(مشهوراً): فيما بينهم يتواصفونه من أجل ذلك، ويعرفونه لا يغبا على أحد منهم حاله ونعته.
(أو خاملاً): مدفون الذكر.
(مغموراً): بغيره في الاشتهار والظهور، وفي كلامه هذا دلالة على أن الواجب في حكمة الله تعالى هو حراسة الدين بالعلماء والقائمين لله تعالى بالحجج على عباده من أهل الفضل، إما بأن يكونوا ظاهرين للخلق يشاهدونهم ويرونهم ويتعلمون منهم، وإما بأن يكونوا بحيث لا يؤبه لهم لمكان البذاذة ورثة الهيئة.
(لئلا تبطل حجج الله وبيناته): على الخلق يعني أوامره ونواهيه وأحكامه اللازمة لخلقه.
(وكم ذا): فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون ذا راجعاً إلى ما ذكره ممن يقوم بحجج الله، والمعنى وكم ذا أعدِّد من لطف الله تعالى، وعنايته في الدين، واهتمامه بإصلاح خلقه.
وثانيهما: أن يكون راجعاً إلى المذكور أولاً من الذين لا يصلحون لحمل العلم ولا يكونون أهلاً له ولحمله، والمعنى وكم ذا أعدِّد ممن لا يصلح لذلك.
(وأين أولئك !): أي لا يوجدون إلا على القلة والندور.
(أولئك والله الأقلون عدداً): في الخلق فلا يوجد أمثالهم.
(والأعظمون عند الله قدراً): لعلوهم في الدين وارتفاع درجتهم عند الله.
(يحفظ الله بهم حججه): على الخلق في أمر دينه.
(وبيناته): وبراهينه على ذلك.
(حتى يودعوها نظراءهم): يحفظونها حتى يدفعوها إلى أمثالهم، يقال : أودعته مالاً إذا دفعته إليه.
(ويزرعونها في قلوب أشباههم): يشير إلى الحجج على الدين، والزراعة ها هنا استعارة لتمكنها في أفئدتهم.
(هجم بهم العلم): يعني دخل بهم العلم بغتة.
(على حقيقة البصيرة): على التحقق والاستبصار.

(وباشروا روح اليقين): أي خالطوا، والرُّوح بضم الراء هو: النفس الجاري، والرَّوح بفتحها هو: الراحة، قال الله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا }[الأنبياء:91]، وقال: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ }[الواقعة:89]، والمعنى في هذا هو أنه أطلعهم العلم بالله تعالى، وبما أفاضه عليهم من الأنوار الإلهية واختصهم به من الأسرار على حقيقة أمر الدين وعلم طريق الآخرة، وخالط قلوبهم اليقين بذلك والتحقق له، فاستراحوا إليه واطمأنت قلوبهم عليه، وانشرحت صدورهم به، فتجاوزوا من أجله كل غاية، واحتملوا لإحرازهم له كل مكروه.
(واستلانوا ما استوعره المترفون): المترفه هو: صاحب التنعم باللذات، وأراد أنهم استسهلوا ما وجده أهل النعمة وعراً من أجل ما عرفوه من حاله.
(وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون): يعني ووجدوا الأنس بما كان أهل الجهل يجدون منه الوحشة لجهلهم بحاله وعاقبة أمره.
(وصحبوا الدنيا): أراد إما أهل الدنيا لمخالطتهم لهم، أو أراد الدنيا نفسها.
(بأبدان): يعني أن أشباحهم حاصلة مع أهل الدنيا، أو تتصرف في أحوال الدنيا.
(أرواحها معلقة بالمحل الأعلى): والأرواح المودعة في هذه الأشباح معرضة عن ذلك متعلقة بالله تعالى، والتفكر في أحوال المعاد وطريق الآخرة، والشغل بعظمة الله تعالى، ومعرفة جلاله وكنه كبريائه، وكنى بالمحل الأعلى عن ذلك.
(أولئك): الذين وصفت حالهم ، وقررت طرائقهم.
(خلفاء الله): في دينه وعلى خلقه.
(في أرضه): التي هي مسكنهم، وموضع اجتهادهم في حقه.
(والدعاة إلى دينه): والمجتهدون في دعاء الخلق إلى دين الله وإحيائه.
(آه آه): صوت يستعمل للتوجع والتحزن، ينون تارة للتنكير، وتارة غير منون.

