها إلى الله): لأن المؤمن يكون واسطة خير إلى لله تعالى [بالدعاء إليه؛ ولأن المؤمن من أهل محبة الله وولايته، فكأنه يشكوها إليه] .
(ومن شكاها إلى كافر فكأنما يشكو الله): [لأن الكافر لا يكون واسطة خير إلى الله تعالى] إذ لا وجه لقبول دعائه، ولأنه من أهل عدواة الله وأهل بغضه، فلا تكون شكواه إليه مقبولة، وإذا بطل كونها شكوى إلى الله كانت لا محالة شكوى له.
[428] وقال عليه السلام في بعض الأعياد:
(إنما هو عيد لمن قَبِلَ الله صيامه): أجزل له عليه الثواب.
(وشكر قيامه): أراد إما شكر قيامه في لياليه بالعبادة، وإما قيامه بواجباته.
(وكل يوم لا نعصي الله فيه فهو يوم عيد): لأن العيد إنما سمي عيداً أخذاً له من عودة المسرات فيه، ولا مسرة أعظم من طاعة الله تعالى والتجنب عن معصيته، فهذا هو أعظم السرور وأعلاه.
[429] (إن أعظم الحسرات عند الله يوم القيامة حسرة): التحسر هو: التلهف، وانتصاب حسرة على التمييز أي من الحسرات.
(رجل كسب مالاً في غير طاعة الله): أي أخذه من الوجوه المحظورة كالظلم والربا، وإدخال المنافع المحظورة بسبب اكتسابه وغير ذلك.
(فَوَرَّثه رجلاً أنفقه في طاعة الله): في أنواع القرب والطاعات المرضية، لله المقربة إلى رضوانه.
(فدخل به الجنة): جزاء على إنفاقه له.
(ودخل به الأول النار): من أجل جمعه من المكاسب المحظورة والمداخل القبيحة.

[430] (إن أخسر الناس صفقة): الصفقة في البيع، وجعلها ها هنا استعارة، وأراد أعظم الناس خسراناً في أموره ومعاملاته.
(وأخيبهم سعياً): خاب الرجل في حاجته إذا لم يتيسر وينجح مطلبه.
(رجل أخلق بدنه): أتعبه وأهلكه.
(في طلب آماله): ما يرجوه من الأغراض الدنيوية.
(ولم تساعده المقادير): تأتي له بما أراد من ذلك، وتذعن له بتحصيله، ولا أقدرته.
(على إرادته): ما يريده من ذلك.
(فخرج من الدنيا بحسرته): بتلهفه على ما فاته من أغراضه من ذلك، وما تعذر عليه من بطلان مقاصده.
(وقدم على الآخرة بتبعته): بما يتبعه من ذلك من اللوم والذم والعقاب السرمدي في الآخرة.
[431] (الرزق رزقان): قد مضى معنى هذا على غير هذه العبارة، وهو من الدلالة على مَلَكَتِهِ عليه السلام لفنون الكلام، واقتدراه على أنواعه، ولهذا يعبر عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة على أوجه مختلفة، وأنحاء متفاوتة.
(طالب): لصاحبه حتى يأخذه من غير تعب، ولا مشقة عليه في ذلك.
(ومطلوب): يطلبه صاحبه حتى يقدره الله تعالى له، ويقضي به من عنده، ويستحقه بالطلب له.
(فمن طلب الدنيا): شغل نفسه بطلبها، وأنفق عمره في تحصيلها.
(طلبه الموت): أتى له في سرعة وقرب.
(حتى يخرجه منها ): كارهاً على رغم أنفه من غير أهبة ولا طلب استعداد.
(ومن طلب الآخرة): بالأعمال الصالحة، يفعلها ويكون مجدّاً في تحصيلها.
(طلبته الدنيا): عاش فيها عيشاً رخياً حميداً.
(حتى يستوفي رزقه منها): يوفره الله تعالى عليه، ولا ينقصه فيه شيئاً.

