(ورزقت بره): لأن مع البر يكثر خير الوالد والولد، وفي هذا دلالة على أن السنة في التهنئة والتعزية إنما يكونان بالدعاء بالمنافع الدينية والدنيوية، كما فعل أمير المؤمنين دون ما ليس كذلك، كما في قولهم : ليهنك الفارس؛ ولهذا أنكره على قائله لما خلا عن الدعاء بما ذكرناه، وفي الحديث في التهنئة بالعرس: ((لا تقولوا: بالرفاء والبنين كما كانت الجاهلية تقول، ولكن قولوا: باليمن والبركة، بارك الله لك وعليك، وجمع بينكما في خير)) .
[356] وبنى رجل من عماله بناء فخماً، فقال:
(أطْلَعَتِ الوَرِقُ رءوسها): كنى بذلك عن كثرة المال، وأن إعلاء الأبنية واطلاعها لما كثرت وتراكمت.
(إن البناء ليصف لك الغنى): يعني أن البناء من أقوى الأمارات والدلالات على كثرة المال والغنى.
[357] وقيل له: لو سدَّ على رجل باب بيته وترك فيه، من أين كان يأتيه رزقه؟
فقال: (من حيث يأتيه أجله): فجمع بينهما بجامع معنوي عجيب يستدرك بدقيق النظر والفطانة، وهو أن الأجل من جهة الله تعالى لا بد لكل مخلوق منه، كما أن الرزق من جهة الله تعالى لا بد لكل مخلوق منه، فإذا كان الأجل يأتيه لا محالة، فهكذا حال رزقه لاستوائهما فيما ذكرناه.
[358] وعزى قوماً عن ميت لهم، فقال:
(إن هذا الأمر): يعني الموت.
(ليس بكم بدأ): لستم أول من مات.
(ولا إليكم انتهى): ولستم آخر من يموت.
(وقد كان صاحبكم هذا): يعني الميت الذي عُزِيَ فيه.
(يسافر): في طلب الأرباح وجمع الأموال.
(فعدوه): احسبوه عند نفوسكم.
(في بعض سفراته): التي تعدوه فيها.
(فإن قدم عليكم): كما كان يفعل في السفر.
(وإلا قدمتم عليه): سرتم إلى مصيره ، وسافرتم مثل سفره.

[359] (أيها الناس، ليركم الله عند النعمة وجلين): الوجل هو: الفَرَقُ والخوف، وأراد أن المأخوذ عليكم هو الخوف والإشفاق عند تراكم النعم عليكم وتعاظمها.
(كما يراكم عند النقمة): وهي العذاب.
(فرقين): خائفين، وغرضه من هذا استواء الحالين في الوجل والخوف عند النعمة والنقمة، فالوجل عند النعمة خوفاً من الأخذ على غرة وأمن، ومن النقمة خوفاً من ألمها وعذابها، فلأجل هذا سوى بينهما في ذلك.
(إنه من وُسِّعَ عليه في ذات يده): بالأموال النفيسة والرخاء في المعيشة والتمكين من اللذات الطيبة.
(فلم ير ذلك استدراجاً): أُخِذَ على غرة وغفلة.
(فقد أمن مَخُوفاً): فقد صار آمناً لما هو مخوف في الحقيقة.
(ومن ضُيِّقَ عليه في ذات يده): بالفقر وضيق المعيشة وضنكها.
(فلم ير ذلك اختباراً): امتحاناً من الله له.
(فقد ضَيَّعَ مأمولاً): فقد أهمل من ذلك ما يؤمل رخاؤه من جهة الله تعالى؛ لأن الاختبار بالنعماء والضراء وغير ذلك ألطاف من عند الله؛ يستصلح بها عباده على حد ما يراه من ذلك مصلحة لهم.
[360] (يا سرى الرغبة، أقصروا): أراد أيها المأسرون في رِبَقِ الرغبة في الدنيا، والمنهمكين في حبها والطالبين لها من غير وجهها أقلوا من طلبها والرغبة فيها.
(فإن المعرِّج على الدنيا): المقيم فيها والحابس نفسه عليها طمعاً بها ورغبة في لذاتها.
(لا يروعه منها): الروع: الخوف.
(إلا صريف أنياب الْحِدْثانِ): الصريف هو: صوت أنياب الجمل عند اشتداد الغلمة به، وهو ها هنا استعارة من ذاك، وغرضه بما قاله هو المواظب على اكتساب الدنيا والرغبة فيها، لا يخوفه منها إلا عظم تغير أحوالها بأهلها، وتوثب الحوادث عليهم فيها بالمنايا المتلفة والمصائب المجحفة.

