[282] (من تذكر بُعْدَ السفر استعدَّ): أراد من أخطر بباله بُعْدَ المسافة التي يقطعها تأهب من كثرة الزاد، وإصلاح حاله لقطع هذه المسافة.
[283] (ليس الرؤية مع الإبصار): الإدراك بالعيون.
(فقد تكذب العيون أهلها): بما يكون من خطأ المناظر وحصول الخيالات لبعد المبصر أو عروض عارض من أسباب الخطأ في الإدراكات فيقع كذبها لا محالة، ومن أجل ذلك ترى الكبير صغيراً كالنجوم، والصغير كبيراً إلى غير ذلك من الاختلافات، وللمتكلمين في هذا الاختلاف خلاف طويل عند من يقول بالشعاع، وعلى قول من يقول بالانطباع، وعلى رأي الفلاسفة بتشكل الهواء بين الرآئي والمرئي، وفيه بحث دقيق ليس هذا من مواضع ذكره.
(ولا يغش العقل من استنصحه): وغرضه من هذا الكلام هو أن ما دل عليه العقل فهو الصحيح الذي لا كذب فيه، وهو الحجة القاطعة لله تعالى على خلقه في إثبات وجوده وتوحيده، وما عداه فلا يعرج عليه؛ لأن أعظم العلوم الضرورية هو الإدراك، وربما وقع فيه الخطأ ليس لأجل الإدراك، فهو طريق إلى العلم، وإنما ذلك من أجل ما يعرض في الإدراك وفي طريقه من الاختلاف.
[284] (بينكم وبين الموعظة حجاب من الغِرَّةِ): أي الغفلة، ولهذا فإنكم لا تنتفعون بالموعظة لأجلها.
[285] (جاهلكم مزداد): من جهله وعمايته وضلاله.
(مسوِّف ): للتوبة عن خطائه غير قاطع عليها.
[286] (قَطَعَ العلم عُذْرَ المتعلِّلين): أراد أن العلم بالله تعالى قاطع لا محالة لعذر من يتعلل بجهله، فإنه لا عذر له في ذلك، وكيف لا والمصلحة في العلم بالله تعالى ظاهرة، واللطف حاصل لا محالة، فإنا نعلم قطعاً بالضرورة أن كل من علم الله تعالى بصفاته وحكمته فإنه يكون أقرب إلى فعل الواجب والانكفاف عن فعل كل قبيح؛ لما يرجوه من ثواب الله ويخافة من عقابه.
[287] (كل معاجل يسأل الإنظار): يعني أن كل من عجلت له منيته، فإنه يسأل الإنظار والتأخر إلى وقت آخر غير هذا، ولا يزال على ذلك.
(وكل مؤجَّل يتعلَّل بالتسويف): يريد ومن كانت منيته متأخرة عنه فليس مستحثاً في فعل الواجب، وإنما يعلل نفسه بأن يقول: سوف أفعل في المستقبل وهو غير فاعل، ولكنه يسوِّف نفسه ويكذب بها.
[288] (ما قال الناس لشيء: طوبى له!): أي ما غبطه الناس، وقالوا له : طوبى لحياته فما أهنأها وأرغد عيشه .
(إلا وقد خبَّأ له الدهر يوم سوء): يعني تغيرت هذه الحالة وزالت هذه النعمة، وصار السوء متصلاً بعد أن كان النعيم حاصلاً له، وهذا لأن الدهر هذا حكمه.
[289] وقال وقد سئل عن القدر:
(طريق مظلم فلا تسلكوه): يشير إلى ما فيه من الصعوبة والزلل، ولهذا نرى كثيراً خاض فيه فزلَّ وأزلَّ، وضلَّ وأضلَّ.
(وبحر عميق فلا تَلِجُوهُ): أي لا تدخلوه، من قولهم: ولج إذا دخل.
(وسر الله فلا تتكلفوه ): أي وهو أمر استأثر الله بعلمه، فلا تتكلفوا ما ليس في وسعكم، وما لا تطيقون عليه، وفي الحديث أنه خرج يوماً إلى أصحابه وهم يتكلمون في القدر، فاحمرَّ وجهه وقال: ((أقسمت عليكم ألا تخوضوا فيه)).
