ومن كلامه عليه السلام (151-200)
[151] (قد بصرتم): إما من البصر وهو رؤية الأدلة الباهرة على وجود الصانع وتوحيده، وإما من البصيرة بما عرَّفنا به من الهداية، والآداب والحكمة.
(إن أبصرتم): إن استعملتم أبصاركم وبصائركم في ذلك.
(وقد هديتم): إلى الدين.
(إن اهتديتم): طرقه وأحكامه.
[152] (عاتب أخاك بالإحسان إليه): يعني إذا سمعت ما تكرهه من أخيك المؤمن فاجعل العتاب له هو الإحسان إليه.
(واردد شره بالإنعام عليه): أراد واردد ما وصل منه من الشر إليك بالإفضال عليه من جهتك، فإن ذلك يكون أدعى إلى انكفافه عن الشر إليك، وأقرب إلى ارعوائه عما كان فيه من إيصال الإيذاء.
[153] (من وضع نفسه مواضع التهمة): في الأماكن التي تكون سبباً في التهمة وطريقاً إليها.
(فلا يلومن من أساء به الظن): يعني فلومه من جهة نفسه لكونه فعل ذلك، ولا لوم على من ساء ظنه فيه بالتهمة له في ذلك، وفي الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم )) .
[154] (من ملك): أمراً من الأمور، أو كان له قدرة على غيره.
(استأثر): أي استبد بما يملكه من ذلك، ولم يرض المشاركة فيه.
[155] (من استبد برأيه هلك): يشير إلى أنه يتطرَّق إليه الزلل فلا يأمن الهلكة في بعض آرائه.
(ومن شاور الرجال): أخذ آرائهم في القضايا، واستمد منهم المصالح في الرأي.
(شاركها في عقولها): يريد أن الرأي هو غاية فهم الإنسان ونهاية عقله، فإذا أخذته من صاحبه فقد شاركته فيما يُوصِّل إليه عقله من ذلك.
[156] (ومن كتم سره كانت الخِيَرَةُ بيده): يعني أنه إذا كتم السر كان مخيراً في الإقدام والإحجام، وكان مالكاً لأمره، وبعد إفضائه لسره لا يكاد يملك ذلك من حاله وأمره.
[157] (الفقر هو الموت الأكبر): إنما كان أكبر لوجهين:
أما أولاً: فلأن الفقر في بعض الأحوال يتمنى صاحبه عنده الموت، وهو خروج الروح، وما كان يتمنى عنده الموت فهو أخف لا محالة وأصغر عنده مما يلاقيه من ذلك.
وأما ثانياً: فلأن الموت الذي هو خروج الروح فيه راحة للأبدان والخواطر والقلوب والجوارح، والفقر فيه عذاب لهذه الأشياء، فلهذا قال: هو الموت الأكبر يشير إلى ما ذكرناه، وفي الحديث: ((ما من بر ولا فاجر إلا وبطن الأرض خير له من ظهرها ))، فهذا فيه إشارة إلى الراحة التي ذكرناها بالموت، وعن هذا قال بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الموت في سؤال الرجال
وفي الحديث: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوذ بالله من الفقر)) .
اللَّهُمَّ، أدخلنا في دعوته المباركة، وأشملنا ببركتها.
[158] (من قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبَّده): يعني إذا كنت مساعداً لغيرك في قضاء حوائجه، ومبادراً إليها في تحصيلها، وهو لا يقضي لك حاجة قط، فهذه هي العبودية والذل والتصاغر الذي هو من شأن العبيد.
[159] (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق): يعني أن طاعة أولي الأمر فيما يأمرون به إنما هو فيما هو طاعة لله تعالى، ووجوب ذلك إنما هو بإيجاب الله تعالى، فإذا كان معصية ومخالفة لله فلا تتوجه طاعتهم بحال.
ويحكى أن خالد بن الوليد أمَّره الرسول على سرية، فأجج لهم ناراً وأمرهم بالاقتحام فيها، فمنهم من اقتحم لما أمره ومنهم من أبى ذلك، فلما بلغ ذلك الرسول قال: ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق )) ، فهذه هي من كلام الرسول كما أوضحناه.
