[342] (العفاف زينة الفقر): أراد بالعفاف الانكفاف عن المسألة، وهي لا محالة مما يزين الفقر؛ لأنها شرف له وزيادة في الأجر عليه.
(والشكر زينة الغنى): لأمرين:
أما أولاً: فللزيادة عليه، كما قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }[إبراهيم:7].
وأما ثانياً: فلدوامه؛ لأن في الشكر دوام النعم واستمرارها، وفي الحديث: ((قيدوا النعم بالشكر ؛ فإن لها شواردَ كشوارد الإبل)) .
[343] (يوم العدل على الظالم): يشير إلى يوم القيامة؛ [لأنه يوم المقاصة من جهة الله تعالى على جهة الإنصاف والعدل فهو لا محالة] :
(أشد من يوم الجور على المظلوم): في الدنيا؛ لأنه ظلم وجور على المظلوم، وإنما كان أشد لما يؤول إليه الأمر من المحاسبة الشديدة، والأهوال العظيمة، والصيرورة إلى النار.
[344] (الأقاويل محفوظة): الأقاويل: جمع أقوال، جمع قول، وغرضه أنها مسموعة فتصير محفوظة يُمَيَّزُ بين خيرها وشرها، وصدقها وكذبها وجيدها ورديها.
(والسرائر مبلوَّة): يعني أنه لا يُمِيَّزُ بين حسنها، وقبيحها، وخبيثها، وطيبها إلا بالاختبار دون السماع فلا يمكن فيها.
(و{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ})[المدثر:38]: أي مرتهنة بأقوالها وسرائرها وجميع أعمالها.
(الناس منقوصون): أي معيبون، أخذاً له من النقيصة وهي العيب؛ أي أنه لا يوجد فيهم كامل.
(مدخولون): يقال: دَخَلُ فلان إذا كان فيه دغل وفساد في طريقته.
(إلا من عصم الله): عن العيب والفساد، والدغل في عمله وصدره.
(سائلهم متعنت): من سأل منهم فإنما يسأل على جهة التعنت، وهو طلب الزلل من المسؤول.
(ومجيبهم متكلف): ومن أجاب منهم عما يسأل؛ فإنما يكون جوابه تكلفاً من غير بصيرة ولا علم قاطع.

(يكاد أفضلهم رأياً): أعظمهم في الإصابة في الرأي وأجزلهم فيه:
(يردُّه عن فضل رأيه): يكفُّه عن أن يشير على غيره بالصواب، ويتفضل عليه بالسديد منه:
(الرضى والسخط): فإذا كان راضياً عنه نخله مخزون رأيه وأمده بالصواب منه، وإذا كان ذا سخط عليه كتمه الرأي ولم يبالغ في نصحه به، وهدايته إليه.
(ويكاد أصلبهم عوداً): أعظمهم شوكة، وأقواهم على تحمل الأمور الشديدة.
(تنكؤه اللحظة): نكأت الرجل إذا جرحته، وأراد أن اللحظة بالعين تجرحه وتؤلمه.
(وتستحيله الكلمة ): أي أنه إذا سمع كلمة واحدة أحالته عن طباعه، وغيَّرته عن شيمه وخلائقه، واستحال بمعنى أحال، كقولهم: استجاب بمعنى أجاب.
[345] (معاشر المسلمين ، اتقوا الله): المعاشر: جمع معشر وهو الجماعة من الناس، عاملوه في أموركم وأحوالكم كلها معاملة من يتقيه من نزول عذابه.
(فكم من مؤمِّل ما لا يبلغه): من جميع الآمال كلها.
سؤال؛ قوله: فكم من مؤمِّل ما لا يبلغه، منافر لقوله: اتقوا الله، فما وجه إيراده بعده؟ وكيف نظمهما في سياق واحد من الكلام؟
وجوابه؛ هو أن معظم أسباب التقوى، وأقوى قواعدها تقصير الآمال؛ لأن بتقصير الأمل يزكو العمل؛ فلأجل ذلك جعله على أثره وعقَّبه به.
(وبانٍ لا يسكنه ): أي وكم من بناء لا يسكنه بانيه، ويزعج عن سكونه فيه.
(وجامع): من الأموال والنفائس.
(ما سوف يتركه): بعد موته وارتحاله عنه.
(ولعله من باطل جمعه): يريد من المعاوضات الباطلة، والمداخل القبيحة السيئة.
(ومن حق منعه): يريد أن اجتماع الأموال إنما يكون من منع الحقوق وإيفائها أهلها، أو من اجتماعها من الوجوه المحظورة.