سؤال؛ ما هو القدر الذي نهى عن اعتقاده والخوض فيه، وورد عليه الوعيد؟
وجوابه؛ هو أن يقال: بأن أفعال العباد من جهة الله تعالى طاعاتها ومعاصيها من جهة الله تعالى وقضائه وقدره، كما هو مذهب هؤلاء المجبرة، فإنهم زعموا ذلك، وقالوا: إنه لا تصرف للعبد في فعله، وإنما هو حاصل من جهة الله تعالى ، والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة أن المعاصي والطاعات كلها من جهة العبد، وأن الله غير خالق لها ولا مُوجِد، فأما قضاؤه لها وقدره عليها بمعنى العلم فمما لا ننكره بحال.
[290] (إذا استرذل الله عبداً): الرذالة هي: سقوط الهمة، وركة الحالة، وغرضه هو أن الله تعالى إذا أراد استرذال عبد وسقوط همته.
(حظر عليه العلم ): منعه إياه وسدَّ عليه أبوابه.
سؤال؛ إذا كان العلم من أعظم الخصال وأشرفها، وأولى ما يكون من المقربات إلى الله، فكيف ساغ من الحكيم أن يمنع منه؟
وجوابه؛ هو أن الله تعالى ليس مانعاً منه، ولا سادّا لطريقه، وإنما الغرض أن الله تعالى إذا علم من حال الإنسان الإعراض عن العلم والتنكب عن طريقه خذله عن تحصيله، ولم يلطف له فيه، إذ لا لطف له، أو لأنه لو لطف له فيه لم ينتفع به كما نقول في حال الإيمان لأهل الكفر، فإن الحال فيهم واحد.
[291] وقال عليه السلام:
(كان لي فيما مضى أخ في الله): لم أعلم أنه واخى أحداً سوى الرسول عليه السلام، فإنه لما هاجر آخا بين المسلمين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: ((هذا أخي)) ، ثم واخى بين كل اثنين من المسلمين على جهة التناصر والتعاضد، وكان سعد بن الربيع أخاً لأبي أبكر ، فيحتمل أن يكون أراد بذلك الرسول، وإن كان هذا الاحتمال بعيداً ، ويحتمل أن يكون أراد بذلك غيره .
(وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه): لأن كل من كان عظيماً عند الله صغرت الدنيا في عينه، لما صغرها الله وحقر أمرها.
(وكان خارجاً من سلطان بطنه): يريد أنه لا يغلب عليه سلطان شهوة الأكل فتورده في كل مكروه ومحذور، وفي الحديث: ((جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله، وإنه ليس شيء من عمل أحبَّ إلى الله من جوع وعطش)) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه )) .
(فلا يشتهي ما لا يجد): يعني أنه لا يطلبه ولا تعلق شهوته به.
(ولا يكثر إذا وجد): يعني وإذا تمكن ممَّا يشتهيه لم يكثر من تناوله.
(وكان أكثر دهره صامتاً): لا ينطق بحلوة ولا مرة، وفي الحديث: ((الصمت خير كله وقليل فاعله)).
(فإذا قال): تكلم بشيء من الكلام.
(بذَّ القائلين): بذَّه إذا غلبه وفاق عليه في مقالته تلك.
(ونقع غليل السائلين): الغلة بضم الغين بنقطة العطش، ونقعه: إذا سكَّن حرارة عطشه.
(فكان ضعيفاً): في نفسه، ركيك الحالة والمنظر.
(مستضعفاً): يستضعفه الناس، ولا يرون له قدراً.
(فإذا جاء الجد): الأمر العظيم الذي لا هزل فيه.
(فليث عادٍ): فهو أسد يعدو على غيره، وإنما قال ذلك؛ لأن الأسد أعظم شجاعته عند عدوته ليفترس.
(وصِلٌّ وادٍ): الصل: الحية التي لا تنفع منها الرقية.
(لا يدلي بحجة): أي لا يرسل حجته، ولا يحتج على أحد في خصومة.
