[311] (ومودة الآباء قرابة بين الأبناء): يعني إذا كان الأعمام الذين هم الآباء متوادون متواصلون، فهذه المودة تكون صلة وقرابة بين أبنائهم الذين هم أولاد أعمامهم.
(والقرابة إلى المودة أحوج من المودة إلى القرابة): لأن المودة مستقلة تحصل في القرابة وغير القرابة، فلهذا لم تكن محتاجة إلى القرابة.
وأما القرابة فهي محتاجة إلى المودة، فكأن القرابة إذا حصلت من غير مودة فهي كلا قرابة، لبطلان حكمها وهي المودة.
[312] (اتقوا ظنون المؤمنين): ما يقولونه من جهة الظن من أنفسهم.
(فإن الله جعل الحق على ألسنتهم): ينطقون به، وفي الحديث: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله )) ، وفي حديث آخر: ((ظن المؤمن كهانة )) .
[313] (لا يصدق إيمان عبد): يكون صادقاً عند الله محققاً.
(حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده): يشير إلى أن الإيمان حقيقة هو العلم بحقيقة الحال، فإذا كان حاله ما ذكر فهذه لا محالة في حقيقة التصديق بالله على الكمال والتمام لا محالة.
[314] (وقال لأنس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء إلى البصرة يذكرهما شيئاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معناهما): يعني في أمرهما الذي هما بصدده.
(فلوى عن ذلك): أي أعرض ومال عنه كما قال تعالى: {لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ }[المنافقون:5].
(وقال: إني نسيت ذلك الأمر): عند رجوعه إليه.
(فقال عليه السلام له :
إن كنت كاذباً): في مقالتك هذه أنك أنسيت ما قلت لك تذكرهما إياه.

(فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة): قوله: ضربك الله، من باب ضربه الله بالبلاء أي ألصقه به، وأراد رماك الله بعلة من البياض وهو البرص، وانتصاب بيضاء على الحال من الضمير في قوله: بها، أي في غاية البياض تلمع للناظرين لا تسترها العمامة، فأصاب أنساً هذا الداء بعدُ في وجهه ، فكان لا يرى إلا لابساً للبرقع يغطي وجهه، تصديقاً لكلامه، وقبولاً لدعوته عليه.
[315] (إن للقلوب إقبالاً وإدباراً): إلى الطاعات وتولياً عنها.
(فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل): لشدة رغبتها وخفتها عليها في تحملها.
(وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض): لأجل سآمتها وملالها وإعراضها؛ لأن مع الرغبة يعظم النشاط فيشتغل بالنوافل، ومع الإعراض والإدبار يعظم النفور فيقتصر بها على أداء الفرائض.
[316] (في القرآن نبأ ما قبلكم): من الأنبياء وقصصهم وأخبار القرون الماضية.
(وخبر ما بعدكم): من الحشر والنشر، وصفات القيامة، وأحوال الثواب والعقاب.
(وحكم ما بينكم): من الخصومات والشجار الطويل، فإن الله تعالى بلطفه أودعه هذه الأسرار كلها {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ }[الأنعام:38].
[317] (رد الحجر من حيث جاء): المعنى في هذا أرجم من رجمك، وقد صار هذا مثلاً يضرب في دفع السوء بمثله ، ولهذا علله بقوله:
(فإن الشر لا يدفعه إلا الشر): أراد الإشارة إلى قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا }[الشورى:40].
[318] وقال لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع :
(ألق دواتك): أي أصلحها، من قولهم: لاق طعامه إذا أصلحه بحطِّ الزبد عليه، قال الشاعر:
وإنِّي لمن سالمتم لألوقة
وإنِّي لمن عاديتم سمٌّ أسودُ