(شوقاً إلى رؤيتهم!): إلى الاطلاع عليهم، والانتفاع بمخالطتهم.
(انصرف إذا شئت): لقضاء حوائجك، وإصلاح أمورك.
فأما ما زعمه الباطنية من أن كلامه هذا إشارة إلى كلبهم المعصوم المنتظر وجوده وظهوره، فمن تهويساتهم وكذبهم في الدين وهذيانهم، فتباً لها من ظنون كاذبة!، وسحقاً لها من آراء غير صائبة! فمالهم أنى يؤفكون! مالهم لا يؤمنون! {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}[المؤمنون:71].

ثم رجع إلى ذكر الحكم والآداب، بقوله:
[142] (المرء مخبؤ تحت لسانه): وهذه من الحكم التي أناف فيها على حكمة الحكماء، وسبق بها على بلاغة البلغاء، وغرضه منها هو أن الإنسان مستور لا يعرف حاله ما لم يتكلم، فإذا تكلم عرف حاله في الفطنة والكياسة، أو في اللكنة والفهاهة.
[143] (هلك امرؤ لم يعرف قدره): أراد أن كل من لا يعرف حاله وقدره فإنه عن قريب لا محالة يرد في المهالك، ويوقع نفسه في المتالف، ولشرف هذه الحكمة ولطيف جوهرها وردت في كلامه على أوجه مختلفة، وعبارات متفاوتة.
[144] وقال لرجل سأله أن يعظه:
(لا تكن ممن يرجو الآخرة ): أي يتوقع الوصول إلى ثواب الآخرة، ويأمل ذلك.
(بغير العمل ): الذي يرجى حصول الثواب به، وإنما عرفه إشارة إلى العمل الصالح المرضي لله تعالى والمفعول لوجهه.
(ويُرجّي التوبة): يأملها ويظنها.
(بطول الأمل): وهو مع ذلك طويل الآمال بعيدها، ومن حق راجي التوبة قصر أمله ليحسن عمله بعد ذلك.
(يقول في الدنيا بقول الزاهدين): أي يظهر الرغبة عنها بلسانه، وينطق بالزهد فيها.
(ويعمل فيها بعمل الراغبين): وإذا نظرت إلى أعماله وجدتها عمل من هو راغب فيها مجتهد في تحصيلها، مكبٌّ على التحيل في طلبها.
(إن أعطي منها لم يشبع):لم تنقطع شهوته عنها وإن عظم إعطاؤه منها.
(وإن منع منها لم يقنع):لم يكن ذلك قنوع منه ولا رغبة في الآخرة؛ لشدة تلهفه على الدنيا.
(يعجز عن شكر ما أوتي): لا يقوم بشكر ما خوّل من نعم الدنيا.
(ويبتغي الزيادة فيما بقي): أراد إما فيما بقي من عمره، وإما فيما بقي فيما لم يعط إياه من قبل.
(ينهى ): غيره عن فعل المنكر وعن الإتيان بالمعصية.
(ولا ينتهي): عن ذلك كله.

