ومن كلامه عليه السلام (263-300)
[263] وقال عليه السلام لما بلغه غارة أصحاب معاوية على الأنبار، خرج بنفسه ماشياً حتى أتى النُخيْلَةَ فأدركه الناس ، وقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نكفيكهم، فقال عليه السلام:
(والله ما كفيتموني أنفسكم): يعني بحسن الانقياد والإئتمار لإمامكم بالسمع والطاعة.
(فكيف تكفونن‍ي غيركم!): من تدبير أحوال سائر الناس، ولأنكم أقوى على كفاية أنفسكم، فإذا لم تكفوها فأنتم أعجز عن كفاية غيرها.
(إن الرعايا قبلي تشكو حيف رعاتها): ميلهم عن الحق والعدل إلى الجور.
(فأنا اليوم أشكو حيف رعيت‍ي ): ميلهم عن أمري، ونكوصهم عن متابعتي، وتأخرهم عن نصرتي.
(كأني المقود وهم القادة): أراد كأني التابع لهم وهم المتبوعون.
(وأنا الموزوع وهم الوزعة): أي المحثوث [في اتباع الأمر] وهم الحاثون لي في ذلك.
قال الشريف الرضي: فلما قال هذا القول في كلام طويل، قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب من قبل هذا، تقدّم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما: {إِنّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي}[المائدة:25]، فمرنا يا أمير المؤمنين بأمرك نُنَفِّذْ فيه، فقال: وأين تقعان مما أريده!): يعني أن هذا الأمر إنما يكون بالتناصر والتعاضد، واتفاق المسلمين، فأما الواحد والاثنان والعدد اليسير فلا يكاد يقع موقعاً نافعاً منه.
[264] وقيل: إن الحارث بن حوط أتى أمير المؤمنين، فقال: أترى أن أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟

فقال: (يا حارِ، إنك نظرت تحتك، ولم تنظر فوقك): وهذه من أعجب الكنايات وأرفعها قدراً، وأراد أنك من أهل الجهل، ولست من أهل العلم، فكنى بالتسفل عن الجهل لما كان يضع أهله ومن تلبس به، وعنى بالفوقية عن العلم لما كان يرفع أهله.
(فحرت): أراد تحيرت في الأمر فلم تعرف ما فيه من الإيراد والإصدار.
(إنك لم تعرف الحق): لم تحط به معرفة، ولا أتقنته دراية.
(فتعرف من أتاه ): من عمل به، وكان معولاً عليه في جميع أموره.
(ولا عرفت الباطل): أحطت به معرفة ودراية.
(فتعرف من أتاه): من تلبس به وخالطه، وحاصل كلامه أنه في لبس من دينه، لا يعرف ما يأتي منه وما يذر.
وفي رواية أخرى: (الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله قلُّوا أم كثروا، واعرف الباطل تعرف أهله قلُّوا أم كثروا) .
(فقال الحارث: فإني أعتزل مع سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر): فإنهما كانا ممن اعتزل أمير المؤمنين، ثم ندما على ذلك بعد، كما حكيناه من قبل عند عروض ذكرهما.
فقال:
(إن سعداً، وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق، ولم يخذلا الباطل): أراد بهذا أنهما اعتزلا الأمر لعروض شبهة لهما في ذلك، فلاهما نصرا الحق فيكونان معنا في جيشنا، ولا هما أيضاً خذلا الباطل فيكونان عوناً على إبطاله وفساده.
[265] (صاحب السلطان كراكب الأسد): يعني من يجالس السلطان، ويكون بالقرب منه مثل من يركب الأسد في حالته هذه.
(يغبط بموضعه ): الغبطة هي: حسن الحال، يعني تحسن حاله في النفوس لمكانه من الأسد، وأن أحداً لا ينال هذه الحالة فإنه لا يستطاع صيده وأخذه، فضلاً عن استذلاله بالركوب.

