(ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به): الشكوى هي: الإخبار بالبلوى.
(فقد أصبح يشكو ربه): وهذا محمول على أنه إنما شكا ضره على فاجر، وفي الحديث: ((من شكا على مؤمن فكأنما يشكو إلى الله ، ومن شكا إلى فاجر، فكأنما يشكو الله)) ، فأما إذا شكا على مؤمن فهو خارج عن هذا وفي الحديث:
((إذا مسَّ أحدكم ضرُّ فليقصد إخوانه ، فإنه لن يعدم خصلة من أربع: إما مشورة، أو معونة، أو مواساة، أو دعاء)).
(ومن أتى غنياً فتواضع لغناه): يعني أتاه إلى موضعه ومكانه فخضع لغناه، وذل من أجل أن ينال من خيره.
(ذهب ثلثا دينه): لإتيانه له إلى موضعه ثلث، وبخضوعه له ثلث، وهذا إنما يقوله عليه السلام عن توقيف من جهة الرسول؛ لأن مثل هذه الأمور لا تعلم إلا بتوقيف من جهة الله وإذنٍ منه؛ لأنها كلام في أحكام الثواب والعقاب، وهو أمر غيبِي.
(من قرأ القرآن فمات فدخل النار): يريد عقيب تلاوته له .
(فهو ممن يتخذ آيات الله هزؤاً): والمعنى في هذا أن القرآن عظيم الفضل كثير البركة فيبعد فيمن تلاه، وأحسن تلاوته أن يموت ويدخل النار، فإن دخل النار فما ذاك إلا لأنه كان يستهزئ بها ولا يحتفل بها، ولا لها عنده قدر أصلاً.
(من لهج قلبه بحب الدنيا): أولع بحبها وكان مشغوفاً بجمعها.
(التاط منها بثلاث): التصق قلبه بخصال ثلاث كلها مهلكة له.
(همٌّ لا يُغِبُّهُ): الغبُّ: أن تزور يوماً وتترك يوماً، وأراد أنه لا ينفك عنه وقتاً واحداً.
(وحرص لا يتركه): الحرص هو: التهالك في الرغبة في تحصيل المرغوب فيه.

(وأمل لا يدرك منتهاه): الأمل هو: إرادتك تحصيل الشيء في مستقبل الزمان، وأراد أنه لا غاية لما يأمله من ذلك، وهذا الحديث بعينه هو سماعنا عن الرسول عليه السلام في (الأربعين السيلقية) فإنه قال: ((ما سكن حب الدنيا في قلب عبد إلا التاط منها بثلاث:
همٌّ لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه)) .
[222] (كفى بالقناعة ملكاً): يريد أن من يقنع بالشيء فهو غني عن غيره، والقانع هذه حاله، فلهذا كانت القناعة في حقه ملكاً؛ لأن الملك هو ألا تفتقر إلى غيرك في أكثر أمورك وأحوالك.
(وبحسن الخلق نعيماً): يروى نعيماً أي ينعم الخاطر والبال به لما فيه من سعة النفس وسهولة الخاطر، ويروى تغنماً، أي أنه هو الغنيمة الباردة؛ لما فيه من الفوائد الدينية، والمنافع الدنيوية، وفي الحديث: ((أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن ، وإن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم)) .
[223] وسئل عليه السلام عن قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }[النحل:97]؟
فقال: (هي القناعة).
[224] (شاركوا الذي أقبل عليه الرزق ): أراد التصقوا وادنوا منه، يعني من أقبلت الدنيا عليه ، وكان في فسحة من رزقه.
(فإنه أخلق للغنى): يعني أقرب إلى كثرة التمكن من المال؛ لأنه لا يعدم من مخالطته خيراً.
(وأجدر بإقبال الحظ): أحق بإقبال ما قدره الله للعبد وعلم وصوله إليه.
[225] وقال في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }[النحل:90]:
(العدل هو: الإنصاف، والإحسان هو: التفضل): وغرضه بالإنصاف الواجب؛ لأنه إنصاف الغير لحقه الواجب له، أوترك ما لايستحق عليه، وكله واجب.