(وأطل جِلْفة قلمك): الجِلْفة بالفاء هي: القشرة، وجلفته أي قشرته، وإنما أمره بإطالة الجلفة للقلم ؛ لأنها مع الاستطالة أتم بحمل المداد ، وأكثر امتلاء للأحرف منه.
(وفرِّج بين السطور): باعد ما بينها لئلا تكون متداخلة فتعمى بعضها ببعض.
(وقرمط بين الحروف): يعني أقصرها عن إطالتها، أخذاً من القرمطة وهي: قصر الخطى.
(فإن ذلك أجدر بصباحة الخط): أحق بحسن المنظر فيه، وصلاحية الهيئة له.
[319] (أنا يعسوب المؤمنين): اليعسوب هو: أمير النحل ورئيسها، وأراد أن المؤمنين يتبعونني كما تتبع النحل رئيسها.
(والمال يعسوب الفجار ): أي لا يتبعه إلا من كان فاجراً لا خير فيه.
[320] وقال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه .
(فقال له: إنما اختلفنا عنه لا فيه): يعني أن اختلافنا إنما كان فيما بلغنا عنه من ألفاظه النصوص منها، والظواهر وإيمائه وإشارته، وفحوى كلامه بعد التصديق له فيما جاء به من الأخبار، والغيوب وأحكام الآخرة.
(ولكنكم ما جفَّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم): يريد ولكن الاختلاف المذموم والفعل الملوم ما فعلتموه أنتم، فإن الله لما نجاكم من البحر، عقيب ذلك قلتم لنبيكم:
({اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ })[الأعراف:138]: فانظر إلى جوابه هذا ما أقطعه لشغب السائل، وأفحمه للسانه، وأبلغه في المحاجة.
[321] وقيل له: بأي شيء غلبت الأقران؟ يعني الأمثال.
فقال: (ما لقيت أحداً إلا أعانن‍ي على نفسه): يومئُ بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب وعظم موقعه منها، فمن أجل هذا تصيب غيره الدهشة والفشل، فتكون عليه الدائرة من أجل ذلك.
[322] وقال لابنه محمد:

(يابن‍ي، إني أخاف عليك الفقر، فاستعذ بالله منه): وإنما قال له ذلك؛ لأن محمداَ كان فيه نسك وصلاح وتقوى، فيكاد من هذه حاله يكون شعاره الفقر؛ لأنه شعار الصالحين.
(فإن الفقر منقصة للدين): نقص له.
سؤال؛ كيف يقال: بأن الفقر هو شعار الصالحين، وفيه ما ذكر من نقص الدين وهدمه؟
وجوابه؛ هو أنه إنما يكون شعاراً لأهل الصلاح في حق من صبر عليه، وجعله من جملة البلاوي المصبور عليها رجاء للثواب من جهة الله تعالى.
فأما من لا صبر له عليه، فإنه يؤدي إلى الدخول في المداخل الضنكة، ويفضي به إلى المطالب الوحشة التي تنقص الدين وتغيّر في وجهه وتثلمه.
(مدهشة للعقل): تصيب منه دهشة وفشل في العقل واضطراب في حاله؛ لما فيه من الألم والمضرة.
(داعية للمقت): البغض والكراهة من جهة النفوس.
[323] وقال لسائل سأله عن معضلة :
(سل تفقهاً): أي تفهماً واستبصاراً للأمر وتحصيلاً لغرض المسألة.
(ولا تسأل تعنتاً): جاء متعنتاً أي يطلب زلتك وعثارك.
(فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم): في حسن سؤاله وإيراده وتفهمه للجواب كما يفعله العالم بذلك الخبير به.
(وإن العالم المتعسف شبيه بالجاهل): لأنه لا يزال يكرر السؤال ويردده طالباً للزلل فيه، وكلما أجيب بجواب أعرض وسأل عن غيره، كما يفعله الجاهل الذي لا خبرة له.
[324] وقال لعبد الله بن العباس، وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه فيه:
(لك أن تشير عليَّ): أي تتوجه عليك النصيحة لي.
(وأرى): أي ولي ما أرى من اقتضاء المصلحة في رأيك وخلاف ذلك.
(فإذا عصيتك): لوجه أراه وأعرفه مصلحة.
(فأطعن‍ي): فالواجب عليك الطاعة لي.

