(عمل تذهب لذته، وتبقى تبعته): يعني عمل الدنيا، فإنه يفنى نعيمها، ويبقى ما يتبع منها من العقاب على تلك الأفعال .
(وعمل تذهب مؤونته، ويبقى أجره): يزول ثقله، ويبقى ما كان مستحقاً عليه من الثواب، وهذا هو عمل الآخرة، وأراد شتان ما بين عمل الدنيا وعمل الآخرة.
[116] وتبع جنازة فسمع رجلاً يضحك، فقال:
(كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب): يعني لو تحققنا الحال في ذلك ما كان منا لهو ولا طرب.
(وكأن الذي نرى من الأموات سفر): مسافرون ليسوا أمواتاً.
(عما قليل إلينا راجعون): من أسفارهم.
(نبوئهم أجداثهم): نقررهم في قبورهم.
(ونأكل تراثهم ): ما خفلوه ميراثاً.
(قد نسينا كل واعظة ): أراد إما الكلمة الواعظة، وإما أن يريد الوعظ نفسه، كقوله تعالى: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ }[الحاقة:8]، أي بقاء، وإتيان المصدر على وزن الفاعل كثير في كلام العرب.
(ورمينا بكل جائحة): آفة مهلكة لنا.
(طوبى لمن ذل في نفسه): عن تعاطي الكبر والفخر والخيلاء.
(وطاب كسبه ): ما يأكله.
(وصلحت خليقته ): حسنت أخلاقه.
(وأنفق الفضل من ماله): ما زاد على قوته وقوت أولاده، وفي الحديث: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى )) .
(وأمسك الفضل من لسانه): فضلات قوله، وما لاحاجة له في ذكره والنطق به.
(وعزل عن الناس شره): فلا يؤذيهم ولا يسمعون منه ذماً لهم.
(ووسعته السنة): أي كان في جميع أموره وأحواله على سنة رسول الله من غير مخالفة إلى بدعة.

(ولم يُنْسَبْ إلى البدعة): يكون مبتدعاً لشيء من البدع المخالفة للسنة المضادة لها: (ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ): وهذا هو الصحيح، فإن هذا الحديث مشهور في (الأربعين السليقية ).
[117] (غيرة المرأة كفر): المراد أنها تنكر أن يكون لها مشاركة في زوجها، وإنما كانت كفراً؛ لأن فيها إنكار لما أحل الله لكل حر أربع حرائر.
(وغيرة الرجل إيمان): المراد به أنه ينكر أن يكون له شريك في امرأته، وإنما كانت من الإيمان؛ لأن الله تعالى حرم ذلك، وحرم النظر إليها والاستمتاع بها.
[118] (لأ نسبنَّ الإسلام نسبة): المراد من النسبة ها هنا تعريف أصله؛ لأن من أراد تعريف شيء نسبه إلى أصله إن كان إنساناً نحو هاشمي وتميمي، أو إلى بلده نحو بصري وكوفي، أو إلى صناعته نحو جوهري وحريري.
(لم ينسبها قبلي أحد ): من العلماء والأئمة والفضلاء.
(الإسلام هو التسليم): أراد أن الإسلام هو الانقياد، ولا يعقل الانقياد إلا بالتسليم لأمر الله وقضائه وتصرفه.
(والتسليم هو اليقين): ولا يقع التسليم إلا إذا كان الشك مرتفعاً عن ذات الله وصفاته وحكمته، وصدق رسله.
(واليقين هو التصديق): ولا يعقل يقين إلا إذا صاحبه التصديق باللسان.
(والتصديق هو الإقرار): أي ولا يتحقق التصديق إلا بالإقرار باللسان .
(والإقرار هو الأداء): يعني ولا يكون للإقرار ثمرة إلا بأداء الواجبات والانكفاف عن المحرمات.
(والأداء هو العمل): أراد ولا يعقل أداء من غير عمل؛ لأن الغرض هو تأدية الأعمال، فإذا كان لا عمل فلا أداء، فإذا كان لابد من أداء فالعمل موجود لا محالة.