[160] (لا يعاب الرجل بتأخير حقه): يعني لا نقص عليه في ذلك، بل ذلك يكون من جملة التفضلات بتأخير الآجال وتراخيها، وفيه إشارة إلى أنه لا نقص عليه في تركه للقيام بالإمامة؛ لأنه كما لا يعاب بالتأخير فلا يعاب أيضاً بالترك؛ لأنه إسقاط لحقه لا غير.
(إنما يعاب من أخذ ما ليس له): لأنه يكون ظالماً لا محالة، فلا جرم توجه اللوم والذم إليه.
[161] (الإعجاب يمنع الازدياد): [يعني أن من دخله] الإعجاب في عمله فقد استكثره ورآه عظيماً في عينه، ومع هذا يفتر عن الزيادة وتكبر عليه، وتصور الكثرة يمنع من الزيادة.
[162] (الأمر قريب): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن أمر الدنيا قريب هين فلا حاجة إلى التعريج عليها، وفي الحديث: أن الرسول رأى ابن عمر يصلح جداراً، فقال: ((الأمر أقرب من هذا)) .
وثانيهما: أن يكون مراده أن أمر الآخرة قريب، فينبغي الالتفات إليها والمواظبة على إحرازها.
(والاصطحاب قليل): يعني في ذات الله قليلة، والاصطحاب هو: المصاحبة، وهو افتعال، لكن الصاد إذا لاقت تاء الافتعال تقلب طاء، ومع الضاد في نحو اضطرب ، ومع الطاء في نحو اصطلم، ومع الدال ذالاً في نحو اذدكر.
[163] (قد أضاء الصبح لذي عينين): هذا مثل يضرب لمن اتضح له معرفة الشيء ثم تغافل عنه، وأعرض عن رؤيته، والمعنى أن الصبح يدرك إضاءته من كان مهتماً بإدراكه، وله عينان يدرك بهما.
[164] (ترك الذنب أهون من طلبة التوبة): لأمرين:
أما أولاً: فلأن في ترك الذنب إهمالاً عن الاشتغال بالتوبة وفعلها وإراحة للنفس عن ذلك.
وأما ثانياً: فلأن في ترك الذنب سلامة؛ لأنه لا يدري إذا فعل التوبة هل يؤديها بشروطها فتكون مقبولة أو لا، وفي ترك الذنب سلامة عما ذكرناه كله، وهو يضرب مثلاً فيمن يفعل أمراً كان له عنه مندوحة وسعة.
[165] (كم من أكلة منعت أكلات): يشير إلى أن الإنسان إذا أكل أكلة زائدة على ما يعتاده فربما لم تتسع لها معدته، فتصيبه هيضة فتمنعه عن أكلات كثيرة، وربما يضرب مثلاً لمن يفعل فعلاً فيمنعه تعاطي أفعال كثيرة، لو لم يفعله لأمكنه فعلها.
[166] (الناس أعداء ما جهلوا): ما عرفه الإنسان وأحاط به علماً فهو ملائم له موافق لمزاجه، فلهذا تكثر مراجعته له، ويزداد النظر فيه، وما جهله فهو نافر عنه مخالف لطبعه، ويكون هاجراً له لا يعلق بخاطره كأنه عدو له في المهاجرة وقلة الاحتفال بأمره.
[167] (من استقبل وجوه الآراء): بالنظر الصائب والفكر المستقيم .
(عرف وجوه الخطأ): عند تصفحه لها واستعمال الفكرة الصائبة فيها.
[168] (من أخذ سنان الغضب لله): أخذ السنان استعارة، وأراد من تسلح الغضب من أجل إعزاز دين الله وإعلاء كلمته.
(قوي على قتل أشداء الباطل): الأشداء: جمع شديد كنبي وأنبياء، وأراد قوَّاه الله ونصره على قتل من كان شديد الشكيمة في الباطل وناصراً له، ويروى: (آساد الباطل): وهو: جمع أسد أي شجعان الباطل، وأهل الشطارة فيه.
[169] (إذا هبت أمراً فقع فيه): يعني إذا كنت خائفاً من أمر ومشفقاً من الوقوع فيه فافعله، وادخل فيه وتلبس به.
(فإن توقيه أعظم مما تخاف منه): أراد فإن محاذرتك من الوقوع فيه أدخل ألماً وأعظم خوفاً من فعله.
[170] (آلة الرياسة): يعني قاعدتها، والأصل الذي تكون مبنية عليه.