(أيها الناس، تولوا من نفوسكم تأديبها): أي اختصوا بتأديبها ولا تولوه غيركم، فإن أدبها من جهة أنفسكم هو الأدب النافع.
(واعدلوا عن ضراوة عاداتها): ضرى الكلب بالصيد إذا لهج به، وأراد ها هنا ميلوا واعدلوا بها عما تكون لاهجة به، مما تعتاده وتألفه، وأكرهوها على الطاعة، فإن عادتها الميل إلى هواها، والنفور عن الطاعة بمبلغ جهدها.
[361] (لا تَظُنَّنَّ بكلمة خرجت من أحد سوءاً): يريد إذا تكلم أحد بكلمة وظاهرها ما يسوء، وتكرهه النفوس فلا تحملها على ما يسوء من ذلك ويكره.
(وأنت تجد لها في الخير محملاً ): وهو تمكنك وجهاً لها تحمله عليه في الخير والسلامة، ويروى: (محتملاً) : والمحمل بالفتح والمحتمل هو المصدر بمعنى الحمل.
[362] (وإذا كانت لك إلى الله حاجة): وسيلة أو مطلبة تطلبها في الدين أو في الدنيا، وأردت طلبها وسؤالها من جهة الله تعالى.
(فابدأ المسألة بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): صدرها أولاً بالصلاة على النبي وآله.
(ثم سل حاجتك): بعد ذلك، وهذا من جملة الآداب المعتبرة في الدعاء قبل الشروع فيه، وهو حمد الله وتنزيهه، وتقديسه، والصلاة على الرسول .
(فإن الله أكرم من أن يُسْأَلَ حاجتين): وهما الصلاة على الرسول في أول الأمر، ثم قضاء الحاجة، وهي الثانية.
(فيعطي أحدهما ): وهو الصلاة.
(ويمنع الأخرى): وهي حاجتك المقصودة.
[363] (من ضنَّ بِعِرْضِهِ): بخل به، وكان لا يريد نقصه.
(فليدع المراء): المماراة والجدال في كل أمر من الأمور، وفي الحديث: ((أول ما نهاني عنه ربي المماراة )).

[364] (الخُرْقُ المعاجلة قبل الإمكان): الخُرْقُ هو : الحمق وهو الجهل بعينه تحصيل الحوائج قبل إمكان وقتها؛ لأن وقت الشيء شرط في كونه ممكناً؛ فإذا طلب في غير وقته وفي غير أوانه فهو جهل بحكمه لا محالة.
(والأناة بعد الفرصة): الأناة هي: تراخي الوقت، وأراد أن من جملة الخرق أيضاً التراخي في الوقت بعد أن كانت الحاجة محضرة حاضراً وقتها، والمعنى أن من أخَّرها عن وقتها فهو جاهل؛ لأن من حق العاقل اغتنام الفرص عند إمكانها.
[365] (لا تسأل عمَّا لا يكون): يعني عمَّا لا تُقَدِّرُ حصوله ووقوعه.
(ففي الذي قد كان لك شغل): عن تقدير ما لا يكون.
[366] (الفكرة مرآة صافية): يريد أنها في المعقولات النظرية بمنزلة المرآة في المدركات البصرية والمرئيات الحسية، يدرك بها ما خفي من الأسرار العقلية.
(والاعتبار منذر ناصح): والاتعاظ في غاية النصح لمن كان منذراً له.
(كفى أدباً لنفسك): انتصاب أدباً على التمييز بعد الفاعل.
(تجنبك ما تكرهه لغيرك): يريد إذا تجنبت ما تكرهه للناس فهذا هو غاية الأدب والتهذيب لنفسك؛ لأن كل ما كرهته من جهة غيرك فهو لا محالة مكروه من نفسك يكرهه غيرك.
[367] (العلم مقرون بالعمل): أراد أنهما توأمان وأخوان لا ثمرة لأحدهما إلا مع الآخر، فلا خير في علم بلا عمل، ولا خير في عمل لا يسبقه علم.
(فمن علم عمل): بما يعلمه .
(والعلم يهتف بالعمل): ينادي به.
(فإن أجابه): بالعمل بمقتضاه.
(وإلا ارتحل): العلم عن مكانه؛ إذ لا وجه لوقوفه على انفراده عن العمل.
[368] (يا أيها الناس، متاع الدنيا حطام موبئ): يعني ما فيها من المتعة لأهلها إنما هو بمنزلة ما يبس وتكسِّر وذهب رفاتاً، والموبئ: ذو الوباء وهو الداء.

