(وعلمه معه لا ينفعه): والمراد بهذا هو من يعلم علماً لا ينفعه، وجهل ما يضره جهله به، وهذا نحو من يشتغل بعلم الحساب والطب والنجوم والهندسة، ويترك العلم بأصول الديانة وما يتوجه عليه من العلم بأحكام الشريعة واجبها ومحرمها، وغير ذلك.
[104] (لقد عُلِّق بنياط هذا الإنسان): النياط: عرق علق به القلب فإذا قطع مات صاحبه.
(بَضْعَةٌ): البَضْعَةُ: القطعة من اللحم بالفتح، وفي الحديث: ((فاطمة بَضْعَةٌ مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها)) .
(هي أعجب ما فيه): أدخل في الإعجاب من سائر الأعضاء.
(وذلك القلب): الإشارة إلى ما في قوله: هي أعجب ما فيه.
اعلم: أن القلب هو أمير أعضاء الجسم والمطاع في تصرفاتها، ولفظ القلب يطلق ويراد به معنيان:
أحدهما: عبارة عن المضغة المشكلة على صورة الصنوبرة، وموضعه الجانب الأيسر من الصدر، وفي باطنه تجويف يحصل فيه دم أسود.
وثانيهما: أن يكون عبارة عن هيئة لطيفة لمكانها يكون عالماً بالله وبصفاته، مدركاً للمعقولات، عارفاً بالحقائق، وهو أرقُّ الأعضاء وألطفها، وبهذه اللطيفة تميز الإنسان عن سائر الحيوانات؛ لأن المضغة اللحمية موجودة في البهائم، وفي الحديث: ((في جسد ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن ألا وهي القلب)) ، ولعظم مكانه وشرف محله وجلالة قدره غلا فيه بعض الصوفية، وقال: القلب هو : العرش، والصدر هو: الكرسي، وجميع ما ورد من الأحاديث في القلب إنما تناوله بالمعنى الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ }[ق:37]، وقوله تعالى: {فإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }[الحج:46].

وفي الحديث: ((القلوب أربعة :
قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أسود منكوس، فذلك قلب الكافر.
وقلب أغلف مربوط، فذلك قلب المنافق.
وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدُّها الماء الطيب، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدُّها القيح والصديد، فأي المدتين غلبت حكم له بها)) .
(له موادٌّ من الحكمة): إمدادات من حكمة الله تعالى، أي لطائف خصه بها وجعله حاصلاً عليها، يريد صفات كاملة.
(وأضداد من خلافها): يشير بذلك إلى أن الإنسان في أصل فطرته وتركيبه قد اجتمع فيه خصال محمودة ومذمومة.
فأما الخصال المحمودة فبما فيه من العفو والصفح، والحلم، وكظم الغيظ، وإسداء المعروف، وحسن الخلق، وطيب المعاشرة، ولين العريكة، والإيثار، يشبه في ذلك أخلاق الأنبياء، وبما فيه من إماتة الشهوة، والإعراض عن اللذة، وإيثار الطاعة على المعصية، والانكفاف عنها، والعصمة عن الأشياء القبيحة، يشبه في ذلك أخلاق الملائكة.
وأما الخصال المذمومة فبما فيه من الغضب يتعاطى أفعال السباع، وبما فيه من الشهوة يتعاطى أفعال البهائم، وبما فيه من تسلط من إيثار الغضب والشهوة يتعاطى أفعال الشياطين من القهر والغلبة والمكر والخديعة، ولهذا قال أمير المؤمنين في كلام له:
(إن لله في أرضه آنية، وهي القلوب، فأحبها إلى الله تعالى أرقَّها وأصفاها وأصلبها).
ثم فسَّر ذلك بقوله:
(أصلبها في الدين، وأصفاها في اليقين، وأرقَّها على الإخوان)، إلى غير ذلك من شرح عجائب القلب وحقائق أسراره، فصار بحكمة الله تعالى ولطيف صنعه، ودقيق إتقانه مختصاً بهذه الصفات من بين سائر الأعضاء.