[325] (وروي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادماً من صفين مرَّ بالشباميين): وهم قوم من أصحابه، منسوب إلى شِبَام حي من العرب، وشِبَام أيضاً: قرية باليمن ، فيها مآثر.
(فسمع بكاء النساء على قتلى صفين، وخرج إليه حرب بن شُرَحْبِيْل الشّباميّ، وكان من وجوه قومه، فقال له:
لاتغلبنكم النساء على ما أسمع): يعني من الأصوات المرتفعة الشبيهة بالنياحة، فأما البكاء فإنَّا لا ننكره؛ وإنما ننكر هذه الأصوات العظيمة عقيب المصائب، كما ورد الشرع بإنكارها .
(ألا تنهونهن عن هذا الرنين!): الصياح بالمصيبة.
(وأقبل حرب يمشي معه وهو عليه السلام راكب، فقال له : ارجع فإن مَشْيَ مثلك): ارجع عن مشيك هذا، فإن مشي مثلك من الرعية والإخوان والأصحاب.
(مع مثلي): من الأئمة والرؤساء والولاة.
(فتنة للوالي): لما يلحقه في ذلك من الفخر والخيلاء والتكبر.
(ومذلّة للمؤمن): لما يلحقه بذلك من الذل والصغار.
[326] (وقال وقد مرَّ بقتلى الخوارج يوم النهر) : يعني شطَّ الفرات، فإنهم قتلهم هنالك:
(بؤساً لكم!): أي عذاباً، وانتصابه على المصدرية التي لا يظهر فعلها.
(لقد ضركم): ألحق بكم الضرر.
(من غرَّكم): زيَّن لكم الأعمال القبيحة حتى اغتررتم بها.
(فقيل له: من غرَّهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: الشيطان المضل): عن طريق الخير.
(والأنفس الأمارة بالسوء): تأمرهم بما يسوء النفوس ويؤلمها.
(غرتهم بالأماني): الكاذبة.
(وفسحت لهم المعاصي ): جعلتها عليهم فسيحة بتزيينها لهم.
(ووعدتهم الإظهار): الظهور على أغراضهم ومقاصدهم.
(فاقتحمت بهم النار): أوردتهم إليها وأدخلتهم فيها، يقال: أقحمته فانقحم أي أدخلته فدخل.

[327] (اتقوا معاصي الله في الخلوات): في المواضع الخالية، والأماكن المقفرة.
(فإن الشاهد هو الحاكم): يريد أن الله تعالى كما هو مشاهد لها، فإنه الحاكم فيها، فلا يحتاج فيها إلى بينة تقام، ولا تخفى عليه خافية.
[328] وقال لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر رحمه الله:
(إن حزننا عليه): ما نجده من الأسف على فقده.
(على قدر سرورهم به): مثل ما يلحقهم من المسرة.
(إلا أنهم نُقِصُوا بغيضاً): يبغضهم ويدرأ في نحورهم.
(ونُقِصْنَا حبيباً): كان يحبنا ونحبه، وكان استشهاده في مصر، قتله عمرو بن العاص، أميراً في عسكر معاوية .
[329] وقال: (العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة): أعذر إذا صار ذا عذر عندك، أي أن الله تعالى إذا عاقبه بعد ذلك على فعل المعاصي، وترك الانكفاف عن المناهي فله العذر في ذلك، وفي الحديث: ((لن يهلك الناس حتى يُعْذِرُوا من نفوسهم )) أي يستوجبون العقوبة من جهة الله تعالى، فيكون لمن يعذ بهم العذر في ذلك؛ لأن بلوغ الستين هو كما ل العمر، وفي الحديث: ((معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين )) .
[330] (ما ظفر من ظفر به الإثم ): أراد أنه لا ظفر لمن خالطه الإثم، وكان متلبساً به.
(الغالب بالشر مغلوب): يعني من كان غالباً بالبغي والظلم لغيره فهو في الحقيقة مغلوب؛ لأن الله تعالى يديل منه وينصر عليه.
[331] (إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء): يعني ما فرضه من الزكاة في هذه الأموال وجعل مصرفها الفقراء، وجعلهم عالة لهم، وفي الحديث: ((الفقراء عالة الأغنياء )) أي يعولونهم بما فرض الله لهم من الحقوق في هذه الأموال.