ومن كلامه عليه السلام (226-250)
[226] (من يُعْطِ باليد القصيرة، يُعْطَ باليد الطويلة): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن كل ما ينفقه الإنسان من ماله في سبل الخير وأنواع البر وإن كان يسيراً؛ فإن الله تعالى يخلفه، ويجعل الجزاء عليه عظيماً في الآخرة من الثواب، واليدان ها هنا عبارتان عن النعمتين: نعمة العبد ونعمة الرب.
وثانيهما: أن يكون مراده في الدنيا، وهو أن العبد إذا أعطى شيئاً لوجه الله تعالى؛ فإن الله تعالى يخلف له في الدنيا أجزل مما أعطى، وتكون اليدان ها هنا من باب التخييل والتمثيل، وإلا فلا يد هناك، وهذا هو الأحسن؛ لأنه بأساليب البلاغة أشبه.
[227] وقال لابنه الحسن بن علي عليهما السلام:
(لا تدعونَّ إلى مبارزة): المبارزة هو: أن يظهر الرجل لقرنه في الحرب فيتصاولان بالسلاح، فإما كانت الكرة لهذا، وإما لذاك، وقد وقع في أيام الرسول عليه السلام، فإن أمير المؤمنين بازر عمرو بن عبد ود يوم الخندق ، وبارز أمير المؤمنين، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة من قريش: عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، فقتل أمير المؤمنين الوليد بن عتبة لما بارزه، وقتل حمزة عتبة لما بارزه، وقتل عبيدة شيبة اشترك فيه هو وحمزة وعلي بن أبي طالب ، وبارز الزبير بن العوام مرحباً القرظي فقتله الزبير ، فهؤلاء كلهم دعوا إلى المبارزة ولم يدعوا إليها.
(وإن دعيت إليها فأجب): يعني لا تتأخر بعد الدعاء، كما فعل من ذكرناه من هؤلاء.
(فإن الداعي باغي ): على غيره بما كان منه من الدعاء.
(والباغي مصروع): لجنبه، مغلوب لا محالة.

[228] (خيار خصال النساء شر خصال الرجال): يعني أن كل ما كان في النساء من صفات الخير في حقهنَّ، فهو في حق الرجال أقبح الصفات بلا مرية.
(الزهو والجبن والبخل): فهذه كلها أنفس ما في النساء من الخصال، وهي شر ما في الرجال من الخصال، والزهو هو: الخيلاء، والجبن هو: خلاف الشجاعة، والبخل: نقيض الكرم.
(فإذا كانت المرأة مزهوة): يعتريها الخيلاء وتختص به.
(لم تمكِّن من نفسها): في الفجور بها في الزنى لتعاظمها في نفسها، وتكبَّرها عن ذلك.
(وإذا كانت بخيلة): ضنينة بمالها.
(حفظت مالها): عن الضياع والإهمال وإنفاقه في غير وجهه.
(ومال زوجها): وتكون حافظة أيضاً لمال زوجها.
(وإذا كانت جبانة): يعتريها الجبن ويصيبها.
(فَرِقَتْ من كل شيء): الفرق: الخوف، وأراد أنها تكون خائفة من كل شيء!
(يعرض لها): في جميع أحوالها.
[229] وقيل له: صف لنا العاقل؟
فقال: (هو الذي يضع الشيء مواضعه): أراد أنه عالم بكل الأمور، مقدراً لها في قلبه، وحافظاً لمقاديرها في صدره، فهو لا يغادر من أحكامها شيئاً، فلما كانت هذه حاله لا جرم وضع الأشياء في مواضعها.
(فقيل له: صف لنا الجاهل؟ فقال: قد فعلت): يشير إلى أنه الذي لا يضع الأشياء مواضعها، فكان ترك صفته صفة له، إذ كان نقيضاً له، فلهذا كان بخلافه، وعلى العكس من صفته.
[230] (والله لدنياكم هذه): يشير إلى ما أنتم عليه، وإنما أضافها إليهم لما لهم فيها من التعلق والمحبة في القلوب، فلهذا قال: دنياكم، يشير إلى الأمر المتمكن في صدوركم محبته، والحالُّ في أفئدتكم شهوته، وفيه تعريض بهم واستركاك لهممهم من أجل ذلك.