(أصابه حراماً): إما من قولهم: صاب السهم إذا قصد، وإما من قولهم: أصابه إذا وجده.
(واحتمل به آثاماً): أي من أجل جمعه وكسبه أوزاراً عظيمة.
(فباء بوزره): أي استقر في مباءة الوزر، وتمكَّن فيها.
(وقدم على ربه آسفاً): نادماً على ما فرط في جنب الله، أو نادماً على جمع ما جمعه، وكنزه من الأموال.
(لاهفاً): اللهف: أشد الحزن، وأراد أنه متلهف على ما سلف منه في ذلك كله.
(قد {خَسِرَ الدُّنْيَا}): بذهاب ما جمعه عن يده، وانقطاعه عنه.
({وَالآخِرَةَ}): بفوات الثواب عنه، وبعده عن منازل الأبرار والصالحين.
({ذَلِكَ}): أي الذي ذكرته من خسارته للدنيا والآخرة.
({هُوَ الْخُسْرَانُ}): الذي لا خسران مثله.
({الْمُبِينُ}[الحج:11]): الواضح الذي لا شبهة فيه.
[346] (من العصمة تعذر المعاصي): أراد إن من أسباب التوفيقات والعصمة من جهة الله تعالى، هو أن الإنسان إذا همَّ بمعصية وعزم على فعلها من جهة نفسه، ثم عرض عنها عارض فتعذرت لمكانه، فهذه أمارة دالة على العصمة عن المعصية، ولطف من جهة الله تعالى للعبد وخيرة في ذلك.
[347] (ماء وجهك جامد يُقْطِرُهُ السؤال): كناية حسنة عن عظم المسألة وصعوبة حالها؛ لأن تَقَطُّر وجه الإنسان لا يكون إلا عند تحمل الشدائد العظيمة، فلهذا كنى بالتقطير عن السؤال.
(فانظر عند من تُقْطِرُهُ): يقول: إذا كان ولا بد من تحمل هذا الأمر الصعب ومكابدة هذه الشدائد فارتد له أهلاً يستحق ذلك منك، ويستوجبه من جهتك من أهل الكرم وأصحاب المعروف، ومحامد الشيم.

[348] (الثناء بأكثر من الاستحاق مَلَقٌ): رجل مَلِقٌ إذا كان يعطي بلسانه أكثر مما في قلبه، وَالْمَلَقُ بالتحريك هو: الودُّ واللطف الشديد، وأراد أن الثناء إذا كثر من غير استحقاق فهو مما يعطى باللسان فقط.
(والتقصير عن الاستحقاق عيُّ): والقعود عن الإتيان بالمستحق، إما عياية في الرجل وبلاهة في عقله.
أو حصر: فلا يستطيع القول لاعتقال لسانه.
(أو حسد): وهو منعه عما يستحقه من الثناء؛ كما يتمنى زوال نعمة المحسود.
[349] (أشد الذنوب ما استهان به صاحبه ): أراد أعظمها وزراً وذنباً عند الله تعالى ما فعلته معتمداً له مستهيناً بحاله، وأنه غير ضار لك أو تعتقد أنه صغير، وفي الحديث: ((إياك ومحقرات الذنوب ؛ فإن لها من الله طالباً))، أراد أن الله يطلبها ويحققها على صاحبها ويحاسبه على اجتراحها؛ لأن استهانته بها يبعِّده عن الندم عليها والاستغفار منها، وفي الحديث: ((لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار)) .