(وهو أعلم بموقعه): ما يناله من الخوف والإشفاق، فهكذا الحال يغبطه الناس بقربه من الملك، وهو على إشفاق من أمره من غضبه وحدته.
[266] (أحسنوا في عقب غيركم): يشير إلى رعاية حق الأموات في أولادهم وحسن التكفل بهم والإحسان إليهم.
(تحفظوا في عقبكم): يريد أنكم إذا فعلتم ذلك في أعقاب غيركم يسر الله لكم لطفاً في أعقابكم من يفعل ذلك في حقكم.
[267] (إن كلام الحكماء إذا كان صواباً كان دواء): يشير إلى العلماء فإنهم أهل الحكمة، فإذا كان ما يتكلمون به جارياً على الأحكام الشرعية ومطابقاً لما أراد الله، ومقرراً على التقوى والورع، فهو دواء عن داء الجهل.
(وإن كان خطأ فهو داء): يعني وإن كان مخالفاً لتقوى الله وإرادته فهو مفسد لا محالة، لأن الناس ينقادون له ويتبعونه، ولهذا يقولون: نعمل به؛ لأن فلاناً قد قال به، فيكون الداء من هذه الجهة.
[268] وسأله رجل أن يعرفه الإيمان وحقيقته؟
فقال: (إذا كان غداً فأتن‍ي حتى أخبرك على أسماع الناس، فإن نسيت مقالت‍ي حفظها عليك غيرك، فإن الكلام كالشاردة): يريد من الإبل أو من الشاء التي تشرد عن صواحبها التي هي معهن.
(يثقفها هذا): أي يصدفها، من قولهم: ثقفته إذا صادفته، قال الله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ }[الأنفال:57]، أي تصادفهم.
(ويخطئها هذا): يزول عنها فلا توجد معه.
(قال الشريف الرضي رضي الله عنه: وقد ذكرنا ما أجابه عليه السلام من هذا الباب، وهو قوله: الإيمان على أربع شعب): وقد مضى فلا نعيده.
[269] وقال:
(يا ابن آدم، لا تحمل همَّ يومك الذي لم يأتك): يعني الذي تستقبله من عمرك ، لا تشتغل بتدبير أمرك فيه، وحفظ رزقك من أجله.

(على يومك الذي أتاك): فتكون مدبراً فيه رزق غيرك، وجامعاً للرزق فيه، وليس حاصلاً، ولا تدري بحاله كيف يكون.
(فإنه إن يكن من عمرك يأت الله فيه برزقك): يعني فلا تشتغل بما يصلحه الآن، وأنت على غير ثقة من أمره، وحقيقة من حاله.
[270] (احبب حبيبك هوناً ما): يشير إلى أنه إذا أحببت فأحبب بالهون والإرواد، ولا تَّهالك في حب من تحب فإنه:
(عسى أن يكون بغيضك يوماً ما): يعني فربما كان باغضاً لك في بعض الأيام.
(وابغض بغيضك هوناً ما): يشير إلى أنك إذا بغضت أحداً فلا تَّهالك في بغضه، وليكن بغضك له بالهون.
(عسى أن يكون حبيبك يوماً ما): فربما كان محباً لك في بعض الأيام، وربما أثر هذا عن الرسول عليه السلام ، وهذا قريب؛ لأنهما ينزعان عن قوس واحدة، فلهذا يصيبان الغرض إصابة واحدة، ويردان مورداً واحداً، فلا جرم يحصل التطابق في كلامهما في هذا وفي غيره، وقد نبهنا عليه، وما هذه صفة لهون أي هوناً قليلاً.
[271] (الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا): أي من أجل إصلاح الدنيا.
(قد شغلته دنياه عن آخرته): شغله إصلاحها عن إصلاح الآخرة والالتفات إليها.
(يخشى على من يخلِّف الفقر): من أولاده.
(ويأمنه على نفسه): ولهذا لم يشتغل بنفسه، وإنما اشتغل بأولاده خيفة الفقر عليهم والحاجة بعده.
(فيفن‍ي عمره في منفعة غيره): وهو استغراق عمره؛ لأن يعود على أولاده بمنفعة بعد موته، فهو مفني لعمره في خدمتهم وجلب المنفعة إليهم.
(وعامل في الدنيا لما بعدها): يعني للآخرة في الدنيا، مشغول بعمل الآخرة.
(فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل): من غير عناية ولا جهد من نفسه ولا تعب لها في تحصيل رزقه.