(أهون عندي من عُراق خنزير في يد مجذوم): العُراق بالضم: جمع عَرْق، وهو العظم الذي أخذ منه اللحم، والخنزير حيوان، وهو نظير الكلب في نزول قدره وتحريم أكله، والمجذوم: من تقطعت أوصاله، وهذه هي نهاية الركة ونزول القدر.
[231] وقال عليه السلام:
(إن قوماً عبدوا الله رغبة): فيما عنده من الدرجات العالية والمنافع النفيسة.
(فتلك عبادة التجار): لأن تعويلهم على إحراز الأعواض.
(وإن قوماً عبدوا الله رهبة): من عذابه وعقابه.
(فتلك عبادة العبيد): لأنهم يخافون العقوبة من السادة.
(وإن قوماً عبدوا الله شكراً): على نعمه وأياديه كلها.
(فتلك عبادة الأحرار): لأن الأحرار دأبهم الشكر على النعم والآلاء، وكلامه عليه السلام ها هنا مشعر بأن هذه العبادات وإن كانت حسنة لا غبار عليها، لكن عبادة الأحرار هي أحلاها وأولاها، فأما كلام أهل التصوف فيشير إلى أنه مستحق للعبادة لذاته لا من أجل شيء من هذه الأمور كلها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ] }[الأنعام:91]، فأشار إلى نفس الذات فقط من غير أمر ورائها.
[232] (المرأة شر كلها): يعني جميع خصالها شر ومعالجتها شر.
(وشر ما فيها): يعني ومن جملة الشر فيها شدة البلوى بها.
(أنه لا بد منها): يعني لإزالة الشبق وغير ذلك من المصالح الدينية فيها.
[233] (من أطاع التواني): أي مال إلى الدعة والراحة، والضعف والتساهل.
(ضيَع الحقوق): الدينية والدنيوية كلها؛ لأن التواني عنها يخل بها لا محالة.
(ومن أطاع الواشي): وهو الذي يدخل الضغائن والأحقاد ويحوك الكلام بين الناس.

(ضيَّع الصديق): يشير إلى أنه إذا أطاعه فيما يقول له من ذلك أضاع حقه وأسقطه، وفي ذلك إضاعته وزواله.
[234] (الحجر الغصب في الدار): يعني أن الحجر إذا كانت مغصوبة وبني عليها دار فهي لا محالة.
(رهن بخرابها): أي لا تزال مرهونة بخراب الدار، وفي هذا تحذير عن الغصب في أحقر الأشياء وأعلاها، وأنه ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)).
[235] (يوم الظالم على المظلوم): يشير إلى أن عواقب يوم المظلوم وهي إيفاء مظالمه وإيصاله بحقوقه.
(أشد من يوم المظلوم على الظالم ): لأن ما كان من جهة الظالم من الغموم والآلام اللاحقة بالمظلوم فهي منقطعة ذاهبة، وأما ما كان على الظالم من ذلك فهو أشِد وأصعب؛ لأن مضاره دائمة غير منقطعة، فلهذا كانت أشق وأتعب.
[236] (اتق الله بعض التقى وإن قلَّ): يشير بكلامه هذا إلى أن تقوى الله عظيمة المنفعة في الآخرة والدنيا وإن كانت قليلة، فلهذا أمر بها على قلتها.
(واجعل بينك وبين الله ستراً وإن رقَّ): يعني حجاباً عن معصيته والإقدام عليها، وإن كان ذلك الحجاب رقيقاً، كنى به عن الانكفاف الضعيف عن المعصية فإنه أهون لا محالة من التهالك في المعصية.
[237] (إذا ازدحم الجواب): تراكمت الأسؤلة والجوابات وضاق وقتها.
(خفي الصواب): كثر الخطأ وغمض الجواب؛ لأجل الازدحام والتضايق.
[238] (إن لله في كل نعمة حقاً): أراد أن لله شكراً على كل نعمة من نعمه التي أعطاها بني آدم، من العافية، والشهوة، والقدرة، والعلم، وغير ذلك من النعم.
(فمن أداه): يريد الشكر المتوجه على هذه النعم.
(زاده): إما زاده من تلك النعم وضاعفها له، وإما زاده من مضاعفة الثواب والأجر على ذلك.
(ومن قصر عنه): نقص عن ذلك الشكر.