(سعة الصدر): احتمال كل مكروه للخلق والصبر على علاجهم، والتغمد لما يجري منهم.
[171] (ازجر المسيء بثواب المحسن): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد اذكر للمسيء العاصي ثواب المحسن المطيع فلعله بذكرك لثوابه ينقرع عن إساءته ويكف عنها، ويغار على تركه لثواب المحسن.
وثانيهما: أن يكون مراده كفَّ من أساء إليك بالإحسان إليه، فإن كفَّك له بالإحسان إليه يكون زجراً له عن الإساءة إليك.
[172] (اقلع الشر من صدر غيرك، بقلعه من صدرك): يريد إذا كانت الشحناء بينك وبين غيرك وأردت زوالها وإبعادها، فَأَزِلْهَا أولاً عن قلبك فإنها لا محالة تزول من صدر صاحبك ثانياً، وهذا ظاهر فإنه لا يمكنه علاج نفس غيره، وإنما قدرته على علاج نفسه، وعند إزالة ذلك الوَحَر من صدره، تنجذب نفسه وتسلس خلائقه فيكون من ذاك مثله لا محالة، وفي ذاك زواله بالكلية.
[173] (اللجاجة تسل الرأي): أي تزيله بسهولة، من قولهم: سللت الشعرة من العجين إذا أخرجتها، وأراد أن اللجاج إذا عظم وكثر زالت معه الإصابة وفسد الرأي كله.
[174] (الطمع رقُّ مؤبد): يريد مهما كان الإنسان طامعاً فلا يزال في رق العبودية لمن هو طامع منه، لا فكاك لرقه، ولاخلاص له عنه.
[175] (ثمرة التفريط الندامة): أي لكل شيء ثمرة، وثمرة من فرط في عمل من أعمال الدنيا والدين هو الأسف على ذلك العمل، وإحراز فرصته.
(ثمرة الحزم السلامة): أراد أن كل من حَزُمَ في أحواله وبناها عليه، فإنه يسلم لا محالة مما كان يحاذره ويخافه.
[176] (لا خير في الصمت عن الحكم): المراد بالحكم ها هنا الحكمة، وأراد أنه لا فائدة في الصمت عن التكلم بالحكمة، فالنطق بها خير من الصمت عنها، وما ورد من جهة الشرع في إيثار الصمت إنما هو فيما لا حكمة فيه، وإليه تشير ظواهر الآي والأخبار إلى ما ذكره ها هنا.
(كما أنه لا خير في القول بالجهل): يريد أنهما سيَّان، فترك الكلام بالحكم مثل النطق بالقول الجهل في الضرر والمفسدة.
[177] (ما اختلفت دعوتان إلا كانت إحداهما ضلالة): فيه روايتان:
أحدهما: بالياء بنقطتين من أسفلها وهو تثنية دعوى، وأراد من ادَّعى شيئاً وادَّعى آخر خلافه في المسائل الدينية والأحكام العقلية، وما يكون طريقه القطع، فلا بد من أن تكون أحدهما لا محالة خطأ وباطلاً.
وثانيهما: بالتاء بنقطتين من أعلاها، وهي تثنية دعوة، وغرضه من دعا إلى حق ودعا غيره إلى خلافه، فلا بد من أن تكون أحدهما ضلالة، وهي التي تخالف الحق.
[178] (ما شككت في الحق مذ أُرْيِتُه ): يشير بهذا إلى استقامة طبعه وسلامة نظره عن الميل عن الحق، وعصمة الله له عن الخطأ في الدين والاعتقاد، وغرضه من هذا كثرة الانقياد منه للحق عند معرفته بكونه حقاً وصواباً.
[179] (ما كَذَبْتُ): كذبة على الله تعالى ولا على رسوله، ولا نقلت حديثاً يخالف ما هو عليه.
(ولا كذبت): فإن كان مبنياً لما سمي فاعله فالغرض أني ما كذَّبت الرسول ولا أحداً من الأنبياء قبله فيما جاءوا به من عند الله، وإن كان مبنياً لما لم يسم فاعله ، فالغرض أني ما نقلت شيئاً من الرسول ولا عن غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ولا عن الله فكذبني فيه أحد ممن رويته له ونقلته إليه.