(فأحرز الحظين معاً ): يعني عمل للآخرة، فأحز عمل الآخرة، وجاءه نصيبه من الدنيا من غير كلفة ولا مشقة.
(فأصبح وجيهاً عند الله): ذا جاه ومقدار عنده، كما قال تعالى: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ }[آل عمران:45]، يعني عيسى عليه السلام.
(لا يسأل الله حاجة فيمنعه): وهذه فائدة كونه وجيهاً عند الله، أي أنه لا يرده في حاجة توجه لها من الله، ولهذا يقال: فلان وجيه عند الأمير أي يقضي له كل حاجة طلبها من جهته.
[272] وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة وكثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين، كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي، فهمَّ عمر بذلك، فسأل عنه أمير المؤمنين؟ فقال:
(إن القرآن أنزل على الرسول صلى الله عليه وآله والأموال أربعة): يعني على أنواع أربعة:
(أموال المسلمين، فقسَّمها بين الورثة في الفرائض): فهذا مال لهم يملكونه في مدة الحياة، فإذا ماتوا كان مقسوماً في الورثة بعدهم.
(والفيء فقسَّمه على مستحقيه): مال الفيء نوعان:
أحدهما: ما أخلى عنه الكفار خوفاً من المسلمين.
وثانيهما: ما أخذ من غير خوف كالجزية، وعشور أموالهم للتجارة، أعني أهل الذمة، والفيء كله ما كان حاصلاً من غير قتال.
(والخمس فوضعه الله حيث وضعه):
وعن أمير المؤمنين أنه قيل له: إن الله قال: {والْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ }[الأنفال:41] ؟
فقال: (أيتامنا، ومساكيننا).
وعن زيد بن علي رضي الله عنه أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً، ولا نركب البراذين .
وقد اضطرب رأي العلماء في قسمة الخمس ، وليس من همنا ذكر ذلك.
(والصدقات فجعلها الله حيث جعلها): يعني في الأصناف الثمانية.

(وكان حلي الكعبة فيها يومئذ): يريد يوم قسمة هذه الأموال وحديثها.
(فتركه الله على حاله): من غير تغيير له عن موضعه، ولا إزاحة له عن مكانه.
(ولم يتركه نسياناً): فإنه عالم بكل المعلومات.
(ولم يخف عليه مكاناً): أراد لم يخف عليه مكانه
(فَأقِرِّه حيث أقرَّه الله): أراد لا تغيره عن حالته التي هو عليها.
(فقال له عمر: لولاك لافتضحنا!): في أخذه وتغييره عما كان عليه.
(وترك): عمر.
(الحلي على ما كان عليه): وهي إلى الآن محلى بابها، ما أنكره أحد من العلماء لهذا الوجه.
[273] وروي أنه عليه السلام دفع إليه رجلان سرقا من مال الله، أحدهما عبد ، والآخر من عُرْضِ الناس، فقال:
(أما هذا): يعني العبد.
(فهو من مال الله): وكان من الفيء.
(ولا حد عليه): لأجل الشبهة.
(مال الله أكل بعضه بعضاً): يعني أن المال لله والعبد من ماله أيضاً، فلا وجه للحد لسقوطه بالشبهة، وأراد مال الله أخذ بعضه من بعض.
(وأما الآخر): يعني الحر، فلا وجه للشبهة في حقه.
(فعليه الحد فقطع يده): للسرقة.
سؤال؛ كيف قطعه وله حق في بيت المال، ومن حق الحد أن يكون مدرؤاً بالشبهة، ولا شبهة أعظم من ذاك ؟
وجوابه؛ هو أن الرواية عنه مختلفة، فقال في موضع آخر: لا يقطع من سرق من بيت المال ، وهي رواية الشعبي عنه، وهو محكي عن عمر أيضاً ، وهذا هو المختار لأجل ما ذكرناه من الشبهة له.
فأما ما ذكره ها هنا من قطعه فهو محمول على أنه لا شبهة له فيه بأن يكون غنياً، فإنه متى كان غنياً فلا حق له في بيت المال، فلهذا وجب قطعه كما لو سرق ذمي من بيت المال فإنه يقطع لا محالة، وكما لو سرق غني من الأموال الموقوفة للفقراء فإنه يقطع بلا مرية، فيجب حمله على ما ذكرناه.