[119] (عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب): أراد في هذا أن بخله إنما كان فراراً من الفقر فيمسك الذي في يده خيفة منه، وهو في غاية الحاجة إليه، وليس الفقر إلا هذه الحاجة لا غير، فقد استعجل الفقر واختاره بما صنع.
(ويفوته الغنى الذي إياه طلب): يعني أنه ما طلب بضنته بما في يده إلا أن يكون غنياً مع شدة حاجته إليه، ومن حق من كان غنياً ألا يكون مفتقراً إلى شيء قد فاته الغنى من حيث لا يشعر به.
(ويعيش في الدنيا عيش الفقراء): لبخله على نفسه، وشدة ضيقه على من تحت يده.
(ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء): من أين جمع ماله؟ وأين أنفقه؟ فيسأل عن جميع ذلك كله.
(وعجبت للمتكبر): لمن يشمخ بأنفه تكبراً، ويختال في برده تفاخراً.
ويحكى أن قارون لبس ثوباً فاختال فيه فخسف الله به، كما قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ } [القصص:81]، وكيف يتكبر مع علمه وتحققه بأنه:
(الذي كان بالأمس نطفة): أراد نطفة وأي نطفة في الخسة والقذارة، ركيكة المنظر والهيئة، خبيثة الرائحة، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ }[السجدة:8]، أي ممتهن ضعيف الحالة.
(وغداً جيفة): يعني بعد نزع الروح منه، يعافه كل من رآه .
واعلم: أن الكبر صفة عارضة في النفس تنشأ مما يظهر في النفس من الإعجاب والترفع، وفي الحديث: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر )) ، وقال عليه السلام: ((أعوذ بك من نفخة الكبرياء ))، ثم وقوعه على أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يكون تكبراً على الله تعالى؛ بأن لا يذعن لأمره ويتكبر عنه، كما كان من إبليس فهذا كفر لا محالة.

وأما ثانياً: فبأن يكون على الرسل لئلا يذعن لأمر بشر مثله، فهذا كفر أيضاً.
وأما ثالثاً: فبأن يتكبر على الخلق ويدعوهم إلى خدمته، فهذا خطأ أيضاً، وينبغي علاجه بحمل حاجته من السوق، وتقديم الأقران في مجامع الخلق، ولبس الخشن من الثياب، وتعاطي الأشغال في البيوت، والأكل مع الخدم وغير ذلك.
(وعجبت لمن شك في الله): في وجوده، كما هو مذهب أهل التعطيل، وفاعليته كما هو مذهب الفلاسفة، وحكمته كما هو مذهب المجبرة.
(وهو يرى خلق الله): فبحدوثه يبطل قول من عطله عن وجود صانع له، وباختلاف أحواله يبطل قول من قال: إنه صادر على جهة الإيجاب من غير اختيار له فيه، وبإتقانه وصدوره على جهة الإحكام البالغ يدل على علمه وحكمته، ويبطل مقالة من نفى الحكمة، فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الإشارة من كلامه، من الرد على هذه الفرق على كثرتها.
(وعجبت لمن نسي الموت): حتى لا يخطر له على بال.
(وهو يرى الموتى ): يشاهدهم أمواتاً، يدفنون في قبورهم، يشير بكلامه هذا إلى تغير هذه البنية وفسادها يعلم عقلاً فضلاً عن الشرع، وهذا قريب.
(وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى ): كما هو مذهب منكري المعاد، وهو أكثر من مضى من القرون الماضية والأمم، فإن أكثر ما أنكروه هو النشأة في الآخرة.
(وهو يرى النشأة الأولى): وتقرير الدلالة من ذلك هو أن الوجود ثانياً مثل الوجود أولاً، ومن قدر على شيء فهو قادر على مثله لامحالة.
(وعجبت لعامر لدار الفناء): بالإقبال إليها، والعناية في أمرها، يعني الدنيا.
(وتارك لدار البقاء): بالإعراض عنها وإهمالها، يعني الآخرة.
[120] (من قصَّر في العمل): يعني عمل الآخرة.