سؤال؛ أليس الخوارج قد كفروه وخطاؤه فيما فعل من التحكيم، وهذا تكذيب له في مقالته؟
وجوابه؛ هو أن إكفارهم له ليس تكذيباً له فيما أخبر به عن نفسه، ولا فيما أخبر به عن الله وعن رسوله، فيكون طعناً على ما ذكرناه، وإنما كفَّروه لاعتقادهم أنه أخطأ فيما حكَّم من الحكمين، وكل خطأ فهو كفر، فإكفارهم له من هذا الوجه، لا من جهة التكذيب، وفي ذلك صحة ما قلناه.
(ولا ضللت): عن الحق، وزغت عن طريقه.
(ولا ضُلَّ بي): أي ولا كان من جهتي بسبب فعلته مما يضل به أحد من الخلق، ولا بد من تأويله على ما ذكرناه.
فأما كونه سبباً لضلال كثير من الخلق مثل الخوارج وغيرهم من غير فعل سبب من جهته ضلوا به، فهذا قد وجد وحصل، وإنما الغرض تأويله على ما ذكرناه ليستقيم.
[180] (للظالم ): بإيلام غيره أوبأخذ حقه.
(البادِي): السابق لغيره بالظلم في ذلك.
(غداً): يعني يوم القيامة.
(بكفه عضة): عض الكف كناية عن الندم، وأراد أنه يندم على ما فعله يوم القيامة من البداية بالظلم، ومصداق ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ }[الفرقان:27]، أي يندم على ما فعله حسرة وتأسفاً على إقدامه عليه.
[181] (الرحيل وشيك): وشك الأمر إذا قرب، وأراد أن الارتحال إلى الآخرة يقرب حاله.
[182] (من أبدى صفحته للحق هلك): صفحة كل شيء جانبه، وأراد من جاهر بالجدال بالباطل، وأعرض عن قبول الحق فسد وبطل أمره.
[183] (من لم ينجه الصبر): على الأمور كلها.
(أهلكه الجزع): أراد أنه إذا لم يكن في الصبر على المصائب وجميع البلاوي نجاة عن الشرور، فالجزع فيها هو الهلاك بعينه، كما قالوا: من لم ينجه الصدق أوبقه الكذب.
[184] (واعجبا أتكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة): هذا الكلام وارد على جهة الرد على من زعم تقرير إمامة أبي بكر وعمر بالصحبة، فقال متعجباً من ذلك كيف تكون ثابتة بالصحابة فقط! ولا تكون ثابتة لمن ثبت في حقه الصحابة والقرابة جميعاً! فهو لا محالة يكون أحق وأولى لأمرين:
أما أولاً: فلأن ما ثبت في حق غيره فهو ثابت في حقه، على أكمل وجه وأتمه.
وأما ثانياً: فلأن القرابة إن لم تكن سبباً في استحقاق الخلافة وتقريرها، فلا أقل من كونها عاضدة ومقوية للصحبة، فلهذا كان أحق بالخلافة على ما يزعمونه من ذلك.
(وقد روي له في هذا شعر وهو قوله يخاطب أبا بكر:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم
فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فغيرك أولى بالنبي وأقربُ):
الشورى هي: المشاورة في الأمر، وأراد أخبرني بما حصلت لك الخلافة، وملك أمور الأمة والرئاسة عليها، فإن كان بالمشاورة من جهة الفضلاء من الأمة وجماهير الصحابة فالأكثر منهم كان غائباً لم يحضر هذه المشورة، فكيف تدَّعي الإجماع في ذلك من بعض الأمة دون بعض، وما هذا حاله لا يُعدُّ إجماعاً، وٍإن كان بالقربى من جهة الرسول حججت من قال من الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقلت: هذا الأمر لا يكون إلا في هذا البطن من قريش، ومن كان يقرب إلى الرسول ويدنو منه في نسبه وقرابته منه، فإن كان الأمر كما قلته، فغيرك يشير إلى نفسه أدنى منك قرابة وأولى منك اختصاصاً ومودة، وهذا كلام بالغ في قطع لاحتجاجه بما ذكر من دعوى الإجماع واختصاصه بالقرابة، ولا زيادة على ما ذكره وقرره.
[185] (إنما المرء في الدنيا غرض): الغرض: ما يرمى.
(تنتضل فيه المنايا): أي ترميه بسهامها.