[274] (لو قد استوت قدماي من هذه المداحض): مكان دحض إذا كان زلقاً لا تثبت فيه الأقدام، وعنى باستواء قدميه فراغه عما في وجهه من الجمل وصفين وحرب الخوارج.
(لَغَيَّرتُ أشياء): يريد أمت بدعاً وضلالات في الدين، وتغييرها: إزالتها وطمسها.
[275] (واعلموا علماً يقيناً): قاطعاً لا تشكون فيه.
(أن الله لم يجعل للعبد وإن عظمت حيلته): تصرفه في أموره واحتياله بأبلغ الحيل وأعلاها.
(وقويت مكيدته): المكيدة والكيد هو: الخدع والتغرير.
(واشتدت طَلِبَتُه): وكان طلبه لرزقه عظيماً شديداً، فإن الله تعالى ما فرض له من الرزق:
(أكثر مما سُمِّي له في الذكر الحكيم): يريد به اللوح المحفوظ، فإن الله تعالى قد كتب فيه أرزاق الخلق وآجالهم، فما يزاد مما قد قدر وحتم شيء.
(ولم يَحُلْ بين العبد في ضعفه وقلة حيلته): احتياله في طلب رزقه، وقلة قدرته على طلبه.
(وبين أن يبلغ ما سُمِّي له في الذكر الحكيم): يشير بكلامه هذا إلى أن قوة الإنسان وبسطته لا تزيده على ما قد فرض له، ولا ضعفه وقلة احتياله تبطل عنه ما سمي له وفرض من الأرزاق والآجال، وهذه قاعدة عظيمة في الدين يعظم نفعها ويكبر خطرها وقدرها، وفيها راحة عن أكثر التكلفات، وإغفال للنفس عن التوهمات.
(والعارف بهذا): المحيط بعلمه ومعرفته، و:
(العامل به): الضمير والإشارة إلى ما قرره أولاً من العلم بما قد كتبه الله للعبد في لوحه المحفوظ من الرزق والأجل، فأراد فمن عرفه وعمل به:
(أعظم الناس راحة في منفعة): أراد أكثرهم استراحة فيما ينفعه من ذلك.
(والتارك له): بالإعراض عنه .
(الشاك فيه): الذي لا يعلمه، ولا يدري بكنه حاله.

(أعظم الناس شغلاً في مضرة): أكثرهم اشتغالاً فيما يضره، ومصداق ما قاله عليه السلام هو أن من عرف ما قاله هان عليه الأمر، فأراح نفسه عن أكثر المطالب التي لا تجدي، ولا تكون نافعة له، ومن جهله شغل نفسه وأتعبها غاية التعب، وضرها غاية المضرة، من غير زيادة ولا نقصان في أمر من الأمور.
(رب منعم عليه متسدرج بالنُّعمى ): الاستدراج هو: الإملاء بإدرار النعم وكثرتها، والنعمى مصدر نعم ينعم كالبشرى والرجعى، والنعمة هي: الاسم من التنعم، وأراد أن الله يملي لكثير من الفسقة، ويرادف عليه النعمة خذلاناً منه له لعلمه بأنه لا لطف له، وأنه غير منتفع بالألطاف وإن فعلت له، فلهذا خذله بالإملاء والاستدراج.
(ورب مبتلى مصنوع له بالبلوى): أراد أن من أهل البلوى من يفعل معه صنيع حسن بكثرة ما ابتلي به؛ لما له فيه من المصلحة وكثرة العوض وإعظام الأجر.
(فزد أيها المستمع في شكرك): على ما أعطاك الله من النعم وخولك منها.
(وقصِّر من عجلتك): في المعاصي والإسراع إليها بالفعل.
(وقف عند منتهى قدرك ): أي لا تزيد على ذلك شيئاً فتهلك.
وفي رواية أخرى: (عند منتهى رزقك): أي لا تطلب أكثر منه، فإنه أمر مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا ينقص منه.
[276] (لا تجعلوا علمكم جهلاً): بمنزلة الجاهل الذي لا علم معه.
(ويقينكم شكاً): بمنزلة من لا قطع معه، فإن من حق العلم أن يعمل به، ومن حق اليقين أن يقطع به.
(فإذا علمتم): شيئاً من العلوم.
(فاعملوا): لأجله بالأعمال الصالحة.
(وإذا تيقنتم): الأحوال، وقطتعم على صحتها.
(فأقدموا): على فعل ما نفذت فيه بصائركم في الدين، وافعلوه من غير تردد في فعله.