(خاطر بزوال نعمته): المخاطرة هي: ظن الزوال للشيء والوقوع في الهلاك، ومصداق ذلك قوله تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }[إبراهيم:7].
[239] (إذا كثرت المقدرة): على نيل المشتهيات ، وصدق التمكن منها.
(قلَّت الشهوة): لها وتناقصت، والسبب في ذلك هو أن من كان قادراً على تحصيل المشتهيات واللذات فكأنها في حكم الموجودة الكائنة، وما كان موجوداً فللقلب عنه سآمة وإعراض إلا أن يكون ثَمَّ أسباب توجب تجدد النشاط إليه حالة بعد حالة.
[240] (احذروا نفار النعم): المعنى في هذا هو الأمر بشكرها كيلا تنفر وتزول.
(فما كل شارد بمردود): يعني أن الشارد إذا شرد فتارة يرجع، وربما يعرض له عارض فلا يعود أبداً.
[241] (الكرم أعطف من الرحم): العطف هو: العود بالمنفعة، وأراد أن الواحد متى كان كريماً سخياً، فإن عوده بالمنفعة على أهله وأقاربه وغيرهم من سائر الأجانب، أكثر من عودة القريب على قرابته بالنفع إذا لم يكن سخياً كريماً ؛ لأن ما يكون من جهة الطبع أقوى مما يكون من جهة القرابة.
[242] (من ظن فيك خيراً فصدِّق ظنه): أراد أن كل من توهم من جهتك خيراً، إما ظن الصلاح، وإما ظن إيصال الإحسان، فالأخلق بالشيم الطاهرة، والخلائق الشريفة تصديق الظن، فإنه دال على كرم الطبع.
[243] (أفضل الأعمال): أعظمها عند الله تعالى، وأقربها إليه.

(ما أكرهت نفسك عليه): يعني كلفتها وكان حاصلاً بمشقة، وأراد بهذا ما كان عمله شاقاً، والمشقة فيه شديدة وألم النفس به عظيم، فإن الله تعالى يعظم فيه الأجر على قدر ما أصاب فيه من المشقة، وليس الغرض من هذا هو إكراه النفس على العمل مع إدبارها عنه، فإن الأفضل هو خلاف ذلك، وفي الحديث: ((عليكم من العمل بما تطيقون ، فإن الله لا يملُّ حتى تملِّوا))، وهذا كله في غير ما كان واجباً، فأما الواجب فلا بد من تأديته على كل وجه.
[244] (عرفت الله تعالى بفسخ العزائم، وحل العقود): أراد أن من جملة ما يستدل به على وجود صانع مدبِّر حكيم مما يجد الإنسان من نفسه، وهو أن يكون عازماً على أمر مصمماً على فعله لا يلويه شيء عن إيجاده وتحصيله، ثم يأتي ما ينقض عزمه ويُحِلُّ عقد ضميره، فيكفّ عن فعل ذلك الشيء، فهذا وأمثاله فيه دلالة باهرة على وجود الصانع الحكيم الذي يقلّب القلوب على ما يشاء، ويحكم فيها ما يريد، وهو الناقض لتدبير المدبرين، الذي بيده نواصي الخلق وقلوبهم، يصرفها على ما يحب، وتقضي به حكمته.
[245] (مرارة الدنيا): ما يصيب فيها من المرارات بتحمل هذه التكاليف الشاقة والآصار الثقيلة التي أوجبها الله تعالى.
(حلاوة الآخرة): لما يكون عليها من الثواب والأجر.
(وحلاوة الدنيا): وهو ما يكون فيها من اتباع الشهوات المحظورة، واللذات الممنوعة، وبما يكون من الإعراض عن أداء هذه الواجبات والميل إلى الدعة والراحة في تركها.
(مرارة الآخرة): لما يكون فيها من العقاب العظيم والنكال الشديد لأجل ذلك.
[246] (فرض الله الإيمان): أوجبه على الخلق، وأوعد على تركه بالنار والعذاب.

