وجوابه؛ هو أنها إذا كانت للتعليل كان الكلام أبلغ وأوقع، وذلك أنه لما كان الموت لازماً لمن وُلِدَ، والفناء لا ينفك عمَّا جُمِعَ، والخراب لازم لما كان مبنياً، فلما كان الأمر كذلك صار لملازمته، كأن هذه الأشياء عِلَلٌ في تلك، فلهذا كان تفسيرها بالتعليل أحق، وقد ورد ذلك في كتاب الله تعالى كما قال تعالى : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ }[الأعراف:179]، وقوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ }[يونس:88]، إلى غير ذلك، فأما من يتأوَّل هذه اللامات على أنها لام العاقبة فبمعزل عمَّا عليه النُّظار وأهل التحقيق من علماء البيان، كما هو مروي على بُعْدِه عن جُلَّةِ المتكلمين من المعتزلة، ومخالفته لما عليه أئمة اللغة والعربية من تأويلها على لام العاقبة.
[127] (الدنيا دار ممر): إلى الآخرة.
(لا دار مقر): وليست دار استقرار وتوطن، والممر والمقر هما مكان المرور والاستقرار.
(والناس فيها رجلان): على كثرتهم وتفاوت أعدادهم، فهم لا ينفكون عن ذلك.
(رجل باع نفسه): عبر عن التساهل والانقياد للأهواء بالبيع؛ لأنه كأنه لمكان تعجله لهذه اللذات المنقطعة، جعلها ثمناً لنفسه وعوضاً عنها، فلهذا قال: باع نفسه.
(فأوبقها): أهلكها بما فعل من ذلك، والإيباق: الإهلاك.
(ورجل ابتاع نفسه): اشتراها، جعل كفه لنفسه لاتباع هواها بمنزلة الشراء، كأنه بذلك تدراكها عن الهلاك.
(فأعتقها): بفعله ذاك.
[128] (لا يكون الصديق صديقاً): أراد أن صديق الصحبة إنما يظهر بالاختبار والامتحان في أفعاله وأقواله، فلا يكون كذلك.
(حتى يحفظ أخاه في ثلاث): فمتى حفظه فيها كان صديقاً على الحقيقة.
(في غيبته): يعني إذا غاب حفظه في ماله وولده وأهله، وما يحفظه من ذلك.
(ونكبته): وإذا جرت عليه مصيبة من مصائب الدهر ونكباته [كان عوناً له] .
(ووفاته): وإذا مات كان عظيم الحياطة لما وراءه من ذلك.
[129] ثم قال عليه السلام:
(من أعطي أربعاً لم يحرم أربعاً):
سؤال؛ ما وجه التلازم بين هذه الأربعة وهذه الأربعة، هل هو من جهة الاقتضاء، أو من جهة التسبيب ، أومن جهة أخرى غير ما ذكرناه فلا بد من بيانه؟
وجوابه؛ هو أن الغرض من ذلك هو أن من وفقه الله تعالى ولطف له في تحصيل [أحد هذه] الأربعة من هذه الأمور التي ذكرها، فهي بنفسها داعية إلى تحصيل تلك الأربعة الباقية.
قوله: من جهة الاقتضاء أو من جهة التسبيب .
قلنا: من جهة داعي الحكمة، ومن جهة الاستصلاح.
(من أعطي الدعاء): في أي حاجة أرادها من حوائج الدين والدنيا.
(لم يحرم الإجابة): بالإعطاء لما طلب من جهة الله تعالى.
(ومن أعطي التوبة): عن جميع الذنوب والإنابة إلى الله تعالى منها.
(لم يحرم القبول): من الله تعالى.
(ومن أعطي الاستغفار): طلب غفران ذنوبه من جهة الله تعالى.
(لم يحرم المغفرة): لم يمنعه الله إياها.
(ومن أعطي الشكر): على النعم.
(لم يحرم الزيادة) من النعم.