(ابْتُلِيَ بالهمِّ): يعني همُّ الدنيا؛ لأن تقصيره في عمل الآخرة، يلفت أمره إلى الإقبال على عمل الدنيا، فيكون مهموماً به وبتحصيله.
[121] (ولا حاجة لله): لا غرض له ولا إرادة بمحبة ولا مودة ولا إصلاح لحاله.
( فيمن كان ليس لله في نفسه وماله حق ونصيب): ففي نفسه بالعبادة وتأدية الواجبات البدنية، وفي ماله بتأدية الحقوق الواجبة المالية فروضها ومندوباتها؛ لأن الأمر والتكليف شامل لهما جميعاً، وطلبهما من جهة الله تعالى متوجه.
[122] (تَوقَّوا البرد في أوله): يشير إلى أنه شديد المضرة في أول وقوعه، لأنه يأتي والأبدان لينة رطبة عقيب زمان الخريف والصيف، فإنها تلين فيهما لما فيهما من الحرارة والرطوبة.
(وتلقَّوه في آخره): لأنه إذا كان في أوائل حدوث الصيف تلين الأجسام وترطب لمقابلتها لأزمان اللين والحر.
(فإنه يفعل بالأجسام ): من القساوة والصلابة.
(ما يفعل بالأشجار): في حتِّ ورقها وإبطال رونقها وصلابة أعوادها، وقساوة أصلها.
(أوله يُحْرِقُ): من شدة البرد، فالأجسام والأوراق تحرق وتجف وتصلب.
(وآخره يُورِقُ): تبدو فيه ورق الأشجار وثمارها.
وقوله: أوله يُحْرِقُ، وآخره يُورِقُ، بيان وتفسير لقوله: توقوا أوله، وتلقوا آخره.
[123] (عُظْمَ الخالق عندك): تصور العظمة والجلال للخالق.
(يُصَغِّرُ المخلوق في عينك): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد أن من نظر إلى جلال الله وعظمة ملكوته هان عليه غيره من المخلوقين، فلا ينبغي لأحد أن يكون له تعظيم كتعظيمه.
وثانيهما: أن يريد من نظر إلى جلال الله تعالى وباهر قدرته وعظم إحكامه هان عليه ما يرى من هذه المخلوقات الباهرة، بالإضافة إلى باهر القدرة وعظم الإتقان.

[124] وقال بعد رجوعه من صفين وقد أشرف على القبور بظاهر الكوفة:
(يا أهل الديار الموحشة): لما أخلوها وارتحلوا عنها.
(والْمَحَالِّ الْمقفرة): لما سكنوا في غيرها وأهملوها ورائهم.
(والقبور المظلمة): بتراكم التُّرَبِ عليها، ووضعهم في لحودها.
(يا أهل التربة): المغبرَّة أجسادهم بالتراب.
(يا أهل الغربة): عن الأوطان والأهلين.
(يا أهل الوحدة): إذ لا أنيس معهم، كل واحد منهم وحده، وإن اجتمعوا.
(يا أهل الوحشة): بفراق الأهل والأزواج والأولاد والأصدقاء والأقارب.
(أنتم لنا فَرَطٌ): الفارط هو: المتقدم أي متقدمون، من مات فهو متقدم على من كان حياً.
(سابق): تسبقوننا إلى الآخرة.
(ونحن لكم تبع لاحق): تابعون لكم على الأثر، ونحن نقصُّ عليكم الأخبار بعدكم:
(أما الدور فقد سكنت): سكنها آخرون غيركم.
(وأما الأزواج فقد نكحت): افترشها غيركم واطمأنوا إليها.
(وأما الأموال فقد قسمت): بين الورثة، والغرماء من أهل الدين والوصايا.
(هذا خبر ما عندنا): أي هذا خبر ما كان بعدكم من الأحوال.
(فما خبر ما عندكم): من أمر الآخرة، وما آلت إليه أحوالكم فيها.
ثم التفت إلى أصحابه وقال:
(أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى): فما أشبه هذا النداء منه عليه السلام بنداء الرسول لأهل القليب في بدر حيث نادى كل واحد منهم باسمه، فلما قيل له: كيف تنادي جيفاً لا أرواح فيها، فقال: ((ما أنتم بأسمع منهم )) .