ومن كلامه عليه السلام (375-400)
[375] (أيها المؤمنون ): خطاب لطف وكرامة حيث ذكرهم بما يعظم أمرهم، ويكون رفعاً لهم من منازلهم وهو ذكر الإيمان.
(إنه من رأى عدواناً يعمل به): الضمير للشأن أي ظلماً وتعدياً على الخلق يفعل به، ويكون صاحبه عاملاً له.
(ومنكراً يدعى إليه): تحيا آثاره وتقام له سوق.
(فأنكره بقلبه): كرهه ونفر عنه.
(فقد سلم): عن أن يكون راضياً به.
(وبرئ): عن أن يقال فيه: إنه مريد له.
(ومن أنكره بلسانه): قبَّح فعل من فعله، وذمَّه على ما فعله من ذلك، وصرَّح به من لسانه، فمن فعل هذا:
(فقد أجر): أحرز أجره من جهة الله تعالى، ونال الثواب من جهته.
(وهو أفضل من صاحبه): وإنما كان أفضل لأمرين:
أما أولاً: فلأنه أنكره بلسانه وقلبه، والأول إنما أنكره بقلبه لا غير.
وأما ثانياً: فلأنا لو قدرنا أنه لم ينكره الأول بقلبه؛ فلأن إنكاره بلسانه هو أظهر وأشهر وأدخل في الكف وأظهر في اللوم، فلهذا كان بفعله له أفضل.
(ومن أنكره بالسيف): يريد بالقتل والقتال، وإهراق الدماء.
(لتكون كلمة الله هي العليا): جعل هذا كناية عن نفوذ الأمر لله تعالى، وألا يكون مردوداً، والكف عمَّا نهى عنه، وألا يكون مفعولاً، فمتى كان الأمر كما قلناه كانت كلمة الله من أمره ونهيه هي العالية المستظهرة بما ذكرناه.
(وكلمة الظالمين السفلى): بأن تكون أوامرهم فيما يأمرون به من الظلم والجور، وأنواع الفسوق غير مطاعة، ونواهيهم عن العدل والإنصاف غير مقبولة لنزول أمرهم، وبطلان حالتهم في ذلك.
(فذاك ): إشارة إلى المنكر بالسيف.
(الذي أصاب سبل الهدى): وجد طريق الهدى واضحة فسلكها وأمَّها وقصدها.

(وقام على الطريق): أراد إما استقام على الدين من غير زيغ ولا اعوجاج في أمره، وإما استقام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فتور ولا تهوين منه في حالهما، فالطريق شاملة لما ذكرناه.
(ونُوِّرَ في قلبه اليقين): أراد إما استنار قلبه وانشرح صدره بتحققه لأمور دينه وقطعه بها، وإما أن الله شرح صدره ونوَّر قلبه بما ألهمه من القيام بأمره ونهيه في فعل معروف، أو كف عن منكر.
[376] وفي كلام له آخر يجري على هذا المجرى:
(فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه): فإنكاره بقلبه: كراهته له ونفاره عمن هو متعلق به، وإنكاره بلسانه هو: النهي عنه، والذم لمن تلبس به وخالطه، والإنكار بيده هو: الكف عنه بالضرب والحبس والقتل والقتال بالسيف، فمن فعل هذه الأمور الثلاثة:
(فذلك المستكمل لخصال الخير): أراد الذي أحرزها وقام لله تعالى بها، كما هو عادة من سلف من الأئمة السابقين من الصدر الأول إلى يومنا هذا، لايزالون مجتهدين في إيحار صدور الظلمة وتنغيص أحوالهم وتكدير لذاتهم، وإرغام أنوفهم تقرباً إلى الله تعالى، وفوزاً بما وعد الصابرين من الأجر على ذلك.
ولله درُّ الفاطمية لقد أبلوا في إعزاز دين الله وإعلاء كلمته بلاء عظيماً، وعرَّضوا نحورهم للمنايا احتساباً في الله وامتثالاً لأمره حتى نالت الأموية، والعباسية منهم نيلاً عظيماً.
فأما الأموية فاستولوا على قتل الحسين بن علي ، ومن أولاده علي الأكبر، وأبو بكر، وعمر، وعبد الله، والقاسم وغير هؤلاء من أولاد أمير المؤمنين.
وقتل سليمان بن عبد الملك عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وهشام قتل زيداً وابنه .