[277] (إن الطمع مورد غير مصدر): يعني يورد صاحبه الموارد الضنكة، وينزله المنازل المتعبة، ولا يصدره عنها، ولا يخلصه عن عهدتها.
(وضامن): لصاحبه بالفوز والنجاح في ظنه ووهمه، أو بالخسارة والهلاك من جهة الحقيقة.
(غير وفيّ): بما ضمن له من ذلك.
وقوله: غير وفيِّ، مما يؤيد الاحتمال الأول دون الثاني.
(وربما شرق شارق من الماء قبل ريّه): شرق بريقه إذا غص به فلم يسغه، وما ذكره مثال للطمع، فإن الطامع ربما هلك قبل وصوله إلى ما طمع فيه، كما أن الشارب من الماء ربما هلك قبل أن يروي.
(كلما عظم قدر الشيء المتنافس فيه): أراد أن الشيء إذا كان عظيم القدر في المنفعة، وكان في نفسه غالياً نفيساً.
(عظمت الرزية لفقده ): لأنه لولا عظم منفعته لما عظمت الرزية بعدمه وذهابه، ولهذا تعظم الرزية في فقد العلماء والأفاضل لما عظم قدر النفع بهم، وفي الحديث: ((من أصيب بمصيبة فليذكر مصابه ف يّ فإنكم لن تصابوا بمثلي)) .
[278] (اللَّهُمَّ، إني أعوذ بك أن تَحْسُنَ في لامعة العيون علانيت‍ي): اللامعة هي: المضيئة النيِّرة من العيون، وهذه الإضافة من باب إضافة الصفة إلى فاعلها، كقولك: حسن الوجه، والعلانية هي: ما ظهر من الأمور، وأراد الاستعاذة بالله من شر الرياء.
(وتَقْبُح فيما أبطن لك سريرتي): أي ويلام فيما أضمره لك ما أسره في نفسي، والقبيح: ما يلام عليه صاحبه ويذم.
(محافظاً على رياء الناس): انتصاب محافظاً على الحال من الضمير في أعوذ، والمعنى محافظاً بما أفعله من ذلك على ثناء الناس بما أفعله من ذلك.
(من نفسي): مما أختص به، ولا يشاركني فيه غيري.

(بجميع ما أنت مطلع عليه من‍ي): الباء ها هنا متعلقة بقوله: محافظاً بجميع، أي أحافظ على الرياء بجميع أعمالي كلها.
(فأُبْدِي للناس حسن ظاهري): أحسن ما يظهر من أعمالي في الخير والتقوى والصلاح.
(وأفضي إليك بأسوإ عملي): وأظهر لك أقبح ما يكون من أعمالي وأسوأها، أفعل ذلك:
(تقرباً إلى عبادك): من أجل أن أكون قريباً من عبادك.
(وتباعداً من مرضاتك): أي ومن أجل أن أكون بعيداً مما يرضيك من الأعمال كلها.
[279] (لا والذي أمسينا منه في غُبَّر ليلة دهماء): غُبَّر الحيض وغُبَّر الظلام هي: بقاياه، وأراد في بقايا ليلة مظلمة.
(تكشر عن يوم أغرَّ): يقال: كشر عن نابه إذا ابتسم وضحك، وأراد هنا القسم بالقدرة، وبما يظهر من عجائب آثارها، ومن أعجبها قدراً وأوضحها أثراً بيناً، ترانا في ليل مظلم وسواد مستحكم إذ جلاَّه بنور طالع وعقَّبه بفجر ساطع، فهذا من أعظم دلائل القدرة وأبهر آيات الحكمة.
(ما كان كذا وكذا): هذا هو جواب القسم الذي ذكره.
[280] (قليل تدوم عليه): يعني قليل من الأعمال الصالحة تداوم عليه ويستمر فعلك له.
(أرجى من كثير مملول ): يرجى به الخير أكثر من كثير من الأعمال يُمَلُّ ويسأم، [وإنما كان الأمر كما قال؛ لأن القليل إذا كان مرغوباً فيه منشوطاً إلى فعله كان أرضى لله] وأدخل في الإقبال، وإذا كان كثيراً يُمَلٌّ كان ذلك أقرب إلى نفار النفس عنه فلا يكمل إخلاصه، وفي الحديث: ((إنَّ الله يحبُّ المدوامة على العمل وإن قلَّ )) .
[281] (إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها): قد ذكرنا تفسيره فلا وجه لإعادته، وفيه دلالة على أن كل ما كان فيه دعاء إلى إكمال الفرائض وجب فعله، ويدل على وجوب تأديتها على أكمل وجه وأحسنه.

184 / 194
ع
En
A+
A-