(حتى يأتي قاضياً): أي لا يظهر حجته إلا في موضعها فيكون حاكماً فيه، فعبر عن إيضاح حجته بإتيانه قاضياً.
(وكان لا يلوم أحداً): يذمه على فعل من الأفعال، ويمتنع من لومه.
(على ما يجد العذر في مثله): فإن وجد عذراً في مثل ذلك لم يصدر من جهته لوم له.
(حتى يسمع اعتذاره): فإن وجده مقبولاً قبله وأعرض عن لومه، ولا يلوم على شيء وهو يجد عن اللوم مندوحة وسعة.
(ولا يشكو وجعاً إلا عند برئه): كيلا يحبط عوضه وأجره عند الله تعالى، وفي هذا إشعار بأن الصبر على الألم أفضل من الشكوى له إلا عند زواله.
(وكان يقول ما يفعله ): يعني ما كان عازماً على فعله ومطيقاً له فإنه يتكلم به، ويقول: إنه يفعله، ولا يظهر من لسانه ما لا يفعله.
(ولا يقول ما لا يفعل): يريد وما كان لا يطيقه ولا هو فاعل له؛ فإنه لا يلفظ به ولا ينطق به لسانه أبداً.
(وكان إن غُلِبَ على الكلام [لم يغلب على السكوت] ): يشير بهذا إلا أنه ربما يضطره الحال إلى الكلام فيتكلم ولا يضطره حال إلى السكوت، بل يسكت اختياراً من نفسه، فلهذا كان الغالب عليه السكوت.
(وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم): يريد أن حرصه على السكوت، وأن يكون مستمعاً لكلام غيره أكثر من حرصه على الكلام لغيره.
(وكان إذا بدهه أمران): فاجأه مهمان مما يهمه ويفزعه.
(نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه ): لأن مخالفة الهوى هو عمدة التقوى وقاعدتها، وقلَّ ما تحصل مخالفة في حق أحد إلا من أخلص نفسه لله وباعها منه، فبذلك هو الرابح إذا خسر غيره.
(فعليكم بهذه الخصال فالزموها): يريد هذه الذي عددها في أخيه هذا، وكان مختصاً بها .
(وتنافسوا فيها): نفست في هذا الشيء إذا كنت راغباً فيه.
(فإن لم تستطيعوها): فعلها بأجمعها وأخذها بكليتها.
(فاعلموا أن أخذ القليل): منها وإحرازه.
(خير من ترك الكثير): منها.
[293] (ولو لم يتوعد الله على معصيته): بهذه الوعيدات الشديدة ، والقوارع العظيمة.
(لكان يجب أن لا يعصى): لكانت العقول حاكمة ومشيرة، وحاكمة بترك معصيته لا محالة.
(شكراً لنعمته): من أجل شكر نعمته، فإنه حقيق ألا يعصى لما أسدى من النعم، وأجزل من المنن.
[294] وقال عند تعزيته للأشعث بن قيس في ولده:
(يا أشعث، إن تحزن على ابنك): يكثر حزنك وأسفك على فقده.
(فقد استحقت ذلك منك الرحم): يعني فكونه ولداً يوجب ذلك ويحمل عليه لمكان أنه بعض منك وقطعة من كبدك، ولهذا قال بعضهم: أولادنا أكبادنا .
(وإن تصبر): على ما أصابك من فقده وحزنه.
(ففي الله من كل مصيبة خلف): أي ففي ثواب الله عن كل حزن مصيبة عوضاً يخلفها ويسد مسدها.
(يا أشعث، إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور): أي جرى عليك ما قدره الله لك في كتبه في لوحه وعلمه في أزله، وأنت موفر عليك الأجر لأجل صبرك.
وقوله: وأنت مأجور، جملة ابتدائية في موضع نصب على الحال من الكاف في عليك.
(وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور): أصابك الأسف من غير صبر، جرى عليك حكم الله وتقديره وأنت مأثوم، والوزر هو: الإثم، والوزر: الثقل، وسمي الإثم وزراً لأنه يثقل الإنسان.
(يسرك ): أي كان ولدك سروراً لك.
(وهو بلاء وفتنة): يعني في حال حياته، وهو من جملة البلاوي والمحن التي بلي الإنسان بها.