(فتجنبوا مرعاة): أن ترعوا فيه أنعامكم فتهلك وباء ، وكنى به عن تجنبهم للإكثار منها والولوع بطيباتها.
(قلعتها أحظى من طمأنينتها): أي رحلتها أكثر حظوة ومكانة من سكونها والقطون فيها.
(وبلغتها أزكى من ثروتها): والأخذ منها على جهة البلغة إلى الآخرة أطهر للنفوس من الثراء فيها، وهو الإكثار منها.
(حكم على مكثريها بالفاقة): أي حكم الله على من أكثر منها من الجمع لحطامها بأن يكون ذا فاقة فيها ، وفقر إليها في جميع حالاته.
(وأعين من غن‍ي عنها بالراحة): أي وحكم على من استغنى عنها بالراحة لنفسه وجسمه.
(من راقه زبرجها): الزبرج: الذهب، وأراد ها هنا من أعجبه رونقها وحسنها ونضارتها.
(أعقبت ناظريه كمهاً): كان عاقبة نظره إليها أن تعميه عن ذكر الآخرة وأمرها، والكمه: العمى.
(ومن استشعر الشغف بها): ومن قصد المحبة لها وجعلها له شعاراً يختص جسمه من دون حائل عنه، والشغف: حجاب القلب.
(ملأت ضميره أشجاناً): ملأت قلبه أحزاناً.
(لهن رقص على سويداء قلبه): الضمير للدنانير، ويفسره شاهد الحال أو يفسره الزبرج؛ لأنها بمعناها، والسويداء: حبة القلب، وأظنه الدم الذي يسكن باطن القلب فإنه دم أسود، والرقص: التحرك والاضطراب، وأراد أن النفس لاتزال تتحرك وتضطرب إلى محبة الدنانير والدراهم.
(همٌّ يشغله): بالتعلق بها وطبلها وتحصيلها.
(وغمٌّ يحزنه): على ما فات عليه منها.
(كذلك): أي لايزال أمره على هذه الحالة.
(حتى يؤخذ بِكَظْمِهِ): أي بمخرج نَفَسِهِ، والكظْم بسكون الظاء هو: خروج النفس.

(فَيُلْقَى بالفضاء، منقطعاً أبهراه): الفضاء: المكان الواسع من الأرض، والأبهران: عرقان متصلان بالقلب، وأراد فيلقى بعد موته بخلاء من الأرض ميتاً لاحراك به.
(هيِّناً على الله فناؤه): الفناء ها هنا المراد به الموت، يريد أن موته ليس أمراً عظيماً عند الله تعالى، كما أشار إليه بقوله: {مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ }[لقمان:28].
(وعلى الإخوان لقاؤه ): لأنه لا رغبة لهم فيه لا ستحالة حاله عما كانت في حال الحياة.
(وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار): المعنى في هذا: وحق على المؤمن والواجب عليه هو النظر إليها بعين الاتعاظ والزجر دون الرغبة فيها والمواظبة على تحصيلها.
(ويقتات منها ببطن الاضطرار): أي يطلب قوته منها إذا اضطره جوع بطنه بالشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له ولا خطر له.
(ويسمع فيها بأذن المقت والاتعاظ ): أراد ويكون سامعاً لأحاديثها بأذُن الذم لها والاتعاظ بأحوالها وتغيراتها، ولا يصغي إلى شيء من أحاديثها بحال.
(إن قيل: أثرى): أراد إذا قيل لك: فلان أثرى أي كثر ماله.
(قيل: أكدى): أي قلَّ خيره، وكثر بخله.
(وإن فُرِحَ له بالبقاء): وإن أصاب أحد له فرح ببقاءه فيها واطمئنانه إليها.
(حُزِنَ له بالفناء): أصاب الحزن له بالموت بعد ذلك.
(هذا): قد مضى شرح هذه الكلمة في موضع غير هذا، وبيَّنت موقعها فلا وجه لتكريره، وأراد هذا على ما ذكرته، وموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف كما قدرته لك.
(ولم يأتهم يوم يبلسون فيه ): أي ييأسون فيه من الرحمة لما يرون من هوله وصعوبة أمره.