(فإن سنح له الرجاء): عرض له الرجاء لكل ما يرجوه من الأغراض والمقاصد، ونيل الشهوات العظيمة.
(أذله الطمع): صار ذليلاً مستصغراً لمكان ما علق بقلبه من تخيل الأطماع.
(وإن هاجه الطمع): أثار داعيته، وأزعجه.
(أهلكه الحرص): أفسد حاله المواظبة على الجمع والكسب، وإحراز المنافع، وتهالك في حبها وإيثارها.
(وإن ملكه اليأس): استولى عليه بالملك والقهر، يعني وإن كان اليأس عما في أيدي الخلق مستولياً عليه.
(قتله الأسف): أهلكه التأسف على ما فاته باليأس من ذلك، والندم عليه.
(وإن عرض له الغضب): سنح له من الأمور ما يغضبه ويُحْمي معه مزاجه، وتشتد معه حرارة قلبه.
(اشتد به الغيظ): عظم التلهف في فؤاده من حرارة الغيظ.
(وإن أسعده الرضا): لأحواله وساعده؛ كونه راضياً بما هو فيه من الهيئة في الضيق والسعة.
(نسي التحفظ): أنساه رضاه بحاله عن التيقظ، وملكته الغفلة عمَّا لا بد له منه.
(وإن عاله الخوف): يروى بالعين المهملة، من قولهم: عاله الأمر إذا غلبه، وأراد وإن غلبه الخوف، ويروى بالغين المنقوطة، من قولهم: غاله إذا أخذه من حيث لا يدري، وأراد وإن أتاه الخوف من حيث لا يشعربه.
(شغله الحذر): عن أكثر ما يعاني، وعما لا بد له من الاشتغال به.
(وإن اتسع له الأمن): يريد وإن كان معه فسحة في الأمان من جميع ما يحذره ويخافه.
(استلبته العزة ): يروى بالعين المهملة والزاي، أي صار شامخاً بأنفه غير ملتفت، ويروى بالغين المنقوطة والراء من الغرر، أي صار مغتراً بالأمن، ينخدع بأدنى شيء يعرض له.
(وإن أصابته مصيبة): في نفسه أو أهله أو ماله أو قرعته قارعة.
(فضحه الجزع): أظهر مساوئه بشدة أسفه على ما فات من ذلك.

(وإن أفاد مالاً): استفاده وجمعه.
(أطغاه الغنى): تجاوز الحد في المعصية لأجل غناه، وبلغ فيها كل غاية.
(وإن عضته الفاقة): العض بمقدم الأسنان، جعله ها هنا كناية عن شدة الفقر وألمه.
(شغله البلاء): الضر بالحاجة والفقر وصار في شغل به ومكابدته.
(وإن جهده الجوع): شق عليه وآلمه، وصار مثقلاً لطاقته.
(قعد به الضعف): أذهب قواه حتى صار ضعيفاً.
(وإن أفرط به الشبع): تجاوز الحد على قدر الحاجة.
(كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ): كظَّه الأمر إذا أجهده، والْبِطْنَةُ هي: الامتلاء من الطعام، وأراد أتعبه الامتلاء، وفي الحديث: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه )).
(فكل تقصير به مضر): به في أحواله لنقصانه عما يصلحه منه .
(وكل إفراط له مفسد): بالزيادة على مقدار الحاجة، وفي هذا إشارة إلى ضعف حاله.
[105] (نحن النُّمْرُقَةُ الوسطى): النُّمرقة بضم النون وكسرها: وسادة صغيرة ، وربما جعلوها عبارة عن الطنفسة التي فوق الرحل، قال الله تعالى: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ }[الغاشية:15]، والوسط من كل شيء: أعدله وأنفسه وخياره، وعنى بذلك نفسه وأولاده، فإنهم أفضل الناس وأعدلهم سيرة.
(بها يلحق التالي): أي التابع.
(وإليها يرجع الغالي ): المجاوز للحد في أمره، وأراد أن التابع لنا يلحق بنا ويكون من جملتنا ممن يكون موالياً لنا، ومن يغلو في محبتنا فإنه يرجع إليها لامحالة، إذ لا مرجع له سواها، ولا يجد ملجأ غيرها، وهذا ظاهر.