وأما العباسية فاستولوا على خلق عظيم من الفاطمية قتلاً بالسيف، ولهذا قال الأمير أبو فراس:
ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت
تلك الجرائر إلا دون نيلكم
فقتل أبو جعفر الدوانيقي محمد بن عبد الله النفس الزكية ، ثم قتل أخاه بعده إبراهيم بن عبد الله إلى غير ذلك ممن صلبوه أو قتلوه بالسيف أو مات في سجونهم، ولولا خوف الإطالة لذكرنا طرفاً من سيرهم وأخبار قتلهم .
(ومنهم المنكر بقلبه ولسانه): فإنكاره بلسانه بالنهي عنه والذم لمن فعله، وإنكاره له بقلبه بالكراهة له والعزم على تغييره عند القدرة على ذلك.
(والتارك): له
(بيده): أي ولا يغيره بيده لعدم القدرة له على ذلك.
(فذاك متمسك بخصلتين من خصال الخير): يشير إلى إنكاره له بما كان من لسانه وقلبه بالكراهة والذم كما قررناه.
(ومضيع خصلة): وهي إنكاره له بيده لما ذكرناه من عدم القدرة، وظاهر كلامه أنه أهمله مع القدرة، ولهذا سماه مضيعاً.
(ومنهم المنكر بقلبه): كارهاً له، عازماً على تغييره.
(والتارك بيده ولسانه): فلا ينهى عن ذلك ولا يغيَّره بيده، والظاهر من كلامه تركهما مع إمكانهما.
(فذاك ضيع أشرف الخصلتين): وهما الإنكار باليد واللسان، وإنما كان ذلك أشرف الخصال لما يظهر فيهما من النفع والكف الظاهر عن المنكر، ولما يحصل عليهما من الأجر عند الله بمقابلة المشاق العظيمة فيهما.
(من الثلاث): أي من الخصال الثلاث: اليد، واللسان، والقلب.
(وتمسك بواحدة): وهو ما ذكرناه من الكراهة بالقلب.
(ومنهم تارك لإنكار المنكر): مبطل له، ساكت عنه، لا يخطر له على بال قط.
(بلسانه، وقلبه، ويده): فلا ينهي عنه بلسانه، ولا يكرهه بقلبه، ولا يغيَّره بيده.
(فذاك): أي الذي ذكرناه.

(ميت الأحياء): يعني إن كان في الأحياء ميت فهذا هو.
(وما أعمال البر كلها): من أنواع القربات من العبادات كلها وأحوال الصدقات.
(والجهاد في سبيل الله): تعريض الأرواح لله قتلاً بالسيف؛ جهاداً على إعزاز دينه، وإيحار صدور الظلمة وأهل الجور وغير ذلك من أنواع هذه الطاعات والتقربات.
(عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): بالإضافة إلى ما يكون إلى الأمر بالمعروف عموماً، والنهي عن المنكرات عموماً.
(إلا كنفثة): مجة من الفم.
(في بحر لجي): اللجة هي: الماء الكثير بعيد القعر، ولقد صدق عليه السلام في مقالته هذه، ولهذا فإن الفضلاء من الخلفاء الراشدين، والأئمة السابقين آثروا هذه الخصلة على غيرها من سائر أنواع القرب، والطاعات، وما ذاك إلا لعلمهم بأنه من الدين في قرار مكين.
(وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): يريد بما يكون من القلم، واللسان، والسيف، والسنان.
(لا يقربان من أجل): بالقتل والموت.
(ولا ينقصان من رزق): مما قدره الله وفرضه وعلم بلوغه إلى الإنسان.
(وأفضل ذلك كلمة عدل عند إمام جائر): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد كلمة حق يلفظ بها صاحبها عند إمام جائر لا يخاف الله، كما قال عليه السلام: ((أفضل الجهاد كلمة حق بين يدي سلطان جائر )) ، ولعله أراد هذا بما قاله.
وثانيهما: أن يكون مراده الأمر بالعدل لمن كان من الظلمة جائراً خائناً، فإن النفع بهذا الأمر يكون نافعاً لعمومه، عند هذا الجائر.
[377] (أول ما تغلبون عليه من الجهاد): يؤخذ عليكم قهراً فلا تقدرون على فعله.
(الجهاد بأيديكم): فلا تقدرون على قتال الظلمة بالسيف.
(ثم بألسنتكم): تقهرون فلا يقدر أحدكم على النهي عنه بلسانه.

