(والشهادات استظهاراً على المجاحدات): أراد وإنما أوجب الإشهاد في الأنكحة وندبها في سائر العقود خوفاً من إجحاد الحقوق، فلهذا قررها بالشهادة خوفاً من ذلك ومحاذرة عليها من الإهمال والضياع بالجحود، فلهذا صانها بها.
(وترك الكذب تشريفاً للصدق): يعني وإنما أوجب الصدق وحرم الكذب لما فيه من المفسدة العظيمة التي لا يعلم تفاصيلها ولا يحيط به إلا الله تعالى، وكلامه ها هنا يشير إلى ما يكون منه من ركة النفس وسخف الطبيعة بفعل الكذب، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الكذب مجانب للإيمان )).
وزعم بعض الأشعرية أن تحريم الكذب فيه بقاء العالم وانتظامه.
(والإسلام أماناً من المخاوف): يريد وإنما أوجب الإسلام لما فيه من الأمن من المخاوف الأخروية وهو العقاب من جهة الله تعالى، وأمن من المخاوف الدنيوية، وهو حز الرقبة واصطلام الأموال؛ لأن ذلك كله إنما حصل -أعني السلامة في الآخرة من العقاب ومن هذه المضار الدنيوية- ببركة الإسلام والتعلق به.
(والإمامة نظاماً للأمة ): وكان السبب في إيجاب الإمامة، إما عقلاً وشرعاً على رأي بعض العلماء، وإما شرعاً على رأي أكثر العلماء؛ لما فيها من نظام الخلق والتئام أحوالهم، وارتفاع كلمة الدين، وظهور أبهته ورفع شياره والهيبة في قلوب أعدائه، وتقوية كلمته وشدة أمره إلى غير ذلك من المصالح الدينية.
(والطاعة تعظيماً للإمامة): لأن بالطاعة يقوم أمرها ويعظم حالها، أعني الإمامة.
[247] وكان عليه السلام يقول: (احلفوا الظالم إذا أردتم يمينه ).
وفي نسخة أخرى: (الفاجر) (بإنه بريء من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذباً عوجل):
ويحكى أن يحيى بن عبد الله حلَّف عبد الله بن مصعب بن الزبير هذه اليمين في مخاطبة جرت بينه وبين يحيى بن عبد الله في مجلس الرشيد، فحلفها الزبيري فعوجل بالعقوبة، فقيل: إنه مات من يومه، وقيل: مات بعد ثلاثة أيام.
(وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو): يريد إذا ذكر لفظ التوحيد والتنزيه لله تعالى عن اتخاذ الشركاء.
(لم يعاجل): بالعقوبة وإن كان فاجراً.
(لأنه وحَّد الله سبحانه): أي أخبر عنه بأنه واحد.
[248] (يا ابن آدم، كن وصي نفسك): يريد ما كنت تفعله عند الموت وبعده فافعله وأنت صحيح.
(واعمل في مالك ما تؤثر أن يعمل فيه بعدك ): أراد واعمل في مالك من الصدقة والبر والصلة للأقارب والأرحام، والإيثار هو: الاختصاص، ومنه قولهم: آثرته بكذا إذا خصصته به، وأراد ما تختص غيرك أن يكون عاملاً فيه بعد موتك.
[249] (الجدة ضرب من الجنون): أراد السعة والتمكن من المال، هذا على من رواه بالجيم.
فأما من رواه بالحاء وهو الأحسن، فأراد أن حدة المزاج والإسراع إلى الغضب هو نوع من الجنون، يشير بهذا إلى ما في الحدة من تغير الحال وإبطال العقل وإفساده، ثم قرر تقريبها من الجنون، بقوله:
(لأن صاحبها يندم): على ما كان منه من الأفعال الردية.
(فإن لم يندم): على ما فعله من ذلك.
(فجنونه مُسْتَحْكِمٌ): يعني أنه لا دواء له، ولا يرجى إفاقته منه.
[250] (صحة الجسد): سلامته عن الأسقام والعاهات.
(من قلة الحسد): لأنه إذا كان حاسداً فمعه غمٌّ قاتل، وهمٌّ لا يفارقه، وفي الحديث: ((ما رأيت ظالماً أشبه منه بالمظلوم منه بالحاسد )).