[369] (إن الله سبحانه وضع الثواب على طاعاته ): جزاء عليها وجُبراناً لما كان من مشقة التكليف بفعلها.
(والعقاب على معصيته): جزاء عليها لما كان من مخالفة أمره ونهيه، وجعل ذلك أيضاً:
(ذيادة لعباده عن نقمته): ذاد الصيد إذا طردها، وأراد طرداً لهم عن عذابه وشدة انتقامه.
(وحياشة لهم إلى جنته): حاش الصيد يحوشه حوشاً وحياشة إذا جنَّبه من حواليه ليورده الحِبَالة والشَّرَك .
[370] وروي أنه عليه السلام قلَّما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته:
(أيها الناس، اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثاً): أي ما خلق من أجل العبث، وهو: الذي لا غرض لفاعله فيه، ولا داعي له إليه.
(فيلهو): أي فيكون لاهياً، أو يكون مشغولاً باللهو واللعب.
(ولا ترك سدىً): أي مهملاً لا حكم عليه لأحد.
(فيلغو): اللغو هو: القول الباطل ، يقال: لغا يلغو إذا قال باطلاً.
(وما دنياه الت‍ي تحسنت له): أرته حسنها وأعجبته بنضارتها.
(بِخَلَفٍ له من الآخرة): تكون عوضاً له عن الآخرة.
(الت‍ي قبَّحها): ذمَّها وبغضَّها إليه.
(سوء النظر عنده): أسوء الأنظار من جهته، وأبعدها عن نظر السداد والصلاح.
(وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته): أي وما المغتر بالدنيا الذي ظفر منها على قدر همته في أخذها والإكثار منها.
(كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سُهمته): كالرجل الآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهم ونصيب، والسُهمة: النصيب بضم السين، والمعنى أنه ليس أحدهما يشبه الآخر لفوز صاحب الآخرة بأوفر النصيب وأكملها، وخسارة صاحب الدنيا وإن كمل حظه فيها.

[371] (لا شرف أعلى من الإسلام): من حسب ولا عدة، ولهذا فإن سلمان، وشقران، وبلال، وصهيب لما أحرزوه مع فقد الحسب، وخسر أبو لهب، والوليد بن المغيرة، وعتبة، وشيبة وغيرهم مع علوهم في الحسب، فأي شرف أعلى من هذا.
ومن عجائبه إحراز رضوان الله والدخول في رحمته ورأفته إلى غير ذلك من الخصال الرفيعة والصفات العالية لصاحبه.
(لا عز أعز من التقوى): وأي عز أعظم من ذلك، وفي الحديث: ((من اتقى الله أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة )).
(و لا معقل أحرز من الورع): لأن فيه سلامة عن كل عاهة تلحق الدين وتثلمه.
(لا شفيع أنجح من التوبة): أي لا شافع ينجح مطلبه مثل التوبة المقبولة عند الله تعالى؛ فإنها أعظم شافع [عند الله تعالى] في حط الذنوب وغفرانها.
(لا غنى أغنى من القناعة ): لأن كل غنى مع الهلع فهو فقر في الحقيقة.
(لا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت): أراد أن الرضى بالقوت والكفاية به أذهب للفقر من التمكن من المال.
[372] وقال عليه السلام في كلام له:
(من اقتصر على بُلْغَةِ الكفاف): أي من كان همه من الاكتفاء من الدنيا بالزاد المبلغ إلى الآخرة.
(فقد انتظم الراحة): أي استوت له أحوالها، وتمهدت له قواعدها.
(وتبوأ خَفْضَ الدعة): تبوأ المكان إذا استقر فيه، وأراد لزم راحة الاستقرار.
(والرغبة ): في الدنيا والولوع بتحصيلها.
(مفتاح النَّصَبِ): تنفتح به على الإنسان أبواب منصبة لبدنه وقلبه.
(ومظنة التعب): أي حيث يظن التعب ويكون حاصلاً، من قولهم: الوقار مظنة الحلم أي حيث يظن وجوده وحصوله.
(والحرص): على الدنيا.
(والكبر): شموخ الأنف.
(والحسد): للنعم على الخلق.