(ويأمر بما لا يأتي ): من الطاعات وفعل الأعمال الصالحة.
(يحب الصالحين): بإظهار ذلك من قلبه ولسانه.
(ولا يعمل عملهم): بالطاعة لله والانقياد لأمره.
(ويبغض المذنبين): يكرههم بقلبه ولسانه.
(وهو أحدهم): يعني من جملة من أتى بالذنوب، وجاء بالمعاصي، فلهذا قال: وهو أحدهم.
(يكره الموت): لا يحب أن يموت قط.
(لكثرة ذنوبه): من أجل ما يسوءه عقيبه من كثرة ذنوبه، والعقاب عليها.
(ويقيم على ما يكره الموت له ): ومع كراهته للموت فهو مقيم على المعصية التي يكره الموت من أجلها وبسببها.
(إن سقم ظل نادماً): على مافاته من اللهو والطرب والمعصية لأجل سقمه.
(وإن صحَّ ظل لاهياً): في لذاته منهمكاً في طلب شهواته.
(يعجب بنفسه إذا عوفي): يصيبه العجب العظيم بنفسه إذا تنعم بالعافية وترفه في لذاتها.
(ويقنط إذا ابتلي!): وييأس من رحمته إذا أصابه بلوى في جسمه.
(إن أصابه بلاء): ألم في جسمه أو مصيبة وجائحة في ماله.
(دعا مضطراً): على جهة الاضطرار لكشف ما هو فيه من الاضطرار.
(وإن ناله رخاء): تمكن في المعيشة.
(أعرض): عن الله، وشمخ بأنفه.
(مغتراً): مخدوعاً بالأماني الكاذبة والتسويفات الباطلة، وكأنه عليه السلام يشير بكلامه هذا إلى قول الله تعالى : {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ}[يونس:12]، وقوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ }[فصلت:51]، {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ }[فصلت:49]، وفي آية أخرى: {فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}[فصلت:51].

(تغلبه نفسه على ما يظن): أراد أنه ينقاد للأطماع المظنونة، وتغلبه نفسه على اتباعها من غير قطع عليها.
(ولا يغلبها على ما يستيقن): يعني أن الثواب مقطوع به مستيقن حصوله، ومع ذلك فإنه لا يقهرها على الأعمال الصالحة التي تكون سبباً في الوصول إليه.
(يخاف على غيره): من أفناء الناس.
(بأدنى من ذنبه): يريد أن ذنبه عظيم وهو لا يخافه، وذنب غيره دون ذنبه، وهو مع ذلك يشفق عليه من النار مخافة أن يقع فيها.
(ويرجو لنفسه بأكثر من عمله): يعني أنه يأمل لنفسه من الثواب وارتفاع الدرجات عند الله تعالى، بأكثر مما يستحق من جزاء عمله إذا عمل.
(إن استغنى): عن الناس بأن أغناه الله تعالى.
(بطر): تجاوز الحد في كفران النعمة.
(وفت‍ن): في دينه بالخروج عنه.
(وإن افتقر): إلى الناس، واحتاج إلى ما في أيديهم.
(قنط): يئس عن خير الله تعالى.
(ووهن): ضعف في أحوال دينه، ويزلّ فيه.
(يُقَصِّر إذا عمل): يعني إذا عمل شيئاً من الأعمال التي يرجو بها وجه الله تعالى فهو في غاية التقصير في تأديتها على الوجه المرضي عند الله تعالى .
(ويبالغ إذا سأل): يعني ويلح في المسألة إذا سأل غيره شيئاً من حطام الدنيا.
(إن عرضت له شهوة): سنحت وعنَّت في مأكل أو مشرب أو ملبس.
(أسلف المعصية): قدّمها من أجل حصوله على شهوته.
(وسوَّف التوبة): عما أتاه من المعصية، وقال: سوف آتي بها بعد حين.
(وإن عَرَته محنة): التبسته وخالطته، من قولهم: عراه الجنون إذا خالطه، وأراد إذا خالطه شيء من البلاوي والامتحانات.
(انفرج عن شرائط الملة): انكشف وزال عن رسوم الدين وحدوده.
(يصف العبرة): بلسانه.
(ولا يعتبر): يظهر الاتعاظ في أفعاله ولا يُرَى عليه أثر الاعتبار.