[251] [وقال عليه السلام لكميل بن زياد النخعي] :
(يا كميل، مُرْ أهلك أن يَرُوحُوا في كسب المكارم): اصطناع المعروف، وإسداء الخير، والتفضل على كل أحد.
(ويُدْلِجُوا في حاجة من هو نائم): الدلجة هو: أول البكرة، وفي الحديث: ((من خاف البيات أدلج ، ومن أدلج في المسير وصل)) ، وأراد الحض له على كفاية الخلق بحوائجهم، وقضاء حاجة من هو قاعد عنها، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يريد قضاء حاجة من لا يمكنه قضاء حاجة نفسه ويعجز عنها.
وثانيهما: أن يكون مراده قضاء حاجة من لا يشعر أنه يعني في حاجته، وأراد العناية في هذه الأمور العامة منفعتها للمسلمين، نحو إصلاح الطرقات والمناهل والمساجد إلى غير ذلك مما لا يكون مختصاً بواحد دون واحد.
(فوالذي وسع سمعه الأصوات): فلا يخفى عليه ظاهرها وخفيها.
(ما من أحد أودع سروراً قلباً ): فعل به ما تقتضيه مسرة قلبه وطمأنينة صدره.
(إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفاً): من أنواع التوفيقات وضروب المصالح العظيمة.
(فإذا نزلت به نائبة): حادثة من حوادث الدهر، وسميت الحادثة نائبة؛ لأنها تنوب كل أحد وتأتي عليه.
(جرى إليها): يعني ذلك اللطف.
(كالماء في انحداره): يريد منحدراً لا يرده شيء كما ينحدر الماء عن موضع مرتفع، فإنه لا يرده شيء من نفوذه.
(حتى يطردها عنه): يزيلها ويبعدها.
(كما تُطْرَدُ غريبة الإبل): أراد أن الناقة إذا جاءت إلى غير القطيع الذي تألفه، فإنها تُطْرَدُ وتنكرها إبل ذلك القطيع التي ليست من أهله.
ومن كلامه عليه السلام (252-253)
[252] (إذا أملقتم): الإملاق: الفقر، قال تعالى : {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ }[الإسراء:31].
(فتاجروا الله بالصدقة): أراد فتصدقوا؛ فإن الله يخلف لكم أضعاف ذلك بما يزول عنكم الإملاق لأجله.
[253] (الوفاء لأهل الغدر غدر): أراد أن كل من كان غادراً ثم وفيت له فهذا تغرير وغدر؛ لأن الوفاء ليس أهلاً له، فمن وفى لهم بذلك فهو غادر.
(عند الله): فيما يوجبه الدين، ويقتضيه حكم الله تعالى.
(والغدر بأهل الغدر وفاء): أراد ومكافأتهم بغدرهم غدراً مثله يكون وفاء بما فعلوه.
(عند الله): وإليه الإشارة بقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ }[النحل:126]، وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا }[الشورى:40].
سؤال؛ أليس قد مر في كلامه: أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك، فكيف قال ها هنا: الغدر بأهل الغدر وفاء، ومن أين يكون الجمع بينهما؟
وجوابه؛ هو أن الغرض بقوله: ولا تخن من خانك من بدت منه الخيانة على الندرة والقلة، فلا ينبغي وإن خان أن يخان، والغرض بقوله: الغدر بأهل الغدر وفاء هو أن من صار الغدر فيه طريقة وسجية بحيث لا يقلع عنه، فالغدر في مثل هذا وفاء؛ لأن الوفاء له يكون خيانة لا محالة، فقد تبين وجه الجمع بينهما، والله أعلم.
فصل من غريب كلامه (ع) (254-263)
قال الشريف الرضي رضي الله عنه
فصل نذكر فيه شيئاً من اختيار غريب كلامه المحتاج إلى تفسير
[254] (فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بِذَنَبِه): اليعسوب للدين هو: السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ، بِذَنَبِه: يعني استقام أمره، وتقررت قواعده، والإشارة بقوله: ذلك، أظن أنه يريد زمان خروج المهدي عليه السلام.