[432] (إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا): أراد بالأولياء المحبين لطاعته والشاغلين أنفسهم بها والقاصدين إليها، وهؤلاء هم الذي تفكروا بعقولهم، واستعملوها في النظر والفكر.
(إذا نظر الناس إلى ظاهرها): يعني أنهم وِفْقُّوُا للنظر المُخَلِّص من دَرَكِ الخسارة، فنظروا في باطن الدنيا وما تؤول إليه عاقبتها من الانقطاع لها والزوال، لما نظر الناس إلى عاجل لذتها ، وتقدم شهواتها.
(واشتغلوا بآجلها): أراد أنهم شغلوا نفوسهم بما كان من أمر الآخرة، وهو الآجل المتأخر.
(إذا اشتغل الناس بعاجلها): بما تقدم من شهواتها واتباع لذاتها.
(فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم): يعني أنهم أهملوا لذاتها لما يخشوا من ذلك من وخيم عاقبتها من قسوة قلوبها وإماتتها عن ذكر الآخرة، ما خشوا أن يميتهم الذي يخافون أنه يفسد قلوبهم من محبتها والشوق إليها.
[433] وقال عليه السلام :
(هم تركوا ما علموا أنه سيتركهم): يريد أنهم أعرضوا عن الدنيا ولذاتها لما يتحققونه من انقطاعها عنهم، وانفلاتها من أيديهم.
(ورأوا استكثار غيرهم استقلالاً ): يريد أنهم استحقروا كثيرها ورأوه قليلاً حقيراً لما رآه غيرهم خطيراً جسيماً.
(ودركهم لها فوتاً ): أي وإدراكهم لها فوتاً من الآخرة وبُعْداً منها.
(أعداء ما سالم الناس): يريد أعداء الدنيا؛ لأن الناس سالموها واجتهدوا في إحرازها وتحصيلها.
(وسلم ما عادى الناس): يعني أنهم مسالمون للآخرة لما عاداها الناس وهجروها، وأعرضوا عن ذكرها.
(بهم عُلِمَ الكتاب): أي أن القرآن إنما يعلم من جهتهم.
(وبه علموا): أي وما كان علمهم حاصلاً إلا من جهة كتاب الله تعالى ومن طريقه.

(وبهم قام الكتاب ): استقامت أحكامه، وظهرت أعلامه.
(وبه قاموا): أي أن طرائقهم إنما حسنت وزكت خلائقهم وظهرت لما قرورها على كتاب الله وأقاموا على حكمه وشرطه.
(لا يرون مرجواً): أي لا يعرفون قدر المرجو، ولا يزن عندهم قلامة ظفر من جميع الأمور كلها.
(فوق ما يرجونه): أعظم حالة مما يرجونه، يؤملون حصوله في الآخرة من ثواب الله والفوز برضوانه.
(ولا مخوفاً): أي ولا يرون مخوفاً من جميع الأمور المخوفة في الدنيا.
(فوق ما يخافون): من أهوال الآخرة وشدائدها، وعظائم العقاب وما يتعلق به.
[434] (اذكرا انقطاع اللذات): زوالها بالموت والتغيرات العظيمة.
(وبقاء التبعات): ما يتبعها من العقاب والحساب عليها، وسخط الله وغضبه في ذلك.
[435] (اُخْبُرْ تَقْلَه): أي أخبر الناس في جميع أحوالهم وامتحنهم في جميع أسرارهم تبغضهم وتكرههم، والقِلَى هو: البغض لما يطلع بالخبرة على فساد القصود في حقهم، وخبث النيات في سرائرهم .
وروى ثعلب ، عن ابن الأعرابي قال: قال المأمون: لولا أن علياً عليه السلام قال: اُخْبُرْ تَقْلَه، لقلت أنا: إقْلَهْ تَخْبُرْ، هذا شيء حكاه السيد الرضي عن ثعلب .

وأقول: إن مراد المأمون أن أمير المؤمنين هو رأس الحكماء وأميرهم، وإمام العلماء وسفيرهم، لا يأخذون إلا عنه وبدلالته، ولا يغترفون إلا من بحره، ولا يرتوون إلا من فُضَالته، ولا يَسْرَوْنَ في ظلمات الشبه إلا بفكره ودلالته، فلولا أنه قد سبق إلى تقديم الخبرة لتكون سبباً للقِلَى، لقلت أنا: إقْل تخبر، وهو أن يكون القِلَى متقدماً على الخبرة وسبباً فيها؛ لأنه إذا قليت إنساناً عرفت كنه حاله، ومحك صَفَرِه في دوام المودة واستمرار الصحبة ، وكلاهما لا غبار عليه، وكلام أمير المؤمنين أحسن؛ لأنه عام؛ لأن الخبرة في الناس هو الدرية بأحوالهم في أسفارهم ومعاملاتهم كلها، فيحصل القِلَى بعد ذلك بخلاف ما قاله المأمون، فإن القِلَى إنما يكون في حق من كنت محباً له مختصاً به، ثم تقليه بعد ذلك فتعرف كنه حاله، فلهذا كان كلام أمير المؤمنين أعجب وأدخل في الحكمة لعمومه وشموله كما أشرنا إليه.
[436] وقال عليه السلام:
(ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر، ويغلق عنه باب الزيادة): يريد أن الله تعالى أعدل وأحكم عن أن يقول قولاً لايكون صادقاً حيث قال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }[إبراهيم:7]، فلا يمكن أن يُوَفقَّه للشكر ولا يزيده من نعمه كما قال.
(ولا ليفتح على عبد باب الدعاء): يوفقِّه لأن يدعوه بجميع حوائجه ويفضي إليه بها.
(ويغلق عنه باب الإجابة): فمثل هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ولا بعدله.
(ولا ليفتح على عبد باب التوبة): يوفقِّه لها وللإتيان بأحكامها وشرائطها.
(ويغلق عنه باب المغفرة): يعني ويحرمه القبول عند توبته وإنابته، ويحرمه أيضاً غفران ذنوبه عند تجدد المغفرة وإحداثها.