(فما جاع فقير إلا بما منع غن‍ي ): لأنهم لو أدَّوها كلها لم تر فقيراً جائعاً؛ لأن الله تعالى ما فرضها على الوجه التي فرضها إلا مع علمه بأنها كافية للفقراء، فإذا رأيت نقصاً من ذلك فهو بمخالفة الله تعالى في إخراجها، وفي الحديث: ((أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم ، وأردُّها في فقرائكم)) .
(والله تعالى جده سائلهم عن ذلك): أراد إما سائلهم عن المنع وما وجهه؟ وإما سائلهم عن الفرض الذي فرضه هل أدَّوه أم لا؟
[332] (الاستغناء عن العذر، أعز من الصدق به): أراد أن ترك الاعتذار إذا سئلت عن حاجة وقضاها أفضل لا محالة من أن تكون صادقاً في عذرك عن قضائها عند الله تعالى وعند السائل لها، أو يريد ترك الاعتذار والاستغناء عنه أفضل من إظهار العذر وإن كنت صادقاً فيه؛ لأن ترك العذر والاستغناء عنه لا ينقطع رجاء السائل لقضاء حاجته، فأما مع العذر فينقطع رجاؤه في قضائها.
[333] (أقل ما يلزمكم لله): أحقر الأشياء المتوجه وجوبها عليكم من جهة الله تعالى.
(ألاَّ تستعينوا بنعمه على معاصيه): ترك الاستعانة بما أنعم الله تعالى من العافية والصحة والشهوة، والقدرة وتمكين المال على ارتكاب الفواحش وإتيان المعاصي، فإن المعصية لا تمكن إلا بهذه الأشياء، وهي من نعمه الكاملة.
[334] (إن الله سبحانه جعل الطاعة غنم الأكياس): أي مغنمهم الذي يغنمونه، وفوزهم الذي يفوزون به في الآخرة.
(عند تفريط العجزة): إذا فرَّط هؤلاء العاجزون عنها غنمها أولئك.
[335] (السلطان وَزَعَة الله في أرضه): الْوَزَعَةُ ها هنا: جمع وازع، وعلى هذا يكون له معنيان:

أحدهما: أن يكون السلطان بمعنى القهر والغلبة، ويكون على حذف مضاف كأنه قال: ذوو السلطنة والقهر والغلبة وَزَعَة الله في أرضه، أي يكفون من أراد باطلاً ويمنعونه عن إتيانه.
وثانيهما: أن يكون السلطان اسماً على حاله، ويكون المعنى فيه أن السلطان لو لم يكن موجوداً لما كف الناس عن ارتكاب المعاصي والتظالم بأخذ الأموال وانتهاك المحارم، إلا بأن يوكل بكل واحد وازعاً يكفه عن ذلك ويقهره عليه، فالسلطان لا محالة يكفي عن ذلك، فلهذا كان بمنزلة الْوَزَعَةِ، فلهذا جاز أن يقال: السلطان وَزَعَةُ الله في أرضه، لكمال هيبته وتحكيم إيالته وسياسته، فلهذا قام مقام عدِّة من الوازعين، ونظير هذا قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً }[النحل:120]، يعني لكماله في التقوى والعلم كان بمنزلة جماعة.
[336] (المؤمن بشره في وجهه): يعني أنه إذا كان مستبشراً فهو مرئي في وجهه، وفي الحديث: ((كان رسول الله [صلى الله عليه] إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر)) .
(وحزنه في قلبه): يعني أنه يكتمه ولا يظهره لأحد.
(أوسع شيء صدراً): لانشراحة بالدين والإيمان.
(وأذل شيء نفساً): إذ لا عزة فيه، ولا كبر يلحقه.
(يكره الرفعة): أن يرفع قدره، ويعظم له أمره.
(ويشنأ السمعة): الشنأة: البغض، وأراد أنه يبغض أن يسمع بعمله الذي عمله لله.
(طويل غمه): لا يزال مدة عمره.
(بعيد همُّه): ليس الغرض أن آماله بعيدة، وإنما الغرض هو أنه إذا عرض شيء من الدنيا، فهمُّه بفعله وأخذه بعيد لا يكاد يعرِّج عليه.
(كثير صمته): أي لا يكاد يتكلم، فإن تكلم فإنما كلامه مقصور على ما يعَنيه.
(مشغول وقته): بالطاعات والاشتغال بأمر الآخرة وإصلاحها، وإصلاح حال عيشه في الدنيا.