(فيجتمعون إليه كما تجتمع قُزَعُ الخريف): القزع: جمع قَزَعَة وهي السحاب الذي لا ماء فيها، وإنما خص قزع الخريف؛ لأنه أسرع حركة وأقرب إلى الاجتماع لقلة الماء فيه.
[255] وفي حديثه هذا:
(هذا الخطيب الشحشح): بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها، يريد الماهر في الخطب الماضي في كلامه، وكل ماضٍ في كلام أو سير فهو شحشح، والشحشح في غير هذا هو: البخيل الممسك .
[256] وفي حديثه:
(إن للخصومة قُحَماً) يريد بالقحم المهالك؛ لأنها تقحم أصحابها فيها ، أي تولجهم في المهالك والمتالف، ومنه قحمة الأعراب، وهو أن تصيبهم السنة فتولجهم في المهالك والمتالف، أو يقال : تولجهم بلاد الريف بعد أن كانوا في البدو.
[257] وفي حديثه:
(إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى): هذا الحديث فيه روايتان:
فالرواية الأولى:
نص الحقاق، ولها معنيان:
أحدهما: أن يكون المراد بالنص هو الظهور ومنتهى الأشياء وغايتها وقصاراها، يقال: نصصت الرجل عن الأمر إذا بلغت غاية ما معه منه، واستخرجت ما عنده من ذلك، فنص الحقاق على هذا هو الإدراك والبلوغ؛ لأنه منتهى الصغر، والوقت الذي يخرج به الصغير إلى حد الكبير، وهذا من أفصح الكنايات وأغربها، والمعنى في هذا هو أن النساء متى بلغن هذا الوقت، فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محارم مثل الأخوة والأعمام والأخوال وبتزويجها إن طلبوا ذلك، والحقاق على هذا هو: مُحاقَّةُ الأمر للعصبة في المرأة، وهو عبارة عن الجدال والخصومة في ذلك، وقول كل واحد منهم: أنا أحق بها منك، فيقال فيه على هذا: حاققته حقاقاً مثل جادلته جدالاً.
وثانيهما: أن يكون مراده أن نص الحقاق هو الإدراك وبلوغ كمال العقل، وأراد منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق [وتستقر الأحكام، والمعنى في هذا هو أن المرأة إذا بلغت الحد الذي فيه تجب عليها الحقوق] وهو وقت البلوغ فالعصبة الذين ذكرناهم يكونون أحق بها.
[و] الرواية الثانية
قوله: إذا بلغ النساء نص الحقائق، ولها معنيان:
أحدهما: أن تكون الحقائق جمع حقيقة، وهو ما يجب على الرجل أن يحيمه، ويقال: فلان حامي الحقيقة من النساء وغيرها، هذه فائدة ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام، ولم يذكر تنزيل الكلام على هذا التأويل.
وثانيهما: ما ذكره الشريف الرضي وهو أن المراد بنص الحقاق ها هنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها، وتصرفها في حقوقها، فشبهها بالحقاق من الإبل، وهي جمع حقة [وحق] ، وهو الذي يستكمل ثلاث سنين ويدخل في الرابعة ، وعند ذلك يبلغ الحد الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره ونصه في السير، والحقائق أيضاً جمع حقة، فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنى واحد، ثم قال: وهذا أشبه بطريقة العرب من غيره من المعاني ، فهذا ملخص ما قيل في تفسير قوله: نص الحقاق والحقائق كما ترى.
والذي يظهر لي في فائدة قوله: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى، أن غرضه إذا بلغن منتهى كمال عقولهن، وحيث يكون التخاصم، فعبر عن منتهى العقل وكماله بالنص؛ لأن نص كل شيء منتهاه وغايته، وعبر عن صلاحية المخاصمة بقوله: الحقاق، أخذاً من قولهم: فلان نزق الحقاق إذا كان يخاصم في أصغر الأشياء، وقولهم: ماله فيه حق ولا حقاق، أي خصومة، والتَّحاقّ: التخاصم، والاحتقاق: الاختصام، فكنى بهذه الكناية اللطيفة عما ذكرناه.