(ثم بقلوبكم): فلا يقدر أحدكم على إظهار كراهته؛ فضلاً عن أنه يعزم على تغييره وإنكاره.
(فمن لم يعرف بقلبه معروفاً): يعتقده ويعزم على أدائه ويقصد إليه.
(ولم ينكر منكراً): يكرهه ويعزم على الكف عنه، والتغيير له.
(قُلِبَ فجعل أعلاه أسفله) : فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن الله يخذله ويطمس على قلبه، ويجعل على بصره غشاوة، فلا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً بعد أن كان عالماً بالمنكر والمعروف، فهذه فائدة قلبه.
وثانيهما: أن يكون مراده أن هذا الشخص لشدة عماه واستحكام ضلاله يعتقد في المعروف أنه منكر، و يعتقد في المنكر أنه معروف، فيترك المعروف لاعتقاده أنه منكر ويفعل المنكر لاعتقاده أنه معروف، فهذا أشد ضلالاً من ذاك، وهذه فائدة كونه منكوساً مقلوباً، وفي الحديث: ((إن القلب إذا لم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله)) يشير إلى ما وجهناه ها هنا.
[378] (إن الحق ثقيل مرئ): يشير إلى أنه يثقل بحمله ويصعب فعله، لكن فيه خفة على القلب ومراءة على الكبد.
(وإن الباطل خفيف وبئ): أراد أنه يسهل حمله لما فيه من موافقة الهوى، والسهولة على النفس، لكنه وخيم العاقبة في الدنيا بتعجيل الانتصاف من صاحبه، وتأخر العقوبة له في الآخرة.
[379] (لا تأمننَّ على خير هذه الأمة عذاب الله): ثم تلا عقيب ذلك قوله تعالى: ({فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ })[الأعراف:99]: والمكر هو: العذاب من حيث لا يشعر به الإنسان، ولا يدري به، شبه بمكر الماكر على جهة الاستعارة، وفي القرآن أمثال من هذا كثيرة، فحاصل الاستدلال بالآية أن الأمة غير خاسرة فهي إذاً غير آمنة من العذاب.

(ولا تيأسنَّ لشر هذه الأمة من روح الله): من فرجه ولطفه؛ لقول الله تعالى : ({إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ })[يوسف:87]: وشرار هذه الأمة ليسوا كفاراً، فلهذا كانوا غير آيسين من فرج الله وروحه، وأراد أنه لا ينكر فرج الله ولطفه إلا كافر به مجحد له.
[380] (البخل جامع لمساوئ العيوب): يشير إلى أنه شر الخصال الردية في الإنسان، فلا شر إلا وهو مندرج تحته، وأصله وحراثه ، كما أن الخمر جماع الآثام.
(وهو زمام يقاد به إلى كل سوء): كما قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[الحشر:9]، وفي الحديث: ((إياكم والشح! فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دمائهم، واستحلوا محارمهم)) .
وقال عيسى عليه السلام: ((لا يدخل الجنة بخيل، ولا خِبُّ ، ولا خائن، ولا سيء الملكة)) .
[381] (الرزق رزقان ): يريد جميع الواصل إلى بني آدم من أرزاقهم من جهة الله تعالى.
(رزق تطلبه): بالاحتراف وأنواع الطلبة ، وضروب الحيل.
(ورزق يطلبك): من غير كد ولا تعب من جهتك له، فالأول لا بد من طلبه والاجتهاد في تحصيله.
وأما الثاني:
(فإن لم تأته أتاك): يعني أنه لا يحتاج إلى طلب وكد.
(فلا تحمل همَّ سنتك على همِّ يومك): يعني لا تهمّ إحراز رزق السنة في يومك هذا، أو أراد لا تطلب رزق السنة في اليوم.
(كفاك كل يوم مافيه): من الرزق الذي قسمه لك فيه، فإنه كاف لك لا محالة.
(فإن تكن السنة من عمرك): مما قد قدرها من عمرك وأبقاك فيها ومد عمرك إلى انقضائها.
(فإن الله سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك): فرزقك فيها مقسوم في كل يوم جديد منها من غير حاجة إلى كلفة وتعب في همك بها.

187 / 194
ع
En
A+
A-