(ويبالغ في الموعظة): لغيره من أفناء الناس.
(ولا يتعظ): ينزجر عن فعل القبائح في نفسه.
(فهو بالقول مُدِلُّ): أي فهو بما يقوله من جهة لسانه من الدين واثق مستظهر.
(ومن العمل مُقِلُّ): يعني ومن عمل الآخرة وطاعاتها في غاية الإقلال.
(ينافس فيما يفنى): المنافسة هي: الرغبة في الشيء على جهة المباراة للغير فيه، والمزاحمة له في فعله.
(ويسامح فيما يبقى): أي ويستسهل فيما يكون خيره باقياً، وغرضه من هذا كله منافسته في أعمال الدنيا، وتساهله في أعمال الآخرة.
(يرى الغنم مغرماً): يعني أنه إذا أعطى الزكاة والصدقة فهو غنم في الحقيقة؛ لما فيها من إعظام الأجر، ويراها غرماً لثقلها عليه وكراهته لإخراجها.
(والغرم مغنماً): ويرى منع الزكاة والصدقة غنيمة بخلاً وضِنّة بهما، وذلك مغرم في الحقيقة لما فيه من العقاب والوعيد.
(يخشى الموت): يخاف هجومه عليه ويشفق من موافاته.
(ولا يبادر الفوت): أي ولا يعاجل ما يفوته من الأعمال الصالحة عند موته وينقطع عنه من ذلك.
(يستعظم من معصية غيره): يستكبر ذلك في نفسه ويهول في وقوعه ويستنكر.
(ما يستقلُّ أكثر منه من نفسه): ما يكون أكثر منه قليلاً إذا وقع من جهة نفسه، ولا يُرى لذلك أثر.
(ويستكثر من طاعته): يعده كثيراً في نفسه، ويستعظم:
(ما يحقِّره من طاعة غيره): يعني إذا وقع من ذلك في حق غيره استحقره واستقله.
(فهو على الناس طاعن): في أفعالهم وطاعاتهم، مولعاً بالاعتراض عليهم في جميع أحوالهم.
(ولنفسه مداهن): المداهنة: المصانعة، وأراد أنه غاش لنفسه في ذلك، يقال: أدهنت في الأمر إذا غششت فيه.
(اللهو مع الأغنياء): إفراط المزاح والطرب بأنواع الملاهي.

(أحب إليه من الذكر مع الفقراء): أميل إلى قلبه من أن يكون ذاكراً لله تعالى مع أهل الفقر والمسكنة.
(يحكم على غيره لنفسه): يريد أنه يستوفي حقه ممن كان عليه لنفسه ويوفيها إياه.
(ولا يحكم عليها لغيره): يعني وإذا كان عليه حق لغيره من الناس فهو غير موف له من جهة نفسه.
(ويرشد غيره): يدله على مواضع الرشد.
(ويغوي نفسه): بسلوك طريق الضلال، وتعمية الحق على نفسه.
(فهو يطاع): فيما قال وأمر وحكم على غيره بشيء من الأحكام.
(ويعصي): أي ويخالف في جميع ما أمر به ونهي عنه.
(ويستوفي) حقه في كيل أو وزن أو غير ذلك.
(ولا يوفي): من جهة نفسه بشيء من ذلك.
(ويخشى الخلق): يخافهم ويشفق منهم.
(في غير رَبِّه): يريد أن خشيته للخلق ليس في أمر من أمور الدين، ولا من الأمور المتعلقة بالله تعالى، وإنما كانت من أجل ما بينه وبينهم من المعاملة.
(ولا يخشى رَبَّه في خلقه): أي ولا يخاف الله في خيانته في معاملة الخلق ونقص حقوقهم، فصار خائفاً للخلق، وخوفه لغير الله، وإنما خوفه لما يلحقه من مضرة الخلق، ولا يخاف الله فيما يفعله بالخلق.
وأقول: لقد عظم هذا الكلام وأوفى، وأغنى عن غيره في النفع وكفى، وبالغ في الزجر والموعظة وشفى، ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكان خليقاً بأن يكون تبصرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر، وكيف لا وهذا بالإضافة إلى ما اشتمل عليه من الأسرار والرموز، وتضمنه من الجواهر والكنوز كغرفة من بحر لجي كما قررناه.
[145] (لكل أمر عاقبة): أي منتهى وغاية يصل إليها ولا يتجاوزها.
(حلوة): تشتهيها النفوس وتميل إليها.
(أو مرة): تنفر عنها الطباع ولا تلائمها.
[146] (لكل مقبل): من جميع الأمور كلها.