سؤال؛ هب أنا سلمنا ما ذكر هنا في الاستغفار والتوبة لما كان في ذلك مستوراً عنَّا، فما وجه ذلك في الدعاء والشكر، ونحن نعرف كثيراً من أهل الدعاء يجتهدون فيه فلا تحصل لهم الإجابة، وكثيراً من أهل الشكر يحصل من جهتهم الشكر، ولا تحصل لهم الزيادة، فكيف أطلق الأمر في ذلك؟
وجوابه؛ هو أن الأمر في هذه الأشياء كلها وإن ورد مطلقاً فإنه مشروط بالصلاح، فإنه لا يمتنع أن يدعو بما تكون الإجابة فيه مفسدة في أمر دينه ودنياه، فلهذا لا يجاب من أجل ذلك، وهكذا فإنه لا يمتنع أن تكون الزيادة في النعمة مفسدة، فلهذا يمتنع من فعلها لما ذكرناه، فهذه اللطيفة لابد من التنبه لها، وفي ذلك بطلان ما أورده السائل.
(وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه ): الإشارة إلى ما ذكره أولاً وعدده من هذه الأمور الأربعة.
(قال الله تعالى في الدعاء : {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ })[غافر:60].
وقال في الاستغفار: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً})[النساء:110].
وقال في الشكر: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ })[إبراهيم:7].
وقال في التوبة: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا})[النساء:17].
[130] (الصلاة قربان كل تقي): القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من جميع النوافل والأعمال المبرورة، وفي الحديث: ((الصلاة خير كلها )).
(والحج جهاد كل ضعيف): يعني من لايستطيع الجهاد بالسيف فالحج هو جهاده.
(ولكل شيء زكاة): أي وكل شيء فيه حق لله يتوجه أداؤه وإخراجه.
(وزكاة البدن الصيام): يعني حق الله من البدن هو الصيام واجبه ومندوبه، وفي الحديث: ((الصوم لي، وأنا أجزي به )).
(وجهاد المرأة حسن التبعل): البعال والمباعلة والتباعل كله عبارة عن ملاعبة الرجل امرأته وملاعبتها له، وفي الحديث: ((إنها أيام أكل وشرب وبعال )) ، وأراد بحسن التبعل حسن الملاعبة والدعابة له لتطييب نفسه.
[131] (استنزلوا الرزق بالصدقة): يعني إذا قل رزق أحدكم فليتصدق؛ فإنها تكون سبباً لإنزاله وقسمته من عند الله تعالى.
[132] (من أيقن بالخلف): بالعوض من الله تعالى.
(جاد بالعطية): بالإعطاء لوجه الله تعالى.
[133] (تنزل المعونة): من الله تعالى.
(على قدر المؤونة): وهذا معلوم لا شك فيه، فإن من يمون عشرة لا يكون حاله كحال من يمون واحداً في الإعانة من جهة الله تعالى ، واللطف به وقسمة الرزق من عنده.
[134] (ما عال من اقتصد): عال في الحكم إذا جار فيه، وعال إذا كثر عوله، وعال إذا مال، وأراد ها هنا ما كثر عول من اقتصد في معيشته، كما قال تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا }[النساء:3]، أي يكثر عولكم.
[135] (قلة العيال أحد اليسارين): لأن اليسار كما يكون بالمال وهو اليسار الأعظم، فقد يكون بقلة العيال؛ لأن عياله إذا كانوا قليلين لم يحتج إلى كثير المؤونة .
[136] (التودد نصف العقل): يعني التحبب إلى الناس هو نصف العقل؛ لأن العاقل هو الذي يأتي بالواجبات وينكف عن المقبحات، ويحسن المحبة للناس، فكان القيام بالأحكام العقلية نصف، والتودد نصف كما ذكر.
[137] (الهمُّ نصف الهرم): يريد أن الهرم وهو ضعف القوى، كما يكون من أجل طول العمر، فقد يكون بالهمِّ، فصار الهمُّ نصفاً له من هذا الوجه.
[138] (ينزل الصبر على قدر المصيبة): أراد أن نزول اللطف من جهة الله تعالى للصبر إنما يكون على عظم المصيبة وخفتها، فإن كانت عظيمة احتاجت إلى لطف قوي من جهة الله، وإن كانت خفيفة احتاجت إلى لطف خفيف من عنده أيضاً، فهو على قدر حالها في ذلك.
(ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبة ): نزلت به حسرة وندامة وتلهفاً.
(حبط أجره): يعني ذهب ثوابه الذي كان يستحقه على الصبر على هذه المصيبة، ولا يحمل على خلاف ذلك؛ لأن حمله على الفسق خطأ لا وجه له.
[139] (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ ): أراد أن بعض الصائمين لا يسلم صومه عما يحبط ثوابه عليه، فلهذا لا يكون له منه إلا مجرد الامتناع عن شرب الماء البارد، وهذا بعينه قد روي عن الرسول عليه السلام حيث قال: ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش )) يشير إلى ما ذكرناه.
(وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء ): وهذا من ذاك فإنه لا يمتنع لبعض المصلين إبطال أجره على الصلاة بما يعرض منه من المعاصي الموجبة لإحباط عمله، ونقصان أجره.
(حبذا نوم الأكياس): يشير إلى أهل البصائر وأهل الظرف، فإنهم ينامون على السنة ويصلون على السنة من غير إفراط ولا تفريط.
(وإفطارهم!): يعني وحبذا صومهم وإفطارهم، وحبذا هذه كلمة دالة على المدح مثل نعم.
[140] (سوسوا إيمانكم بالصدقة): السياسة هي: حسن التدبير للأمور، وأراد ها هنا أن الصدقة هي نهاية تقرير قواعد الإيمان وإثباتها.
(وحصنِّوا أموالكم بالزكاة): يعني عن الآفات والمصائب، وفي الحديث: ((إذا منعت الزكاة هلكت المواشي )).
(وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء): فإنه يرد القضاء، وفي الحديث: ((الدعاء يرد القضاء )).
[141] كلامه لكميل بن زياد النخعي
(قال كميل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأخرجني إلى الجبَّان): يعني الصحراء.
(فلما أصحر) : أي خرج إلى الصحراء.
(تنفس الصُّعَداء):، أراد استطلع نفسه من جوانح صدره، وهذا إنما يكون في حق من كان منقطعاً في الحزن والأسف.
ثم قال:
(يا كميل بن زياد، إن هذه القلوب أوعية): لما أقر فيها من العلوم والمواعظ والآداب والحكم.
(وخيرها أوعاها): أدخلها في النفع، وأعظمها قدراً عند الله تعالى ما كان منها واعياً لما أودع فيه من ذلك.
(احفظ عني ما أقول لك): أنطق به من لساني من أجل نفعك وتقريبك إلى الخير.
(الناس ثلاثة): أراد أن الناس على كثرتهم وتباين أحوالهم وطبقاتهم لا يخرجون عن هذه العدة.
(عالم رباني): الرباني هو: العالم بأحوال الربوبية وأحكامها وما يجب لها، وما يجوز عليها، وما يستحيل، وإدخال الألف والنون في النسبة إلى الرب على جهة المبالغة في ذلك، كما تقول: في النسبة إلى الروح: روحاني.
(ومتعلم على سبيل نجاة): أراد لينجو في الدنيا من الجهل وفي الآخرة من العذاب، وهذا هو دون الأول في الرتبة، فإن الأول يشير إلى عظم حاله في العلم بالله تعالى وبصفاته، وهذا ليس له في التعلم إلا مقدار ما يصل به إلى النجاة في الدنيا والآخرة كما أشرت إليه.
(وهَمَجٌ رِعَاعٌ): الهَمَجَة: ذباب صغير كالبعوض يقع على وجوه الحمير، وقد فسرناه، حيث مرَّ في كلامه من قبل، والرِّعَاعُ: الأحداث من الناس والطغام.
(أتباع كل ناعق): يعني من هتف أجابوه من غير بصيرة لهم في أنفسهم.
(يميلون مع كل ريح): يشير بذلك إلى قلة بصائرهم وضعف أحوالهم في الديانة والعلم، فلا قوة لهم على شيء من أمورها بحال.
(لم يستضيئوا بنور العلم): في طريقهم إذا مشوا إلى طريق الآخرة.