[437] وسئل أيما أفضل؟ العدل أو الجود؟ فقال عليه السلام:
(العدل يضع الأمور مواضعها): يريد يقيم حقائق الأشياء ويعدُّ لها من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا سرف فيها.
(والجود يخرجها عن جهتها): بالزيادة في شيء منها، ونقص في غيره، وإسراف في بعض الأمور.
(والعدل سائس عام): يعني أنه يحتاج في جميع الأمور كلها، فإن الأمور كلها مفتقرة إلى الاستقامة على أحوالها من غير زيادة ولا نقصان.
(والجود عارض خاص): أي أنه إنما يحصل في بعض الأشياء، وهو أيضاً من جملة الأمور العارضة التي تحصل تارة وتزول أخرى، وتحصل في بعض الأشخاص، وهو مفقود عن أكثرهم فلهذا كان عارضاً.
(فالعدل أشرفهما): حالاً.
(وأفضلهما): قدراً عند كل أحد لما أشرنا إليه.
[438] (الناس أعداء ما جهلوا): يريد أن العداوة هي هجران من تعاديه وزوال الأنس بينك وبينه، وهذا حاصل فيما كان الإنسان جاهلاً له، فإن الواحد منا لا يأنس بما لا يعرفه، فهو في الحقيقة عدوه، ولهذا فإنك ترى الإنسان إذا علم شيئاً أنس به وكرره على ذهنه وفهمه مرة بعد مرة، وإذا كان جاهلاً له فإنه غير آنس به ولا يرعيه طرفاً ولا يلتفت إليه.
[439] (الزهد كله كلمتان ): قد جمعهما الله تعالى في كتابه الكريم، ثم تلا عليه السلام قوله: ({لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ })[الحديد:23]: أي لا تحزنوا عليه.
({وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ })[الحديد:23]: أي لا يصيبكم بذلك سرور، فعدم الالتفات إلى ما فات وعدم الفرح بما حصل قد اشتملا على الزهد بأسره، فاستوليا عليه بحذافيره.
(فمن لم يَأسَ على الماضي): يلتفت إليه ولا يعرِّج عليه.
(ولم يفرح بالآتي): الحاصل في المستقبل.

(فقد أخذ الزهد بطرفيه): لأن طرفاً له متعلقاً بالماضي وهو عدم الاحتفال بالماضي، وطرفاً يتعلق منهما بالمستقبل وهو ألاَّ يفرح بما يحصل له فيما يستقبله من عمره من الخيرات، وهذا كله تعويل على زوال الدنيا وانقطاعها وبطلانها وفسادها، فلا يعرج فيها على ما فات، ولا يفرح فيها بما يأتي.
[440] (الولايات مضامير الرجال): المضمار هو: الموضع الذي تُضَمَّرُ فيه الخيل، وهو مكان السباق، والمضمار: عبارة عن الزمان، ومقداره أربعون يوماً تعلفها حتى تسمن ثم ترد إلى قوتها هذه المدة، فكل ما ذكرناه يسمى المضمار، وأراد أنها للولاة بمنزلة المضمار؛ لأنهم يمتحنون بها في الجودة والرداءة والشجاعة والجبن، وغير ذلك من الصفات الجيدة والردية.
[441] (ما أنقض اليوم لعزائم غد !): يشير إلى أن من وعد أن يفعل فعلاً في الغد فإن إرواده في اليوم وتأنيه فيه يهون أمره وينقض ما قد كان عزم فيه على أن يفعله، وهو قد أورده على جهة التعجب من حاله، وهو جار مجرى الكناية في بطلان ما وعد به على أن يفعل غداً، فإنه بصدد البطلان والزوال، وإنما الذي يرجى وقوعه ما وعد بفعله في ... ... ... ... ... ... ... لبيلبيلبيلتنيبلبليبلتلبتيلبيلبيلتنبيلبيتوقته وحينه لا غير.
[442] (ليس بلد أحق بك من بلد): يشير إلى أن البلاد مستوية بالإضافة إليك، لا تختص بك واحدة منها دون واحدة.
(خير البلاد ما حملك): استقامت فيه أحوالك وظهر فيها أمرك، وكنت فيها طيباً عيشك، هنياً مشربك ومأكلك، وعن هذا قال بعضهم:
تباً لذي أدب يرضى بمنقصة
ولا يكون كبان فوق قفاز
يوماً بمصر وأرض الشام يسكنها
وبالعراقين أحياناً وشيراز
[443] وقال عليه السلام وقد جاءه نعي الأشتر رحمه الله:

191 / 194
ع
En
A+
A-