(وحزنك ): أي صار حزناً لك في حال موته.
(وهو ثواب ورحمة): أي الصبر عليه ثواب، وموته لطف لك أيضاً؛ لما فيه من المصالح الغيبية المستأثر بعلمها علاَّمها.
[295] وقال على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
(إن الصبر لجميل إلا عنك): أي يسهل حاله بالإضافة إلى جميع ما يكون من المصائب إلا عنك، فإنه لا يسهل ولا يجبر حاله.
(وإن الجزع لقبيح إلا عليك): أي يلام صاحبه على ما يحصل منه من الجزع بالإضافة إلى ما يصيب من الغموم والأحزان؛ إلا عليك، فإنه لا يلام لعظمه وشدة حاله.
(وإن المصاب بك لجليل): جل الأمر وجسم إذا عظم وتفاقم.
(وإنه قبلك وبعدك لجلل ): الجلل: الأمر الهين، والجلل: الأمر العظيم، وهو من الأضداد، وأراد ها هنا الأمر الهين، وغرضه أن المصاب بكل أحد قبل مصابك وبعده لأمر يسير لا يحتفل به.
قال امرؤ القيس لما قتل أبوه:
قتلوا بنو أسد ربَّهم
ألا كل شيء سواه جَلَل
وفي أخبار أحد: أنه لما شاع قتل الرسول عليه السلام، شيعه ابن قميئة ، فمر رسول الله بامرأة من بني دينار قد أصيب زوجها وأخوها وأبوها، قالت: فما فعل رسول الله؟
قالوا: خيراً يا أم فلان؟
قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل ، أي يسير.
وقد يقال في الكثير، قال الشاعر:
ولئن عفوت لأعفون جللاً
ولئن سطوت لأوهنن عظمي
[296] (لا تصحب المنافق فإنه يزِّين لك فعله): يحسنه في عينك على وجه الخديعة.
(ويود أن تكون مثله): في الكفر والنفاق، ومن هذه حاله فلا حاجة لأحد في صحبته.
[297] وقال وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب:
فقال: (مسيرة يوم للشمس): أراد التنبيه على أنه وإن عظم قدر مسافته وامتدت أطرافه وحواشيه فإنه يقطعه هذا الكوكب في يوم واحد، إشارة إلى القدرة الباهرة، وإعلاماً منه بهذه الحكمة البالغة.
فانظر إلى جوابه ما أقصره، وأرماه إلى المعاني الغريبة، والبدائع العجيبة {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}[البقرة:269].
[298] وقال:
(أصدقاؤك ثلاثة): الذين بالغوا في محبتك، وكانوا صادقين فيها.
(وأعداؤك ثلاثة): الذين بالغوا في العداوة وأمعنوا فيها، هم على هذه العدة.
(فأصدقاؤك: صديقك): الذي صدقك في مودته، وأخلص لك في محبته.
(وصديق صديقك): وصاحب المودة لصديقك.
(وعدو عدوك): فهو صديق لك أيضاً؛ لأنه مبغض لعدوك، ومن أبغض عدوك فهو محب لك، فهؤلاء هم الأصدقاء.
(وأعداؤك ثلاثة): الذين بالغوا في العداوة وصرحوا بها، هم هذه العدة.
(عدوك): الذي صرح بالعداوة وأعلن بها.
(وعدو صديقك): لأن من أبغض صديقك فهو لا محالة مبغض لك.
(وصديق عدوك): عدو لك؛ لأنه مصادق لمن عاداك على عداوتك.
[299] وقال لرجل رآه يسعى على عدو له بما فيه إضرار بنفسه:
(إنما أنت كالطاعن نفسه ليقتل رديفه ): يعني أنه لا خير في مضرة عدوك بفعل يلحقك ضرره؛ كمن يقتل نفسه ليتوصل بها إلى قتل غيره، فهذا لا خير فيه.
[300] (ما أكثر العبر وأقل الاعتبار!): أي ما أكثر المواعظ وأكثر ترادفها على القلوب والخواطر، وأقل من يتعظ بها وينتفع بأحكامها.