(دواعي إلى التقحم في الذنوب): يعني أنها تدعو الإنسان إلى الورود في المعاصي والهجوم عليها.
(والشر جامع لمساوئ العيوب): الشر هو: نقيض الخير، فكما أن الخير جامع للخصال الحسنة، فهكذا الشر يجمع الخصال السيئة.
[373] (قَوَامُ الدنيا أربعة ): القَوام بالفتح: العدل، قال الله تعالى: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }[الفرقان:67]، والقِوام بالكسر: نظام الأمر وعماده، وقد يفتح، يقال: فلان قَوَامُ أهل بيته، وهذا مراده ها هنا، أي تنتظم الدنيا بأشخاص أربعة:
(عالم مستعمل علمه): فهو يعمل بعلمه، ويفعل على حد بصيرته.
(وجاهل لا يستنكف أن يتعلم): فهذا متى أشكل عليه أمر في دينه سأل عنه وفهمه.
(وفقير لا يبيع آخرته بدنياه): فهو صابر على فقره محرز لدينه.
(وجواد بمعروفه ): فهو لا ينفك عن بذله في جميع أحواله، فمتى استقام أحوال هؤلاء على ما ذكرته استقام نظام الدنيا، واستقرت قواعدها.
(فإذا ضيَّع العالم علمه): يعني لم يعمل به وخالفه في جميع أحواله.
(استنكف الجاهل أن يتعلم): لأنه إذا رأى العالم يخالف علمه، ولا يعرج عليه كان ذلك صارفاً عن التعلم منه، وكافّاً له عن ذلك.
(وإذا بخل الغن‍ي بمعروفه): يعني لم يُفِضْه على الفقراء والمحتاجين ضاقت أحوالهم وصعب الأمر عليهم، وإذا كان الأمر كما قلناه:
(باع الفقيرآخرته بدنياه): لأجل ما لحقه من الفقر وتجرعه من ألم الفاقة.
وأقول: إذا نظرت في هذا الكلام وجدته يشفي علة العليل بدوائه، وينقع غُلة العطشان ببرد مائه.
[374] (من كثرت نعم الله عليه): في التمكين والبسطة وإعطاء الرياسة، وسعة الصدر وغير ذلك من أنواع الصفات للرياسة.

(كانت حوائج الناس إليه): يطلبونها من عنده لما فضله الله تعالى بوجدانها معه.
(فمن قام لله بما يجب عرَّضها للدوام والبقاء): فمن أدى حق الله فيها بما يكون، بذلها ونفع الخلق بها، سواء كان ذلك من منافع الدين أو من منافع الدنيا، فمتى أدى فيها حق الله تعالى كانت بصدد الدوام والاستمرار، لا يكدرها مكدر، ولا يغيرها مغير.
(ومن لم يقم فيها بحق الله): فمنعها أهلها وقطعها عن مجاريها، سواء كانت من منافع الدين، أو من منافع الدنيا.
(عرَّضها للزوال والفناء): كانت بصدد الزوال والانقطاع عنه والانتقال إلى غيره.

189 / 194
ع
En
A+
A-