[258] وفي حديثه:
(إن الإيمان يبدو لُمْظَةً في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللُّمْظَة): أراد باللمظة ها هنا النكتة ونحوها من البياض، ومنه قولهم: فرس ألمظ إذا كان بجحفلته شيء من البياض، والمعنى في هذا هو التشبيه للإيمان في أول أحواله بالنكتة تكون في القلب، فلا تزال النكتة تزداد قوة وبياناً مهما كانت أحواله مستقيمة في الديانة والتقوى، فإذا واقع شيئاً من هذه القبائح ازدادت تلك النكتة ضعفاً وتلاشياً، والإشارة إلى الأول بقوله تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ }[الزمر:22]، والإشارة إلى الثاني بقوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }[المطففين:14].
[259] وفي حديثه:
(إن الرجل إذا كان له الدَّيْنُ الظَّنُون يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه): والدَّيْنُ الظنون: الذي لا يعلم صاحبه أيقتضيه أم لا يقتضيه ، فكأنه الذي يظن به فيرجوه مرة وييأس منه مرة ثانية، وهذا من فصيح الكلام وغريبه، وهكذا كل أمر تحاوله ولا تدري بحاله أيحصل أم لا فهو ظنون، والظنون: البئر الذي لا يعلم حالها أفيها ماء أو لا، وأنشدوا للأعشى:
ما يجعل الجُدَّ الظَّنُون الذي
جُنِّب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتيَّ إذا ما طما
يقذف بالبوصيِّ والماهر
وغرضه من هذا هو أن البئر التي لا يُدْرَى هل فيها الماء أم ليس فيها مثل صوب السحاب الصائح بالرعد، واللجب: الصوت العظيم بصب الماء وسكبه، ولا يجعل مثل الفراتي، وهو: نهر الفرات، والنسبة إليها على جهة التأكيد، وطموه بالماء: ارتفاعه على حده المعتاد.
والبوصي: ضرب من سفن البحر صغار.
والماهر هو: الملاَّح أو السابح في البحر، فحال البئر الذي وصفنا حالها لا تشبه واحداً من هذين الأمرين.
[260] وفي حديثه:
(أنه شيع جيشاً يُغْزِيه): أي يجعله غازياً إلى أرض بعيدة، فقال:
(اعزبوا عن ذكر النساء ما استطعتم): والمعنى في هذا أعرضوا عن ذكر النساء وشغل القلب بهنَّ، وامتنعوا عن المقاربة لهنَّ؛ لأن ذلك يفت في عضد الحمية، ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسر عن العدو، ويفتِّر عن الإبعاد في الغزو، وكل من امتنع من شيء فقد أعزب عنه، والعازب والعَزُوبُ: الممتنع من الأكل والشرب.
[261] وفي حديثه:
(كالياسر الفالج، ينتظر أول فوزة من قداحه): الياسر هو: اللاعب بقداح الميسر، والفالج هو: الغالب لغيره ، والفوز: النجاة من كل محذور، وقد تقدم موضع هذا التشبيه، وفسرناه هناك.
[262] وفي حديثه:
(كنا إذا احمرَّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم): ومعنى هذا هو أنه إذا عظم الخوف من العدو، واشتد عضاض الحرب بالمسلمين، وأشفقوا على أنفسهم فزعوا إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، فينزل الله عليهم النصر بسبب ذلك، ويأمنون ما كانوا يخافون من قبل، واحمرار البأس جعله ها هنا كناية عن شدة الأمر في الحرب، وهو بالباء بنقطة من أسفلها، ونظير هذا قول الرسول عليه السلام لما رأى مجتلد القوم بحنين: ((الآن حمي الوطيس )) ، والوطيس: مستوقد النار، فشبه ما اشتد من جلاد القوم باتقاد النار وشدة التهابها.
(فلم يكن أحد منَّا أقرب منه إلى العدو): يشير بهذا إلى ما أعطاه الله من شدة الجأش وثبوت القلب، وقوة العزيمة، وشجاعة الْجَنَان، ولقد أثخن في درعين يوم أحد.
قال الشريف الرضي رضي الله عنه: (انقضى هذا الفصل، ورجعنا إلى سنن الغرض الأول في هذا الباب): يعني ذكر الحكم والآداب المأخوذة من جهته، وذكره لهذا الفصل إنما هو على جهة العروض، والمقصود خلافه.