ومن كلامه عليه السلام (125-140)
[125] وقال وقد سمع رجلاً يذم الدنيا، فقال له عليه السلام:
(أيها الذام للدنيا ): أراد الشاتم لها والرزاي عليها.
(أتغترُّ في الدنيا ثم تذمها!): الاستفهام ها هنا للإنكار، وأردا كيف يصدر من جهتك الانخداع بها، والميل إليها، وأنت مع ذلك تذمها وتنكر صنيعها معك.
(أأنت المتجرِّم عليها): المدعي عليها الذنب بزعمك.
(أم هي المتجرِّمة عليك!): بإدعائها أنك المذنب بعينك؛ لأنك المغتر بها، فليت شعري أيكما يكون المتجرم في الحقيقة!.
(متى استهوتك): أي أي وقت طلبت سقوطك، وهونك إلى أسفل.
(أم متى غرَّتك): خدعتك ومكرت بك، وهذا الاستفهام وارد على جهة التقرير والتهكم، ولهذا قال بعده:
(أبمصارع آبائك من البلى): من هذه؛ لابتداء الغاية في المكان، أي من مواضع البلى.
(أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى!): أضجعه إذا وضعه لجنبه، وغرضه أن هذه الأشياء فيها غاية النصح لك والموعظة من أجلك، فأين الغرر منها!، وأين الخديعة من جهتها!.
(كم عَلَّلت بكفيك): عالجت في حال اعتلالهم.
(ومرَّضت بيديك ): وقمت عليه في مرضه وزاولته بالقيام والقعود والسهر والمطاولة لأحوالهم.
(تبغي لهم الشفاء): من هذه الأمراض.
(وتستوصف لهم الأطباء ): تطلب منهم الصفات لهذه الأمراض.
(لم ينفع أحدهم إشفاقك): خوفك عليه من الموت، ولا كان فيه سبب لبراءته من مرضه.
(ولم تُسْعَفْ فيه بِطَلِبَتِكَ): ولم يساعد ما طلبت من أجله.
(ولم تدفع عنه): ما وقع فيه من البلاء وفوات الروح وذهابها عنه.
(بقوتك): من أجل قوتك وشدة جلدك.
(قد مثَّلت لك به الدنيا نفسك): جعلته مثالاً لك، وإماماً تقتدي به في غد.

(وبمصرعه مصرعك): أي وعن قريب يكون مصرعك مثل مصرعه.
(إن الدنيا دار صدق لمن صدقها): فيما أبدته من المواعظ، ودلت عليه من العبر، فمن هذه حاله فهي عنده دار صدق.
(ودار عافية): أراد إما دار عافية أي معافاة ومسالمة، وإما دار عافية يصلح فيها أمر الآخرة التي تعقب.
(لمن فهم عنها): انتفع بمواعظها الشافية، فحصلت له بذلك المعافاة والمسالمة، أو كانت سبباً في إصلاح عاقبته وآخرته.
(ودار غنى لمن تزود منها): للآخرة التي يغنى فيها، ويسعد حاله بإحرازها.
(ودار موعظة لمن اتعظ بها): أراد أنها يحصل بالاتعاظ فيها الفوز في الآخرة برضوان الله، والسلامة من عقوبته.
(مسجد أحباء الله): مكان الأولياء في السجود والعبادة، والقيام بحق الله، وتلاوة كتابه وغير ذلك.
(ومصلى ملائكته): من كان منهم في الأرض مكلف بالعبادة فيها، أو يريد الحفظة على الأعمال والموكلين بكتبها، أو غيرهم ممن يعلم الله تعالى وقوفه في الأرض لضرب من الصلاح لأهلها.
(ومهبط وحي الله): كتبه المنزلة على أنبيائه التي تعبَّد بها الخلق، وجعل صلاحهم متضمناً لها.
(ومتجر أوليائه): مكان التجارة بالأعمال الصالحة، والقربات المتقبلة فيها.
(اكتسبوا فيها الرحمة): من الله تعالى بما كان من جهتهم من العناية في الخدمة.
(وربحوا فيها الجنة): جزاء على تلك الأعمال.
(فمن ذا يذمها): وفيها من الخصال المحمودة ما ذكرته.
(وقد آذنت ببينها ): إما أسمعت بانقطاعها أو عرفت وأعلمت بذلك.
(ونادت بفراقها): صاحت بينهم بأنهم مفارقوها إلى غيرها.
(ونعت نفسها وأهلها): أخبرت بعدمها وموت من فيها، يقال: نعاه نعياً ونُعياناً بالضم إذا أخبر بموته، وجاء نعيُّ فلان على فعيل أي خبر موته.