(ولم يلجأوا إلى ركن وثيق): فيما هم فيه من أمر الديانة، واللجأ: الاستناد، يقال: لجأ في أمره إلى كذا إذا كان مستنداً إليه.
(ياكميل): تصغير كامل أو أكمل على طريقة الترخيم.
(العلم خير من المال): أعلا منه حالاً عند الله تعالى، وأجل قدراً، ومصداق هذه المقالة هو أن:
(العلم يحرسك): عن آفات الدين وأعظمها الجهل، وآفات الدنيا وأعظمها الزلل في التصرفات كلها.
(وأنت تحرس المال): بالقلاع المشيدة، والأبواب المغلقة، والأقفال الأكيدة، وكثرة الحفاظ والحراس له.
(والمال تنقصه النفقة): كلما أنفق منه نقص لا محالة، ويقل عدده سواء أنفق لله أو لغيره، خلا أن كل ما أنفق لله فإن الله تعالى يخلفه، بخلاف ما أنفق لغيره، فإنه لا عوض له من الله تعالى.
(والعلم يزكو على الإنفاق): يزيد على كثرة التعليم، ويزداد قوة ونفوذاً.
وعن هذا قال بعضهم: العلم كامن وظهوره بالمناظرة والمراجعة، فإذا ظهر فهو ميت وحياته بالتعليم، فإذا حيَّ فهو عقيم، ونتيجته العمل به.
(وصنيع المال يزول بزواله): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن صاحب المال إذا أعطى غيره شيئاً منه وجعل ذلك صنيعة إليه، فإنما يكون ذلك باقياً ما بقي المال في يده، فإذا زال امَّحى ذلك الصنيع ونسي أمره.
وثانيهما: أن يكون مراده أن كل من كان صاحب مال فإن صنيعه بالمال وإعطائه من يستحقه إنما يكون حكمه باقياً مهما بقي على اليسار والتمكن، فأما إذا صار فقيراً فإنه لا يبقى صنيعه أصلاً، ولا يستحق مدحاً بعد ذلك على ما فعله من الصنائع، بخلاف العلم فإن حاله مخالف لذلك كله.
(ياكميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به الله): أي يطاع به، بل هو من أعظم الطاعات وأفضلها؛ لأن كل طاعة فهي مفتقرة إلى العلم، والعلم لايحتاج إلى الطاعات، فلهذا شرف حاله، ونزل العلماء منزلة الآباء، كما قال بعضهم:
من علَّم الناسَ ذاك خيرُ أبٍ
ذاك أبو الروح لا أبو النطف
(به يكسب الإنسان الطاعة في حياته): يعني أنه يكون سبباً في طاعة الله والانقياد لأمره، ولهذا قال ابن عباس: إن العلم يتعلم لغير الله تعالى فيأبى الله إلا أن يجعله لله، يشير بما ذكره أمير المؤمنين إلى أنه يكون لطفاً في كثرة الطاعة والانكفاف عن المعصية.
(وجميل الأحدوثة بعد وفاته): يعني ويفيد صاحبه الثناء الجميل عليه بعد موته.
(والعلم حاكم): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن صاحب العلم حاكم على كل أحد في الإقدام والإحجام والعقد والحل بيده على حسب ما يراه، ويصوِّبه في الأمور كلها.
وثانيهما: أن يكون مراده أن رتبته عالية على كل رتبة، وأمره مرتفع على كل أمر، فلا أمر ينفذ عليه لأحد، وأمره نافذ على كل أحد.
(والمال محكوم عليه): نقيض لما ذكرناه من الوجهين في العلم.
(ياكميل بن زياد، هلك خزان المال وهم أحياء): يعني أن أذكارهم في القلوب ماتت واندرست وهم باقون على الحياة، لا يلتفت إليهم ولا يجري ذكرهم على الألسنة بحال؛ لنزول أقدراهم وركة هممهم.
(والعلماء باقون ما بقي الدهر): يعني ذكرهم باقي في الحياة وبعد الموت، على المنابر والمساجد والمواضع الشريفة والكتب والدفاتر، فلا تسمع على المنابر إلا كلامهم، ولا ترى مع الخلق إلا فتاويهم وأحكامهم، فلهذا بقي ذكرهم على وجه الدهر.