وزعم الشريف علي بن ناصر أن المراد من قوله : النُّمرقة جعلها كناية عمن يوضع له الرأس على ما يرسمه ويحكم به طاعة وانقياداً له ؛ لأن النُّمرقة وسادة يوضع عليها الرأس، وأن المراد من قوله: الوسطى ولايته؛ لأنها متوسطة بين الرسول و[بين] من بعده من أولاده ، وهذا من التعسفات الباردة ، والتحكمات الجامدة، ويكاد أن يكون كالرقم على الماء، والكتابة على الهواء.
[106] (لايقيم أمر الله): حدوده وأوامره ونواهيه.
(إلا من لا يصانع): المصانعة: الرشوة.
(ولا يضارع): المضارعة: الخضوع المفرط والذلة، وضرع الرجل ضراعة إذا خضع وذل.
(ولا يتبع المطامع): جمع مطمع، وهو: الشيء يرجى حصوله.
[107] وقال وقد توفى سهل بن حنيف الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكوفة [بعد] مرجعه [معه] من صفين، وكان من أحب الناس إليه:
(لو أحبن‍ي جبل لتهافت): التهافت هو: التساقط قطعة قطعة، والمعنى في هذا هو أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار والمصطفين الأخيار، وهذا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلباباً ))، فإن هذا الحديث قد حمل على أوجه خمسة:
أولها: ما ذكره السيد الرضي رضي الله عنه، وهو أن المصائب تكون مسرعة إليه، الفقر وغيره من أنواع المحن اختياراً من الله تعالى واصطفاء له .
وثانيها : ما قاله أبو عبيد: وهو أن المراد من أحبَّنا فليعد لفقره يوم القيامة ما يجبره من الثواب والقرب إلى الله تعالى، ولم يرد الفقر في الدنيا، فإنَّا نرى كثيراً ممن يحبهم مثل ما نراه في سائر الناس من الغنى والفقر.

وثالثها: ما ذكره ابن قتيبة : وهو أن من أحبنا فليصبر على التقلل في الدنيا والتقنع فيها.
ورابعها: ما قاله المرتضى : وهو أن من أحبنا فليزم نفسه وليقدها إلى الطاعات، وليذللها على الصبر على ما تكرهه، واشتقاقه من الفقر وهو أن يخزم أنف البعير فيلوي عليها حبل، يذلل به ما يصعب منها، والجلباب هو: الثوب.
وخامسها: ما قاله السيد علي بن ناصر صاحب (الأعلام): وهو أن الفقر ها هنا من الفاقرة وهي الداهية، يقال: فقرته الفاقرة -أي كسرت فَقَارَ ظهره -، وتقدير الكلام: من أحبنا فليعد من أجل فقر الدواهي التي يوجهها إليه أعداء أهل البيت، جلباباً أي لباساً يقيه منها ؛ لأن محبنا أهل البيت يكون دائماً يكابد الأعداء ويقاسي بغضاءهم وكيدهم له، فهذه أقاويل في تأويل هذا الحديث ، وكله لا يخلو عن ضرب من التعسف، والأخلق هو الجري على ظاهر الحديث من غير حاجة إلى ما قالوه، وهو أن المراد أن ذلك جارٍ على الأغلب، فإن الغالب في محبِّ أهل البيت الفقر والفاقة، كما أن الغالب من حال أهل البيت الفقر، ومن أحبَّ قوماً فهو منهم، وحاصلاً على مثل صفاتهم، ويؤيد ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللَّهُمَّ، اجعل رزق أهل محمد كفافاً ))، وهكذا حال من أحبهم الغالب عليه الفاقة .
[108] (لا مال أعود من العقل): أراد أنه يعود على صاحبه إذا كان مستعملاً له بالخيرات في الدنيا والآخرة، ويكفيه عند استخدامه له جميع المضار، وذلك نعم الفائدة.