(تطهراً من الشرك): لأن أعلى الإيمان هو التوحيد والعمل عليه، وذلك هو نفس التطهر عن الإشراك بالله غيره، وأن يعبد معه سواه.
(والصلاة تنزيهاً عن الكبر): أراد وفرض الله الصلاة ولا وجه لفرضها، إلا تنزيهاً وترفعاً عن التكبر ؛ لما فيها من الخضوع والتواضع لله تعالى.
(والزكاة تسبيباً للرزق): أراد وفرض الزكاة على الخلق؛ لأن تكون سبباً في الرزق لهم، وأن يخلف لهم أضعافها من عنده.
(والصيام ابتلاء للإخلاص من الخلق): يعني أنه يمتحن به إخلاصهم؛ لأن الصيام هو سر بين العبد وبين الله تعالى، لا يطلع عليه أحد سوى الله، فلهذا كان فرضه اختباراً لذلك، ومثله في كونه سراً بين العبد وبين الله غسل الجنابة.
(والحج تقوية للدين): لما فيه من الشعار العظيم والأبهة الكبرى من تعظيم المناسك وسوق الهدي، وغير ذلك من الشعارات فيه.
(والجهاد عزاً للإسلام ): أي والسر في إيجاب الجهاد بالنفس والمال هو أن الله يعز به الدين، ويحمي به سوح الإسلام، ويشيد به أركانه؛ لما فيه من مضادة الكفار وإهابتهم وقطع دابرهم بالسيف.
(والأمر بالمعروف مصلحة للعوام): لما فيه من الصلاح للجملة وإصلاح العامة، وتجري المقاصد الحسنة المرضية لله تعالى في أحوالهم.
(والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء): كف لهم عن هذه المناكير التي يأتونها، وإنما قال السفهاء؛ لأنه لا يكاد يقع في القبائح والمنكرات الشنيعة إلا ضعفاء العقول والأحلام.
(وصلة الأرحام منماة للعدد): أي تنمو بها الأولاد ويكثر عددهم؛ لما فيها من المودة والتراحم فينميه الله لما في وصلها من الرضا له.

(والقصاص حقناً للدماء): لأن من علم أنه إذا قتل غيره قتل به، كان ذلك مانعاً له عن الوقوع في القتل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }[البقرة:179].
(وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم): أراد أن السر في مشروع الحدود وإقامتها على من ارتكبها هو أن الله تعالى عظَّم حال هذه المحرمات التي جعل في مقابلتها الحدود [لما فيها من المفسدة للدين، فلهذا شرع في مقابلتها هذه الحدود] تعظيماً لأمرها واستحقاراً لمرتكبها وتنكيلاً به.
(وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل): أراد أن الله تعالى يحب صيانة العقول عن زوالها وتغيرها لما فيها من المصلحة، وكونها ملاكاً للتكليف والتمييز ، فلأجل هذا صانها بما شرع على المسكرات من الحدود والتعزيرات، وما ذاك إلا لما ذكرناه من دوام مصلحتها.
(ومجانبة السرقة إيجاباً للعفة): يشير إلى أن الله تعالى شرع عقوبة السرقة وهو قطع اليد لما في ذلك من العفة، ومجانبة الأمور المستخفة، فلهذا صان الأموال بالقطع للأيدي، فيحصل بذلك العفاف عن القاذورات وارتكابها.
(وترك الزنا تحصيناً للنسب): أراد أن الله إنما شرع عقوبة الزنا وحرمه خيفة على ضياع الأنساب وإهدارها، فلهذا صانها بهذه الحدود المشروعة عليها، إما الجلد في غير المحصن، وإما القتل على من أحصن، وما كان تحريمها إلا للوجه الذي ذكرناه.
(وترك اللواط تكثيراً للنسل): يعني وإنما حرم اللواط وهو إتيان الذكور، وهو عمل قوم لوط؛ لأن فيه تكثيراً للنسل؛ لأنه لو اعتمد بالنكاح لانقطع النسل، وفي ذلك ذهاب العالم وانقطاع الدنيا، والله يريد بقاها إلى الوقت الذي يعلم انقطاعها فيه.

182 / 194
ع
En
A+
A-