ومن كلامه عليه السلام (301-349)
[301] (من بالغ في الخصومة أثم): لأن الخصومة تورث الحدَّة، والحدَّة تورث الغضب، ولا خير في الغضب؛ لأنه يكسب الآثام لا محالة.
(ومن قصَّر فيها ظُلِم): حقه الذي خاصم فيه بتسهيله وتقصيره، فإذاً لا خير في الخصومات، لأن الواحد فيها بين أمرين:
إما بالغ فأثم، وإما قصر فَظُلِم، وإذا كان ولا بد من أحد الأمرين عند الاضطرار إليها فلتكن مقصراً مظلوماً؛ فإن ذلك أيسرهما في الدين.
(ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم): لأنه يحصل عند الخصام ما لا يملك فيه نفسه فيؤدي إلى الإثم، وتجاوز الحد عند الغضب.
[302] (ما أهمني ذنب ): ما وقع همه في قلبي، ولا احتفلت به، ولا باليت بأمره وإن عظم حاله.
(أمهلت أن أصلي بعده ركعتين): ثم يستغفر بعدهما، فإن ذلك يمحوه، وفي الحديث: ((ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويحسن وضوءه، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)) ، فقوله عليه السلام يشير إلى هذا.
[303] وسئل كيف يحاسب الله الخلائق على كثرتهم؟
فقال: (كما يرزقهم على كثرتهم): يعني فهذا ليس بأعجب من هذا، فإذا جاز هذا فليجز ذاك، والقدرة الباهرة لا تعجز عن أعظم من هذا وأبلغ.
(فقيل له: كيف يحاسبهم ولا يرونه!
فقال: كما يرزقهم ولا يرونه): فهذه مماثلة قريبة ومقايسة واقعة، مفيدة للجواب، مفحمة للسائل.
[304] (رسولك تَرْجُمَانُ عقلك): الترجمان هو: المعبر والمفسر، وغرضه من هذا هو أن الرسول لا بد فيه من جودة التمييز والذكاء، فإنه هو المعبر عنك، والمفسر لأغراضك كلها، ومراده من هذا الندب إلى كون الرسول فطناً كيساً.
(وكتابك أبلغ مزبار ينطق عنك): الزبر: الدفع، وزبره إذا دفعه، وأراد أنه نهاية الدفع من جهتك؛ لما يتضمن من القوارع الشديدة والوعيدات العظيمة، ينطق عنك بما تريده من الأغراض، ولهذا قال تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ }[الجاثية:29].
[305] (ما المُبْتَلى الذي قد اشتد به البلاء): عظم عليه وكثر وتراكم.
(بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء): بل هذا يكون أعظم؛ لأن ما وقعت فيه من البلاء فهو أخف موقعاً مما ينتظر وقوعه من البلاء، فلهذا كان الدعاء من جهة المعافى أعظم، وهو إليه أحوج لما ذكرناه.
[306] (الناس أبناء الدنيا): أولادها وهي أم لهم.
(ولا يلام الرجل على حب أمه): فإذا رأيتهم مكبون على حبها، متهالكون على جمع حطامها؛ فإنما هو لأجل كونها أماً لهم.
[307] (إن المسكين رسول الله): أرسله الله متعرضاً للصدقة.
(فمن منعه): من الصدقة.
(فقد منع الله): منها بحرمانه له.
(ومن أعطاه فقد أعطى الله): لأن يده يد الله، ولهذا قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}[البقرة:245].
[308] (ما زنى غيور ): الغيرة هي: الأنفة، وأراد أن كل من كان أنفاً على حسبه، فإنه لا يرسل ماءه في غير أرضه ولا يسقيه غير زرعه.
[309] (كفى بالأجل حارساً): فإنه حارس لا يغفل عن المراقبة .
[310] (ينام الرجل على الثُّكل): ثكله إذا حزنه، وغرضه [أن الرجل يخف عليه قتل أولاده، فلهذا ينام عند ذلك لخفته عليه.
(ولا ينام على الحْرَب): وغرضه] من هذا أنه لا ينام على سلب الأموال وأخذها، وعبَّر بالحرب عن ذلك لأنه مظنتها.