(لا وحدة أوحش من العجب): يريد أن من كان معجباً بأفعاله فإنه يدعي أنه لا أحد يفعل مثل فعله فهو معتقد للوحدة، ولا شك أن الوحشة ملازمة للوحدة وكائنة معها، فلهذا قال: لاوحدة يستوحش منها مثل العجب، يشير إلى ما قلناه.
(لا عقل كالتدبير): يشير إلى أن التدبير هو أعظم العقل وأعلاه لما فيه من إصلاح المعيشة وإتقانها.
(ولا كرم كالتقوى): يعني أنها من أعظم خصال الكرم، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }[الحجرات:13].
(لا قرين كحسن الخلق): القرين هو: المقارن المصاحب الملازم، وأراد أنه لا يلازم الإنسان أعظم من حسن الخلق، فإنه نعم ما يقارن من الخلائق العالية الشريفة.
(لا ميراث كالأدب): فإنه أحسن ما يخلفه الإنسان، ويرثه بعده من خلفه.
(لا قائد ): إلى الأعمال الصالحة، أو إلى رضوان الله، أو إلى الجنة.
(كالتوفيق): لذلك كله.
(لا تجارة كالعمل الصالح): فإنها تجارة لا يخشى كسادها، ولا بوار بضاعتها.
(ولا ربح كالثواب): فإنه لا نهاية لأمده، ولا غاية لسرمده مع اشتماله على شريف المنافع، ورفيع الدرجات.
(لا ورع كالوقوف عند الشبهة): لأنه ورع الصالحين المؤمنين، وفي الحديث: ((الحلال بيَّن والحرام بيَّن، وبين ذلك مشتبهات )) .
(لا زهد كالزهد في الحرام): يريد أن الزهد فيه سلامة للدين عن إهماله، وفرار عن النار، ولا شيء أعظم فائدة من ذاك .
(ولا علم كالتفكر): أراد إما لأنه يؤدي إلى العلم بالصانع وصفاته، والعلم بحكمته وصدق أنبيائه، وهذا هو أعظم العلوم وأعلاها، وإما لأن ما يحصل عقيبه من العلوم في غاية الرصانة والتحقق، وليس كالظنون والحسبانات والأوهام.

(لا عبادة كأداء الفرائض): لأنها أعلاها رتبة، وأقربها إلى تحصيل رضوان الله تعالى، فإن باقي العبادات لا يضر تركها، وما كان واجباً فتركه فيه العقاب لا محالة.
(ولا إيمان كالحياء والصبر): فإنهما الإيمان كله، أو لأنهما أعظم قواعده وأقوى أركانه.
(لا حسب كالتواضع): لأن بعلو الحسب وارتفاعه تعلو رتبة الإنسان، وتواضعه أيضاً فيه غاية العلو والرفعة.
(لا شرف كالعلم ): لأنه يشرف به كل أحد شريفاً كان أو وضيعاً.
واختصم إلى ابن عباس في أن المال أفضل أو العلم؟
فقال: العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة.
(لامظاهرة): التظاهر هو: التعاون والتعاضد.
(أوثق من المشاورة): ولهذا أمر الله نبيه بها في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }[آل عمران:159]، وهو المؤيد بالوحي من السماء، فكيف حال غيره في ذلك!
[109] (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله): يعني كان الصلاح والأمانة هو الأغلب عليهم والديانة.
(ثم أساء رجل الظن برجل): إساءة الظن هي: التهمة في الدين، وأراد فاتهمه في أمور الديانة.
(لم تظهر منه حربة ): أي فساد ولصاصة، والحارب هو: اللص .
(فقد ظلم): أي أساء بالتهمة.
(وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله): كان هو الأغلب فيهم.
(فأحسن رجل الظن برجل فقد غرَّر): أي حمل نفسه على الغرور، وهو الخطر في الدين.
[110] وقيل له عليه السلام: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟
فقال: (كيف يكون حال من يفنى ببقائه): أي كيف حال من يكون بقاؤه في الدنيا وتعمره فيها طريق إلى ذهابه وانقطاعه عنها.
(ويسقم بصحته): وتكون صحته طريقاً إلى سقمه.
(ويؤتى من مأمنه): أي ويؤخذ في حال كونه آمناً من حاله بالموت.
[111] وقال عليه السلام:

(كم من مستدرج بالإحسان إليه): كم هذه هي الخبرية، وأراد كثير ممن يتواتر عليه الإحسان من الله بالنعمة والعافية والإمداد بالأموال على جهة الاستدراج له إلى النار ليزداد بذلك كفراً وتمادياً في المعصية.
(ومغرور بالستر عليه): وكم من مخدوع بالستر من جهة الله تعالى عليه، يسبل الله تعالى عليه ستره ، فيكون ذلك ذريعة إلى تهالكه في المعصية وإغراقه فيها.
(ومفتون بحسن القول فيه): يريد كم من واحد إذا أثني عليه كان ذلك سبباً للفتنة والضلالة، إما بالإعجاب بنفسه وحاله، وإما بالتكبر والتفاخر على غيره أو بغير ذلك من أنواع الهلكة.
(وما ابتلي أحد بمثل الإملاء): لما فيه من الانخداع والغرور، ولهذا قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }[الأعراف:183]، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ}[المؤمنون:55ـ56].
[112] (هلك فيَّ رجلان): أي بسبب‍ي ومن أجلي.
(محب غال): رجل غلا في محبته حتى هلك، كالذين اعتقدوا فيه صفات الإلهية، والذين ذهبوا إلى أنه أفضل من الرسول، وأنه ناسخ للشرائع إلى غير ذلك من الهذيان.
(ومبغض قالٍ): ورجل أفرط في بغضي حتى كفرني، وأخرجني عن الدين بضلاله وبغضه.
[113] (مثل الدنيا كمثل الحية): شبهها بالحية.
(لين مسها): يشير إلى ما فيها من النضارة واللذة والإعجاب بحالها.
(والسم القاتل في جوفها): يريد من اعتلق بها وانغمس في تحصيل لذاتها، وسارع إلى الوقوع في شهواتها.
(يهوي إليها الغر الجاهل): يريد أنه يسارع إليها من غلب عليه الجهل والاغترار بها.

(ويحذرها ذو اللب العاقل): ويمتنع من خدعها وغرورها من كان ذا عقل وبصيرة.
[114] وسئل عن قريش فقال:
(أما بنو مخزوم): وهم رهط الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي جهل بن هشام.
(فريحانة قريش): هم في قريش بمنزلة الريحان في الأشجار.
(تحب حديث رجالهم): لما فيه من الحلاوة والفصاحة، وحسن المعاني.
(والنكاح في نسائهم): للكمال فيهنَّ، وطيب المعاشرة.
(وأما بنو عبد شمس): رهط معاوية وعثمان.
(فأبعدها رأياً): إما أن يريد عن الإصابة، وإما أن يريد ليس الرأي يؤخذ منهم على جهة السرعة، يشير بذلك إلى كثرة الغباوة، وعدم الذكاء والكياسة فيهم.
(وأمنعها لما وراء ظهورها): فيه وجهان:
أحدهما: أن يريد بذلك النجدة والشجاعة وشدة الاحتماء، والتعطف، وهذا هو الأقرب.
وثانيهما: أن يريد بذلك الإشارة إلى بخلهم وكثرة ضنتهم بما في أيديهم من المال.
(وأما نحن): يعني بني هاشم.
(فأبذل لما في أيدينا): يعني أنهم كرماء لايخبئون شيئاً يقدرون عليه.
(وأسمح عند الموت بنفوسنا): يشير إلى كثرة الشجاعة فيهم.
(وهم أكثر): في العدد.
(وأمكر): وأكثر مخادعة.
(وأنكر): إما للمعروف، وإما للدين ولما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
(ونحن أفصح): ألسنة.
(وأنصح): لله، ولرسوله، وللمسلمين، ولمن استنصحنا.
(وأصبح): أحسن خلوقاً، وأكمل رجالاً.
[115] (شتان بين عملين ): تباينا وافترقا ، وشتان هذه من أسماء الأفعال، والكثير فيه: شتان زيد وعمرو، وقد روي: شتان ما بين الزيدين، وأجازه بعضهم ومنعه آخرون، فأما شتان بين زيد وعمرو، وشتان بين عملين كما قاله ها هنا، فهو غير مسموع، مع بعده عن القياس والاستعمال.

176 / 194
ع
En
A+
A-