(فمثَّلت لهم ببلائها البلاء): أراد أنها شبهت لهم بلاوي الآخرة وعذابها بما يصيبهم في الدنيا من الآلام والمصائب، وعَرَّف البلاء باللام مبالغة في شأنه وحاله، أي البلاء المعهود في الآخرة الذي لايبلغ كنهه، ولا يطاق وصفه ونعته.
(وشوقتهم بسرورها): جعلتهم مشتاقين بما يلحقهم فيها من هذه المسرات بالملاذ من المناكح والمآكل والمشارب والملابس.
(إلى السرور!): اللاحق بهم في الآخرة، وعرَّفه باللام مبالغة في شأنه كما ذكرناه في البلاء.
(راحت بعافية): أي تقضت وزالت بمعافاة لأهل الطاعة وسلامة عن الأهوال.
(وابتكرت بفجيعة): لأهل المعصية لما رأوا من وخيم أفعالهم.
سؤال؛ أراه خصَّ الرواح بالعافية، وخصَّ الابتكار بالفجيعة، فما وجه ذلك؟
وجوابه؛ هو أنه جعل الرواح عبارة عن زوالها وتقضيها، وليس يختص يوماً ولا ليلة في حق الأولياء؛ لأن منهم من يموت ليلاً، ومنهم من يموت نهاراً، فلهذا عبر به بالرواح ليعم ذلك، وجعل الابتكار عبارة عن صبيحة يوم القيامة وبكرتها حيث تحصل الفجيعة لأهل المعصية، فلهذا خصها بالابتكار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُستَقر }[القمر:38]، وقوله: {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ }[الصافات:177]، وقوله: {فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ }[الأحقاف:25]، فصار الصباح خاص في البلاء.
اللَّهُمَّ، أجرنا من أهوال صبحة يسفر عنها يوم القيامة.
(ترغيباً): في أفعال الخير رجاء لثواب الله.
(وترهيباً): لأفعال السوء خيفة من عقاب الله.
(وتخويفاً): لمضار الآخرة وبلاويها.
(وتحذيراً): عنها، وانتصاب هذه الأسماء على المصدرية، إما مفعولاً لها ، وإما مصادر في موضع الأحوال.

(فذمها رجال غداة الندامة): يعني لما ندموا على ما فعلوه من الأعمال السيئة أخذوا في ملامتها، وتقبيح صنيعها .
(وحمدها آخرون يوم القيامة): وهؤلاء حمدوها لما أوصلتهم إلى النعيم الدائم يوم القيامة، فذمها أولئك لما كان عقباهم النار، وحمدها هؤلاء لما كان عقباهم الجنة منها.
(ذكَّرتهم الدنيا): إما مضار الآخرة، وإما من سلف من الأمم الماضية.
(فذكروا): اتعظوا بما ذكرتهم إياه من ذلك كله.
(وحدثتهم): بما كان من أخبارها وآثارها فيمن كان قبلهم.
(فصدَّقوا): بأخبارها وأحاديثها، ولم يكذبوها فيما قالته، ونطقت به من ذلك.
(ووعظتهم): بمواعظها الشافية ومَثُلاتِها [بأهلها] المتقدمة.
(فاتعظوا): انتفعوا بمواعظها وأخبارها.
[126] (إن لله ملكاً ينادي كل يوم: لِدُوا للموت): أراد من أجل الموت.
(واجمعوا للفناء): أي من أجل الزوال والعدم.
(وابنوا للخراب): أي من أجل خرابها، يعني المساكن.
سؤال؛ أراك فسرت هذه اللام ها هنا بالغرض، وليس يمكن ولا يعقل أن يكوت الموت غرضاً في الولادة، ولا يكون الفناء علة للجمع، ولا يكون الخراب سبباً للبناء، ثم هذا يخالف ما عليه جمهور المتكلمين؟

177 / 194
ع
En
A+
A-