(شكور): لنعم الله تعالى.
(صبور): على بلاءه.
(مغمور): لا يؤبه له، ولا يدرى بقدره ومكانه.
(بفكرته): يعني أن تفكره في أمر المعاد، وما يؤول إليه أمره في الآخرة، هو الذي غمره فلا يعلم بحاله.
(ضنين بخَلَّتِهِ): الْخَلَّةُ بفتح الخاء بنقطة من أعلاها هي: الفقر، وأراد أنه بخيل بحاجته فلا يفضيها إلى أحد من الخلق.
(سهل الخليقة): أمره في أموره كلها مبني على السهولة، أو أراد أن خلائقه سلسة.
(لين العريكة): أراد أن طبيعته لينة كيفما شئت قلبته، ولك الحيلة فيه.
(نفسه أصلب من الصلد): يعني أن نفسه في الدين وفي ذات الله فيها صلابة عظيمة لايعرف كنهها، والصلد هو: الحجر الأملس البرَّاق.
(وهو أذل من العبد): يعني أن نفسه عنده لا قدر لها عنده ولا خطر لها يستركُّ حالتها ، فهي عنده كنفس العبد في الركة والرذالة.
[337] (لو رأى العبد الأجل ومسيره ): يعني لو رآه وتفكَّر في حاله في سرعة جريه إليه وإتصاله به.
(لأبغض الأمل وغروره): لكره الآمال كلها، وعزل عن نفسه الاغترار بها؛ لأن الأجل إذا كان قاطعاً لهذه الآمال فلا حاجة إلى الاغترار بها.
[338] (لكل امرئ في ماله شريكان): أراد أن كل من كان له مال فلا بد من أن يشاركه فيه اثنان:
(الوارث): الذي يخلفه له بالمهناة له ، والتبعة على من جمعه، وهو صاحبه.
(والحوادث): الجواري التي تجري عليه بالإتلاف والأخذ، فهو لا يخلو عن هذين الأمرين.
سؤال؛ مشاركة الوارث مفهومة، والحوادث متلفة له، فكيف يقال بأنها مشاركة له؟

وجوابه؛ هو أن الغرض من المشاركة إنما هو اقتطاع بعض المال وأخذه، وسواء تلف في يده كما في الحوادث، أو بقي كما في حق الوارث، فلهذا كانت المشاركة مفهومة، وبطل ما قاله السائل.
[339] (الداعي بلا عمل): يعني الذي دأبه الدعاء بأن يفعل له ما يفعل لغيره من الصالحين المجتهدين في فعل الطاعة والتميز بالأعمال الصالحة، وليس فاعلاً مثلهم ولا متخلقاً بأخلاقهم، فهو فيما قاله وزعمه:
(كالرامي بغير وتر): فلا يمكن رميه، ولا يجدي جدوى.
[340] (العلم علمان: مطبوع ومسموع): أراد بالمطبوع العلم العقلي، وإنما سمي العقلي مطبوعاً؛ لأن الطبع ما جبل الإنسان عليه وطبع، والإنسان من حيث كان إنساناً غير خالي عن العقل وتركيبه، ومعرفة الله تعالى والعلم بتوحيده وحكمته من العلوم العقلية.
وأما المسموع فهو: الشرعي، وإنما سماه سمعياً من حيث كان طريقه ما يسمع من كلام الرسول ونطقه وأخباره، فصارت الأمور الدينية لا تنفك عن أن تكون عقلية أو نقلية كما ذكره.
(ولا ينفع المسموع، إذا لم يكن المطبوع): يريد أن العلم النقلي لا تكون له فائدة ولا جدوى إلا بالعلم العقلي؛ لأنه هو أصله وقاعدته التي إليها يستند.
[341] (صواب الرأي بالدول [يقبل بإقبالها] ويذهب بذهابها): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد لا حكم للرأي في الإصابة إلا بالقهر والغلبة، فمهما كان القهر فالصواب مقارب للرأي لا محالة، فإذا كان لا قهر فالرأي لا وجه له.
وثانيهما: أن يكون مراده بصواب الرأي نفوذه، فمهما كانت الدولة والقهر، فهو نافذ، ومهما كان لا دولة هناك فلا ينفذ أصلاً.

186 / 194
ع
En
A+
A-