(أعيانهم مفقودة): بالموت والإدبار عن الدنيا.
(وأمثالهم في القلوب موجودة): لا تزال مصوَّرة في الأفئدة لتكرر أذكارهم على الآذان.
(ها): للتنبيه، كقوله تعالى: {هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ }[آل عمران:119].
(إن هنا لعلماً جماً): هنا إشارة إلى الأمكنة، يقال فيه: هنا مخففاً، وهَنَّا مضاعفاً بفتح الهاء، وأشار به إلى صدره، والجم هو: الكثير.
(لو أصبت له حملة): وجدت له من يحمله على ما أريد من الاستقامة على حدوده وشرائطه.
(بلى): موضوعة للإيجاب بعد النفي.
(أصبت لقناً): أي سريع الفهم، جيد القريحة.
(غير مأمون عليه): في تغييره وتحريفه وتبديله.
(مستعملاً آله الدين للدنيا): لا غرض له فيه إلا طلب الدنيا، واستعمال لذتها، يتوصل به إلى ذلك.
(ومستظهراً بنعم الله على عباده): يجعل نعم الله ظهراً له وقوة على البغي على عباده، والظلم لهم، والتسرع إلى مضرتهم.
(وبحججه على أوليائه): أي ويجعل حجج الله ذريعة ووصلة إلى مخاصمة أوليائه وجدالهم.
(أو منقاداً لجملة الحق): أو أصبت رجلاً منجذباً سلس القياد للأمور الظاهرة، وجمل الدين دون تفاصيله ودقائقه.
(لا بصيرة له في أحنائه): جوانبه، الواحد منها: حنو.
(ينقدح الشك في قلبه): يحصل الشك في قلبه على سرعة، ومنه انقداح النار.
(بأول عارض من شبهة): بأول ما يعرض له من الشبه والخيالات.
(ألا): للتنبيه، كقوله تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ }[يونس:62].
(لا ذا ولا ذاك): أي لا أريد من كان خائناً، ولا أريد من كان منقاداً لجمل هذا العلم، ولا أرضاهما أهلاً له.
(أو منهوماً باللذة): أي مولعاً باكتساب اللذات واستعمالها.
(سلس القياد للشهوة): يأتي لها بسهولة، لا يصعب عليه أمرها وحالها.
(أو مغرماً بالجمع والادخار): الغرام: شدة الولوع بالشيء، وأراد أنه مولع بجمع الدنيا وادخار حطامها وكسبها على أي وجه كان، ومن أي وجه حصلت.
(ليسا): الضمير للمنهوم والمغرم.
(من رعاة الدين): من الذين استرعاهم الله خلقه وأئتمنهم على حقائق دينه وأسراره.
(في شيء): لا في ورد ولا صدر، ولا مغدى ولا مراح، يقال: فلان ليس من أمر الدين في شيء إذا كان لا يعرِّج عليه في وقت من الأوقات.
(أقرب شيء شبهاً): أقرب ما يشابه من الأشياء، ومماثلاً له في خلائقه وطرائقه.
(بالأنعام السائمة): بالبهائم المرعية، كما قال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ }[الفرقان:44]، وما قنع بهذا الشبه بل زاد بل هم أضل منها حالاً.
(كذلك): الكاف هذه متعلقة بيموت.
(يموت العلم بموت حامليه): والمعنى مثل ما ذكرته من حال هؤلاء يموت العلم بموت من يكون حاملاً له منهم، وذا إشارة إلى المذكور من حالهم .
(اللَّهُمَّ): هذه كلمة تستعمل متوسطة بين كلامين متغايرين، كقولك: والله لأزورنك اللَّهُمَّ إلا أن تجد مني ملالة، ولألزمنك اللَّهُمَّ إلا أن تكون لي كارهاً.
(بل ): للإضراب عما سبق من الإعراض عمن ذكر من هؤلاء الحملة.
(لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة): تعريف أحكام الدين، والقيام بواجباته، والمواظبة على أدائها.
(إما ظاهراً): للخلق يرونه، ويتعلمون منه شرائعه ورسومه.