(ونهب تبادره المصائب): النهب: اسم للمنهوب تسمية له بالمصدر كالصيد فيما يصاد أي تسابقه المصائب.
(ومع كل جرعة شَرَقٌ): الشَرَقُ: عبارة عما يشتجر في الحلق فلا يسوغ.
(وفي كل أكلة غصص): إما جمع غصة إن كان بضم الغين، وإن كان بفتحها فهو مصدر غصه، وهو عبارة عما يكون في الحلق أيضاً.
(لا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى): يشير إلى أن النعمة في الوقت الثاني مغايرة للنعمة في الوقت الأول من القدرة والحياة والشهوة وإكمال العقل، وهذه كلها لا ينالها في الوقت الثاني إلا بعد مفارقتها للوقت الأول؛ لاستحالة خلاف ذلك.
(لا يستقبل يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله): أراد أن كل ما يستقبله الإنسان من الأيام فهو معدود من عمره، وما يمضي عليه من الأيام فهو معدود من أجلهِ، وإنما كان الأمر كما قلناه؛ لأنه لا يصل إلى أجله إلا بعد انقطاع عمره وذهابه، وليس الذاهب إلا ما يمضي دون ما يكون مستقبلاً، فلهذا قال: بفراق آخر من أجله، يشير إلى هذا.
(فنحن أعوان المنون): أراد أنا نعين المنية على ذهاب الأرواح بما يكون من تقضي الآجال وذهابها.
(وأنفسنا نصب الحتوف): أراد أنها منصوبة لما يعرض لها من الحتف وهو الموت.
(فمن أين نرجو البقاء، وهذا الليل والنهار): أراد كيف نتصور الدوام لأحد من الخلق مع جري هذا الليل والنهار وإسراعهما وقطعهما للأعمار، اللذين لا يزالان جديدان على ممر الدهور وتكرر الأعوام.
(لم يرفعا من شيء شرفاً): يعني ما رفعا لأحد حالاً من شرف أو كرم، أو ارتفاع قدر وخطر.
(إلا أسرعا الكرة): كانت العودة من جهتهما سريعة.
(في هدم ما بنياه): من ذلك.
(وتفريق ما جمعاه!): وغرضه من هذا إشارة إلى تغير الأحوال بتكرر الليل والنهار وجريهما، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ }[آل عمران:140].
[186] (يا ابن آدم، ما كسبت فوق قوتك): يعني ما زاد من الجمع فوق مقدار القوت لك، ولمن تحت يدك وتمونه من الأولاد.
(فأنت فيه خازن لغيرك): يعني ادخارك له تكون فيه بمنزلة الخزان لمن يأتي فينفقه؛ لأنك لا تنتفع به وإنما ينتفع به غيرك.
[187] (إن للقلوب شهوة): للشيء ونفرة عن غيره من جميع ما يُشتهى ويُلتذ به.
(وإقبالاً، وإدباراً): تقبل تارة، وتدبر أخرى.
(فأتوها): على جهة الاغتنام لها والرغبة من جهتها.
(من قِبَلِ شهواتها): في الأوقات التي تشتهي فيه.
(وإقبالها): وفي حال إقبالها.
(فإن القلب إذا أكره عمي): يعني إذا أتي له في حال كراهته عمي، فلا يستطيع البصر لما هو فيه.
وعن الحسن: اطلبوا نفوسكم عند التهجد في الصلاة، وعند قراءة القرآن، فإن لم تجدوها فامضوا فإن الباب مغلق، يشير إلى ما يجده الإنسان من الرقة والإقبال إلى الله تعالى، والرغبة، وأحق ما يجد الواحد إقبال نفسه في هذه الأوقات الثلاثة.
[188] (متى أشفي غيظي إذا غضبت!): أي أخبروني متى يكون الشفاء من الغيظ والحدة من جهة النفس.
(أحين أعجز عن الانتقام): يعني العقوبة، وأراد أحين لا أكون قادراً على عقوبة من أريد عقوبته، فهذا لا وجه له.
(فيقال لي: لو صبرت!): على هذا الغيظ؛ لأنك لا تقدر على إنفاذه، وقضاء غرضك منه.
(أم حين أقدر عليه): على الانتقام والأخذ بالثأر، فهذا أيضاً لا وجه له.