(إدبار): تقضي وزوال، وذلك لأن الدنيا كلها إلى نفاد فما أقبل منها من علم أو عمل أو عمر أوسعادة أو بلوى، فلا بد من تقضيه وزواله.
(وما أدبر): تقضَّى وزال .
(كأن لم يكن ):كأنه في الحقيقة ما كان ولا كان له حصول ووجود، وهذا كله من شؤم الدنيا وهوانها، أن كل ما أقبل منها فلا بد له من إدبار، وما أدبر منها كأنه ما وجد في حال أصلاً.
اللَّهُمَّ، اجعل عاقبة أمرنا، وقصارى أحوالنا رضوانك والفوز بكرامتك.
[147] (لا يَعْدَمُ الصبور الظفر): أراد أن كل من كان صابراً على تحصيل مراد وغرض في الدين والدنيا، فعن قريب وقد حصل له الظفر بمراده.
(وإن طال به الزمان): وإن تراخت الأيام والليالي فعاقبته ذلك.
[148] (الراضي بفعل قوم كالداخل معهم ): أراد أن كل من كان راضياً بأفعال قوم فحكمه حكمهم، وظاهر كلامه هذا دالٌّ على أن الرضا بالكفر يكون كفراً، والرضا بالفسق يكون فسقاً، فمن رضي بأفعال الكفار، فقد دخل معهم في الكفر، وهكذا حال الفُسَّاق، ومن رضي بأفعال قوم فقد تولاهم لأجل ذلك، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ }[المائدة:51]، وكثرة الخوض في مثل هذا يحرك علينا قطباً من أسرار الإكفار وذكر حقيقة الموالاة وحكمها، وفيه خروجنا عن مقصد الكتاب، وقد رمزنا إلى حقائق القول فيه في الكتب الدينية.
(وعلى كل داخل في باطل إثمان): أراد أن كل من فعل معصية فسقاً كانت أو كفراً أو غير ذلك مما ليس كفراً ولا فسقاً، فلابد فيها من وجهين في الإثم.
(إثم العمل به): الإقدام على فعله وقد نهي عنه.
(وإثم الرضا به): إرادته.

سؤال؛ كلام أمير المؤمنين ها هنا مخالف لما قالته المعتزلة وغيرهم من المتكلمين من أن أقل المعاصي يستحق عليها جزءان من الإثم، وها هنا قال: لا يستحق عليها إلا جزء واحد، على الفعل جزء، وعلى الرضا جزء فما وجهه؟
وجوابه؛ هو أنه عليه السلام ليس غرضه ذكر ما يستحق على المعصية من أجزاء العقاب، فيكون ما قاله السائل طعناً في كلامهم، وإنما غرضه أن الفعل لا يفعل إلا مع كونه مرضياً، فأراد أن يبين أن على مطلق الفعل إثم، وعلى مطلق الرضا إثم آخر غير ذلك الذي على الفعل، ولم يرد تقرير مقدار أقل ما يستحق على المعصية من الآثام والعقاب.
[149] (إعتصموا بالذمم): يعني العهود والمواثيق، وعصمتها: منعها عن النقض والإخلاف فيها.
(في أوتادها ): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد المواظبة على ما يعلق على العقود والمواثيق من الأفعال والتحفظ بها، كما يكون الوتد حفظاً لما يعلَّق عليه من الأمتعة.
وثانيهما: أن يكون مراده التشدد في العهود والمواثيق، استعارة له من شدة الوتد وضربه في الجدار.
[150] (عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته): يشير بذلك إلى معرفة الله تعالى، فإنه لا عذر لأحد في الجهل به ، لما فيه -أعني العلم به- من اللطف، والمصلحة والتقريب من الطاعة، والانكفاف عن المعصية؛ لأن مع معرفته يحصل الداعي إلى الطاعة وهو الثواب عليها، ويحصل الانكفاف عن المعصية بما يستحق عليها من العقاب.

179 / 194
ع
En
A+
A-